قوله: يا فاجر، يا كلب، يا خنْزير، يا حمار، ونحو ذلك من الألفاظ.
وكذلك مخالطة النساء للرجال، وإظهار الزينة من المرأة إذا خرجت، وقد حذر النبي ﷺ أمته عن فتنتهن; وفي الحديث: لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ١. وأخبر النبي ﷺ أن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
ومما يجب التنبه له: الأخذ على يد السفهاء والجهال، بردعهم عن الفساد وأسبابه الموصلة إليه، كالتكاسل عن شهود الجماعات في المساجد من غير عذر، والاجتماع على ما لا مصلحة فيه، لا تعود إلى دين ولا إلى دنيا، وإذا انتفت المصلحة وقعت المضرة ولا بد.
فأكثروا من الاستغفار، والتوبة النصوح، والصدقة، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] .
وقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالصدقة، وتلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء آية: ١] .
стр. 6547
وفيه من المناسبة في الصدقة أن أصل الغني والفقير واحد، فلا يمنع الغني أخاه الفقير مما أعطاه الله شكرا لله على أن جعله غنيا، وجعل من هو مثله محتاجا، وفيها الحث على صلة الرحم; فتدبروا كتاب الله، وقفوا على عجائبه، ومقاصده، وحركوا به القلوب.
وفي حديث معاذ: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ١، وفي الحديث الآخر: إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء ٢. وفي حديث: بادروا بالصدقة، فإن البلاءلا يتخطاها.
وفي حديت آخر: ما نقص مال من صدقة، بل تزدهبل تزده وروى أبو داود والترمذي، مرفوعا: أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة; وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم ٣.
وتأهبوا للخروج للاستسقاء، واخرجوا متواضعين؛ متخشعين، متذللين متبذلين، لعل الله أن يرحمكم، ويقبل توبتكم، ودعاءكم، وقدموا بين يدي خروجكم صدقة، وتجزلوا، فالذي عنده حق لله تعالى، ونواها زكاة، فلا بأس، والذي يقصد بها صدقة التطوع، فعلى نيته، والنبي ﷺ أمر بجمع الصدقة، فلا يشكل على بعض الناس جمعها، والتنافس في وجوه الخير مما ينبعي.
стр. 6548
فعليكم بالإخلاص لله تعالى، وقصد وجهه، والذي يستحب أنه يصام يوم الخروج، فبعض أهل العلم يستحبه، ويكون الخروج - إن شاء الله تعالى - يوم الاثنين ٢١ صفر، ونرجو من الله أن يقبل توبتنا وتوبتكم، ويأخذ بنواصينا وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[التذكير بما يجري الله في خلقه بالمعصية من منع القطر والنصح بالتوبة]
وقال بعضهم، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، الملك الحق المبين، وأصلي وأسلم على النبي محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديين.
وبعد: معشر المسلمين، إن ربكم الله ﵎، ذكركم بما قضاه وقدره، من هذه المصائب لكم، وموعظة، لعلكم ترجعون وتنيبون إليه، وتتوبون إليه من ذنوبكم، وتستغفرون، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٢-٤٣] .
وقال جل ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّ
стр. 6549
أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] .
وفي الأثر: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة. وفي الأثر الآخر: إن الرب ﵎، يقول: وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبادي على ما أحب فيتحول منه إلى ما أكره، إلا تحولت له مما يحب إلى ما يكره; ولا يكون عبد من عبادي على ما أكره فيتحول منه إلى ما أحب، إلا تحولت له مما يكره إلى ما يحب.
وعليكم عباد الله أن تتوبوا إلى ربكم توبة نصوحا، وأن تحولوا مما يكره ربكم إلى ما يحب، لعل الله أن يتحول لكم مما تكرهون إلى ما تحبون، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم آية: ٨] .
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [سورة هود آية: ٣] .
стр. 6550
وقال نبيكم ﷺ : يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من مائة مرة ١. وفي الحديث الآخر: من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ٢.
ومن أخطر ما يكون سببا لمنع القطر، وموجبا للقحط، وضررا على البهائم: التهاون بالفرائض، وأن الفقير منا لا يصبر، ولا يرغب إلى ربه وينْزل حاجته به، ويلح في مسألته في كشف ما نزل به، فإن الله تعالى هو الغني الحميد، يحب أن يسأل، ومن سأله فهو القريب المجيب؛ وأن ذا الثروة منا لا يشكر، ولا يعرف الحق الواجب في ماله.
وقد غلب على ذوي الأموال في بلادنا هذا البخل، حتى منعوا ما أوجب الله في أموالهم من الزكاة المفروضة، ونفقة ذوي القربى، وصلة الرحم، وقرى الضيف، وإغاثة الملهوف، مع حرصهم - سامحنا الله وإياهم - على طلب المال، حتى ربما عاملوا بالربا، وأخذوا المال، واكتسبوه من غير حله.
فمن جمع بين منع الحق الواجب في ماله، وبين اكتسابه من الوجوه المحرمة، كان عاقبته أن يعذب بماله العذاب الأليم، لأن كلا من الأمرين موجب لغضب الله، وحلول عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ
стр. 6551
يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤-٣٥] .
قال ابن عباس في الآية: كل مال لا تؤدي زكاته فهو كنْز، يعني ولو كان في يد صاحبه، أو عرض تجارة، أو دين في ذمم الغرماء، وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٠] .
والرب تعالى يجازي العبد من جنس عمله، فكما منعه الحق الواجب منع الله عنهم سبب الرزق، كما قال ﷺ : يا معشر المهاجرين، خمس خصال - وأعوذ بالله أن تدركوهن -: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. وما نقص قوم المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان. وما خفر قوم العهد، إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم.
والبصير العاقل يرى ما أخبر به ﷺ من هذه
стр. 6552
العقوبات، في هذا الحديت عيانا، لأن موجباتها قد وقعت، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ودل الحديث على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن بترك ذلك تقع العقوبات، وقد دل القرآن المجيد على مثل ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] .
وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: إن من كان قبلكم كانوا إذا أتى أحدهم الخطيئة، جاءه الناهي تعذيرا، فإذا كان من الغد جالسه، وواكله وشاربه، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم الله على ألسنة أنبيائهم: داود وعيسى ابن مريم. والذي نفسي بيده. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم.
وفي الحديث الآخر، عن النبي ﷺ قال: إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت ولم تغير، ضرت العامة وفي الحديث الآخر عنه ﷺ : ما
стр. 6553
من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا فلم يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله بعقابه ١.
والمعروف الذي يجب الأمر به: ما عرفه الشرع، من الأمر بالتوحيد، والمحافظة على الصلوات الخمس، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت حجة الإسلام، وبر الوالدين، وصلة الرحم، ونحو ذلك من واجبات الدين.
والمنكر الذي يجب إنكاره: ما أنكره الشرع، كالشرك بالله، وعقوق الوالدين، والتهاون بالفرائض، وقطيعة الرحم، وظلم العباد، وانتهاك الحرمات، كالزنى، وشرب المسكرات، ونحو ذلك مما نهى الله عنه ورسوله. فكل ذلك فرض على المسلمين القيام به، وإذا تركوه جميعهم أثموا.
وروت عائشة: أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو أخياركم، فلا يستجاب لهم. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم.
فالله الله عباد الله، في القيام بما أوجب الله عليكم، والانتهاء عما حرم الله عليكم، والأمر بذلك، والتواصي والتناصح فيه؛ ويجب على ولاة الأمر من ذلك زياده على غيرهم، ومن وجوب نصيحتهم لرعيتهم، ولأن الله سيسألهم
стр. 6554
عما استرعاهم، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢ب] ، فلا صلاح للعباد، ولا فلاح، ولا نجاة، ولا سلامة من عقوبات الدنيا، والآخرة إلا بذلك.
ومما يستدفع به النقم، ويستجلب به النعم: الرأفة والرحمة بالفقراء، والأرملة والمساكين، واليتامى، والصدقة عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٧] .
وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة المنافقون آية: ١٠] .
وفي الحديث، عن النبي ﷺ باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها وفي الحديث الآخر: إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتطفئ الخطيئة، وتدفع ميتة السوء ١. وفي الحديث الآخر: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا ترحموا، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ٢.
وقد سن لكم نبيكم ﷺ إذا أبطأ المطر عن أوان نزوله، أن تبرزوا إلى الصحراء، وتصلوا، وتسألوه أن يسقيكم، فليكن ذلك بعد توبة وبر، وقلوب خاشعة،
стр. 6555
وتذلل، وخروج من المظالم، وسلامة من الغل، والحسد، والحقد للمسلين.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يعاملنا بعفوه ويرحمنا برحمته؛ ونعوذ بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، ومن جميع سخطه؛ فهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد.
[التذكير باضطرار العباد إلى ربهم وعدم فزعهم في الشدائد إلا إليه]
وقال الشيخ حمد بن عبد العزيز، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن عبد العزيز، إلى الأخوين المكرمين: مسعد، وسعد، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
وبعد: تفهمون اضطرار العباد إلى ربهم، وأنهم إذا نزل بهم الشدائد، فلا يفزعون في كشفها إلا إليه؛ وقد دعا عباده إلى ذلك ورغبهم، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] .
وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] الآية. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض.
وقد عزم إخوانكم على الخروج والاستسقاء - إن شاء الله - نهار الاثنين، عسى الله أن يرحم عباده برحمته،
стр. 6556
وهو أرحم الراحمين، والسلام.
[التذكير بنعمة الإسلام وما فيه صلاح العباد وذكر من ذمه الله]
وقال الشيخ: عبد الله ابن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين:
إلى من بلغه هذا الكتاب، من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وأصلح لنا ولهم الأقوال والأعمال، والنيات، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] .
وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٠] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٤] .
وأنفع الوصايا والنصائح لمن قبلها، وعرف تفاصيلها، ما وصى الله به الأولين والآخرين، بقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .
وأصل التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين النار وقاية تقيه
стр. 6557
منها، بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهاه الله عنه، ومعرفة ذلك علما وعملا.
وأيضا: تذكيركم بما من الله به عليكم من نعمة الإسلام، وما اختصكم به من الانتساب إليه في هذه الأزمان التي تشبه أزمان الفترات، لقلة من يعرف الإسلام على الحقيقة، ويلتزم مبانيه، ويعرف حدوده وحقوقه، وفرائضه ومكملاته.
وأكثر الناس قد غلب عليه الجهل بهذا، ورغب عن تعلمه وتعليمه، حتى جهلت حقيقة دين الإسلام الذي كان علية النبي ﷺ وأصحابه من بعده، كما أخبر ﷺ بقوله: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم، إلا بمعرفة ما خلقوا له من توحيد ربهم الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وقبوله وإيثاره والعمل به، ومحبته واستفراغ الوسع في ذلك علما وعملا، والدعوة إليه، والرغبة فيه؛ وأن يكون ذلك أكبر هم الإنسان، ومبلغ علمه، ليحصل له بذلك النجاة في الدنيا والآخرة وقد علمتم ما وقع من العقوبات بسبب
стр. 6558
التفريط إلى شكر هذه النعمة، والتهاون بها، وعدم الرغبة فيها.
وقد ذم الله تعالى في كتابه أهل الغفلة والإعراض عن ذكره، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه آية: ١٢٤] .
وقد أراكم الله من آياته ما فيه عظة للمتعظين، وعبرة للمعتبرين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١١] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] . فاشكروا الله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ولا تعدوا حدوده.
واعلموا: أن كل شر في الدنيا والآخرة، فسببه الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] .
وكلما أحدث الناس شرا وفجورا، أحدث لهم ربهم ﵎ من الآفات والعلل، في أغذيتهم وأهويتهم،
стр. 6559
وفواكهم ومياههم، وأبدانهم وخلقهم وصورهم، ما هو موجب أعمالهم وفجورهم، ولا يظلم ربك أحدا. وقد علمتم ما وقع من الخلل بترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والغفلة عن ذلك، وعدم الإحساس به، وذلك مما يوجب حلول العقوبات، كما قيل: إذا كثر الإمساس قل الإحساس، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ، قال بعض العلماء: فروض الكفاية أشد على الناس من فروض العين، لأن فرض العين تخص عقوبته، وفرض الكفاية تعم عقوبته كل من كان له قدرة.
وقد ابتلاكم الله، لتذكروا وتنيبوا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٤] .
وأخبر تعالى عن الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء، أنه أخذهم بالبأساء والضراء، يعني بالبأساء هو ما يصيبهم في أبدانهم من الأمراض والأسقام، والضراء هو ما يصيبهم من فقر وحاجة، ونحو ذلك، لعلهم يتضرعون وينيبون.
وأعظم التوبة والإنابة القيام بالوظائف الدينية، وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
стр. 6560
ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨] .
والمعاصي مذهبة للنعم، موجبة لحلول النقم.
وأعظم المعاصي: ترك الصلاة، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] . ومن الناس من يترك حضورها في الجماعة، ويظن في نفسه أنه قد أدى فريضة على الوجه المطلوب، وهيهات هيهات.
قال بعض السلف، على قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] : والله ما تركوها، ولو تركوها لكانوا كفارا.
وعن عبد الله بن عمرو مرفوعا: أنه ذكر الصلاة، فقال: من حافظ عليها وحفظها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ١.
وفي الحديث: من ترك الصلاة متعمدا برئت منه ذمة الله ورسوله ٢. وفي حديث آخر: من أخرها عن وقتها من غير عذر.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: إذا ظهرت المعاصي في أمة، عمهم الله بعذاب من عنده ٣ وعن ابن مسعود ﵁: إذا ظهر الزنا والربا في قرية، أذن الله بهلاكها، وفي
стр. 6561
حديث: ما من قوم يظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالفناء.
وفيه أيضا: لن تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا ظهرت فيهم الطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ١. وفي حديث: يلبس الزاني درعا من نار، لو أن حلقة منه وقعت على جبل من جبال الدنيا لذاب.
فاطلبوا رضى الله تعالى، وتوبوا إليه جميعا أيها المؤمنون، واغضبوا لغضبه، وقوموا بعزيمة صادقة، ونية صالحة، ولا تأخذكم في الله لومة لائم.
واحذروا ما أخبر به النبي ﷺ عن بني إسرائيل: أنه إذا عمل العامل منهم بالخطيئة، جاءه الناهي فنهاه تعذيرا، فإذا كان الغد، جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على ألسنة أنبيائهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض.
وفي بعض الآثار: أن الله أوحى إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم، قال يا رب: هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟
стр. 6562
فقال: إنهم لم يغضبوا لغضبي. وفي أثر آخر: أن الله أوحى إلى ملك من الملائكة، أن اخسف بقرية كذا وكذا، قال: يا رب! إن فيهم فلانا العابد، قال: به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه فيّ يوما قط.
ومن أعظم ما ظهر بين الناس بسبب غربة الدين، والمحنة التي أصابت المسلمين: كثرة التلاعن والتقاذف، وهو من الكبائر; كان السلف يؤدبون الصغار على أقل من ذلك; قال إبراهيم النخعي، وهو في زمن التابعين: كانوا يضربوننا على الشهادة، والعهد، ونحن صغار.
وعن أبي الدرداء ﵁ مرفوعا: إن العبد إذا لعن شيئا، صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتأخذ يمنة ويسرة، فإذا لم تجد مساغا، رجعت إلى قائلها ١. وعن أبي هريرة ﵁: أن امرأة لعنت ناقتها، فقال رسول الله ﷺ : لا تصحبنا ناقة عليها لعنة.
وعن ثابت بن الضحاك، ﵁ مرفوعا: لعن المؤمن كقتله ٢، وعن أبي ذر ﵁ مرفوعا: لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ردت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك ٣ وعن مرة مرفوعا: لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار. ومن قذف رجلا بالزنى، فعليه الحد في ذلك ٤ فاحذروا شر اللسان، وورطاته.
стр. 6563
سأل رجل النبي ﷺ فقال يا رسول الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم ١.
وكذلك ما حدث من المفاخرة، والخيلاء، والإسبال في الثياب، والسرف في الأكمام وجرها، التي أحدثها في القديم أهل الفخر والخيلاء من الأمراء، وسموه أمير الإخراج وهذا من الكبائر.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٧] . وفي الحديث: من جر إزاره خيلاء، لم ينظرالله إليه يوم القيامة ٢. وفي الحديث: بينما رجل يتبختر في برديه، وينظر في عطفيه، إذ نظر الله إليه، فخسف الله به ٣.
فالواجب علينا وعليكم التوبة إلى الله، والقيام بحقه، والتعاون على البر والتقوى، وقد أعطاكم الله - سبحانه وبحمده - من نعمه، وصرف عنكم كيد عدوكم، ورد لكم الكرة، وولى عليكم من همته في هذا الدين، ومحبته له ودعوته إليه. جعلنا الله وإياكم وإياهم ممن قام بالحق، وقال الصدق، وعمل لله بما يحب، وجاهد في الله حق جهاده. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول
стр. 6564
ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[الوصية بتقوى الله تعالى وحقيقة معناها وأعظمه والتذكير بنعمة ظهور الإمام محمد بن عبد الوهاب]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد اللطيف، إلى كافة الإخوان، سلمهم الله تعالى، ووفقهم لسلوك صراطه المستقيم، ورزقهم البصيرة والفهم، في مقام الدعوة إلى الدين القويم، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالموجب لهذا هو الوصية بتقوى الله تعالى، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .
وحقيقة معناها التي ترجع إليه، هو: أن يجعل العبد بينه وبين النار وقاية تقيه منها، بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، وتفاصيل ذلك على القلوب والأعضاء، لا يحصيها إلا من حقق مقام العبودية، علما وعملا.
ومن أعظم ذلك: معرفة أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وهو: معرفة حقيقة دين الإسلام، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، والاعتناء بذلك في جميع الساعات، وتجديده في كل الأوقات، إذ بصحته واستقامته، يستقيم للعبد جميع فرائضه ونوافله، وبالخلل فيه يختل على
стр. 6565
العبد نظام توحيده وجيمع مقاصده.
وهذه النعمة هي أجل نعمة على الإطلاق، قد امتن الله بها على عباده، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٤] .
وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الجمعة آية: ٢] .
فببعث الأنبياء وإرسال الرسل، يحصل بيان التوحيد، وحقيقة دين الإسلام، ويحصل لمن قبل ذلك منهم، وصدق به، كل فلاح وصلاح، وسعادة في الدنيا والآخرة; بل كل خير في الدنيا والآخرة، إنما حصل بواسطة الرسل، والإيمان بما جاؤوا به، وكل شر في الدنيا والآخرة إنما حصل بالجهل بما جاؤوا به، والإعراض عنه، ومخالفته.
وقد أخبر ﷺ عن غربة الإسلام، وأنه سيعود غريبا كما بدأ، وأن لهذا الدين إقبالاً وإدباراً؛ وأن من إقبال الدين: أن تفقه القبيلة بأسرها، حتى لا يوجد فيها إلا منافق أو منافقان، فهما مقهوران ذليلان. وإن من إدبار الدين: أن تجفو القبيلة بأسرها، حتى لا يوجد فيها إلا مؤمن أو مؤمنان، فهما خائفان مضطهدان.
وقد وقع مصداق ما أخبر به ﷺ حتى عاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا؛ نشأ على ذلك الصغير، وهرم عليه
стр. 6566
الكبير، واعتقد أكثر الناس الشرك دينا لجهلهم، والإسلام شركا حتى كفروا من اعتقده ودان به، فالله المستعان.
وقد أنعم الله علينا وعليكم، في أواخر هذه الأزمان - التي هي من أزمان الفترات، وأوقات الغربة، واندراس. الإسلام، وأفول شموسه، وظهور الجاهلية - بحبر من أحبار هذه الأمة وعلمائها، من برز في أنواع العلوم، ووقف على كثير من المنقول والمفهوم، وجمع ما تفرق في غيره من المكارم والفضائل.
فسلك على منهاج السلف الصالح وأعيان الأماثل، وشابههم في هديه وسمته وعلمه، وحاكاهم في معتقده، وزهده وفهمه، يعرف هذا من عرف الرجال بالعلم، وبحث في هذه الصناعة من أهل الإنصاف والفهم، وهو: شيخ الإسلام، إمام الدعوة النجدية، محمد بن عبد الوهاب.
فإنه لم يزل ﵀، وشكر عمله ومسعاه، يدعو إلى هذا الدين، وعنه يناضل مع كل فاضل وخامل، حتى كشف الله عن هذه الملة الغراء، والشريعة الظاهرة السمحاء، حجب الجهل والتأويل.
وأماط عن شمس الرسالة سحب العوائد والتضليل، وقد كانت شموسها قبل ظهوره وبحوثه مكسوفة، وعزائم الطلاب إلى غير حياضها مجذوبة مصروفة، ومستقيم أصولها قد هدمت بمعاول التأويل والتقليد، وقواعد بنيانها قد خلعت بأكف أهل الدراسة والترديد.
стр. 6567
أما التوحيد العلمي الاعتقادي - الذي تضمنته سورة الإخلاص، ونظائرها من آي القرآن، الذي حقيقته: معرفة الله بأسمائه وصفاته، وإثبات ما أثبته لنفسه من الصفات، ونفي ما نفى عنه من النقائص، ومشابهة المخلوقات - فسفت عليه قوانين اليونان والجهمية، ومن تفرع عنهم من أهل البدع على اختلافهم، غبار التأويل والتعطيل، حتى عز من يعرفه ويدين به، ويعرف ما كان عليه السلف الأول في باب الاعتقاد.
حتى آل الحال إلى أن معتقد السلف، لا يعرف ولا يفتى به، ولا يؤتم به في هذا الباب، ولا يهتدى، بل هو عندهم من أغرب الأشياء وأعزها وجودا؛ وغالب من يحكي ما كان عليه السلف الصالح، لا يعرفه ولا يدريه، ولا يعرف أن الواقع من أكثر الخلق يضاده وينافيه.
وأما التوحيد العملي الإرادي، وهو: إفراد الله بالقصد والإرادة، والبراءة مما عبد من دونه واعتزاله، فقد سحبت عليه قوانين الجاهلية أطراف ذيولها، وأجلبت عليه برجلها وخيولها، حتى عفت آثاره، وتهدمت مناره، ونسيت شرائطه وأركانه.
وغالب سكان البسيطة إلا ما شاء الله منهم قد صرف اعتقاده وملاذه، إما على صاحب قبر، أو مدر أو شجر، أو حجر أو غار، أو صنم أو طائر صفر؛ والكتاب إنما يتلى عليهم للتبرك لا للعلم والعمل؛ وآخر منهم يعتقد أن النطق
стр. 6568
بالشهادتين كاف في الإسلام، وأن من نطق بالشهادتين لا يكفر، ولا يؤثم، ولو أتى بالنواقض العظام، التي لا يستقيم معها مسمى الإسلام.
والمستنكر عندهم والساكت بريء الذمة، لا يعرف الكفر من الإسلام؛ لا يعرف الكفر ولا يشهد على أهله به، بل يحط في قدر من أنكره وتبرأ من أهله وينسبه إلى طلب الفرقة والشعبذة، ويرى أن السكوت عن البراءة من الشرك وأهله من باب طلب الألفة والاجتماع، لا ينكر هذا ولا يجحده إلا من أعمى الله بصيرته، وتراكمت عليه أنواع الظلمات.
وأما باب تجريد المتابعة للرسول ﷺ وتحقيق الشهادة له بذلك، في الأقوال والأفعال، والسير على المنهاج والمنوال، فذلك قد نسخته حرفة التقليد; وكل قوم يرون أن مذهبهم ورأيهم هو الواجب السديد.
ففتح الله على يد هذا الشيخ، قدس الله روحه، ما أغلق من تلك الأبواب، وأشرقت بوجوده شموس السنة والكتاب؛ وبدت حياضها للواردين والطالبين، وارتوى من كوثرها عباد الله، من المؤمنين والموحدين؛ وجرّت به نجد ذيول افتخارها، وتطهرت به من أوساخ شرك الجاهلية وعارها. وبحث وناظر، وصنف وجادل وماحل حتى استبان الحق في الأصول والفروع، واستقامت هذه الدعوة الإسلامية، وانقطع الخلاف واستقام سوق الجماعة والائتلاف.
فينبغي لنا ولكم معرفة هذه النعمة، ورعايتها، والقيام
стр. 6569
بشكرها، وأن لا يحدث منا ولا منكم تغيير لها، لا في الأصول ولا في الفروع؛ وأن نقتصر على بيان هذه الدعوة، وتجريدها وغرسها، وترك الإغلاظ في بعض المستحبات، لئلا يكون ذلك سببا للصد عن هذه الدعوة، والاشتغال عنها بغيرها، أو بمستحب عما هو أهم منه.
كذلك تتبع أقوال العلماء ﵏، في بعض المسائل التي هي من مسائل الفروع قد كفيتم ذلك بما قدمناه لكم، من حال الشيخ ﵀، وحاشا وكلا أن يكون الشيخ ومن قبله من الأئمة الأعلام قد تبينت لهم سنة رسول الله ﷺ في قول أو عمل واختاروا غيرها عليها.
فالواجب عليكم السير على منهاجهم، وسلوك طريقهم؛ فإن خلافهم دليل على فساد المقاصد والنيات، ومن أعظم الوسائل إلى الطعن في الداعين إلى الله والمنتسبين إلى ذلك.
فتنبهوا لذلك، فإن الاختلاف بينكم في مسائل الفروع من وساوس الشيطان التي تصد عن العمل بالمشروع; ولتكن كلمتكم واحدة: الدعوة إلى الله وفي الذب عن دينه، ومجاهدة أعدائه، والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، فإنكم في زمان غربة، المقام فيه مقام دعوة، لا في زمان إقبال فإن زمان الإقبال ينتقل فيه إلى الجهاد باللسان، والإغلاظ.
ومن قواعد الدين الكلية: ارتكاب أخف الضررين، لدفع أعلاهما، وترك إحدى المصلحتين، لتصليح أولاهما،
стр. 6570
فكونوا على بصيرة من أمر دينكم، ولا يستهوينكم الشيطان، وعليكم بالإخلاص.
[التذكير بما بعث الله به رسوله وحال الناس قبل بعثته]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد اللطيف، إلى محمد بن علي الموسى، سلمه الله تعالى، ووفقه لأداء ما افترض عليه، من الجهاد والنصيحة لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: لا يخفاك ما من الله به على أهل الأرض من بعثة عبده ورسوله ﷺ . وقد كان الناس قبل ذلك على غير دين، متفرقين في عباداتهم ودياناتهم، إلا من شاء الله من غير أهل الكتاب; فصدع بأمر ربه، وأكمل الله لأهل الأرض ببركته الدين، وأتم عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام دينا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] .
ومثلك يعرف ذلك إجمالا وتفصيلا، وأنت تعلم حال غربة الإسلام، وإعراض أكثر الخلق عنه، وعما يكون سببا لظهروه وقوته، إيثارا للشهوات النفسانية، والإرادات الشيطانية، ولضعف من يعرف ذلك، وعدم عزمه، وتقديمه لعل وعسى، فعياذا بالله من إحدى الخصال الثلاث.
стр. 6571
والله قد أنعم عليك من بين سائر عشيرتك، بالتعلم والبحث، وأنت مطالب بالعمل، وقد ذكر الله في حق نساء نبيه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٠] ، إلى قوله:: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا﴾ [سورة الزمر آية: ٩] .
وهذه الفتنة الواقعة اليوم، قد أزاح الله فيها ما يلقى في الفتنة بالأمس، من الوساوس والشبهات، وقد أوجب الله عليكم، بعد معرفة الحق، العمل به.
وأنتم تفهمون ما أنعم الله به على أهل نجد، بعد تقادم العهد بآثار النبوة ونور الرسالة، في القرن الحادي عشر، من هجرته ﷺ من ظهور الشيخ: محمد، رحمه الله تعالى، ودعوته إلى ما دعا إليه المرسلون.
ووازره من سبقت له من الله السعادة، وصبروا في ذات ربهم، على ما نالهم من الشدة والعداوة، وجعلهم الله ملوكا بذلك، ودانت لهم العرب. ثم لم يزالوا على ذلك مستمرين، حتى حدث من فتنة الشهوات، ما أوجب العقوبة، فسلط الله العسكر المصري، طهرة وتمحيصا واختبارا.
ثم رد الله الكرة لمن عرف الأمر الأول، وحام حول الحمى، وحصل له بعض المقصود؛ ثم جرى من العقوبة
стр. 6572
ثانيا، فرد الله الكرة بمن تبع أثر من قبله، وحام حوله فحصل له بعض المقصود.
ثم حدثت الفتنة الكبرى، والمصيبة العظمى، وفتن في الأمر من هو من أهله، من هؤلاء القوم، وذلك لأنه عاش في ثياب لا يعرف من حاكها، وما درس، وصار سنة لكل جاهل، لا يعرف سابقة الأمر، وتطاول الشر، ودخل في أمر الإسلام من ليس من أهله، وذلك لقلة أعوان الإسلام وأنصاره.
والآيات في وجوب الجهاد، وتفاصيله، أكثر من أن تحصر، وتقرؤها بحمد الله، بالغداة والعشي، والأحاديث كذلك.
ومن أجمع الأحاديث، قوله ﷺ : لا إسلام إلا بجماعة ١ وقوله ﷺ : ثلاث لا يغل عليهن قلب عبد مسلم: إخلاص العمل لله، ولزوم جماعة المسلمين، ومناصحة ولاة الأمور، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ٢.
وقد رأيت خطك لعيالك، وسرني ذلك، وسرنا همتكم فيما قصدتم، والحق عليك خصوصا أكثر من غيرك من طلبة العلم، لأنك من القوم، ولا تعرف عنك المداراة الدنيوية، وقوتكم وما أعطاكم الله في وطنكم، لا يكون حظكم كثرة الدنيا، وأنفسكم خاصة، بل يلزمكم بذل النفس والمال، وما يكون صالحا لظهور الإسلام، والاجتماع عليه.
стр. 6573
[الوصية بتقوى الله وبيان حقيقتها وأصل الدين والتذكير بنعمة الإسلام]
وقال أيضا، الشيخ: عبد الله، والشيخ محمد، ابناء الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد اللطيف ومحمد بن عبد اللطيف، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، من أهل الجنوب، ومن والاهم، سلمهم الله تعالى، ورزقنا وإياهم الاستقامة، وأعاذنا وإياهم من أسباب الخزي والندامة، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالذي نوصيكم به: تقوى الله تعالى وطاعته، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، وهي السبب الموصل إلى مرضاة رب العالمين، ومرافقة النبيين والصديقين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .
وحقيقة التقوى: القيام بما أمر الله به من توحيده وطاعته، وطاعة رسوله، واجتناب ما نهى عنه ورسوله، وهذا هو النور والهدى لمن نور الله قلبه.
وأصل الدين: معرفة الله، ومعرفة توحيده وعبادته التي خلق الله الخلق لها، وتعبدهم بها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
стр. 6574
إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] .
فأمر الله تعالى عباده بتقواه، وهي فعل ما أمر الله به، ومجانبة ما نهى عنه، في الأقوال والأعمال; وأمرهم بلزوم الإسلام الذي عرفهم به، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وحثهم على التمسك به، والعض عليه بالنواجذ حتى الممات، بقوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ، فأمرهم بلزومه والاستقامة عليه، في جميع أوقات العمر وساعاته، ومن عاش على شيء مات عليه.
وأمرهم أيضا: بالاعتصام بحبل الله، وهو دينه وشرعه، وما دل عليه كتابه المبين، من الأمر بعبادته وترك عبادة ما سواه؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كالدعاء والخوف والرجاء، والحب والخضوع والذل، والخشوع والتوكل، والذبح والنذر، والاستغانة والاستعاذة، وغير ذلك من أنواع العبادة التي تعبد الله العباد بها، وخلقهم لأجلها، وجعل نجاتهم من النار موقوفة على صحتها، وترك ما ينافيها ويناقضها، من الاعتقادات الباطلة الخارجة عن الصراط المستقيم.
ومن الاعتصام بحبل الله: العمل بأحكام القرآن،
стр. 6575
والائتمار بأوامره، وترك نواهيه فإن سعادة الدنيا والآخرة موقوفة على ذلك وهو من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، ولا يتم هذا الواجب إلا بموالاة من دان به، ومحبته ونصرته، ومعاداة من خالفه ولم يقبله وينقد له، وبغضه وجهاده.
ثم ذكر عباده نعمته عليهم بأن جمعهم بعد الفرقة والاختلاف، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والبغضاء، وعرفهم ما هم فيه قبل الإسلام من التفرق والاختلاف.
فاشكروا نعمة الله عليكم عباد الله، واذكروا ما أنتم فيه سابقا قبل دخلوكم في الإسلام، من اختلاف الكلمة، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وقطيعة الأرحام، وظهور المنكرات والفواحش، والتدين بدين أهل الجاهلية، فأنقذكم الله من هذه المهلكات، وفتح بصائركم لطلب الهدى فهذه نعمة عظيمة.
وقد منَّ الله علينا وعليكم بمعرفة هذا الدين، والإقبال عليه، وأخرجكم من الظلمات إلى النور، بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وجمعكم على إمام يدعوكم إلى دين الله ودين رسوله؛ وهذه من أكبر النعم؛ لأنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بالسمع والطاعة فاعرفوا حقوق الإمامة والزموها، لأن من خرج عن الجماعة قيد شبر، فَمَيْتَتُه ميتة جاهلية. وفي الحديث: الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه،
стр. 6576
ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ١.
ومما نوصيكم به، بعد معرفة الإسلام وحقوقه: المحافظة على الصلوات في الجماعات، لأنها أعظم شعائر الدين بعد الإسلام، وقد قال ﷺ : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ٢، وقال ﷺ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ٣.
وقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على بصيرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] . فمن لم يكن له بصيرة في مقام الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ففساده أكثر من صلاحه، ولو حسنت نيته.
وشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يكون عالما بما يأمر به، عالما بما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به: رفيقا فيما ينهى عنه.
واعلموا أن الدين بين الغالي والجافي، فمن غلا فيه فهو والجافي سواء؛ فتأدبوا بالآداب الشرعية، والأخلاق المرضية، ولازموا معرفة دينكم، لتكونوا على بصيرة فيه.
وتعاونوا على البر والتقوى، وكونوا عباد الله إخوانا؛ المسلمون يد واحدة على من سواهم. والهجر الحقيقي
стр. 6577
الذي هو من واجبات الدين، لمن أظهر الكفر، أو استهزأ بدين الله، فهذا الذي يجب هجره ومقاطعته. نسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ﷺ [أهمية تقوى الله تعالى وبيان ما يبلغ به العبد درجة المتقين وما يجب أن يتدارك]
وقال أيضا، الشيخ محمد بن عبد اللطيف، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين; من محمد بن عبد اللطيف، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبنا وإياهم أسباب الندم والفضائح، آمين.
أما بعد: فقد قال الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، لنبيه ﷺ : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ [سورة غافر آية: ١٣] .
وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٠] .
وأعظم ما نذكركم به، ونوصيكم به، تقوى الله سبحانه، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، وهي السبب الموصل إلى مرضاة رب العالمين، ومجاورة النبيين والصديقين، وهي الوصية العظمى، الموجبة للنجاة من شدائد الدنيا والآخرة، فمن لزمها وتمسك بها، سعد سعادة
стр. 6578
لا شقاوة بعدها، ومن ضيعها وأهملها، وارتكب ما يهواه خسر آخرته ودنياه.
والتقوى: اسم شامل لفعل الخيرات، وترك المنكرات، باطنا وظاهرا، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ، فأمر الله عباده أن يتقوه حق تقاته; وحق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر; وأمرهم بلزوم الإسلام، والثبات عليه، وأن يلتزموا أحكامه وحدوده، وواجباته وحقوقه، حتى يلقوا الله على ذلك.
فإن الكريم قد أجرى عادته أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فهي وقاية من الشرور العاجلة والآجلة، فمن اتقى الله فاز ونجا، وجعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية.
فما استجلبت النعم واستدفعت النقم بمثل تقوى الله قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٦-٦٨] .
ولا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يكون لنفسه
стр. 6579
محاسبا أشد محاسبة من الشريك لشريكه، فإذا حاسب العبد نفسه، وعرض أقواله وأفعاله وأعماله على كتاب الله، وما شرعه وأمر به، فما وافق الكتاب والسنة عمل به، وما خالفهما نبذه وراء ظهره، فهذا هو التقي حقيقة، فإذا حصل من أهل الإسلام الإقبال على الله والتوبة إليه، والرجوع والإنابة إليه، كما أمرهم الله بذلك، كانت العاقبة الحميدة، والحياة السعيدة، عائدة لهم.
والله ﵎ ينْزل العباد منه، حيث أنزلوه من أنفسهم، فمن عظم أمر الله وأطاعه، واجتنب مناهيه، وخافه في سره وعلانيته ﵁ وأرضاه، ومن خالف أمره وارتكب نهيه، وقدم هواه على طاعة مولاه، انتقم منه وأقصاه؛ وكما تدين تدان، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد.
فالواجب على من أبصر عيب نفسه، أن يتدارك هفواته، وفرطاته ومهلكاته، وأن يقبل على دين الله، الذي خلقه لأجله، وتعبده به، وجعل النجاة والسعادة معلقة بحصوله، محبة وقبولا، وتعلما وعلما وعملا؛ وأن يحب في الله ويبغض في الله، ويوالي في الله، ويعادي في الله، ويقدم ويؤخر لله.
ففي الحديث، عن النبي ﷺ : أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، وقال: وهل الدين إلا الحب والبغض في الله.
стр. 6580
ومن علامة محبة الله والصدق في معاملته والخوف منه، الغيرة لله عند انتهاك حرماته، بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقيام لله، والأخذ على أيدي أهل البطر والسفه والتهم، وحملهم على طاعة الله، وكفهم عن معاصي الله، وردعهم عن ذلك، سواء كانوا أقربين، أو بعيدين، أقوياء كانوا أو ضعفاء.
فإن بالقيام بذلك والمسارعة إليه، وإيثار رضى الله على الدنيا، والتواصي بالحق، والتعاون عليه، كل بحسب حاله في ذلك، مما يكون سببا لرضاه، وجلب كل خير، ودفع كل شر.
وبالاغترار بالدنيا وزينتها، والغفلة عن الله، والإعراض عن الأوامر والنواهي، يحصل الهوان، والذل والعار، في الدنيا والآخرة، ويحصل الهم والغم، وتنْزع البركات، وتحل النقمات والمثلات.
وقد جاء في الحديث القدسي: يقول الله تعالى: ما من عبد آثر محابي على هواه، إلا ألقيت عنه همومه، وجمعت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر. وعزتي وجلالي وعظمتي، ما من عبد آثر هواه على طاعتي، إلا أكثرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي بأي واد هلك.
стр. 6581
وظهور المعاصي، وعدم إنكارها، والسكوت عن فاعلها، والإغضاء عنه، مما يوجب سخط الرب، وحلول عذابه، ونزول عقابه; وفي المسند: أن النبي ﷺ قال: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعملها، ولم يغيروا عليه إلا عمهم الله بعقابه ١.
وفيه أيضا، عن ابن عمر ﵄: والذي نفسي بيده، لا ينفصم الإسلام حتى لا يقال في الأرض: الله الله. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، وإلا سلط الله عليكم المشركين، يسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم، من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم.
وفي الحديث عنه: ﷺ ما ظهر الزنى والربا في قرية، إلا أذن الله بهلاكها، وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب والنقمة، ما لم يستخفوا بحقها، قالوا: يا رسول الله، وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله، فلا ينكر ولا يغير.
وعن أنس أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزال لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا دنياهم على صفقة دينهم، ثم قالوا لا إله إلا الله ردت عليهم، وقال الله: كذبتم.
стр. 6582
فدل هذا الأثر على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حقوق لا إله إلا الله، بل هي من أشرف مقامات الدين وفرائضه، التي افترضها الله على عباده المؤمنين.
وفي الحديث أيضا: إن المعصية إذا خفيت لا تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة، وليس معناه أنها تظهر في الأسواق، وتشتهر علانية، بل إذا تحدث الناس بها، وفشا القول فيها بينهم، فهذا من ظهورها، كما ذكر ذلك العلماء، رحمهم الله تعالى.
ومعلوم أن المعاصي لها شؤم، حتى على البهائم، قال مجاهد، رحمه الله تعالى، على قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] ، قال: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم، إذا أجدبت الأرض، وأمسك المطر; تقول: هذا شؤم بني آدم، وقال عكرمة، رحمه الله تعالى: إن دواب الأرض، وهوامها، حتى الخنافس والعقارب، تلعن عصاة بني آدم، يقولون: منعنا القطر بذنوبهم.
ومن ظن أن هذه الأحاديث في قوم كانوا فبانوا، وأن من بعدهم لا يتناولهم هذا الوعيد الشديد، ولا يدخل تحت حكمه، أو أنه معذور، أو أن الزمان قد صلح ولا حاجة إلى ذلك، فهو والله المغرور الجهول، الظالم لنفسه.
وأكثر الناس إلا ما شاء الله، اعتاد قلبه المداهنة، وعدم
стр. 6583
النفرة من أهل الشر والفساد، ومخالطة أهل مواقف التهم المعروفين بها، وجعل الإغضاء والسكوت عنهم هو العقل الراجح، وأن الناس لا يستقيم معهم إلا من داهنهم، وسعى في إصلاح دنياه وإفساد دينه، فهذا هو المحمود عندهم، المشكور، نسأل الله العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة.
ومن أكبر المنكرات: التكاسل والتثاقل عن الصلاة في المساجد مع الجماعات، وعدم الاهتمام لها، وهي من أهم أركان دين الإسلام، وآكدها بعد الشهادتين، بل هي آخر ما وصى بها النبي ﷺ عند موته، حيث قال: الصلاة، الصلاة وهو يجود بنفسه. وهي آخر ما يفقد من الإسلام، فالتهاون بها من صفات المنافقين المذمومة في الكتاب والسنة.
ومن علامات الإيمان: تعاهدها، والمحافظة عليها جمعة وجماعة، قال ﵊: إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ١، ثم تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] الآية.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: أما بعد: فإن أهم أعمالكم عندي الصلاة، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. الله أكبر، كم تحت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من الخير الكثير، والعافية في الدنيا والآخرة! وكم تحت
стр. 6584
تركهما والغفلة عنهما، من الشر والفساد العريض، في الدنيا والآخرة!.
واعلموا رحمكم الله: أن المسلمين عزموا على الاستسقاء، فيجب عليكم معاشر المسلمين، أن تقدموا بين يدي ذلك التوبة النصوح لله، والإقبال عليه، والإقلاع من الذنوب والمعاصي، القلبية والبدنية والمالية.
قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٠] .
وقال:: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [سورة هود آية: ٦١] ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [سورة هود آية: ٩٠] ، والآيات في الأمر بالتوبة والاستغفار كثيرة.
وقال ﵊: إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة ١ وهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر; وقال ﷺ التائب من الذنب كمن لا ذنب ٢.
والتوبة النافعة هي التي استكملت أربعة شروط: الإقلاع من الذنب، الندم على ما فات، العزيمة على أن لا يعود، التحلل من مظالم الخلق.
فإذا حصلت هذه الشروط، رجي للعبد قبول التوبة، وكانت توبة صادقة صحيحة. جعلنا الله وإياكم من الفائزين بها، الموفقين لها، إنه سميع مجيب.
стр. 6585
ومما يكون سببا لقبول الدعاء، ونزول الرحمة: التقدم بين يدي ذلك بالصدقة، فإن الله سبحانه يقبل التوبة عن عباده، ويأخذ الصدقات، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] .
وقال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] .
والمقصود من الصدقة مواساة الغني للفقير مما أعطاه الله وخوله، وشكر الله أن جعله غنيا، وجعل من هو مثله محتاجا; وفي الحديث: بادروابالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها، وفيه أيضا: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ١
فاتقوا الله عباد الله، وائتمروا بما أمركم الله به ورسوله، وأخرجوا متواضعين، متخشعين متذللين متبذلين، راغبين طالبين، لعل الله أن يقبل توبتكم، ويجيب دعوتكم، ويرحمكم.
فنسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى، وأوصافه العلى، وبتوحيده الذي جحده المشركون، أن يمن علينا وعليكم بقبول التوبة، وأن يأخذ بنواصينا ونواصيكم، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وآله صحبه وسلم تسليما كثيرا، آمين.