المنكر بين ظهرانيهم فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الخاصة والعامة ١.
وفي حديث أبي ثعلبة مرفوعا: ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا أو هوى متبعا، ودنيا موثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر فيها على دينه، كالقابض على الجمر، للعامل فيه أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله، قلنا: أمنا أو منهم؟ قال: بل منكم حسنه الترمذي.
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة مرفوعا: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي ٢ وفي لفظ: إذا فسد الناس.
وقد حذر النبي ﷺ عن فتنة الشهوات والشبهات، وحذر من فتنة الدنيا وفتنة النساء، كما روى الإمام أحمد ﵀، عن أبي برزة مرفوعا: إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الفتن ٣ وفي لفظ "الهوى".
فهاتان الفتنتان بهما أصبح أكثر الناس متقاطعين متباغضين متنافسين، متحاسدين، بعد أن كانوا متحابين متواصلين، فتنة بعض الخلق بالدنيا وزينتها، فلها يطلبون، ولها يرضون، ويسخطون، وعليها يوالون ويعادون، وهل
стр. 6617
قطعوا أرحامهم وسفكوا دماءهم إلا بذلك؟
فرحم الله امرأ أناب إلى ربه، واستغفر لذنبه، فقد بان كثير من أشراط الساعة، منها: إضاعة الصلاة، وقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٨] ، وخيانة الأمانة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء آية: ٥٨] .
وعن ابن مسعود مرفوعا، قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، إلا الأمانة والدين، يؤتى بالعبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال له: أد أمانتك، فيقول يا رب، كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: انطلقوا به إلى الهاوية.
فينطلقون به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيردها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيجعلها على منكبه، حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبه، فيهوي في أثرها أبد الآبدين، قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وعدد أشياء، وأشد من ذلك الودائع، فأتيت البراء فقلت: ألا ترى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا وكذا، قال: صدق رواه البيهقي.
وأكل الربا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة البقرة آية:٢٧٥-٢٧٨] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 6618
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٠] الآية.
والكذب في المعاملات، وبيع الدين بالدنيا، وقد قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٦] .
وكذلك قطع الأرحام، قال تعالى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٢] .
قال ﷺ : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى، قال: فذلك لك، فقال رسول الله ﷺ : اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٢] ١ إلى آخر الآية.
وكذلك شهادة الزور وقد قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور﴾ ِالآية [سورة الحج آية: ٣٠] .
وعن ابن عمر ﵄: إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار.
ولهما في حديث أبي بكرة: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ٢
وكذلك لبس الحرير فقد قال ﷺ : إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة ٣.
قال الحسن: فما
стр. 6619
بال أقوام يبلغهم هذا عن رسول الله ﷺ فيجعلون حريرا في ثيابهم وبيوتهم؟ .
وقال ﷺ : الحرير حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثها ١، فحرم الحرير على الذكور، ورخص فيه للإناث، ولأحمد: "لا يستمتع بالحرير بالدنيا، من يرجو لقاء الله وأيامه وحسابه".
وأما القدر المباح منه، فكما روى البخاري وأهل السنن، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان: أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام ٢.
وأخرج مسلم وأبو داود: أن عمر ﵁ خطب، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة ٣ فهذا نهي عام عن استعمال الحرير، إلا ما استثني منه، وهو قدر أربعة أصابع عرضا لا طولا.
وكذلك ائتمان، الخائن، وتخوين الأمين، واستعمال الدخان، وهو حرام ملحق بالمسكر، لقول رسول الله ﷺ كل مسكر حرام ٤.
والنفقة للجاه والمفاخرة، وطلب الدنيا بعمل الآخرة، والقسوة التي عمت القلوب، كل هذا سببه المعاصي، والذنوب. وأنتم ترون كيف تحدث الآفات في الزروع. والثمار،
стр. 6620
آفات متلازمة، أخذ بعضها برقاب بعض، فكلما أحدث الناس ظلما وفجورا، أحدث لهم ربهم ﵎ من الآفات والعلل، في أغذيتهم، وأهويتهم، وفواكههم، ومياههم، وخلقهم، وصورهم، ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم، ولا يظلم ربك أحدا.
فاسمعوا مواعظ الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] . نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، من الأقوال والأفعال والنيات، وأن يرزقنا الثبات على الإسلام إلى الممات، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.
والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد.
[الحث على شكر النعم وبيان الشكر وآثاره والحث على التوبة]
وقال أيضا، الشيخ: محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهم الله تعالى ١.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، محمد وآله وصحبه، والتابعين.
إلى من يراه من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحمانا وإياهم من طوارق البليات، وأصلح لنا ولهم الأقوال، والأعمال، والنيات،
стр. 6621
آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالموجب لهذا هو النصيحة لكم، والشفقة عليكم، فأول ما أوصيكم به تقوى الله ، لأنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .
والتقوى حقيقتها: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله قاله طلق بن حبيب، ﵀.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ الآية﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢ - ١١٠] .
ثم تذكيركم: ما من الله به عليكم، من نعمة الإسلام، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] ، ففضل الله الإسلام، ورحمته أن جعلكم من أهله، ثم ما أعطاكم الله بالإسلام، من النعم التي لا تحصى، وما دفع به عنكم من النقم التي لا تستقصى.
وقوله: ﴿حق تقاته﴾ أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، فاشكروا لله تعالى، بامتثال
стр. 6622
أمره، واجتناب نهيه، وعدم تعدي حدوده، فإن الشكر عمل، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] .
وقال سليمان ﵇: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [سورة النمل آية: ٤٠] ، والشكر موجب لزيادة النعم وثباتها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] .
وحذركم الله بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقال،: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ، و: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٥] ،: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٣] ، أي: لا تخافون لله عظمة.
واعلموا أن كل شر في الدنيا والآخرة، فسببة الذنوب والمعاصي، وترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإعراض عن واجبات الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] .
قال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمه على عبده،
стр. 6623
وهو مقيم على المعاصي، فاعلم أنما هو استدراج، ثم قرأ:: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٤] .
فاحذروا- عباد الله- معاصي الله، وارتكاب محارمه، والوقوع في مساخطه ومناهيه، فإن هذه أسباب توجب حلول النقم والعقوبات، وزوال النعم وحلول المثلات؛ فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن يحل بكم من العقوبات، ما لا تقدرون على دفعه.
ففي مسند الإمام أحمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده ١.
وفي مراسيل الحسن: لا تزال هذه الأمة تحت يد الله تعالى وفي كنفه، ما لم تمال قراؤها أمراءها، وما لم يزك صلحاؤها فجارها، وما لم يهن خيارها أشرارها، فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم يده، وسلط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر.
وعن ابن مسعود ﵁: إذا ظهر الزنى في قرية أذن الله بهلاكها، وفي المسند عن ثوبان، مرفوعا: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قلنا: يا رسول الله، أمن قلة منا يومئذ؟ قال: بل أنتم كثيرون،
стр. 6624
ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنْزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن ١.
وفي جامع الترمذي، مرفوعا: يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت، لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيهم حيرانا ٢
وفي مراسيل الحسن: إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام، لعنهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم.
قال ابن مسعود: بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف، وبئس القوم قوم لا ينكرون المنكر.
وفي سنن ابن ماجه، من حديث ابن عمر ﵄ قال: كنت عاشر عشرة من المهاجرين، عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا بوجهه، فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم
стр. 6625
، فأخذ بعض ما في أيديهم ; وما لم تعمل أئمتهم بما في كتاب الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم
وقال عبد الله بن مسعود، ﵁: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر.
وروى ابن أبي حاتم، عن علي ﵁ أنه خطب، فقال: يا أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، فلم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن ينْزل بكم الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا
وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، عن جرير مرفوعا: ما من قوم يكون بين ظهرانيهم من يعمل بالمعاصي، هم أعز منه وأمنع، ثم لم يغيروا عليه، إلا أصابهم الله بعذاب من عنده ١.
واعلموا رحمكم الله أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، ومن أعظم ما يدفع الله به المحن والبليات، والقيام به سبب لظهور البركات؛ وأنتم ترون كثرة حدوث الآفات، في الزروع والثمار، آفات متلازمات، يتبع بعضها بعضا.
فكلما أحدث الناس ظلما وفجورا، وإعراضا- عما أوجب الله عليهم وتعبدهم به- وعدم إيثار لمراضيه، أحدث
стр. 6626
لهم ربهم ﵎ من الآفات والعلل في أغذيتهم وأهويتهم، وفواكههم وغور مياههم؛ وفي أخلاقهم وصورهم، وتتابع الأمراض والعقوبات، ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم، ولا يظلم ربك أحدا.
واعلموا- معاشر المسلمين- أن ربكم ﵎: ذكركم بما قضاه وقدره من هذه المصائب الواقعة، عبرة لكم وموعظة، لعلكم ترجعون وتنيبون إليه، وتتوبون من ذنوبكم، وتستغفرونه، كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] .
وفي الأثر: أن الرب ﵎، يقول: وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبادي على ما أكره، فيتحول منه إلى ما أحب، إلا تحولت له مما يكره إلى ما يحب فعليكم عباد الله، بالتوبة إلى ربكم، توبة نصوحا، وأن تحولوا عما يكره ربكم إلى ما يحب، لعل الله أن يتحول لكم عما تكرهون إلى ما تحبون.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً
стр. 6627
نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم آية: ٨] .
: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [سورة هود آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٠-١١] .
وقال ﷺ يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من مائة مرة.
وفي الحديث: من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب ١، ولا يكون العبد مستغفرا حقيقة، إلا إذا كان قلبة عازما على أن لا يعود، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال.
ومن أخطر الأسباب لمنع القطر، وموجبات القحط: التهاون بالمعاصي، وعدم المبالاة بها، وعدم الاهتمام بأمر الصلوات، لأن القيام بها والمسارعة إليها من خصال أهل الإيمان؛ والتخلف عنها والتكاسل من صفات المنافقين.
وكذلك ترك الزكاة، ومنع الأغنياء ما أوجب الله عليهم في أموالهم، والتمادي في الشهوات والمحرمات، وبخس المكاييل والموازين، والإسبال، وغير ذلك من الأسباب المانعة لنُزول الرحمة، ونزع البركات.
стр. 6628
ثم اعلموا- رحمكم الله- أن المسلمين قد عزموا على طلب السقيا من ربهم، فقد سن ﷺ للأمة إذا أبطأ عنهم المطر، أن يبرزوا إلى الصحراء ويصلوا، ويسألوا الله أن يسقيهم، وليكن ذلك بعد توبة، وبر قلوب، وصدق لجأ، وخشوع وتذلل، وخروج من المظالم، وسلامة من الغل والحسد وقطيعة الأرحام، والإقلاع من الذنوب جملة، وتجديد عزيمة على عدم العود إليها، وإظهار الفاقة والافتقار إلى الله، والمبادرة بين يدي ذلك بالصدقة على الفقراء والمحاويج، والإعتاق، وغير ذلك من أنواع فعل الخيرات.
فإن ذلك من أعظم ما يستجلب به ما عند الله من الرزق، ومن أعظم ما يدفع الله به العقوبات، ويرفع به المصائب والآفات.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتوب علينا وعليكم، وأن يعاملنا بعفوه، ويرحمنا برحمته، ونعوذ بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، ومن جميع سخطه، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وآله وصحبه أجمعين.
стр. 6629
[ذكر أعظم الواجبات والتحذير من الاختلاف واجتناب الغيبة والنميمة والتفسيق]
وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، وعدد من علماء نجد، وفقهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الله بن حسن، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، وعبد الله بن فيصل، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من إخواننا المسلمين، جمع الله قلوبنا وقلوبهم على طاعته، ووفقنا وإياهم جميعا لذكره وشكره، وحسن عبادته، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالموجب للكتاب إبلاغكم السلام، مع الوصية بتقوى الله تعالى، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] .﴾
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٧٠-٧١] .
والتقوى، هي: طاعة الله تعالى بما أمر به، واجتناب نواهيه، كما قال بعض السلف: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على
стр. 6630
نور من الله، تخاف عقاب الله.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ ّوَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ َيوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٦] ، قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف.
إذا علمتم ذلك فمن أعظم الواجبات على المسلمين، الاعتصام بكتاب الله، واتباع سنة رسوله ﷺ . ومن ذلك: الاجتماع على دين الله، والتواصي بالقيام به، والتعاون عليه، واجتناب الخوض والمراء في دين الله، وعدم التشاحن والتباغض، والتقاطع والتدابر.
واجتناب الغيبة والنميمة، وترك التفسيق والتبديع، والتضليل، والعدوان بالسب والضرب، وغير ذلك، مما لا ينبغي من بعض المسلمين لبعض.
فإن ذلك ينافي ما أمر الله به، وأمر به رسوله ﷺ من
стр. 6631
الأخوة بين المسلمين والموالاة، والتحاب، والتواصل، والتراحم، والتعاون على البر والتقوى، كما قال تعالى:: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] .
وفي الحديث، عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ١، وفي الحديث الآخر: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" ٣ رواه مسلم.
وفي وصية النبي ﷺ لمعاذ: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ٤
وعن أبي ذر مرفوعا: " من دعا رجلا بالكفر،" أو قال: " عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه" ٥. وعن سمرة مرفوعا: "لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار" ٦ صححة الترمذي، ولا شك أن هذا وما أشبهه من سب المسلم وذمه،
стр. 6632
بما ليس فيه، من عدم حفظ اللسان، وعدم التوقي والتحرز من شره، ومن أسباب التباغض والإحن والتفرق واختلاف الكلمة.
وفي الحديث عن ابن عمر، مرفوعا: "من قال في مسلم ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال، قيل: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار" ١ رواه أبو داود.
وعن بلال بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير، ما يعلم مبلغها، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر، ما يعلم مبلغها، يكتب الله له بها عليه غضبه إلى يوم يلقاه " ٢.
وفي حديث معاذ، قال: "قلت يا رسول الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" ٣.
ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا وإياكم جميع ما يسخطه ولا يرضاه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمد.
стр. 6633
[الحث على الشكر والتحذير من بأس الله وذكر ما يصيب القلوب]
وقال الشيخ: عبد الله بن عبد العزيز العنقري، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى أهل الغاط، جمع الله قلوبهم على الإيمان والتقوى، ودفع عنا وعنهم كل سوء وبلوى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، تفهمون- وفقكم الله- أن الله خلقكم لإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده، والبراءة مما سواه ; وعندكم معلوم أن عبادة الله لا تختص بوقت دون وقت، بل هي واجبة على الإنسان حتى يفارق الدنيا، كما قال تعالى.: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر آية: ٩٩] .
وأيضا فإنه يجب على العباد عند تجدد النعم، واندفاع النقم، أن يجددوا شكرا لمولاهم؛ وأنتم ترون ما أعطاكم الله، من كفايته التامة من شرور الأعداء، واجتماع المسلمين على ولاية عادلة دينية، أقام الله بها شرائع الإسلام والدين، وكف بها كيد المبطلين.
وكذلك ما أعطاكم الله من معرفة الإسلام ومحبته، وإيثاره على ما سواه من الأديان، فإن هذه النعمة نعمة جسيمة عظيمة، لا يقدر أحد أن يقوم بشكرها؛ وكذلك ما أعطاكم من الصحة، والأمن وغير ذلك من النعم التي لا تحصى.
فاتقوا الله عباد الله، وقيدوا نعمه بالشكر، فإن الشكر كفيل بالزيادة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
стр. 6634
لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] .
وفي الحديث: إن للنعم نفارا، فقيدوها بالشكر.
ومن أعظم الشكر: القيام بما أوجب الله وتأدية حقوقه عليكم، والتعاون على البر والتقوى، والقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على الوجه الشرعي، وترك التشاحن والتقاطع، فإن ذلك من أسباب نزع البركة في الدين والدنيا.
كذلك أداء الزكاة فإنها أحد أركان الإسلام. ومنعها من أسباب منع الرزق واحتباس القطر فمن كان عنده حق الله، فليتب إلى الله من منعه، وليدفعه إلى مستحقه، فإن مانعه مطوق به يوم القيامة طوقا من نار.
واحرصوا على تعلم ثلاثة الأصول، فإن الذي ما يعرف دينه من جنس البهائم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٩] .
وكذلك بخس المكاييل والموازين، فإنه ما بخس قوم المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين، وشدّة المؤونة، وجور السلطان. أعاذنا الله وإياكم من موجبات سخطه.
إذا عرف ذلك فأنا ملزم كل إمام مسجد، يعلم جماعته دينهم، ويحرص عليهم، ولا يغترون بأحد عن
стр. 6635
الحضور عند إمامه الذي يعلمه، فيرفع ذلك الإمام أمره إلينا؛ وأنتم، أي: النواب، ألزموا في كل مسجد إنسانا يتفقد جماعته، ومن تخلف عن صلاة الجماعة يؤدب، وينكل من توقف أو عارض الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
وعندكم معلوم أن الإمام أيده الله ملزمكم بهذا الأمر، وجاعله من ذمته في ذمتكم، وبعد ذلك في ذمتنا، فأنتم اقصدوا وجه الله، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا تنظروا وجه أحد؛ والله المسؤول أن يجعلنا وإياكم ممن امتثل أمر ربه وأطاعه، ولا يجعلنا وإياكم ممن عصى أمره وأضاعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[كيفية النصح لأهل البدو والوصية بهم وحكم طاعة الله ورسوله وولاة الأمر]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى الأخ المكرم: حمد بن محمد بن موسى، سلمه الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والموجب لذلك: السلام، والسؤال عن حالك ; وأنت يا أخي ما تخفاك طبائع البدو، ولا يؤاخذون ببعض الأمور التي هي من طبعهم سابقا، وتغلب عليهم، وأنت لا تدخر استجلابهم ومناصحتهم، خصوصا الأمير، لأنه ربما يغتر في شيء ما يبين له من جهة الشرع، فإذا بينت له ما لحقه شك.
стр. 6636
كذلك الذين ينازعونه، تأتيهم وتناصحهم، لأنه ربما أن لهم ملاحظة طلب شرف، ويعن لهم شبهة في أمر الدين، ويجمعون هذا مع هذا، فإذا كشفت عنهم الشبهة، ما بقي لهم حجة؛ فإذا استعملت الرفق في موضعه، والقوة في موضعها، استقامت الحال، مع توفيق الله، والإشارة تكفي مثلك إن شاء الله تعالى؛ والجماعة كتبنا لهم نصيحة تقرأها عليهم إن شاء الله، والسلام، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى كافة إخواننا أهل مبايض، وفقهم الله تعالى وهداهم، وأعاذهم من شرور أنفسهم وهواهم، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والموجب: إبلاغكم السلام، جعلنا الله وإياكم من أتباع سيد الأنام، وتفهمون ما في وجوب طاعة الله، ورسوله، وولاة الأمر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، وطاعة من ولاه الله الأمر، من الحكام والأمراء.
وأمر برد ما تنازعنا فيه، إلى الله ورسوله، يعني: إلى الكتاب والسنة، فتبين بذلك أن الذي لا يرد أمره إلى
стр. 6637
الكتاب والسنة، ليس من المؤمنين، وقال ﷺ في خطبته، "أيها الناس، اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم" ١.
وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: "من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " ٢، وإياكم والتفرق والاختلاف؛ فإن ذلك سبب لنَزْع بركة الدين والدنيا.
واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الإسلام والهجرة، الذي تألفت به القلوب بعد شتاتها، وكنتم قبل ذلك على حال غير مرضية، فتبين لكم من الكتاب والسنة ما اجتمعتم به على هذه الحال، فإياكم أن تغيروا فيغير عليكم.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٥٣] ، وحضر عندنا الأمير، والإخوان الذين معه، وبينا لهم عظم حقوق الإمارة، وأنه ينبغي التأدب معها. فأنتم اسمعوا له وأطيعوا، والسلام.
стр. 6638
[الوصية بتقوى الله والتذكير بنعمة الإسلام والتحذير من بأس الله ومن مفارقة الجماعة]
وقال الشيخ: عبد الله بن حمد الحجازي، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين والحمد لله رب العالمين.
إلى من تصل إليه هذه النصيحة، من إخواننا المسلمين، وفقهم الله للتمسك بالدين، الذي بعث الله به جميع المرسلين، آمين، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، يقول في كتابه المبين: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] ، فأخبر سبحانه: أن الذكرى والنصائح لا تنفع إلا أهل الإيمان، وأما من سواهم فهم: ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَلاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١-٣] ، نعوذ بالله من الشقاء وأسبابه.
واعلموا رحمكم الله أن أعظم الوصايا وأنفعها: الوصية بتقوى الله، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] ، وحقيقتها: أن يعمل العبد بطاعة الله، على نور من الله، يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله، على نور من الله، يخاف عقاب الله.
ثم تذكيركم ما من الله به عليكم من نعمة الإسلام،
стр. 6639
والقرآن، فإنهما النعمتان العظيمتان، والفرح بهما محمود، وأمر مطلوب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] ، قال بعض المفسرين: فضل الله: الإسلام، ورحمته: أن جعلكم من أهله، وقال غيره: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن، والكل حق؛ فمن لم يشكر الله على هاتين النعمتين العظيمتين خسر دنياه وأخراه، نعوذ بالله من ذلك.
ثم بعد ذلك تذكيركم ما أعطاكم الله بالإسلام من النعم التي لا تحصى، وما دفع به عنكم من النقم التي لا تستقصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٤] ، ثم تذكيركم ما من الله به عليكم من هذا الغيث، الذي جعله الله سببا لحياة الأبدان، ولحياة جميع النبات والحيوان، كما جعل الله العلم النازل من عنده سببا لحياة القلوب بعد مماتها، ولاجتماعها بعد شقائها.
فاشكروا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن الشكر قول وعمل، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] ، وهو أيضا سبب لزيادة النعم وثبوتها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] .
واحذروا بأس الله الذي لا يرد عن القوم المجرمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣٠] .
стр. 6640
واعلموا: أن كل شر في الدنيا والآخرة، فسببه الذنوب والمعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
وأنتم ترون كيف تحدث الآفات والعلل في الزروع والثمار والأنفس، آفات متلازمة، أخذ بعضها برقاب بعض، كل هذا بسبب الذنوب والمعاصي.
وأعظم من هذا: ما يصيب القلوب من الغفلة، والإعراض عن طاعته، والقسوة التي عمت القلوب بسبب كثرة الذنوب؛ فهي لا ترعوي وإن أصابها ما أصابها، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٣] .
وفي الحديث: إن أبعد القلوب من الله القلب القاسي ١.
واعلموا رحمكم الله أن المعاصي أنواع كثيرة، فبعضها أكبر إثما من بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٣١] ، فأكبرها وأعظمها: الشرك بالله في العبادة، أو في شيء من أنواعها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] .
وهذا الذنب القبيح له وسائل وذرائع توصل إليه، وأعظمها: موالاة أعداء الله، على اختلاف أنواعها، وكثرة
стр. 6641
شعبها، وقد يواليهم من يقرأ القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ الآية [سورة هود آية: ١١٣] . ولكن حب الدنيا والهوى، يعمي القلب ويصم، كما في الحديث: "حبك الشيء يعمي ويصم" ١.
ومن هؤلاء من يدعو لأهل الإشراك بالظهور، والغلبة على المسلمين، وأي موالاة أعظم من ذلك؟ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] ، فالله الله: انتبهوا من هذه البلية العظيمة التي صيرت أهل الإسلام وأهل الضلال عند كثير من الجهال جماعة واحدة، إلا من عصم الله برحمته.
ومنه: الاستخفاف بالصلوات الخمس في الجماعات، وترك تأديب المتخلف عنها، وكذلك ترك الإنسان أهله وولده، إذا علم منهم التهاون بها، لا يأمرهم بالمسارعة إليها، وقد قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه آية: ١٣٢] .
وفي الحديث: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" ٢، ومن ترك الصلاة فقد كفر، ولو أقر بوجوبها، وحكمه حكم من أشرك بالله في العبادة.
ومنها: التهاون بأمر الزكاة، والزكاة قرينة الصلاة، فلا تقبل الصلاة إلا بها، كما في الحديث: "من صلى فلم يزك، فلا صلاة له".
стр. 6642
وقد يخرجها من لا يعتقد وجوبها، فلا تقبل منه، وقد يخرجها من رديء ماله فيجعل لربه الأردى، ويجعل لنفسه وأولاده الأجود؛ نعوذ بالله من أسباب الخذلان، وكذلك التهاون بأمر الصيام والحج.
ومنها: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والنفقة فيه من غير نية صحيحة، ولا احتساب للأجر في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [سورة الحج آية: ٧٨] .
وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" ١.
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] .
وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم. والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدا.
ومن المعاصي أيضا: عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] .
وفي الحديث: "رضاء الرب في رضاء الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين" ٢.
وقال تعالى في قطيعة الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ
стр. 6643
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٢-٢٣] .
وفي الحديث: لا تنْزل الرحمة على قوم فيهم قاطع يعني: إذا علموا به، فلم ينكروا عليه، ولم يفارقوة.
ومن القطيعة: أن لا يصل الرجل رحمه إلا إذا وصلته، وفي الحديث: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ١.
ومنها: الشحناء وظلم العباد، والسعي في الأرض بالفساد، ونقض العهود، وتعطيل الحدود، وبخس المكاييل والموازين، وأكل مال اليتامى والمستضعفين. وفي الحديث: تفتح أبواب الجنة في كل اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا من كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا ٢، فإن كانت بينه وبين رحمه فأكبر وأعظم.
ومنها: ظهور الفواحش، والمنكرات. في الحديث: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ومفاسد الزنى عظيمة، وعقوباته أليمة.
ومن الفواحش أيضا: قبيح الكلام: كالسب، والشتم، بالزنا، ونحوه، والكذب والغيبة والنميمة، وقول الزور، وشهادة الزور.
ومنها: ظهور المعاملات الربوية; وفي الحديث:
стр. 6644
لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه ١ إذا علما ذلك; ومنه: قلب الدين على المدين، وهو: أن يأخذ المدين دراهم أو زادا من الذي له الدين، ثم يرده عليه؛ وقد يتواطآن على ذلك، وهو أعظم؛ وأما تسمية هذا العقد الفاسد بالتصحيح، فهو عين الفساد، ويشبه حيلة أهل السبت، عياذا بالله من ذلك.
ومن المعاصي أيضا: أن يوقف الرجل وقفا، أو يوصي بوصية، ويقصد بذلك حرمان بعض ورثته، أو تنقيص ميراثه عليه ; وفي الحديث عنه ﷺ إن الرجل ليعمل بطاعة الله، ستين سنة، أو سبعين سنة، فيحضره الموت، فيجور في وصيته، فيدخل النار ٢ وروي عنه ﷺ أنه قال: من فر بميراثه عن وارثه، قطع الله ميراثه من الجنة ٣.
فالله الله عباد الله، واحذروا المعاصي كلها، فإن ارتكابها سبب لزوال النعم، ولحلول المصائب والنقم، وعليكم بالاجتهاد في طاعة الله تعالى، فإن الطاعة سبب لحصول البركات، وتفريج الكربات، ورفعة الدرجات؛ فما استجلبت نعمة، ولا استدفعت نقمة بمثل طاعة الله .
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] .
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [سورة الجن آية: ١٦-١٧] ،: ﴿غَدَقاً﴾ أي: كثيرا.
стр. 6645
فالله الله عباد الله! عليكم بطاعة الله، ولزوم ذكره، والإكثار من حمده وشكره، والتوبة النصوح، والاستغفار من الذنوب السالفة، مع ندم القلب ووجله والخوف من عقوبته; فإنه سبحانه يحب التوابين والمستغفرين، ويحب دعوة السائلين، ويزيد الشاكرين، ويفرج كرب المكروبين.
وفي الحديث: من لازم الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزق من حيث لا يحتسب ١. وقد كانت التوبة شعار الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين، مع صلاحهم ومعرفتهم بربهم، رزقنا الله الاقتداء بهم وسلوك سبيلهم، إنه جواد كريم، غفور رحيم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
[رسالة الشيخ سعد بن حمد بن عتيق إلى بعض المشائخ يحثهم على مناصحة الأمير]
وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعد بن عتيق، إلى الإخوان المكرمين، الشيخ: عبد الله بن عبد اللطيف، وإبراهيم بن عبد الملك، وصالح بن محمد الشثري، وزيد بن محمد آل عمر آل سليم، جعلهم الله من المتبعين للسنة والقرآن، المجاهدين في الله باليد والقلب واللسان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فأحمد إليكم الله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، وأسألة أن يصلي على عبده ورسوله محمد، الذي
стр. 6646
اختاره واصطفاه، وجعل الهدى والسعادة في اتباع ما جاء به والأخذ بهداه، وحكم بالضلال والشقاوة، على من خالف هديه واتبع هواه.
وقد عرفتم ما حصل في هذه الأزمنة من غربة الدين، وترادف الشرور وكثرة المفتونين، الذين اجتالتهم الشياطين عن دينهم، حتى إن العاقل يخاف من اجتثاث أصل الإسلام، واستئصاله بالكلية، حتى لا يبقى منه شيء.
وسبب ذلك هو الإعراض عما جاء به محمد ﷺ من السنة، والخروج عن حكم الكتاب الذي أنزله الله هدى ورحمة، وجعله مخرجا للناس من الظلمة، وتوعد بالعذاب من صدف عنه وخالف حكمه.
وفي الحديث، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتن، قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبكلم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله ... الحديث.
وأعظم أنواع الإعراض أو أكبر أسباب الفتنة في الأرض والفساد الكبير: ما صدر من بعض الخلوف، من موالاة المشركين واتخاذ الولايج من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنهم صاروا فتنة للمفتونين، ومحنة على المؤمنين.
стр. 6647
ولأجل ذلك صار الناس بين مأجور، ومعذور، وآخر قد غره بالله الغرور. فمن الناس من عرف الحق وترك بيانه، وأطاع في معصية ربه نفسه وشيطانه، وكتم ما أنزل الله من البينات والهدى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] .
ومنهم: مَن اعتقد الباطل حقا، والخطأ صوابا، واستحسن موالاة أهل الكفر والارتياب، وعمي عما تضمنته نصوص الكتاب،: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤١-٤٢] .
وقد حرم الله موالاة الكافرين، في غير موضع من كتابة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧] .
وقال تعالى:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ
стр. 6648
وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٣] .
وقد نفى الله الإيمان عمن تولاهم، وأخبر أنه من الفاسقين والظالمين، وتوعده بمسيس النار، فقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠-٨١] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] .
وأعظم من هذا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٥-٢٨] .
وهذه الآيات وأشباهها: تدل على التغليظ، والتشديد في موالاة من كفر بالله، وقد ذكر بعض العلماء: أن هذه الآيات، تتناول من ترك جهادهم، وسكت عن عيبهم، وألقى إليهم السلم، فإن انضم إلى ذلك: إظهار الثناء عليهم، ونشر فضائلهم، والدخول في طاعتهم، وإعانتهم
стр. 6649
على أهل الإسلام، وحماية حماهم، فالأمر أشد وأعظم.
ولا يخفى على عارف أن هذه الأمور من أكبر أسباب هدم الإسلام والإيمان، وأعظم الذرائع إلى هجر السنة والقرآن، وظهور الشرك والكفر بالملك الديان، وتعطيل أسمائه وصفاته، وإلقاء حججه وبيناته. وقد قصر كثير من الناس، في بيان ما أوجب الله عليهم بيانه، وتركوا الانتصار لله، والدعوة إلى سبيله، والنصيحة لله، ولكتابه ولرسوله.
ومن أعظم الواجبات: مناصحة ولي أمر المسلمين ودعوته إلى ما فيه صلاحه وفلاحه، من القيام بأمر الله، والدعوة إلى توحيده وطاعته، وإحياء شعائر الإسلام، التي قد عطلت على كثير من الرعايا.
ومن أعظم الواجبات أيضا: بيان ما أوجبه الله من جهاد المشركين، ومعاداة الكافرين، والحرص على مراغمتهم، وإدخال الحزن عليهم، وإيصال المكروه إليهم، أخذا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٣] .
وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] .
فإن حصل منه ذلك، فهو ذروة السنام، وبه الصلاح في الدين والدنيا، لا كما زعم كثير من الجهال والطغام، فإن لم يحصل منه، رضينا منه بالمقاطعة، وترك الهدايا، وعدم
стр. 6650
الموالاة، فإن كان ولا بد قنعنا من الأمير بتركهم ومن أرادهم بسوء من أهل الإسلام; ثم انظروا هل وراء ذلك حبة من خردل من إيمان.
وهذا كتاب الله وسنة رسوله وسيرة خلفائه الراشدين، فيها الهدى والنور، وقد كتبنا للأمير شيئا مما ذكرنا، في بعض الخطوط، إجمالا وتفصيلا، ولما اجتمعنا نحن وهو في سنة ست وثلاثمائة وألف، أكثرنا عليه في ذلك، وذكرنا له شيئا من الأدلة: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٤٢] .
وقد رأى كثير من الناس: السكوت عن الحق، والإعراض عن بيان ما بينه الله في كتابه، رأيا متينا، وظنوا حصول السلامة لهم مع ذلك، كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] . وقد قيل:
وقد أخذ الرحمن ﷻ ... على من حوى علم الرسول وعلما
بنصح جميع الخلق فيما ينوبهم ... ولا سيما فيما أحل وحرما
فناصح بني الدنيا في ترك ابتداعهم ... فقد صيروا نور الشريعة مظلما
ينبغي لكم مناصحة الأمير سلمه الله، وبذل الجهد في دعوته إلى أسباب الفوز والسعادة مما ذكرنا، فإنه ربما اغتر بسكوت من يحسن بهم الظن من أهل العلم والدين.
وقد عرفتم أنه لا صلاح للدين، ولا استقامة له، إلا
стр. 6651
بذلك، وأرجو أن ذلك قد صدر له منكم، وتكرر؛ فإن الظن بكم جميل، فقد من الله عليكم، ووهبكم من العلم به، وأسمائه وصفاته، والبصيرة في حججه وآياته، ما برزتم به على من سواكم.
والأمر على أهل العمل والإيمان، أعظم منه على غيرهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٧] .
وقال: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٢] .
وقد علمتم ما كان عليه مشايخكم وقراؤكم الذين مضوا، ﵏، من السيرة المرضية، والحمية الدينية، وبذل الوسع في نصرة الملة الحنيفية، والنصيحة لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، بإقامة الحجج والبراهين، وبيان ما وجب من معاداة الكافرين، والنهي عن موالاة المشركين؛ وقد ابتلاكم الله تعالى بأن جعلكم خلائف في الأرض من بعدهم لينظر كيف تعملون، وسوف يسألكم عما تعملون.
وقد اشتد البلاء بعد أولئك الأفاضل، وتواترت الفتن، وعظمت الخطوب والمحن، وهجر كثير من السنن، وغلب الجهل والهوى، وكثر الخوض والمراء، وحطت ألوية الهدى، وحكمت الطواغيت، وضيعت الحدود، وهدمت الأركان، وعزل كثير من أحكام السنة والقرآن، ووضعت
стр. 6652
القوانين، واستحكمت غربة الدين، وانتشرت مسبة المؤمنين.
وعظمت الفتنة بعباد الأوثان، والأصنام، وظهرت موالاتهم من كثير من أهل الإسلام، وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ونزل بربوع الإسلام، وحل بمعاقل الإيمان، ما حل نظام الإسلام، وشتت شمل الإيمان.
فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨١] ،: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد آية: ١٦] .
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم حرر في شهر الصوم سنة ست وثلاثمائة وألف.
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن سالم إلى أهل مبايض يخبرهم بما بلغه عنهم من التفرق]
وقال الشيخ: عبد الرحمن بن سالم، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن عبد الله بن سالم، إلى الإخوان الكرام، أهل مبايض، وفقهم الله لقبول النصائح والمواعظ، وأعانهم على تكميل السنن بعد أداء الفرائض، وأعاذنا وإياهم من التدابر والتباغض، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ذلك بلغنا عنكم ما يستنكر ممن هو مثلكم، من
стр. 6653
التفرق، والتنافس في أمور لا مصلحة لكم فيها، بل مضرتها عظيمة في الدين، بل الذي يجب عليكم، المحبة والمناصحة فيما بينكم.
وقال ﷺ : إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ١ رواه مسلم.
وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي برزة، عن النبي ﷺ أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم، شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، والفتن المضلة ٢.
وقال ﷺ لأصحابه: ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجة الصلاة والصيام؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ٣.
والواجب عليكم إذا نابكم أمر: الاجتماع، والمشاورة وتقديم الأخيار، لأن الله تعالى أمر نبيه بمشاورة أصحابه، تطييبا لقلوبهم، وهو أفضل الخلق ﷺ .
قال أبو هريرة ﵁: ما رأيت أكثر من مشاورة النبي ﷺ لأصحابه، وقال قيس بن عاصم لبنيه عند موته: عليكم بالاجتماع، وإياكم والتفرق، فإن القوم إذا اجتمعوا صلحواوملكوا، وإذا تفرقوا فسدوا وهلكوا.
وعليكم- رحمكم الله- بما يجمع القلوب على
стр. 6654
طاعة الله، ويوجب لها خشية الله، والانكسار بين يديه، قال علي بن أبي طالب ﵁: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام، أحب إلي من غزوة في سبيل الله والمعنى- والله أعلم- أنه قصد بهذا استطابة قلوبهم، لأن تحاب الإخوان بينهم من موجبات دخول الجنة، وتباغضهم بينهم من موجبات دخول النار.
وأنتم- وفقكم الله- ما اجتمعتم في هذا المكان، إلا تطلبون رضى الله، وتهربون مما يسخطه، ولكن الشيطان إذا عجز عن إيقاع الناس في الشرك، رضي عنهم بالوقوع في الكبائر، قال النبي ﷺ : إن الشيطان لما أيس أن يعبد في جزيرة العرب، سعى بينهم بالتحريش.
والواجب عليكم: أن كل إنسان يعفو عن حقه، ويبيح أخاه كما جرى للصحابة، ﵃، لما حصل بينهم ما حصل، ثم أتاهم النبي ﷺ ووعظهم عانق بعضهم بعضا، وبكوا; وذلك لعلمهم: أن من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه.
نرجو الله أن يتم لنا ولكم ما قصدتم من الهجرة، ولا يجعل حظنا منها التسمي بالألسن، إنه جواد كريم، ولعباده رؤوف رحيم، والسلام آخره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
стр. 6655
[التذكير بأهمية الإسلام في المعاش والمعاد وما وقع من التفريط والتهاون بهذه النعمة]
وقال الإمام: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل رحمة الله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل، وعبد العزيز بن عبد الرحمن، إلى من بلغه هذا الكتاب من المسلمين، وفقنا الله تعالى وإياهم لمعرفة دينه، والقيام بحقه والثبات عليه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] .
وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٠] ، وقد عرفتم ما من الله به، من عرفة دين الإسلام، والانتساب إليه، وهو الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وخلق الخلق لأجله.
ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بمعرفة هذا الدين ومحبته، وقبوله والعمل به، وبذل الجهد في ذلك علما وعملا، والدعوة إليه والرغبة فيه، وأن يكون هم الإنسان وسعيه في تحصيل ذلك، ليحصل له النعيم المقيم الأبدي، والسرور السرمدي، وينجو من طريقة أهل الغفلة والإعراض، أعاذنا الله وإياكم من اتباع سبيلهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ