وظهور المعاصي، وعدم إنكارها، والسكوت عن فاعلها، والإغضاء عنه، مما يوجب سخط الرب، وحلول عذابه، ونزول عقابه; وفي المسند: أن النبي ﷺ قال: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعملها، ولم يغيروا عليه إلا عمهم الله بعقابه ١.
وفيه أيضا، عن ابن عمر ﵄: والذي نفسي بيده، لا ينفصم الإسلام حتى لا يقال في الأرض: الله الله. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، وإلا سلط الله عليكم المشركين، يسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم، من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم.
وفي الحديث عنه: ﷺ ما ظهر الزنى والربا في قرية، إلا أذن الله بهلاكها، وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب والنقمة، ما لم يستخفوا بحقها، قالوا: يا رسول الله، وما الاستخفاف بحقها؟ قال: يظهر العمل بمعاصي الله، فلا ينكر ولا يغير.
وعن أنس أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزال لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا دنياهم على صفقة دينهم، ثم قالوا لا إله إلا الله ردت عليهم، وقال الله: كذبتم.
стр. 6582
فدل هذا الأثر على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حقوق لا إله إلا الله، بل هي من أشرف مقامات الدين وفرائضه، التي افترضها الله على عباده المؤمنين.
وفي الحديث أيضا: إن المعصية إذا خفيت لا تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة، وليس معناه أنها تظهر في الأسواق، وتشتهر علانية، بل إذا تحدث الناس بها، وفشا القول فيها بينهم، فهذا من ظهورها، كما ذكر ذلك العلماء، رحمهم الله تعالى.
ومعلوم أن المعاصي لها شؤم، حتى على البهائم، قال مجاهد، رحمه الله تعالى، على قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] ، قال: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم، إذا أجدبت الأرض، وأمسك المطر; تقول: هذا شؤم بني آدم، وقال عكرمة، رحمه الله تعالى: إن دواب الأرض، وهوامها، حتى الخنافس والعقارب، تلعن عصاة بني آدم، يقولون: منعنا القطر بذنوبهم.
ومن ظن أن هذه الأحاديث في قوم كانوا فبانوا، وأن من بعدهم لا يتناولهم هذا الوعيد الشديد، ولا يدخل تحت حكمه، أو أنه معذور، أو أن الزمان قد صلح ولا حاجة إلى ذلك، فهو والله المغرور الجهول، الظالم لنفسه.
وأكثر الناس إلا ما شاء الله، اعتاد قلبه المداهنة، وعدم
стр. 6583
النفرة من أهل الشر والفساد، ومخالطة أهل مواقف التهم المعروفين بها، وجعل الإغضاء والسكوت عنهم هو العقل الراجح، وأن الناس لا يستقيم معهم إلا من داهنهم، وسعى في إصلاح دنياه وإفساد دينه، فهذا هو المحمود عندهم، المشكور، نسأل الله العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة.
ومن أكبر المنكرات: التكاسل والتثاقل عن الصلاة في المساجد مع الجماعات، وعدم الاهتمام لها، وهي من أهم أركان دين الإسلام، وآكدها بعد الشهادتين، بل هي آخر ما وصى بها النبي ﷺ عند موته، حيث قال: الصلاة، الصلاة وهو يجود بنفسه. وهي آخر ما يفقد من الإسلام، فالتهاون بها من صفات المنافقين المذمومة في الكتاب والسنة.
ومن علامات الإيمان: تعاهدها، والمحافظة عليها جمعة وجماعة، قال ﵊: إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ١، ثم تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] الآية.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: أما بعد: فإن أهم أعمالكم عندي الصلاة، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. الله أكبر، كم تحت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من الخير الكثير، والعافية في الدنيا والآخرة! وكم تحت
стр. 6584
تركهما والغفلة عنهما، من الشر والفساد العريض، في الدنيا والآخرة!.
واعلموا رحمكم الله: أن المسلمين عزموا على الاستسقاء، فيجب عليكم معاشر المسلمين، أن تقدموا بين يدي ذلك التوبة النصوح لله، والإقبال عليه، والإقلاع من الذنوب والمعاصي، القلبية والبدنية والمالية.
قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٠] .
وقال:: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [سورة هود آية: ٦١] ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [سورة هود آية: ٩٠] ، والآيات في الأمر بالتوبة والاستغفار كثيرة.
وقال ﵊: إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة ١ وهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر; وقال ﷺ التائب من الذنب كمن لا ذنب ٢.
والتوبة النافعة هي التي استكملت أربعة شروط: الإقلاع من الذنب، الندم على ما فات، العزيمة على أن لا يعود، التحلل من مظالم الخلق.
فإذا حصلت هذه الشروط، رجي للعبد قبول التوبة، وكانت توبة صادقة صحيحة. جعلنا الله وإياكم من الفائزين بها، الموفقين لها، إنه سميع مجيب.
стр. 6585
ومما يكون سببا لقبول الدعاء، ونزول الرحمة: التقدم بين يدي ذلك بالصدقة، فإن الله سبحانه يقبل التوبة عن عباده، ويأخذ الصدقات، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] .
وقال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] .
والمقصود من الصدقة مواساة الغني للفقير مما أعطاه الله وخوله، وشكر الله أن جعله غنيا، وجعل من هو مثله محتاجا; وفي الحديث: بادروابالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها، وفيه أيضا: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ١
فاتقوا الله عباد الله، وائتمروا بما أمركم الله به ورسوله، وأخرجوا متواضعين، متخشعين متذللين متبذلين، راغبين طالبين، لعل الله أن يقبل توبتكم، ويجيب دعوتكم، ويرحمكم.
فنسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى، وأوصافه العلى، وبتوحيده الذي جحده المشركون، أن يمن علينا وعليكم بقبول التوبة، وأن يأخذ بنواصينا ونواصيكم، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وآله صحبه وسلم تسليما كثيرا، آمين.
стр. 6586
[بيان معنى حديث الدين النصيحة، وما دل عليه القرآن في ذلك]
وقال الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، رحمهما الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، رزقنا الله وإياهم الاستقامة، وأعاذنا وإياهم من أسباب الخزي والندامة، آمين سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته..
أما بعد: فالذي نوصيكم به: تقوى الله تعالى وطاعته، فإنها وصية الله للأولين والأخرين، وهي السبب الموصل إلى مرضاة رب العالمين، ومرافقة النبيين والصديقين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .
وقد قال ﷺ : الدين النصيحة، قالها ثلاثا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ١.
فجعل ﷺ الدين محصورا في النصح لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، بما فيه الكفاية؛ وهذا هو النور والهدى، لمن نور الله قلبه، وألهمه رشده؛ لأن النصيحة لله هي: الإيمان به، ومعرفته، وعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، ومحبته وخشيته،
стр. 6587
والذل والخضوع له، وتعظيمه وتعظيم أوامره، وترك نواهيه، وتنْزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته، من تعطيل وتشبيه، أو إشراك به، أو إلحاد في آياته، أو تكذيب لما أنزله في كتبه. والنصيحة لكتابه: العمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، وتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها وتعديها.
والنصيحة لرسوله: تصديقه، وتصديق ما جاء به، والإيمان به، ومحبته وتوقيره، وتقديم أقواله وما سنه وشرعه لأمته على أقوال كل أحد، كائنا من كان. والنصيحة لأئمة المسلمين: أمرهم بطاعة الله، وطاعة رسوله، وطاعتهم في المعروف، والنصح لهم باطنا وظاهرا، وعدم مشاقتهم ومنازعتهم، وتحريم الخروج عليهم.
والنصح لعامة المسلمين: إرشادهم وتعليمهم، ما فيه صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهم، وعدم المشقة عليهم، والتلطف في أمرهم ونهيهم، ودعوتهم، وكفهم عن الشر وأسبابه، والأخذ على أيديهم عن معصية الله، وعن فعل ما لم يشرعه الله ورسوله، وتحذيرهم عن مشابهة أهل الجاهلية في أقوالهم وأفعالهم. وهذا هو حقيقة النصح الذي ينافي الغش.
وقد دل على هذا القرآن وأرشد إليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا
стр. 6588
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] .
فأمر تعالى عباده بتقوى الله، وهي فعل ما أمر به، ومجانبة ما نهى عنه، من الأقوال والأعمال، وأمرهم بلزوم الإسلام الذي عرفهم به، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وحثهم على التمسك به، والعض عليه بالنواجذ حتى الممات، بقوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ، فأمرهم بلزومه والاستقامة عليه، في جميع أوقات العمر وساعاته؛ ومن عاش على شيء مات عليه.
وأمرهم أيضا: بالاعتصام بحبل الله، وهو دينه وشرعه، وما دل عليه كتابه المبين، من الأمر بعبادته، وترك عبادة ما سواه، لأن العبادة: اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كالدعاء، والخوف والرجاء، والحب والخضوع، والذل والخشوع، والتوكل والذبح والنذر، والاستغاثة والاستعاذة، وغير ذلك من أنواع العبادة، التي تعبد الله العباد بها، وخلقهم لأجلها، وجعل نجاتهم من النار موقوفة على صحتها، وترك ما ينافيها ويناقضها، من الاعتقادات الباطلة الخارجة عن الصراط المستقيم.
ومن الاعتصام بحبل الله: العمل بأحكام القرآن
стр. 6589
والائتمار بأوامره، وترك نواهيه؛ فإن سعادة الدنيا والآخرة موقوفة على ذلك؛ وهو من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، ولا يتم هذا الواجب إلا بموالاة من دان به ومحبته ونصرته، ومعاداة من خالفه ولم يقبله وينقد له، وبغضه وجهاده.
ثم ذكر عباده نعمته عليهم، بأن جمعهم بعد الفرقة والاختلاف، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والبغضاء، وعرفهم ما هم فيه قبل الإسلام من التفرق والاختلاف.
فاشكروا نعمة الله عباد الله، واذكروا ما أنتم فيه سابقا قبل دخولكم في الإسلام، من اختلاف الكلمة، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وقطيعة الأرحام، وظهور المنكرات والفواحش، والتدين بدين أهل الجاهلية، فأنقذكم الله من هذه المهلكات، وفتح بصائركم لطلب الهدى؛ فهذه نعمة عظيمة.
وقد من الله عليكم أيها المسلمون، بولاية إسلامية، وأمانة دينية، تحثكم على الإسلام، وترغبكم فيه، وتدعوكم إليه، فضلا منه ونعمة؛ فاشكروا مولاكم على هذه النعمة، وارغبوا إليه في إدامتها، والاستقامة عليها، وتثبيت أهلها.
واحذروا: من الأسباب التي تزيل هذه النعمة وتهدمها، وتحول بينكم وبين القيام بها، فإنا لا نعلم على وجه الأرض أحدا يجب السمع والطاعة له، ويجب الجهاد معه، أولى من هذا الإمام، الذي من الله به في آخر هذا
стр. 6590
الزمان، وهو الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، أعلى الله مجده وأدام سعده.
ومما نوصيكم به أيضا ١: البصيرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الإنسان إذا أمر بأمر من أمور الخير نظر فيه، فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل، وسلامة في الدين والدنيا، وكان الصلاح في الأمر به، مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة; وإن كان يترتب على ذلك شر وفتنة وتفرق كلمة، ومضرة في الدين والدنيا، وكان الصلاح في تركه، وجب تركه ولم يأمر به، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وأيضا ينبغي لمن قصده الخير والدعوة إلى الله، التوقع في الأمور والتثبت، وعدم الطيش والعجلة، والحرص على الرفق، والملاطفة في حال الدعوة، فإن في ذلك خيرا كثيرا; وينبغي له أيضا أن يسأل من له قدم صدق، ومعرفة راسخة، وبصيرة نافذة، ولا ينظر إلى الأشخاص، ولا إلى من ليس له بصيرة.
وهجران أهل المعاصي يختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال والأزمان، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة، والمعرفة التامة، وأقل الأحوال إذا لم يحصل للعبد ذلك، أن يقتصر على
стр. 6591
نفسه، كما قال ﷺ إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ١.
فإذا رأى الإنسان من يعمل شيئا من المعاصي، أبغضة على ما فيه من هذه المعصية، وأحبه على ما فيه من الطاعة؛ ولا يجعل بغضه على ما فيه من الشر، قاطعا وقاضيا على ما معه من الخير، بل يحبه ويواليه، وإن كان بغضه له على معصية يزجره، ويزجر أمثاله عن هذه المعصية مثلا هجره، وإن كان لا ينْزجر، ولا يرتدع هو وأمثاله، راعى فيه الأصلح؛ لأن النبي ﷺ هجر من علم أن الهجر يزجره ويردعه، وقبل معذرة من علم أن الهجر لا يزجره ولا ينجع فيه شيئا، ووكل سرائرهم إلى الله. ولزوم هذه الطريقة مع النية الصالحة، تدفع المضار، وتأتلف القلوب، ويكون على الآمر والناهي، الوقار والمحبة.
فاجتهدوا عباد الله، فيما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، واعلموا أنه لا ينجي عند اختلاف الناس واضطرابهم، وكثرة الفتن، إلا البصيرة، ولا تسألوا كل من انتسب إلى العلم، وتزيا بزيه، فإن العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنكم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة. وهذا من باب التواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] .
стр. 6592
فاتقوا الله عباد الله، ولا تكونوا ممن أعرض عن ذكر ربه، ولم يرد إلا الحياة الدنيا.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، لما يحب ويرضى، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
[رسالة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ إلى المسلمين من عسير وشهران وقحطان وغيرهم في تحقيق التوحيد ودين القيمة]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، إلى كافة من يراه من المسلمين، من عسير وشهران، وقحطان، وغيرهم من قبائل الحجاز، سلمهم الله وتولاهم، ووفقهم لما يرضي مولاهم، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بتحقيق التوحيد، الذي هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وتجريده عما ينافيه من الشرك من كل وجه، حتى في الألفاظ، فإن العبادة التي شرعها الله، متضمنة لإخلاص الدين لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] .
ودين القيمة، هو: دين الإسلام، الذي أمر الله به الأولين والآخرين، وخلقهم لأجله، قال تعالى: ﴿وَمَا
стр. 6593
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] .
والعبادة مبنية على أصلين: وهما أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، على لسان رسوله؛ هذان الأصلان هما حقيقة الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
فالأول: يتضمن إخلاص الألوهية لله، ولا يأله القلب غيره، لا محبة، ولا خوفا، ولا رجاء، ولا إجلالا، ولا تعظيما، ولا يصرف لغيره شيئا من العبادات، كالذبح والدعاء والنذر، والاستغاثة، والاستعانة، والاستعاذة، وغير ذلك من أنواع العبادة، التي من صرف منها شيئا لغير الله لم يكن عاملا بما دلت عليه، شهادة أن لا إله إلا الله، وإن نطق بها لسانه؛ فإن سعادة العباد موقوفة، على العمل بما أوجبه الله عليهم، وخلق لأجله.
الأصل الثاني: تصديق الرسول ﷺ في جميع ما أخبر به، وطاعته فيما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه؛ فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا حلال إلا ما أحل الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله على لسان رسوله؛ فما لم يشرعه ويأذن فيه، فهو مما حرمه الله وحظره على عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] .
فمن دعا إلى غير دين الله فقد أشرك، ومن دعا إلى غير ما شرعه رسول الله فقد ابتدع. والبدعة تؤول إلى الشرك، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ
стр. 6594
دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] .
فجعل طاعة العلماء والأمراء في التحليل والتحريم، عبادة؛ فلا يكون العبد مسلما حقا إلا بالانقياد لأوامره، واتباع ما جاءت به رسله والانتهاء عن نهيه، والائتمار بأمره.
إذا علمتم ذلك، فاعلموا أن الله ﵎ أوجب عليكم العمل بدينه، والقيام بشرعه، وترك جميع المحرمات التي حرمها عليكم، في الأقوال والأفعال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه من آكد شرائع الإسلام.
قال تعالى مادحا لهذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] .
وقال تعالى، ذاما لمن تركه: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٩] .
وقال ﷺ : لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليوشكن الله أن يضرب قلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم: وهذا تحذير لهذه الأمة عن طريقة من كان قبلهم من اليهود والنصارى، فإنهم كانوا لا يتحاشون عن مجالسة أهل المعاصي ومجامعتهم، ومواكلتهم ومشاربتهم، فلما علم الله
стр. 6595
ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض، ثم لعنهم على لسان أنبيائهم.
فالحذر الحذر، عن ارتكاب طريقة أهل الكفر والضلال، فيحل بكم ما حل بهم من العقوبة والنكال، وقال ﷺ : بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر.
ومن أعظم المنكرات وأقبحها وأشنعها، وأبعدها عن موجبات الجنة والنجاة من النار، بل هو من نواقض الإسلام العشرة: الإعراض عن واجبات دين الله، وعن تعلم ما أوجبه الله عليكم، وتعبدكم به، وعدم تعليمه، والاستغناء بالجهل والغفلة والعوائد الضالة المخالفة لدين الله، فإن هذا من أعظم ما يوجب سخط الرب، وحلول النقمة العاجلة، مع ما يضاف إلى ذلك من ارتكاب المحرمات، وابتداع البدع الشنيعة، نسأل الله السلامة والعافية لنا ولكم في الدنيا والآخرة.
ومن المنكرات أيضا: عدم الاهتمام بشأن الصلاة والمحافظة عليها في المساجد مع الجماعات، وترك تأديب من تخلف أو تكاسل عنهما، قال تعالى، ذاما لمن كانت هذه حاله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] ، بئر في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم، شديد الحر.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ
стр. 6596
سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٤-٥] .
صلى الله عليه وسلمقال العلماء: فسر السهو بعدم الحضور مع الجماعات في المساجد، وبالغفلة عن ذكر الله، وعدم الطمأنينة في الصلاة، ونقرها، قال ﷺ : تلك صلاة المنافق، كررها ثلاثا، قال: حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا.
فالمتخلف عن الصلاة والمتكاسل عنها منافق معلوم النفاق، كما أن المحافظ عليها قد شهد له الرسول بالإيمان، قال ﷺ : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ١، فالذي لا يشهد الجماعة، يشهد عليه بالنفاق.
قال ﷺ : لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم ٢، وقال ﷺ : أثقل الصلاة على المنافقين، صلاة العشاء والصبح، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوا ٣.
وقال ﷺ : من حافظ على الصلاة كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ٤. فالله الله عباد الله، في المحافظة على الصلاة، والقيام بحقوقها وأدائها على الوجه الذي شرعه الله ورسوله.
стр. 6597
ومن المنكرات أيضا: اختلاط النساء بالرجال في الحارات والأسواق، فهذا من المنكرات، والتساهل فيه وعدم الإنكار له، دليل على عدم الغيرة، فإن الذي لا يغار لحرمه، ولا يأسف من دخول النساء على الرجال، والرجال على النساء "ديوث"والديوث لا يدخل الجنة، بنص رسول الله ﷺ .
فالواجب عليكم، معشر المسلمين الغيرة على نسائكم، ومنعهن من الدخول على الرجال الأجانب، ومباشرتهن للأضياف، فإن غالب من لا غيرة له يرى أن من إكرام الضيف أن نساءه تخدمه، وهذا من الفضائح- عياذا بك اللهم من المخازي- التي تنكرها الفطر السليمة، والعقول المستقيمة؛ فالذي لا غيرة له، لا دين له.
فيجب عليكم منعهن من ذلك، وإلزامهن بتغطية وجوههن، وعدم كشفها، لأن المرأة عورة لا يجوز لها كشف شيء من جسدها، إلا الوجه في الصلاة؛ فيجب عليكم تعليم نسائكم الصلاة، وتفقد أحوالهن، قال ﷺ : ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته ومسؤول عن رعيته..... ألا فكلكم راع ومسؤول عن رعيته.
فيجب على كل أمير يريد نجاة نفسه، تفقد رعيته، وتفقد أحوالهم، في دينهم ودنياهم، فإنه مسؤول يوم القيامة عمن استرعاه الله عليه، فينظر ماذا يجيب مولاه حين يلقاه،
стр. 6598
قال ﵊: ما من وال يسترعيه الله على رعية، ثم لم يحفظها بنصيحة، إلا لم يرح رائحة الجنة ١ فالنجاء النجاء والحذر الحذر، معاشر الأمراء والمسلمين!!
ومن المنكرات أيضا: بخس المكاييل والموازين، والأخذ من الناس بالوافي، والدفع لهم بالناقص، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَالَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة المطففين آية: ١-٥] .
وقد عذب الله أمة من الأمم، بالأخذ على أهل أسواقهم، يزعمون أنه من باب الإمارة والكيالة؛ فإن هذا سحت حرام، لا يحل ولا يجوز، ومتعاطيه قد تعاطى الحرام الصرف، قال ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس ٢.
وبالجملة: فالمنكرات الشنيعة، والبدع الفظيعة بين أظهركم، لا تحصى ولا تعد ولا تستقصى، فيجب عليكم الرجوع إلى مولاكم، وقبول الحق ممن إليه دعاكم.
فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨١] ، واحذروا حلول العقوبات والمثلات، والله يشهد أني قد أبلغتكم، وما أنا عن السكوت بمعذور، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 6599
[الحث على الصلاة والمحافظة عليها والقيام على المتخلف والتحذير من الربا]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، إلى جانب الأخ المكرم: محمد بن إبراهيم وجماعته، من أهل الرويضة، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد: الموجب لهذه النصيحة الشفقة عليكم، فأعظم ما يوصى به تقوى الله تعالى، بامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن الله ﵎ قد أوجب على عباده العمل بشرعه، والقيام به، وجعل ثواب ذلك رضاه والجنة.
ومن أعظم ما أمر الله به وأوجبه بعد الشهادتين: الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والمبادرة لأدائها في أوقاتها؛ وجعل ذلك دليلا على الإيمان والتقوى، وحذر عن التكاسل عنها، والتخلف عن حضورها.
وعدم المبالاة بذلك دليل واضح، وعلم فاضح على النفاق، قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [سورة التوبة آية: ٥٤] .
وقال تعالى، ذاما لهم ومتوعدا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٤-٥] : فويل: واد في جهنم بعيد قعره، خبيث طعمه، أعده الله للمتخلف عن الصلاة، والمتكاسل عنها، لأن المتخلف عن وقتها، وعدم الحضور مع الجماعات، نوع من السهو.
стр. 6600
وقال ﷺ : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدودن من دينكم الصلاة. وقال ﷺ : من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي ابن خلف ١.
فهؤلاء أئمة الكفر، ورؤساء الضلال، كفى للمتخلف عن الصلاة عقوبة ونكالا أن يكون قرينا لهم، ورفيقا في دار الهوان.
وكفى للمحافظ على الصلوات والمبادر إليها، والمؤدي لها على الوجه المرضي المحبوب لله، شرفا وسلامة أن يكون له يوم القيامة نور يهتدي به، وحجة يحتج بها، ونجاة ينجو بها من دركات العذاب، وأن يكون مع النبيين والصديقين، والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
إذا علمتم ذلك فالواجب عليكم القيام على المتخلف، وتأديبه وتفشيله، أولا بالرفق، وثانيا بالأدب البليغ الذي يردعه ويزجر أمثاله؛ فإن الصلاة من أعظم حقوق الإسلام؛ فبإكمالها يكمل، وبتضعيفها والاستخفاف بها يضمحل، فعلى قدر الرغبة في الصلاة، تكون الرغبة في الإسلام.
ومن الواجب عليكم أيضا: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه من أعظم شعائر الإسلام، ومما يوجب
стр. 6601
استقامته وثباته؛ وقد فرضه الله على عباده، وحثهم عليه، وأخبر أن القيام به والتواصي به من صفات المؤمنين؛ وأن تركه والتغافل عنه، وعدم الاهتمام به، وتمشية الحال على أي حال، وعدم إزعال الناس، وكونه يقول ما علي منهم، ولا كلفت فيهم، لاسيما إذا كان ذا قدرة واستطاعة، من أوصاف المنافقين.
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] .
وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٧] ، فأخبر سبحانه أن هذه الأمة خير الأمم، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأعظم المعروف: التوحيد والعمل به، ومعرفته واعتقاده، والقيام بواجباته وأركانه، والدعوة إليه، وإرشاد الناس إلى ذلك، والإنكار على من أعرض عنه، أو جحده أو دان بضده وهو أعظم المنكر، أي الشرك والكفر، وصرف عبادة الله لغير الله؛ والمعاصي كلها من المنكر، صغيرة كانت أو كبيرة.
وقد ذم ﵎ من تركه، وتوعده ولعنه في محكم كتابه، فقال ذاما لبني إسرائيل ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا
стр. 6602
كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] .
والذم وإن كان المراد به بني إسرائيل، فحكمه باق لمن فعل كفعلهم.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٥] ، فلا نجاة عند حلول العقوبات، إلا بالإنكار على أهل القبائح والسيئات.
وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم ١.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يوشك أن تخرب القرى وهي عامرة. قيل: يا أمير المؤمنين كيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها على أبرارها، وساد القبيلة منافقوها يعني إذا كان الغلبة لأهل الشر والفساد، والسادة والأمراء أهل النفاق ليس لهم رغبة في الدين، ولا يبالون بما يهدم الإسلام ويوهنه.
وعن جرير بن عبد الله، ﵁ عن النبي ﷺ قال: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعملها، فلم يغيروا عليه، إلا عمهم الله بعقاب من عنده ٢.
وقال ﵊: بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، وعن بعض السلف
стр. 6603
أنه قال: المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والذي يسكت عن الحق شيطان أخرس.
إذا عرف هذا، فاعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا، بل ربما فسح في الأجل، وزاد في الرزق، فإنه- أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- تحصل به البركات، وتستدفع به النقمات، وتمحى به الأمراض والآفات، فقوموا بواجباته تتم لكم النعمة وتكونوا به ملوكا في الجنة.
وكذلك المعاملة بالربى الذي حرمه الله ورسوله، ولعن متعاطيه، وأخبر تعالى في كتابة أنه محارب له؛ ومن حارب الله فهو مكسور مخذول.
ومن أعظم ما تعاملوا به "التصحيح"، وذلك إذا كان لإنسان ديْن، إما رأس مال، أو ثمن تمر، أو غير ذلك، قال: هات لي دراهم تسلفها، وأوفني بها، تم أكتبها عليك، وردها على صاحبها؛ فهذا مثل الذي يغسل الدم بالدم ويغسل النجاسة بنجاسة؛ وهذا ربا الجاهلية الذي لعن ﷺ آكله وموكله، وشاهده وكاتبه.
ومنها: أنه يعطيه دراهم، أو ثمن بز، أو غير ذلك، ولا يقطع بينه وبينه سعرا، ويقول: كتبي كتب فلان، أو كتب الجماعة؛ فهذا عقد فاسد فلا يجوز إسلام الدراهم في مجلس العقد، إلا بشيء معلوم، فإن كان ما فعل هذا، وأعطاه من غير قطع سعر، فما جاءه من الربح فلعميله، ما له
стр. 6604
إلا رأس ماله، وما تصدق وأنفق على عياله فهو من مال غيره، يعامل في مال الغير.
وكذلك السلف، إذا كان الإنسان يسلم لآخر، ويقول: هذا سلم، وهذا قرض، فهذا حرام، لأن الرسول ﷺ قال: كل قرض جر نفعا فهو ربا. ومنها بيع القهوة بالعيش إلى أجل، لا يجوز، لأنه من الربا، وكذلك بيع الدهن بالعيش ما يجوز، لأن كل مكيل لا يباع بمكيل نسأ.
فاتقوا الله عباد الله، وخذوا لأنفسكم في أسباب النجاة، واحذروا ما يوجب الهلكات، ونزع البركات، وحلول المثلات، كما وقعت بمن كان قبلكم من الأمم الخاليات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد.
[رسالة الشيخ محمد بن عبد اللطيف إلى خالد بن منصور بن لؤي وأخيه للتهنئة بمعرفة ما بعث الله به رسوله]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، إلى جانب ذي الجناب المنيع، والحسب الزكي الرفيع، خالد بن منصور بن لؤي الشريف، وأخيه نائف، سلمهما الله تعالى، وهداهما، وحفظ عليهما دينهما وتولاهما، ورزقهما التبصر والبصيرة، وأصلح لهما العلانية والسريرة، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الكتاب: هو إبلاع السلام، والتهنئة بما من الله عليكم من معرفة هذا الدين، الذي بعث الله به سيد
стр. 6605
المرسلين، لأن الله بعثه على حين فترة من الرسل، وبقايا من الأمم، فصدع بما أوحي إليه من إخلاص العبادة لله، وترك عبادة ما سواه، من الأوثان والأصنام، التي هي غالب معبودات الخلق.
فعارضه وصده عما جاء به الملأ والرؤساء، لأن ما جاء به قد خالف عاداتهم ومألوفاتهم التي نشؤوا عليها، وعز تخلصهم منها.
فلم يبال بمن خالفه، بل دعا إلى الله سرا وجهارا، ليلا ونهارا، وتبعه من تبعه على ذلك، وهم أفراد من الناس؛ وأخذ في الدعوة سنين يدعو إلى التوحيد، وينذر عن الشرك والتنديد، وهم مع ذلك- أعني الملأ والرؤساء- يكافحون بالعداوة، وينفرون عنه ويحشدون عليه الأعداء ويؤلبون.
فأظهره الله على كافة من ناوأه، وذلك بعد ما أمر بالهجرة، هاجر إلى المدينة، فأواه ونصره الأنصار، وهم الأوس والخزرج، وعاهدوه وعاقدوه، على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم، فجرد عزم الجهاد، وقاتل من أبى عن قبول ما جاء به.
أخذ على ذلك عشر سنين، يقاتل من عصاه بمن أطاعه، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وظهر نور الرسالة، وعم الأقطار البادي منهم والحاضر، فلم يقبضه الله إليه حتى أكمل له ولأمته الدين، وبلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
стр. 6606
ثم بعدما توفي، ارتد من ارتد من العرب، فقاتلهم أبو بكر الخليفة الراشد، ومن معه من الصحابة، ﵃، حتى دخلوا من الباب الذي خرجوا منه، ثم لم يزل الخلفاء يجاهدون ويقاتلون من خرج عما جاء به نبيهم ﷺ .
فلما أبادوا القياصرة والأكاسرة، واستولوا على بلادهم وأموالهم، حدثت البدع. فأول بدعة حدثت: بدعة الخوارج، وهم قوم من أصحاب علي بن أبي طالب، ممن أخذ العلم عن الصحابة، فكفروا عليا ﵁ وأصحابه، وكفروا أهل الكبائر من هذه الأمة، وحكموا على من ارتكب كبيرة بالخلود في النار والكفر.
ثم خرجت المعتزلة، وحكموا على الفاسق بالخلود في النار، فوافقوا الخوارج في الحكم، وخالفوهم بالاسم. فالخوارج يقولون: أهل الكبائر كفار مخلدون في النار، والمعتزلة يقولون: فساقا، ويخلدون في النار، وكلتا الطائفتين خارجة عن الصراط المستقيم، وما عليه السلف الصالح من أهل الملة والدين.
ثم تتابعت البدع وكثرت، كبدعة القدرية والمرجئة، والجهمية وغير ذلك من البدع، التي حقيقتها مخالفة الكتاب والسنة.
إذا علمت ذلك، فاعلم أن الله ﵎ منّ في
стр. 6607
آخر هذا الزمان، في القرن الثاني عشر، بظهور من دعا إلى ما دعت إليه الرسل، وهو: شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله الجنة بمنه وكرمه؛ لأنه خرج في زمن فترة من أهل العلم، تشبه الفترة التي بين الرسل، فدعا إلى الله، وبصر الخلق بحقيقة ما خلقوا له من إخلاص العبادة لله، وترك عبادة ما سواه، الذي هو أول مدلول شهادة أن لا إله إلا الله فجد واجتهد، وأعلن بالدعوة.
فعارضه من عارضه، ممن استهوتهم الشياطين، واجتالتهم عن فطرهم التي فطروا عليها، فقام في رد ما جاء به علماء السوء، بشبهات وضلالات أوهن من بيت العنكبوت، واستعانوا بملأ هم من الرؤساء والأمراء، فجدوا في إطفاء نور الله، فأبى الله إلا أن يتم نوره ويعلي كلمته.
وأنتم- ولله الحمد- يبلغنا عنكم من القيام لله، والدعوة إلى دينه، ونصرة من دان به، ما يسرنا، ولكن الداعي إلى الله لا بد أن يسلك الطريقة الوسط، التي هي هدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين، وأن يتخلق بالأخلاق المرضية، من العلم والبصيرة، والحلم والرفق، واللطف واللين، وعدم التعنيف.
بل يكون جل مقصوده ومرامه أن يدخل الناس في هذا
стр. 6608
الدين، لأن الناس اليوم في مقام دعوة وتأليف، ليس مقام غلظة وتعنيف، لاسيما الرؤساء والقادة؛ والغلظة ليست ديدنا للرسول ولا خلقا له، كما يظنه من ظنه من جهلة المتعلمين.
فليكن لك رغبة في تأليف الناس ودعوتهم، برفق وتلطف في حال الدعوة، فإذا لم ينجح اللين واللطف، وكان الغلبة لأهل الحق والقوة لهم، وأهل الشر قليلون، فالغلظة على المخالف في محلها.
هذا ونسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق، لما فيه سعادتنا في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[وصية المسلمين بتقوى الله وتذكيرهم بنعمة الإسلام وما أنعم الله به عليهم بسببه]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، محمد وآله وصحبه والتابعين.
إلى من يراه من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحمانا وإياهم من طوارق البليات، وأصلح لنا ولهم الأقوال والأفعال، والنيات،
стр. 6609
آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: موجب الخط النصيحة لكم، والشفقه عليكم فأول ما أوصيكم بتقوى الله ، لأنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١ب] ، والتقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وتترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. قاله طلق بن حبيب رحمه الله تعالى.
ثم تذكيركم ما من الله به عليكم من نعمة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] . فضل الله: الإسلام، ورحمته: أن جعلكم من أهله. ثم أعطاكم الله بالإسلام من النعم التي لا تحصى، وما دفع عنكم به من النقم التي لا تستقصى.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٦] الآية.
وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٩] الآية.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١] .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١] الآية.
وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة النور آية: ٥٥] الآية.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 6610
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ، إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] الآية. وحق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
فاشكروا الله تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا تعدوا حدوده، فإن الشكر عمل، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] ، قال سليمان ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [سورة النمل آية: ٤٠] .
والشكر سبب لزيادة النعم وثبوتها قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] الآية. وحذركم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ،: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٥] : ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٣] أي: لا تخافون لله عظمة.
واعلموا أن كل شر الدنيا والآخرة فسببه الذنوب والمعاصي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣٠] ، وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٥] إلى قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٥] .
وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٥] ، الآية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا
стр. 6611
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] الآية.
وفي الحديث: إذا رأيت الله يتابع نعمه على عبده وهو مقيم على المعاصي، فإنما هو استدراج ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٤] ١ الآية.
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والسرور، إلى دار التعب والبؤس والشرور؟ وما الذي طرد إبليس من ملكوت السماوات والأرض، وسلبه السيادة، وعوضه عنها القيادة؟ وما الذي أغرق قوم نوح حتى علا الماء على رؤوس الجبال؟
وما الذي سلط الريح على قوم هود فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ وما الذي أرسل الصيحة على ثمود، حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم؟ وما الذي رفع القرى اللوطية ثم قلبها عليهم، وأتبعهم حجارة من سجيل؟
وما الذي جمع على قوم شعيب رجفة من تحتهم، وصيحة من فوقهم، حتى هلكوا عن آخرهم؟ وما الذي أغرق قوم فرعون فجعل أجسامهم للغرق، وأرواحهم للحرق؟ وما الذي أهلك القرون من بعد قوم نوح بأنواع العقوبات؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، فقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء؟ ثم بعثوا عليهم مرة ثانية فتبروا ما علوا تتبيرا؟
وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات؟ مرة بالقتل
стр. 6612
والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، هذا مسخ الأبدان، ثم مسخ قلوبهم فجعلها قاسية، ولأوامر الله ناسية، وآخر ذلك أقسم الله ﵎: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٧] .
وكل هذه العقوبات فسببها الذنوب والمعاصي، والإعراض عما جاءت به الرسل، فكل من فعل فعلهم، وعصى الله، وخالف أمره ونهيه، حل بهم من العقوبات بمثل ما حل بأولئك.
وفي مسند الإمام أحمد عن أم سلمة ﵂، قالت، قال رسول الله ﷺ : إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده ١.
وفي مراسيل الحسن: لا تزال هذه الأمة تحت يدي الله وكنفه، ما لم تمال قراؤها أمراءها، وما لم يزك صلحاؤها فجارها، وما لم يهن خيارها أشرارها، فإذا فعلوا ذلك، رفع الله عنهم يده، وسلط عليهم جبابرته، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر.
وعن ابن مسعود ﵁: إذا ظهر الزنى في قرية أذن الله بهلاكها وفي المسند عن ثوبان مرفوعا: يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قلنا: يا رسول الله، أمن قلة منا يومئذ؟ قال: بل أنتم كثيرون، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنْزع المهابة من
стр. 6613
قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن ١
وفي جامع الترمذي مرفوعا: يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضان من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى: أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت؛ لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيهم حيرانا.
وفي مراسيل الحسن: إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا بالأرحام، لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم.
وفي سنن ابن ماجة، من حديث ابن عمر ﵁ قال: كنت عاشر عشرة من المهاجرين، عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا بوجهه، وقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.
ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم.
стр. 6614
وروى ابن أبي حاتم عن علي ﵁ أنه خطب فقال: يا أيّها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا أخذتهم العقوبات، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم الذي نزل بهم، واعلموا: أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا.
وروى الإمام أحمد، عن جرير مرفوعا: ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعز منه وأمنع لم يغيروا عليه، إلا أصابهم الله بعذاب من عنده ١ وقال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَار﴾ ُ [سورة المائدة آية: ٦٣] .
قال ابن النحاس: دلت الآية على أن تارك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كمرتكبه، والآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما قاله القرطبي: وتالله إنهم لأهل لكل توبيخ، فأنى يصلح الناس والعلماء فاسدون؟ أم كيف تعظمون المعصية في قلوب الجاهلين، والعلماء بأفعالهم وأقوالهم لم ينهوهم عنها؟ أم كيف يرغب في الطاعة، والعلماء لا يأتونها؟ أم كيف يتركون البدع والعلماء يرونها فلا ينكرونها؟ إلى أن قال:
وأما في زماننا هذا؛ فقد قيد الطمع ألسن العلماء فسكتوا، إذ لم تساعد أقوالهم أفعالهم، ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم، فإذا نظرنا إلى فساد الرعية، وجدنا سببه فساد الملوك؛ وإذا نظرنا إلى فساد الملوك وجدنا سببه فساد العلماء
стр. 6615
والصالحين؛ وإذا نظرنا إلى فساد العلماء والصالحين، وجدنا سببه ما استولى عليهم من حب المال والجاه، وانتشار الصيت ونفاذ الكلمة، ومداهنة المخلوقين، وفساد النيات والأقوال والأفعال. انتهى.
وفي مسند أبى داود عن ابن مسعود مرفوعا: أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول يا هذا: اتق الله ودع ما تصنع، فإن هذا لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده.
فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الذين كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهُونَ عِن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ١ الآية ثم قال: كلا والله، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا.
وروى الإمام أحمد عن حذيفة مرفوعا: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ٢.
وروى الإمام أحمد أيضا عن عدي بن عمرة، مرفوعا: إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا
стр. 6616
المنكر بين ظهرانيهم فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الخاصة والعامة ١.
وفي حديث أبي ثعلبة مرفوعا: ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا أو هوى متبعا، ودنيا موثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر فيها على دينه، كالقابض على الجمر، للعامل فيه أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله، قلنا: أمنا أو منهم؟ قال: بل منكم حسنه الترمذي.
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة مرفوعا: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي ٢ وفي لفظ: إذا فسد الناس.
وقد حذر النبي ﷺ عن فتنة الشهوات والشبهات، وحذر من فتنة الدنيا وفتنة النساء، كما روى الإمام أحمد ﵀، عن أبي برزة مرفوعا: إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الفتن ٣ وفي لفظ "الهوى".
فهاتان الفتنتان بهما أصبح أكثر الناس متقاطعين متباغضين متنافسين، متحاسدين، بعد أن كانوا متحابين متواصلين، فتنة بعض الخلق بالدنيا وزينتها، فلها يطلبون، ولها يرضون، ويسخطون، وعليها يوالون ويعادون، وهل
стр. 6617
قطعوا أرحامهم وسفكوا دماءهم إلا بذلك؟
فرحم الله امرأ أناب إلى ربه، واستغفر لذنبه، فقد بان كثير من أشراط الساعة، منها: إضاعة الصلاة، وقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٨] ، وخيانة الأمانة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء آية: ٥٨] .
وعن ابن مسعود مرفوعا، قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، إلا الأمانة والدين، يؤتى بالعبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال له: أد أمانتك، فيقول يا رب، كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: انطلقوا به إلى الهاوية.
فينطلقون به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيردها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيجعلها على منكبه، حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبه، فيهوي في أثرها أبد الآبدين، قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وعدد أشياء، وأشد من ذلك الودائع، فأتيت البراء فقلت: ألا ترى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا وكذا، قال: صدق رواه البيهقي.
وأكل الربا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة البقرة آية:٢٧٥-٢٧٨] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 6618
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٠] الآية.
والكذب في المعاملات، وبيع الدين بالدنيا، وقد قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٦] .
وكذلك قطع الأرحام، قال تعالى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٢] .
قال ﷺ : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى، قال: فذلك لك، فقال رسول الله ﷺ : اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٢] ١ إلى آخر الآية.
وكذلك شهادة الزور وقد قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور﴾ ِالآية [سورة الحج آية: ٣٠] .
وعن ابن عمر ﵄: إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار.
ولهما في حديث أبي بكرة: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ٢
وكذلك لبس الحرير فقد قال ﷺ : إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة ٣.
قال الحسن: فما
стр. 6619
بال أقوام يبلغهم هذا عن رسول الله ﷺ فيجعلون حريرا في ثيابهم وبيوتهم؟ .
وقال ﷺ : الحرير حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثها ١، فحرم الحرير على الذكور، ورخص فيه للإناث، ولأحمد: "لا يستمتع بالحرير بالدنيا، من يرجو لقاء الله وأيامه وحسابه".
وأما القدر المباح منه، فكما روى البخاري وأهل السنن، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان: أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام ٢.
وأخرج مسلم وأبو داود: أن عمر ﵁ خطب، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة ٣ فهذا نهي عام عن استعمال الحرير، إلا ما استثني منه، وهو قدر أربعة أصابع عرضا لا طولا.
وكذلك ائتمان، الخائن، وتخوين الأمين، واستعمال الدخان، وهو حرام ملحق بالمسكر، لقول رسول الله ﷺ كل مسكر حرام ٤.
والنفقة للجاه والمفاخرة، وطلب الدنيا بعمل الآخرة، والقسوة التي عمت القلوب، كل هذا سببه المعاصي، والذنوب. وأنتم ترون كيف تحدث الآفات في الزروع. والثمار،
стр. 6620
آفات متلازمة، أخذ بعضها برقاب بعض، فكلما أحدث الناس ظلما وفجورا، أحدث لهم ربهم ﵎ من الآفات والعلل، في أغذيتهم، وأهويتهم، وفواكههم، ومياههم، وخلقهم، وصورهم، ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم، ولا يظلم ربك أحدا.
فاسمعوا مواعظ الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] . نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، من الأقوال والأفعال والنيات، وأن يرزقنا الثبات على الإسلام إلى الممات، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.
والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد.
[الحث على شكر النعم وبيان الشكر وآثاره والحث على التوبة]
وقال أيضا، الشيخ: محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهم الله تعالى ١.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، محمد وآله وصحبه، والتابعين.
إلى من يراه من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحمانا وإياهم من طوارق البليات، وأصلح لنا ولهم الأقوال، والأعمال، والنيات،