به، واستأنس بك أهل الخير، وصرت حصنا ومعقلا يرجع إليه في نصرة الدين.
ولعمر الله إن هذا من أفضل شعب الإيمان الواجبة، وأعلاها وأحبها إلى الله وأسناها، بل هو أفضل من نوافل العبادة القاصرة، وأين تقع النوافل؟ ومتى ينتفع بها من أهل نصرة الإسلام والسنة، مع القدرة على ذلك؟! وهل يرجى الخير من رجل يرى حرمات الله تنتهك، ودينه يمتهن، وسنة نبيه تترك وتطرح، ولا يجد من نفسه حمية ولا غيرة، ولا أنفة من ترك دين الله، ومن معصيته وهجو ما جاء به رسوله، من توحيد الله تعالى والإيمان به؟ هذا الصنف لا يرجى خيره، وإن زعم أنه من عباده المؤمنين الأفراد، فتأمل هذا وليكن منك على بال، قول الشاعر:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
стр. 6512
[رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الشيخ مسفر بن عبد الرحمن يحثه على الاجتهاد في الدعوة إلى الملة الحنيفية]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم الشيخ: مسفر بن عبد الرحمن، لا زالت أيامه تسفر بالسعادة، وأوقاته معمورة بالإفادة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على جزيل نعمه ومزيد فضله وكرمه، جعلنا الله وإياكم ممن عرف النعمة لمعطيها، وأثنى بها على مسديها وموليها. والخط وصل وبه الإنس حصل؛ حيث أفاد بسلامتكم وعافيتكم، ودعوتكم من لديكم إلى الملة الحنيفية، والشريعة المحمدية، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وعليك بالجد والاجتهاد في تلك المقامات، فإن غربة الدين قد اشتدت، وآثاره طمست وعفت؛ والقائم لله بهذا الدين، أجره كأجر خمسين من السابقين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6513
[رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى محمد آل سليم يخبره بحاجة الناس إلى مثله ويحثه على نشر العلم]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: محمد بن عمر آل سليم، سلمه الله تعالى وأسبغ عليه سوابغ فضله العميم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فلا يخفاك حاجة الناس إلى تعليم مثلك، وتدريسه وإفتائة، وقد يتعين الأمر على أمثالكم. ونشر العلم، والحكم بالقسط والعدل، في مواطن القضاء، من أفضل الأعمال، ومن موجبات الإثابة والرضى.
وقد أذنت لك بالإقراء والتدريس والإفتاء، بما ترجح عندك من كلام أهل العلم، بشرط أن يكون لك فيه سلف صالح من مشائخ الإسلام، وأئمة الهدى، ونسأل الله لك التوفيق والتسديد.
وملازمة التقوى من أعظم الأسباب التي تحصل بها الهداية، وتدرك بها الإصابة، ويظهر بها الحق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [سورة الطلاق آية: ٢] ، وهي وصية الله إلى عباده، لكنها تحتاج إلى العلم بأصولها وتفاصيلها، على القلوب والجوارح. وأوصيك بالدعاء لأخيك، فإنه من أرجى الأدعية إجابة سؤال لأخيه المؤمن، في ظهر الغيب، والسلام.
стр. 6514
[تنبيه الإمام فيصل بن تركي على ما حصل من تأسيسات في الوظائف حيث كانت على قاعدة غير شرعية]
وقال بعضهم، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
موجب تحرير هذه الأحرف الأماثل، وتنميقها بالأنامل، إلى حضرة الإمام الفاضل: فيصل بن تركي، حماه الله تعالى وصانه، وأيده وأعانه، ورفع قدره ومقامه، وبلغه في الصالحات آماله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: وفقك الله وأثابك; فاعلم أنا نراسلك محبة قلبية، ونناصحك لصلاح نفسك والرعية، سنة أثرية فأخلص النية لله بصواب، وهذب نفسك ومحضها عن المآثم باستكانة ومآب، وإياك إياك والجمود على غير طريقة الصواب، وقد علمت أن سبب الخذلان والهوان: سلوك اتباع الهوى، وطاعة الشيطان، والسعي فيما لا يرضي الرحمن.
وقد تأملت جميع تأسيساتك في الوظائف السلطانية، فرأيتها مؤسسة على غير قاعدة الشريعة المحمدية، وكل أساس لا يؤسس على تقوى من الله ورضوانه، لا يقوم بناه، ولا يثبت أركانه وعلاه; فإن كنت في مرية من ذلك فاسأل خبيرا ينبيك عن طرق المهالك؛ ومع هذا فإني رأيت الطرق الأثرية أكثر لك ماء، وأعذب منهلا، وأوفر جمعا، فأنى لك والعدول عنها إلى طريق المهامه والمهالك.
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
стр. 6515
فالله الله، في سلوك الطريق المستقيم، إن كنت تريد السعادة في الدنيا، والسلامة في الآخرة من العذاب الأليم؛ فإذا فعلت ذلك، فوفر الحقوق على أصحابها، واستعمل في الأمور أكفأها. وإياك إياك والصد والعناد، ومقابلة النصيح بالمغاضبة، كحال الظلمة المتغلبين، والملوك المترفين، فتزل مع الزالين.
ألم يأن لك أن تستعتب نفسك، قبل أن لا تقال العتاب، وتئوب إلى طريق المتاب، وتنهج على منهج الهدى والصواب، فإن هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار. فلا تجعل التقصير من قبل الجند.
بل والله التقصير والخذلان، والداعي إلى سبب الذل والهوان، تسور علينا البناء العالي، وفتح أبوابنا للأعادي: إصرارنا على الذنوب والمعاصي، وفي الخبر: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني. فأوصيك ونفسي بتقوى الله تعالى؛ أصلح ما بينك وبينه، يصلح ما بينك وبين رعيتك؛ فإن دمت على المخالفة داموا لك على المخالفة؛ وإن استقمت على طاعة مولاك، طاعوك واتبعوا هواك؛ فإن لاح لك العز من غير هذا القبيل، فاعلم أنه كسراب بقيعة.
فإن كنت ذا رأي سليم، وخلق مستقيم، فاسلك طريقة السلامة والسعادة، على المنهج المستقيم، وأسس قاعدة
стр. 6516
الملك على الصلاح، وكن أمينا على ما ائتمنك الله عليه; واعلم أن وراءك عقبة كؤودا، ومقاما يشيب منه المولود، وخطبا فظيعا، وحسابا يحصي دقيقا.
فكيف بك، إذا نادى المنادي: أين الظلمة وأعوان الظلمة؟ أم كيف بك إذا غلت يداك إلى عنقك؟ أم كيف بك إذا زل بك الجسر المنصوب على شفير جهنم؟ أم كيف بك إذا أسأت نبيك محمد ﷺ في أمته؟ ولم ترحم الضعيف، وتوفر عليه حقه المفروض، بل الواقع منك وأعوانك غير ذلك، أعاذك الله من ذلك; وقد علمت أن الله تعالى بدأ بهم في آية الصدقة.
وقال ﷺ : ابدؤوا بما بدأ الله به، وفي الحديث إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم ١. فإذا كان الفقير والمسكين ممنوعا، وطالب العلم محروما، والضعيف مظلوما ما بالنا لا نخذل، وأعداؤنا لا تنصر علينا، ونحن ساعون في الخذلان، فاعلون لما يغضب الملك الديان؟
إذا كان عون الله للعبد ناصرا ... تهيأ له من كل شيء مراده
وإن لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
وقد شاهدنا الضعفاء فيما مضى، متضرعين لك بالدعاء، فلما منعوا حقوقهم، انقلب الدعاء عليك، فكانوا كعصا موسى في الانقلاب؛ فإذا منعت جند الليل حقوقهم، فأنى يقوم لك جند؟ وإذا ظلمت الضعفاء، وتظلمت عليهم
стр. 6517
من لا يخاف الله ولا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، فأنى لك العز مع هذا الظلم والإباء؟!
فكن على حذر من الله، فإنه الآخذ بالنواصي، وهو علينا رقيب، ولقد كلت أناملنا من تسويد المداد إليكم، فلم نر لذلك أثرا، وكفى بربك هاديا ونصيرا:
فيا لك من آيات صدق لو اهتدى ... بهن من مريد الحق كن هواديا
ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا
اللهم إنا نعوذ بك من رين الذنوب وهوى النفس، اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه، ونحن مصابون من قبل داء الذنوب؛ والجسد إذا حصل له الداء، لم ينفع فيه الدواء، إلا بعد الاستفراغ القوي.
فإن أنت أتيت ببر العباد، وفقك الله للسداد، وأحسن عاقبتك في الدارين، وآتاك أجرك مرتين، وأظلك في ظله يوم شخوص الأبصار، ويوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.
قوة الجيوش لا تنفع إلا مع الأعمال الصالحة، فإذا صلحت الأعمال، فالعاقبة للمتقين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٤٩ب] ،: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٧] . وأشهد لقد نصحت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6518
[تنبيه الشيخ حمد بن عتيق على ما حدث من التهاون بأحكام الشريعة والحيف والجور]
وقال الشيخ: حمد بن عتيق، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين.
من حمد بن عتيق، إلى من بلغه هذا الكتاب من المسلمين، القريبين والبعيدين، ألزمهم الله شرائع الدين، وسلك بهم طريق سيد المرسلين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالموجب لهذا هو إبلاغكم، والخوف علينا وعليكم، إعذارا وإنذارا؛ فإنه قد حدث فيكم أمور منكرة، لا يحلّ لذي علم السكوت عليها، ولا أقول إنها في رعية دون رعية، ههنا أمر أكثركم به مقرون، وعليه مصرون، وهو التهاون بأحكام الشريعة، وهذه خصلة منافية للإيمان بالرسول ﷺ ، فلا بد من تحكيمه، والانقياد لحكمه، والإذعان والتسليم.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فَبَيَّنَ أن المعرض عن التحاكم إلى الرسول، ليس من أهل الإيمان، ثم قال: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة النور آية: ٤٧-٥٠] .
стр. 6519
وهذه حال كثير من الناس، فإنه إذا علم أن الحق له، أقبل إلى حكم الله ورسوله مذعنا، وأما إذا كان الحق مطلوبا منه متوجها عليه، امتنع ونوّع المعاذير وأكثرها.
وقد بين الله أن هذا من العلامات على مرض القلوب، وعلى الريب في الدين، وهو الشك، وأن صاحبه قد اتهم ربه واتهم نبيه بالحيف، فلذلك أخبر أن هذا الصنف هم الظالمون، فعظم ظلمهم بضمير الفصل، وأداة التعريف.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء آية: ٦١] ، فَبَيَّن أن من صد عمن دعاه إلى التحاكم إلى شريعة الإسلام، فهو من المنافقين.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٤] ، فَبَيَّن: أن الامتناع عن التحاكم، وإلى ما بعث الله به رسوله، من طاعة الشيطان، ومن الموجبات لعذاب السعير.
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] ، فأقسم بنفسه: أن الناس لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله، في جميع ما تنازعوا فيه، من دقيق وجليل، فإذا لم يحكموه فليسوا بمؤمنين.
стр. 6520
والأدلة في هذا كثيرة، وكلها تبين أن الإيمان لا يحصل مع عدم تحكيم الرسول، ثم الانقياد لحكمه والرضى والتسليم; ومن أكبر البلايا وأعظم الرزايا أن يكون الإنسان قد ارتكب هذه القواصم، وخرج من دائرة الإيمان، وصار من أهل الفسوق والعصيان، وهو مع ذلك يدعي أنه من المؤمنين.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ومن الأمور المنكرة العظام: ما وقع فيه قادة أهل الإسلام، من الحيف والجور، وعدم القيام بالقسط بين القوي والضعيف، والعدو والصديق، والقريب والبعيد؛ وهذا عكس ما أمر الله به حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [سورة النساء آية: ١٣٥] الآية.
فأمر تعالى بالقيام بالقسط وهو العدل، وبالشهادة لله ولو على نفس الإنسان، ووالديه الذين هم أكبر الناس نعمة عليه.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة آية: ٨] . فأمر تعالى بالقيام له، وبالشهادة بالقسط، ثم نهى أهل الإيمان أن يحملهم بغض من أبغضوه، على ترك العدل فيه.
стр. 6521
فأوجب أن يكون عدلهم فيمن أبغضوه، نظير عدلهم فيمن أحبوه؛ وهذا هو الواجب على عامة الخلق، وهو العدل بين الناس، وعدم الميل مع الصديق والرفيق والقوي، بخلاف ما عليه أكثر الناس، فإنه إذا توجه الحق على رفيق لهم، أو صاحب مال أو جاه تركوه، وارتكبوا نوعا من المعاذير؛ فهذا يقول: رفاقتي ما أقوم عليهم، وهذا يقول: ما أقطع يدي من صديقي لأجل فلان؛ وهذا يقول: أخاف إذا قمت عليه يغلبني عند الولاة؛ وهذا خائف على موقفه ورياسته.
وهذا كله من السبل التي قال الله فيها: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] . فالواجب على من تولى شيئا من أمور المسلمين أن يخاف الله فيهم، ويجعلهم في الحق سواء، فيقوم في الحق لعدوه، كقيامه لصديقه، ويجعل الضعفاء كالأقوياء، والفقراء كالأغنياء، والجيران كالرفاقة، كما هي سيرة المؤمنين الصالحين الموفقين، لا ما عليه الظلمة من الخائنين والمفسدين الجائرين.
وقد قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [سورة ص آية: ٢٦] .
وفي السنن: عن النبي ﷺ : القضاة ثلاثة: قاضيان في
стр. 6522
النار، وقاض في الجنة. فرجل علم الحق فقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ١.
وقال شيخ الإسلام: والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهم، سواء سمي خليفة أو سلطانا أو نائبا أو واليا، حتى من يحكم بين الصبيان إذا تخايروا في الخطوط، هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وهو ظاهر. انتهى.
ومراده: أن الصبيان إذا تكاتبوا في ألواحهم ليظهر أيهم أحسن كتابة، ثم عرضوا عليك خطوطهم، لتحكم بينهم بإخبارك أي الخطوط أحسن، فقد جعلوك قاضيا لهم، وحاكما بينهم في هذه المسألة، فيجب عليك العدل والإنصاف؛ فمن حاف وترك العدل، فقد دخل في مسمى القاضي المذموم، المتوعد بالنار؛ كما أن من عدل وأنصف، له نصيب من الوعد المرتب على ذلك.
وكثير من يعتريه ذلك هم قادة الناس من القضاة والأمراء والعرفاء، فعليهم جميعا مراعاة هذا الأمر، وعدم الغفلة، والله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١٨-١٩] .
نسأل الله لنا ولكم العافية على مراضيه، وأن يجعلنا ممن يخافه ويتقيه، وأن يجعلنا ممن أمن الفزع الأكبر يوم
стр. 6523
يلاقيه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبة أجمعين.
[التنبيه على ما فشا من أنواع المنكرات]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن عتيق، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالموجب للخط هو النصح لكم، والشفقة عليكم، خوفا من نزول بأس الله بنا وبكم؛ وذلك مما فشا من المنكرات، وجاهر به الخواص والعوام من الموبقات؛ والله تعالى قد فرض على العلماء البيان، وذم أهل السكوت والكتمان.
فجحد أكثر الناس ذلك، وتركوا ما علموا، أو إن ذكروا بعض ذلك فعلى سبيل المعاشرة والمضاحكة، وقد قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨] ، إلى قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٩] .
وقال: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٣] .
ولعل سامع هذا الكلام أن يقول: إنك قد أغلظت الكلام، وعممت الذم الخاص والعام، فأقول: الأمر فوق ما سمعت وأعظم، وهاهنا مسألة أطبق عليها أهل المعاملات
стр. 6524
في دنياهم، ولم يخافوا ربهم ومولاهم، والناس فيها بين قائل للإثم، وآكل للسحت.
فالمبيح قال الإثم، والفاعل آكل السحت، والساكت عن الإنكار ترك الأمر؛ ولم يسلم من إثمها إلا من شاء الله، وهم قليل؛ وهي مسألة قلب الدين، التي يسمونها "التصحيح"، وهو الربا الظاهر الصريح.
فأما أدلة تحريم الربا فلا تخفى، ولكن صنع لهم الشيطان هذه الحيلة، مخادعة لله وتلاعبا بدينه. وعليك أن تعلم أن ربا أهل الجاهلية، الذي أبطله الإسلام، هو: أنه إذا حل الدين على الغريم، قال الدائن: إما أن تقضي، وإما أن تربي; فإما أن يوفيه في الحال، وإلا زاد له في الدين، وأجله عليه بأجل متأخر، وهذا هو عين فعل المفسدين.
فإنه إذا حل دين أحدهم، كعشرة مثلا، قال الدائن: أعطني عشرتي; فيقول: ليست عندي; فيقول: تعال أسلمها عليك بألف وزنة مثلا، ثم ردها علي، فيذهب التاجر إلى منْزله، ويخرج عشرة ريالات من ماله، ويقول: أسلمتها عليك بألف وزنة، فيقول: قبلت; ويأخذها بيده ثم يلقيها على حصير المحتال.
أو يقول: اذهب بها وادفعها إلى وكيلنا فلان، وقد جعله يرقبه عند الباب، أو يذهب بها إلى منْزله، وهو يعلم أنه يردها إليه بأعيانها; ولذلك أنه لو يخرج منها ريالا واحد، خبثت النفس، وتغيرت المعاملة؛ فإذا رجعت العشرة
стр. 6525
التي أخرجها المكار، صارت العشرة التي في ذمة المديون، انقلبت عليه بألف وزنة سواء بسواء.
فلو أنه يقال: بعتك العشرة التي في ذمتك بألف وزنة، سلم من الحيلة، وجاء الأمر على وجهه. وقال بعض العلماء: يخادعون الله كما يخادعون صبيانهم، لو أتوا الأمر على وجهه، كان أحب إلي.
قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: وباب الحيل المحرمة، مداره على تسمية الشيء بغير اسمه، وعلى تغيير صورته مع بقاء الحقيقة؛ فالمفسدة العظيمة التي اشتمل عليها الربا، لا تزول بتغيير اسمه من الربا إلى المعاملات، ولا بتغيير صورة إلى صورة.
والحقيقة معلومة متفق عليها بينهما قبل العقد، يعلمها من قلوبهم عالم السرائر، فقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غير اسمه إلى المعاملة، وصورته إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه البتة، وإنما هو حيلة ومخادعة لله ورسوله.
وأي فرق بين هذا، وبين ما فعلته اليهود، من استحلال ما حرم الله عليهم من الشحوم؟! انتهى; وقد علم عالم السرائر أن المحتال لم يبذل هذه الدراهم إلا لترجع إليه، لا لينفقها القابض، فالله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه.
قال المحتالون: إننا لم نتفق على الربا قبل العقد;
стр. 6526
فيقال لهم: بل كذبتم، فإن بعضكم يحتال ويرابي منذ عشرين سنة، حتى صار هذا معلوما، والشرط العرفي نظير الشرط اللفظي.
وقد علم الآخذ والمعطى أن المأخوذ مردود إلى مالكه، وأن الفائدة انقلاب الدراهم طعاما، وهذا هو المقصود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] .
قال ابن القيم: وقد جاء في حديث الله أعلم بحاله: يحشر أكلة الربا يوم القيامة في صورة الخنازير والكلاب من أجل حيلهم على الربا، كما مسخ قوم قرودا لاحتيالهم على أخذ الحيتان في يوم السبت؛ وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء في أحاديث كثيرة، وهذا معذرة من الله تعالى، لأن عدم قبول الناس للعلم، ليس مانعا من تبليغ الرسالة، في أصح قولي العلماء.
ومن المنكرات: الإعراض عن العلم النافع، والتكاسل عن الصلوات، ومنع الزكاة، وشراء الإنسان زكاته، كالذي يبذل عن التمر والبر دراهم، فهذا من المنكرات.
ومنها: لبس الحرير، كالمحازم التي فيها من الحرير الخالص، أكثر من أربع أصابع مجتمعا، أو مفرقا.
ومن المنكرات: اختلاط النساء بالرجال في الأسواق،
стр. 6527
وخروج النساء بالزينة أو الطيب.
ومن المنكرات ظهور أصوات النساء، وأعظم منه اجتماع المتهمين مع النساء في العرس، على الدفوف ومن رضي بذلك لنسائه، أو في بيته فهذا نوع دياثة منه، فما أقرب شبهه بالديوث.
[رسالة الشيخ حمد بن عتيق إلى قويرش بن معجب يجيبه عن مسائل سمعها عنده]
وله ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن عتيق إلى الأخ المكرم: قويرش بن معجب، سلمه الله تعالى، وهداه، سلام عليكم ووحمة الله وبركاته.
وبعد: وصل إلينا خطك، وسرنا ما فيه من البحث عما ينفع الإنسان في دينه، جعلنا الله وإياكم ممن عمل بما علم; واعلم: أن العلم بلا عمل شجر بلا ثمر، وحجة على صاحبه عند الله يوم القيامة.
وصفة السؤال الذي جاءنا منك عن ست مسائل سمعتها عندنا، وطلبت أني أكتبها لك، وأبين لك معانيها.
فالجواب: أن ابن القيم ذكر أن الشيطان ينال غرضه من ابن آدم من ستة أبواب، وهي: فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول مخالطة الناس، وفضول النظر، وفضول الاستماع، وفضول المنام.
стр. 6528
فأما فضول الطعام، فهو: أن يأكل الإنسان فوق ما يحتاج إليه بدنه، وقد نهى الله عن ذلك حيث يقول:: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣١] .
قال ابن القيم: لأن فضول الطعام داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويشغلها عن الطاعات، فكم من معصية جلبها الشبع، وفضول الطعام; وقال النبي ﷺ ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ١.
وأما فضول الكلام فهو: أن يطلق الإنسان لسانه فيما لا يعينه، وأكبر منه أن يطلقه فيما لا يحل له; قال ابن القيم: لأن فضول الكلام يفتح للعبد أبوابا من الشر، كلها مداخل للشيطان، فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب، وكم من حرب أثارتها كلمة واحدة.
وقال النبي ﷺ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم ٢. وفي الترمذي: أن رجلا من الأنصار توفي، فقال بعض الصحابة: طوبى له، فقال النبي ﷺ : وما يدريك لعله تكلم فيما لا يعينه، أو بخل بما لا ينقصه ٣.
وأما فضول مخالطة الناس، فهو: كون الإنسان لا يبالي بمن جالس وصاحب، فيجالس المؤمنين والمنافقين، والمطيعين والعاصين، والطيبين والخبيثين، بل ربما جالس
стр. 6529
الكافرين، والمرتدين، وخالطهم.
قال ابن القيم: وفضول المخالطة هي الداء العضال، الجالب لكل شر; وكم سلبت المخالطة والمعاشرة من نعمة، وكم زرعت من عداوة، وكم غرست في القلب من حرارة; ولا يسلم من شر مخالطة الناس، إلا من جعلهم أربعة أقسام:
أحدها: من يجعل مخالطته بمنْزلة غذاه، فلا يستغني عنه في اليوم والليلة، فهو كلما احتاج إليه خالطه، هكذا على الدوام؛ وهم العلماء بالله وأمره ومكائد عدوه، وأمراض القلوب، الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولعباده، فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كله.
القسم الثاني: من يجعل مخالطتهم كالدواء يستعمله عند المرض، فما دام صحيحا فلا حاجة به إلى خلطته، وهؤلاء من لا يستغنى عنهم في مصلحة المعاش، وقيام ما يحتاج إليه في أنواع المعاملات والمشاركات.
الثالث: من مخالطتهم كالداء على اختلاف أنواعه وقوته وضعفه، وهؤلاء هم الذين لا يستفاد منهم دينا ولا دنيا، ومخالطتهم هي الداء العضال.
القسم الرابع: من مخالطته الهلكة بمنْزلة أكل السم، وما أكثر هذا الضرب لا كثرهم الله، وهم أهل البدع والضلال، الصادون عن سنة رسول الله ﷺ الداعون إلى خلافها.
стр. 6530
انتهى. ومنهم أهل الفسوق والعصيان.
وأما فضول النظر، فهو: أن يطلق الإنسان نظره فيما حرم عليه; قال ابن القيم: والعين رائد القلب، فيبعث رائده لينظر، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه، تحرك اشتياقا إليه وطلبا له؛ وكثيرا ما يتعب نفسه، ومن أرسله؛ فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة، استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته.
وأكثر المعاصي إنما تتولد من فضول الكلام، وفضول النظر، وهما أوسع مداخل الشيطان، وفي غض البصر عن المحارم ثلاث فوائد عظيمة، جليلة القدر:
إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، التي هي أطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
الفائدة الثانية: في غض البصر نور القلب وصحة الفراسة، قال أبو شجاع الكرماني: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكف نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة.
الفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه الله بقوته سلطان البصيرة، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة؛ فيجمع له السلطانين، ويهرب الشيطان منه.
стр. 6531
وأما فضول الاستماع، فهو: أن يلقي الإنسان أذنيه لاستماع ما لا يحل، من الغيبة والنميمة، وقول الزور; ومنه: سماع الأغاني، والأصوات المطربة؛ فإن كان من النساء فهو أخبث وأنكر؛ وهذا باب واسع، ويتولد منه شرور كثيرة في الدين والدنيا. وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [سورة الفرقان آية: ٧٢] ، وشهود الزور هو حضور مجالس الباطل، والأغاني والدفوف من أعظم الزور.
وأما فضول المنام، فهو أن يزيد الإنسان في النوم، على القدر الذي يحتاج إليه في راحة بدنه. فإذا زاد على ذلك، حدث به أنواع من الضرر في الدين والدنيا، فإن الإكثار منه مضر بالقلب، مولد للغفلة عن ذكر الله، مثقل للبدن عن طاعته، يفوت مصالح الدنيا أيضا، وربما أدى إلى تفويت الصلوات الخمس، وغيرها من الطاعات، كما هو واقع كثير؛ فهذه هي المسائل التي حضرت الكلام فيها عندنا.
أحدها: فضول الطعام
الثانية: فضول الكلام
الثالثة: فضول المخالطات
الرابعة: فضول النظر بالعين
الخامسة: فضول الاستماع بالأذن
السادسة: فضول النوم
وقد بينا لك بعض الكلام عليها، وفائدة العلم: العمل، فعليك بالعمل بما وصفته أن لا تأكل من الطعام ولا تشرب من الشراب إلا ما
стр. 6532
يحتاج إليه بدنك من غير زيادة، وعلى حسب الزيادة تكون المضرة.
ثم تكف لسانك عن كل ما لا ينفعك في دينك أو دنياك، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الحث على تقوى الله تعالى وبيان معناها وشكر ما أنعم الله به من الدعوة المباركة]
وقال بعضهم، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى من يراه من المسلمين، وفقنا الله وإياهم لما يوصل إلى رضاه والجنة، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالواجب علينا وعليكم تقوى الله ، قال ﵎:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] .
وقال ﷺ لمعاذ: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ١ الحديث. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثير، قال طلق ابن حبيب في تفسيره التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخشى عقاب الله. وقال ابن جرير، وابن كثير: التقوى هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
وأعظم أمرٍ أمرنا الله به: التوحيد، الذي هو مضمون
стр. 6533
شهادة أن لا إله لا الله، ومن ذلك الدعوة إلى ذلك، علما وعملا واعتقادا، والحذر من الإعراض عن ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [سورة طه آية: ١٢٤] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [سورة السجدة آية: ٢٢] . والآيات في هذا كثيرة، فاحذروا رحمكم الله من الإعراض، فإن أمره أمر وخيم.
وقد من الله علينا بدعوة هذا الشيخ، أعني: شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، فوفق لها من وفق وخذل عنها من خذل؛ فأراها اليوم قد أسملت واخلولقت عند كثير من الناس، فالواجب علينا وعليكم شكر هذه النعمة، والتحدث بها، والاعتراف بها باطنا وظاهرا، والحذر من كفرانها، والهمز واللمز بها وبأهلها، المنتسبين إليها، لأنها حقيقة دعوة الرسل، من أولهم إلى آخرهم.
ولا يخفاكم أن الساخر بدعوة الرسل، والمستهزئ بها، والمنتسبين إليها، ليس له نصيب في الإسلام; كذلك الواجب عليكم: التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] .
стр. 6534
وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
وقال ﷺ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم ١ يعني بني إسرائيل.
وقد جرى في هذا الزمان من العبر ما لا يخفى على عاقل، وذلك إنما حدث بذنب، فالواجب علينا وعليكم التوبة والإنابة إلى الله بالطاعة، وترك المعصية؛ ولا تظنوا أن غلاء هذه الأسعار عادة; بل إنما حدث بسبب ذنوب; وكذلك ما جرى من تكسر النخيل بسبب الريح، وغير ذلك من الحوادث.
ومن أعظم ذنب تعجل به العقوبة: الزنى، وفشو الربا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] .
ومما نهى الله عنه: كون الإنسان لا يأمن جليسه، بل متى يغيب عنه يعقره، ويأكل عرضه; وبالجملة: فالواجب عليكم امتثال أمر الله ما استطعتم، واجتناب ما عنه نهاكم، قال ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ٢، فأمر النبي ﷺ باجتناب كل ما نهى عنه.
стр. 6535
ولا يخفاكم أن التقصير حاصل في الأمر، وأن الإفراط حاصل في النهي؛ فنحن مقصرون في أوامر ربنا، مفرطون في ارتكاب نواهيه، وإلا فالآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، هم الناجون، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] الآية.
قال ابن القيم ﵀: الغرباء في هذا العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في هذه الآية، وهم الذين أشار إليهم النبي ﷺ في قوله: بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ١.
وفي حديث عبد الله بن عمر، قال قال رسول الله ﷺ ذات يوم، ونحن عنده: طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل، في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ٢.
فأهل الإسلام بين أكثر الناس غرباء، وأهل الإيمان بين أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين تميزوا بها عن الأهواء والبدع، فيهم غرباء، والدّعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين لهم، أشد غربة.
ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا، فلا غربة عليهم، وإنما
стр. 6536
غربتهم بين الأكثرين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] .
فأولئك هم الغرباء، من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم; فالغربة ثلاثة أنواع:
غربة أهل الله; وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق; وهذه الغربة هي التي مدح رسول الله ﷺ وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، وأن أهله يصيرون غرباء.
وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال.
ومن صفات هؤلاء الغرباء، الذين غبطهم النبي ﷺ : التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا صديق ولا مذهب ولا طائفة.
بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى الله تعالى بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده؛ وهؤلاء هم القابضون على الجمر، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ، وأهل بدعة ومفارقة للسواد الأعظم، وقال النبي ﷺ إنهم النّزاع من القبائل ١ انتهى.
стр. 6537
فالواجب التوبة إلى الله، والسعي في الاتصاف بهذه الصفة، وأن لا يكون هم الإنسان دنياه، والحذر من تخويف الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٥] .
وفقنا إلله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياكم من حزبه وأوليائه، لا من حزب الشيطان وأوليائه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[تعين النصح في بعض الأوقات والتعاون على البر والتقوى]
وقال بعضهم، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى من يراه من المسلمين، وفقهم الله لسلوك صراطه المستقيم، وجعلهم من أهل دينه القويم، المفضي بأهله إلى جنات النعيم، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد تعين النصح، والتعاون على البر والتقوى، لا سيما في هذه الأوقات، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . والتقوى: كلمة جامعة لكل خير، لأن الخير كله بحذافيره، في امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، وهذا هو معنى التقوى.
قال ابن جرير، ﵀: التقوى هي امتثال أمر الله واجتناب نواهيه. فمن أمر الله الذي أمرنا به، وحضنا عليه، اتباع كتابه، وسنة نبيه، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
стр. 6538
مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] الآية.
وما أنزل إلينا من ربنا، هو كتابه وسنة نبيه.
فحقيق بمن نصح نفسه: أن يجلس بها ويحاسبها، وينظر: هل نفسه تشتاق إلى ذلك، وتألفه وتحبه؟ أم هي معرضة عنه، نافرة منه، مبغضة لأهله نافرة عنهم؟! فيا خسارة من حاله حال البطالين، المعرضين النافرين، المنفرين عما جاء به سيد المرسلين، فحسرته أعظم حسرة، وندامته أعظم ندامة.
إذا علم هذا؛ فأعظم ما أمر الله به في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ توحيده الذي هو إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة من سواه، والبراءة منه ومن عابدة فحق على كل مسلم ومسلمة البحث عن حقيقة التوحيد، وعن أركانه وأنواعه، وواجباته، وما يلزمه مع أهله.
ومن أعظم ما نهى الله عنه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ : الشرك بالله، ووسائله، وذرائعه المفضية إليه، وترك العمل به.
فإن بالبحث عن هذين الأمرين - أعني التوحيد والشرك - يخرج الإنسان من زمرة المعرضين المفرطين الجاهلين، إلى زمرة المقبلين المتعلمين، المتسببين بالأسباب النافعة، التي توصل فاعلها برحمة الله إلى رضاه وجناته، وتخلصه من غضبه وعقوباته.
стр. 6539
فالله الله، في البحث عما ذكرت لكم، وإياكم والجفاء والإعراض؛ فإنهما يهلكان لمن اتصف بهما، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [سورة طه آية: ١٢٤-١٢٦] ، فنسيان آياته: ترك العمل بها.
فاحذروا رحمكم الله نسيان آياته، فإن نسيانها يورث نسيان الله لعبده، وهو تركه في العذاب، ولا يخلص من ذلك إلا الإقبال على كتابه، وسنة رسوله، والعمل بها باطنا وظاهرا.
ومما أمرنا الله بالعمل به، في كتابه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] .
والمعروف: كلمة جامعة لكل ما أمر الله به، أمر إيجاب أو أمر استحباب، والمنكر: كلمة جامعة، لكل ما نهى الله عنه; فأعظم ما نهى الله عنه الشرك، والكفر، ووسائلهما، وذرائعهما.
ومن ذلك: ما هو واقع على ألسن كثير من الناس، وهو: الاستهزاء بدين الله أو بشيء منه، ومن الاستهزاء
стр. 6540
بدين الله: الاستهزاء بمن انتسب إليه، قولا أو فعلا.
فمن القول: قول الجهال: هؤلاء مطاوعة الصحفة، هؤلاء الخوان، هؤلاء أصحاب الدفاتر، عندي اليوم وعندك باكر؛ وغير ذلك مما هو جار اليوم كثير.
ومن الفعل: رمش بالعين، ومد اللسان، وما أشبه ذلك; فحق على كل من أراد نجاته وسلامته، من غضب الله وعقابه أن يبحث عن هذه الأقوال، والأفعال، ويجتنبها، وينكر على من صدرت منه، ولا يخاف في الله لومة لائم. قال تعالى:: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] .
واعلموا: أن كل بلد لا يكون فيها من يدعو إلى الخير، وينهى عن الشر، ويحذر عنه، فهي بلد ما هي من استيطان الشيطان لها ببعيد - أعاذنا الله وإياكم -. فالله الله في استجلاب ما يطرد الشيطان، ويبعده عن دياركم، وذلك بتعلم العلم وتعليمه.
فإن البلد التي فيها عالم يعلم الخير، وينهى عن الشر، قد طردت منها الشياطين، واستوطنتها الملائكة. فعليكم معاشر المسلمين بالجد والاجتهاد في ذلك، والعمل به، وإياكم والغفلة والتغافل عن ذلك، وترك العمل به، فإنه والله الهلكة.
стр. 6541
أسأل الله العظيم الرؤوف الرحيم، أن يتولاني وإياكم فيمن تولى، بولايته الخاصة، وألا يكلني وإياكم إلى أنفسنا طرفة عين، فإنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[الحث على التقوى والأمر بالمعروف والتنبيه على الأخذ على يد السفيه]
وقال بعضهم رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، إلى من يصل إليه ويسمعه من المسلمين، سلمهم الله تعالى من عقوبات الدنيا والآخرة، وألبسهم ملابس الإيمان الفاخرة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالذي نوصيكم به وأنفسنا، تقوى الله تعالى، فإنها وصية الله لعباده الأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] .
قال بعض المفسرين: حق تقاته، هو: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر; وقوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٢] ، أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم، لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه.
стр. 6542
وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] . قال أهل العلم: حبل الله القرآن، كما في حديث علي ﵁ هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم ١.
وقال بعض السلف: حبل الله المتين هو: إخلاص التوحيد لله.
قال أبو العالية: يقول : واعتصموا بالإخلاص لله وحده، انتهى; وذلك لأن الإخلاص أعظم ما أمر الله به في كتابه، فمعنى الاعتصام: التمسك به بتوحيد الله تعالى، والعمل بكتابه؛ وبذلك يحصل كل خير وصلاح وعافية في الدنيا، والأمن من عقوبات الدنيا والآخرة.
واعلموا أن من أشرف مقامات الدين، وفرائضه التي افترضها الله تعالى على عباده المؤمنين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] .
وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
فكفى بهذه الآيات دليل على شرف الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر.
ثم أخبر أصدق القائلين جل ذكره أنهم هم المفلحون; وفيها تنشيط لأهل الإيمان على التشمير في هذا
стр. 6543
المقام، وهو مقام الرسل وأتباعهم؛ فمن يسره الله له، فهو من أعظم نعم الله عليه.
والآيات والأحاديث في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعيد على تركهما، كثيرة جدا، منها حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: كنت عاشر عشرة من المهاجرين، عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا بوجهه، وقال:
يا معشر المهاجرين، خمس خصال إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشه في قوم حتى أعلنوها، إلا ابتلاهم الله بالطواعين، والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان. ولا منع قوم زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد، إلا سلط الله عليهم العدو، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم.
وعن أنس بن مالك، ﵁ مرفوعا: لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب والنقمة، ما لم يستخفوا بحقها; قالوا: يا رسول الله، وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله، فلا ينكر ولا يغير.
فارغبوا بما رغبكم الله، ولا تهنوا ولا تضعفوا، ترشدوا بذلك وتسعدوا; وكذلك احذروا مقاربة الزنى، فإن فيه
стр. 6544
فساد الأنساب، وقصر الأعمار، فقد حرمه الله ورسوله، فقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٢] .
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة النور آية: ٢] ، وفي الحديث: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ١ وفي رواية: لا تزنوا فإن من زنا نزع منه نور الإيمان.
وما من ذنب أعظم عند الله بعد الشرك، من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له وإن السماوات السبع، والأرضين السبع، تلعن الشيخ الزاني، وإن الزناة تؤذي أهل النار برائحتها، والمقيم على الزنا ومستحله كعابد وثن.
وإيّاكم والتكاسل عن شهود الجمع والجماعات من غير عذر، فإنه من أعظم المنكرات، فإنه هم ﷺ أن يحرق على المتخلفين عن الجماعة بيوتهم بالنار، وفي الحديث: من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر، قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى في بيته ٢.
واحذروا عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وأكل مال اليتيم، والاستطالة على الضعفاء والمساكين، والتعدي عليهم في أبشارهم، وأموالهم، وأعراضهم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
стр. 6545
وفي الحديث: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع; قال: إن المفلس من أتى يوم القيامة بصلاة، وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأخذ مال هذا، ونال من عرض هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار ١.
واحذروا الخيانة في الأمانة، والكذب في الحديث والبياعات، ففي الحديث: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ٢ وفي الحديث: الصدق يهدى إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة ٣.
واحذروا الغيبة، وهي: ذكرك أخاك المسلم بما يكره في غيبته; والنميمة، وهي: نقل حديث الناس بعضهم إلى بعض، على وجه الإفساد; وفي الحديث: لا يدخل الجنة نمام ٤ وأعظمها إثما وجرما: ما كان عند ولاة الأمور، ويسمى سعاية; وفي الحديث: تجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه: ومن كان ذا لسانين في الدنيا، فإنه يأتي يوم القيامة وله لسانان من نار ٥.
وطهروا مكاسبكم من الربى والغش، والتطفيف، والحلف عند البيع والشراء; واجتنبوا الألفاظ القبيحة، مثل اللعن، فإن في الحديث: لعن المسلم كقتله ٦ وكذلك
стр. 6546
قوله: يا فاجر، يا كلب، يا خنْزير، يا حمار، ونحو ذلك من الألفاظ.
وكذلك مخالطة النساء للرجال، وإظهار الزينة من المرأة إذا خرجت، وقد حذر النبي ﷺ أمته عن فتنتهن; وفي الحديث: لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ١. وأخبر النبي ﷺ أن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
ومما يجب التنبه له: الأخذ على يد السفهاء والجهال، بردعهم عن الفساد وأسبابه الموصلة إليه، كالتكاسل عن شهود الجماعات في المساجد من غير عذر، والاجتماع على ما لا مصلحة فيه، لا تعود إلى دين ولا إلى دنيا، وإذا انتفت المصلحة وقعت المضرة ولا بد.
فأكثروا من الاستغفار، والتوبة النصوح، والصدقة، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] .
وقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالصدقة، وتلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء آية: ١] .
стр. 6547
وفيه من المناسبة في الصدقة أن أصل الغني والفقير واحد، فلا يمنع الغني أخاه الفقير مما أعطاه الله شكرا لله على أن جعله غنيا، وجعل من هو مثله محتاجا، وفيها الحث على صلة الرحم; فتدبروا كتاب الله، وقفوا على عجائبه، ومقاصده، وحركوا به القلوب.
وفي حديث معاذ: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ١، وفي الحديث الآخر: إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء ٢. وفي حديث: بادروا بالصدقة، فإن البلاءلا يتخطاها.
وفي حديت آخر: ما نقص مال من صدقة، بل تزدهبل تزده وروى أبو داود والترمذي، مرفوعا: أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة; وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم ٣.
وتأهبوا للخروج للاستسقاء، واخرجوا متواضعين؛ متخشعين، متذللين متبذلين، لعل الله أن يرحمكم، ويقبل توبتكم، ودعاءكم، وقدموا بين يدي خروجكم صدقة، وتجزلوا، فالذي عنده حق لله تعالى، ونواها زكاة، فلا بأس، والذي يقصد بها صدقة التطوع، فعلى نيته، والنبي ﷺ أمر بجمع الصدقة، فلا يشكل على بعض الناس جمعها، والتنافس في وجوه الخير مما ينبعي.
стр. 6548
فعليكم بالإخلاص لله تعالى، وقصد وجهه، والذي يستحب أنه يصام يوم الخروج، فبعض أهل العلم يستحبه، ويكون الخروج - إن شاء الله تعالى - يوم الاثنين ٢١ صفر، ونرجو من الله أن يقبل توبتنا وتوبتكم، ويأخذ بنواصينا وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[التذكير بما يجري الله في خلقه بالمعصية من منع القطر والنصح بالتوبة]
وقال بعضهم، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، الملك الحق المبين، وأصلي وأسلم على النبي محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديين.
وبعد: معشر المسلمين، إن ربكم الله ﵎، ذكركم بما قضاه وقدره، من هذه المصائب لكم، وموعظة، لعلكم ترجعون وتنيبون إليه، وتتوبون إليه من ذنوبكم، وتستغفرون، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٢-٤٣] .
وقال جل ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّ
стр. 6549
أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] .
وفي الأثر: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة. وفي الأثر الآخر: إن الرب ﵎، يقول: وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبادي على ما أحب فيتحول منه إلى ما أكره، إلا تحولت له مما يحب إلى ما يكره; ولا يكون عبد من عبادي على ما أكره فيتحول منه إلى ما أحب، إلا تحولت له مما يكره إلى ما يحب.
وعليكم عباد الله أن تتوبوا إلى ربكم توبة نصوحا، وأن تحولوا مما يكره ربكم إلى ما يحب، لعل الله أن يتحول لكم مما تكرهون إلى ما تحبون، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم آية: ٨] .
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [سورة هود آية: ٣] .
стр. 6550
وقال نبيكم ﷺ : يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من مائة مرة ١. وفي الحديث الآخر: من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ٢.
ومن أخطر ما يكون سببا لمنع القطر، وموجبا للقحط، وضررا على البهائم: التهاون بالفرائض، وأن الفقير منا لا يصبر، ولا يرغب إلى ربه وينْزل حاجته به، ويلح في مسألته في كشف ما نزل به، فإن الله تعالى هو الغني الحميد، يحب أن يسأل، ومن سأله فهو القريب المجيب؛ وأن ذا الثروة منا لا يشكر، ولا يعرف الحق الواجب في ماله.
وقد غلب على ذوي الأموال في بلادنا هذا البخل، حتى منعوا ما أوجب الله في أموالهم من الزكاة المفروضة، ونفقة ذوي القربى، وصلة الرحم، وقرى الضيف، وإغاثة الملهوف، مع حرصهم - سامحنا الله وإياهم - على طلب المال، حتى ربما عاملوا بالربا، وأخذوا المال، واكتسبوه من غير حله.
فمن جمع بين منع الحق الواجب في ماله، وبين اكتسابه من الوجوه المحرمة، كان عاقبته أن يعذب بماله العذاب الأليم، لأن كلا من الأمرين موجب لغضب الله، وحلول عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ