← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

بذلك، وأرجو أن ذلك قد صدر له منكم، وتكرر؛ فإن الظن بكم جميل، فقد من الله عليكم، ووهبكم من العلم به، وأسمائه وصفاته، والبصيرة في حججه وآياته، ما برزتم به على من سواكم. والأمر على أهل العمل والإيمان، أعظم منه على غيرهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٧] . وقال: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٢] . وقد علمتم ما كان عليه مشايخكم وقراؤكم الذين مضوا، ﵏، من السيرة المرضية، والحمية الدينية، وبذل الوسع في نصرة الملة الحنيفية، والنصيحة لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، بإقامة الحجج والبراهين، وبيان ما وجب من معاداة الكافرين، والنهي عن موالاة المشركين؛ وقد ابتلاكم الله تعالى بأن جعلكم خلائف في الأرض من بعدهم لينظر كيف تعملون، وسوف يسألكم عما تعملون. وقد اشتد البلاء بعد أولئك الأفاضل، وتواترت الفتن، وعظمت الخطوب والمحن، وهجر كثير من السنن، وغلب الجهل والهوى، وكثر الخوض والمراء، وحطت ألوية الهدى، وحكمت الطواغيت، وضيعت الحدود، وهدمت الأركان، وعزل كثير من أحكام السنة والقرآن، ووضعت

стр. 6652

القوانين، واستحكمت غربة الدين، وانتشرت مسبة المؤمنين. وعظمت الفتنة بعباد الأوثان، والأصنام، وظهرت موالاتهم من كثير من أهل الإسلام، وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ونزل بربوع الإسلام، وحل بمعاقل الإيمان، ما حل نظام الإسلام، وشتت شمل الإيمان. فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨١] ،: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد آية: ١٦] . وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم حرر في شهر الصوم سنة ست وثلاثمائة وألف. [رسالة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن سالم إلى أهل مبايض يخبرهم بما بلغه عنهم من التفرق] وقال الشيخ: عبد الرحمن بن سالم، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن عبد الله بن سالم، إلى الإخوان الكرام، أهل مبايض، وفقهم الله لقبول النصائح والمواعظ، وأعانهم على تكميل السنن بعد أداء الفرائض، وأعاذنا وإياهم من التدابر والتباغض، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد ذلك بلغنا عنكم ما يستنكر ممن هو مثلكم، من

стр. 6653

التفرق، والتنافس في أمور لا مصلحة لكم فيها، بل مضرتها عظيمة في الدين، بل الذي يجب عليكم، المحبة والمناصحة فيما بينكم. وقال ﷺ : إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ١ رواه مسلم. وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي برزة، عن النبي ﷺ أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم، شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، والفتن المضلة ٢. وقال ﷺ لأصحابه: ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجة الصلاة والصيام؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ٣. والواجب عليكم إذا نابكم أمر: الاجتماع، والمشاورة وتقديم الأخيار، لأن الله تعالى أمر نبيه بمشاورة أصحابه، تطييبا لقلوبهم، وهو أفضل الخلق ﷺ . قال أبو هريرة ﵁: ما رأيت أكثر من مشاورة النبي ﷺ لأصحابه، وقال قيس بن عاصم لبنيه عند موته: عليكم بالاجتماع، وإياكم والتفرق، فإن القوم إذا اجتمعوا صلحواوملكوا، وإذا تفرقوا فسدوا وهلكوا. وعليكم- رحمكم الله- بما يجمع القلوب على

стр. 6654

طاعة الله، ويوجب لها خشية الله، والانكسار بين يديه، قال علي بن أبي طالب ﵁: لأن أجمع إخواني على صاع من طعام، أحب إلي من غزوة في سبيل الله والمعنى- والله أعلم- أنه قصد بهذا استطابة قلوبهم، لأن تحاب الإخوان بينهم من موجبات دخول الجنة، وتباغضهم بينهم من موجبات دخول النار. وأنتم- وفقكم الله- ما اجتمعتم في هذا المكان، إلا تطلبون رضى الله، وتهربون مما يسخطه، ولكن الشيطان إذا عجز عن إيقاع الناس في الشرك، رضي عنهم بالوقوع في الكبائر، قال النبي ﷺ : إن الشيطان لما أيس أن يعبد في جزيرة العرب، سعى بينهم بالتحريش. والواجب عليكم: أن كل إنسان يعفو عن حقه، ويبيح أخاه كما جرى للصحابة، ﵃، لما حصل بينهم ما حصل، ثم أتاهم النبي ﷺ ووعظهم عانق بعضهم بعضا، وبكوا; وذلك لعلمهم: أن من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه. نرجو الله أن يتم لنا ولكم ما قصدتم من الهجرة، ولا يجعل حظنا منها التسمي بالألسن، إنه جواد كريم، ولعباده رؤوف رحيم، والسلام آخره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

стр. 6655

[التذكير بأهمية الإسلام في المعاش والمعاد وما وقع من التفريط والتهاون بهذه النعمة] وقال الإمام: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل رحمة الله. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل، وعبد العزيز بن عبد الرحمن، إلى من بلغه هذا الكتاب من المسلمين، وفقنا الله تعالى وإياهم لمعرفة دينه، والقيام بحقه والثبات عليه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٠] ، وقد عرفتم ما من الله به، من عرفة دين الإسلام، والانتساب إليه، وهو الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وخلق الخلق لأجله. ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بمعرفة هذا الدين ومحبته، وقبوله والعمل به، وبذل الجهد في ذلك علما وعملا، والدعوة إليه والرغبة فيه، وأن يكون هم الإنسان وسعيه في تحصيل ذلك، ليحصل له النعيم المقيم الأبدي، والسرور السرمدي، وينجو من طريقة أهل الغفلة والإعراض، أعاذنا الله وإياكم من اتباع سبيلهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ

стр. 6656

الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٩] . صلى الله عليه وسلموقد وقع منا التفريط والتهاون بهذه النعمة، وعدم الرغبة فيها، والاشتغال بما شغل عنها، بما هو وبال على العبد في دنياه وآخرته. والواجب علينا وعليكم معاشر المسلمين، أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه ببذل الجهد، والنصيحة للمسلمين، بتذكيرهم ما أنعم الله عليهم به من الدين، والقيام على من ترك حقوق الإسلام وضيعها، ولم يبال بحق الله من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فإنه لا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بالقيام بذلك. وقد وقع الخلل العظيم بسبب الغفلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل اتعاظ العباد بمواعظ الله، وانزجارهم عندما يرونه ويشاهدونه من آيات الله ومواعظه، كما قال تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٦] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٢-٤٤] .

стр. 6657

وأعظم الخلل وقع ممن ينتسب إلى الإسلام، في أعظم الأركان بعد الشهادتين، وهي الصلاة، وكثرة الاستخفاف بها، وهي عمود الإسلام، التي إذا سقط عمود الفسطاط، لم تنفع بعده الأطناب، كما في الحديث. العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ١ وفي الحديث أيضا: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ٢. قال الإمام أحمد: فكل تارك للصلاة، ولم يبال بالقيام بواجبها جماعة في المساجد، إذا لم يكن عنده عذر شرعي، فهو مستخف بالإسلام، مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام بقدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام بقدر رغبتهم في الصلاة، فليحذر العبد أن يلقى الله ولا قدر للإسلام عنده. وكان عمر بن الخطاب، ﵁ يكتب إلى الآفاق: إن من أهم أموركم الصلاة، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها، فهو لما سواها أضيع وفي الحديث: أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن تقبلت صلاته، تقبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته، رد عليه سائر عمله ٣. فصلاتنا آخر ديننا، وهي أول ما نسأل عنه غدا من أعمالنا يوم القيامة، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين، إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب.

стр. 6658

وقد لعب الشيطان: بأكثر الناس، حتى تركوا الواجب في الصلاة، والتكاسل عن حضور الجماعة في المساجد، ويصلي في بيته، ويتأخر عن حضور الصلاة مع الجماعة، وقد قال ﷺ : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. وقال ﷺ : لقد هممت أن آمر من يصلي بالناس، فأعمد إلى أناس يتركون الصلاة في المساجد، فأحرق عليهم بيوتهم ١ وفي بعض الأحاديث: لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأحرقتها عليهم ٢. وقد عينا نوابا في تفقد الناس عند الصلاة، ومعرفة أهل الكسل الذين اعتادوه وعرفوا من بين المسلمين بذلك، فيقومون على من قدروا عليه بالحبس والضرب؛ ومن هابوه ولم يقدروا عليه، فليرفع أمره لنا، وتبرأ ذمتهم بذلك، ولا يكون لأحد حجة يحتج بها علينا. كذلك إنا ملزمون أهل كل بلد بالقيام بذلك، ومن لم يقم به من أمير وغيره، بان لنا أمره، واتضح لنا غيه. وكذلك الربا الذي فشا في الناس فيما بينهم، وتلاعب الشيطان بهم حتى إنهم يخفونه، إنا ملزمون القضاة في كل بلد، البحث عن معاملات الناس وعقودهم، وما يجري بينهم من عقود الدين، وبيع السلم قبل قبضه. كل هذه الأمور الربوية، التي يتعامل بها الناس، من حققها ورفع لنا خبرها برئت ذمته، ومع ما ينضم مع ذلك من

стр. 6659

انواع المنكرات، التي يجب إنكارها، إنا ملزمون أهل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بها؛ ولا يخشى العبد إلا ربه فاحذروا غضب الله ومقته. والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته. [ما يجب على من نصح نفسه وأراد نجاتها والحث على الأمر بالمعروف] وله أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، إلى من يراه من إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم لفعل الخيرات، وترك المنكرات، والإقلاع من الذنوب والسيئات، آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فالموجب لهذا هو النصيحة لكم، والشفقة عليكم، لأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، والتقوى: هي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . والتقوى كلمة جامعة لكل خير; لأن الخير بحذافيره: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه; وما أمرنا الله به وحضنا عليه، اتباع كتابه، وسنة رسوله، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] . وقال تعالى: ﴿وَمَا

стр. 6660

آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] . فالواجب على كل من نصح نفسه وأراد نجاتها، أن يتقي الله في سره وعلانيته، وأن يحاسب نفسه، هل قام بما أوجبه الله عليه، وامتثل ما أمره الله به ورسوله، ووقف عند حدوده فلم يتجاوزها؟ أم هو منقاد مع شهواته وهواه؟ قد أعطى نفسه هواها، ولم ينهها عن ارتكاب المحرمات. فلو علم: أنه موقوف ومسؤول عن جميع أعماله وأقواله وأحواله، لخلا بنفسه وحاسبها، واتقى الله سبحانه وبحمده، فيا خسارة من حاله حال البطالين والغافلين المعرضين! إذا علم هذا، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، من أعظم الواجبات، وأهم المهمات، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ، والأمة: الجماعة، وهذا أمر لازم لكل أحد بحسب قدرته، فإذا قام به بعض المعنيين، سقط عن الباقين، فإذا تركوه أثموا وعوقبوا. فكونوا من تركه على حذر عظيم; قال ﷺ : لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعذاب

стр. 6661

من عنده، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ١ والأحاديث في ذلك كثيرة. فلا صلاح للخاصة والعامة، في جميع القرى، إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تكون طائفة حق، أهل بصيرة وعلم، يدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. لأن ذلك سبب صلاحهم وفلاحهم، في معاشهم ومعادهم؛ وبتركه والتغافل عنه، يكثر الشر والفساد. وأيضا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صفات المؤمنين، وبقوته يقوى الإيمان، وبضعفه يضعف الإيمان; قال تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] . ذكر تعالى في هذه الآية أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، سبب لرحمة الله، فإذا رحم الله العباد أعطاهم ما يحبون، ودفع عنهم ما يكرهون، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآّتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماًوَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٦-٦٧] . وقد رأيتم ما حصل عليكم من منع القطر، وغور المياه، والقحط، وشدة المؤونة، وأنواع البلايا والامتحانات،

стр. 6662

وذلك سببه مخالفة أمر الله، وارتكاب نهيه؛ فإن الذنوب والمعاصي من أعظم الموجبات لحلول العقوبات والنقمات. فارغبوا عباد الله إلى الله، بالدعاء والاستغفار،: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] ، وعظموا أمر ربكم ونهيه، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ١. فاستدفعوا عنكم العقوبات بالتوبة النصوح; وفي الحديث: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة. ولا شك: أن ما منع القطر من السماء، إلا بذنوب المسلمين، ولله في ذلك حكمة، وما يعفو الله عنه أكثر، وما رفع عنكم من العقوبات أعظم، فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وتناصحوا فيما بينكم، وتحببوا إلى ربكم بالإنابة والإقبال عليه، وارغبوا إليه بطاعته، واجتناب معصيته، لعل الله أن يتوب علينا وعليكم، ويدخلنا وإياكم في رحمة منه وفضل، ويهدينا صراطه المستقيم. ومما يدفع الله به البلاء: الصدقة على الفقراء والمساكين، والإحسان إلى الضعفاء والأيتام، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٧] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] .

стр. 6663

وقال ﵊: باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها والأموال عوار، ولا ينفع العبد إلا ما قدمه لله، رغبة في رضاه، فيا سعادة من هانت عليه الصدقة فبذلها، يرجو بذلك رحمة الله. : ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٣] ،: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٩] . الله الله عباد الله، في المبادرة إلى ما ينجيكم الله به من عقابه وعذابه; فنسأل الله بأسمائه وصفاته، وبتوحيده الذي جحده المشركون، أن يأخذ بنواصينا ونواصيكم، ويتوب علينا وعليكم، إنه كريم جواد، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [التذكير بنعمة الله على أهل نجد على يد الشيخ محمد وذريته من بعده ومن أيدهم من الولاة] وقال المشايخ ﵏: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين. الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسبحان الله رب العرش عما يصفون، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخليله الصادق المأمون، صلى الله على محمد، وعلى آله وأصحابه الذين هم بدينه قائمون، وعلى سنته يحافظون.

стр. 6664

من حسن بن حسين، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الله بن حسن، ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكافة آل الشيخ: إلى كافة إخواننا من علماء نجد، وإخوانهم المنتسبين، سلمهم الله تعالى وهداهم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، تفهمون ما من الله به على أهل نجد في آخر هذا الزمان، مما بين الله على يد الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، من معرفة ما بعث الله به رسوله ﷺ من دين الإسلام، والعمل به، وإقامة الأدلة على ذلك، والرد على أهل البدع والضلالات، ممن خرج عن دين الإسلام، واستبدل به سواه من الأعمال الردية، والاعتقادات الباطلة الوبية. ثم ذريته من بعده، سلكوا على منواله، وأيدهم الله تعالى بولاة الأمر من آل سعود، رحم الله أمواتهم، وأعز بإقامة دينه أحياءهم، قاموا بهذا الدين أتم القيام، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، ومحا الله بهم آثار الشرك والبدع والضلالات من نجد، ولله الحمد والمنة، وطريقتهم مشهورة معروفة، كالشمس في رابعة النهار، واستقام الأمر على هذا في أصول الدين وفروعه. وآخر من قام بهذا الأمر، شيخنا الشيخ: عبد الله بن عبد اللطيف، رفع الله درجاته في المهديين، وخلفه في عقبه

стр. 6665

وإخوانه في الغابرين، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام، وبذل جهده في النصيحة لله ولرسوله، ولعباده المؤمنين، ووسائله في ذلك مثبوتة منشورة. ومن المتعين علينا، وعليكم لزوم الاقتداء بهم والسلوك على منهاجهم، والاجتهاد في الدعوة إلى ذلك، وبذل النصيحة للمسلمين. وقد عرفتم ما حدث من كثير من الناس، من أهل الجهل، وما انتحلوه في الدين، وخرجوا بسببه عن سبيل أهل الطريقة المثلى من أهل العلم واليقين، وعدموا البصيرة في دين الله، بعدم اقتباس العلم والهدى من مظانه. ولا ينبغي لأحد من الناس العدول عن طريقتهم، رحمة الله عليهم، ومخالفة ما استمروا عليه في أصول الدين، فإنه الصراط المستقيم، الذي من حاد عنه فقد سلك طريق أصحاب الجحيم. وكذلك في مسائل الأحكام والفتوى، لا ينبغي العدول عما استقاموا عليه، واستمرت عليه الفتوى منهم، فمن خالف في شيء من ذلك، واتخذ سبيلا يخالف ما كان معلوما عندهم، ومفتى به عندهم، مستقرة به الفتوى بينهم، فهو أهل للإنكار عليه والرد لقوله. ونحن نعلم أن المسائل العلمية، والأحكام التي يحكم بها الناس، والفتاوى التي يفتون بها، لا تخلو من الخلاف،

стр. 6666

وهذا أمر يعرفه من له أدنى معرفة؛ لكن الاختلاف بين الناس خصوصا في جهة نجد، لا بّد أن يكون سبب شر وفساد وفتنة؛ وسد باب الشر والفتن والفساد، أمر مطلوب في الشريعة; بل هو من أعظم مقاصدها، كما لا يخفى. نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم سلوك صراطه المستقيم، وأن يجنبنا وإياكم طريق المغضوب عليهم والضالين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه والتابعين، وسلم تسليما كثيرا. حسن بن حسين، سعد بن حمد بن عتيق، سليمان بن سحمان، صالح بن عبد العزيز، عبد الرحمن بن عبد اللطيف، عمر بن عبد اللطيف، عبد الله بن حسن، محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكافة آل الشيخ.

стр. 6667

[الحث على الأمر بالمعروف وتعليم الناس] وقال الامام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، إلى من يراه من علماء المسلمين وإخوانهم المنتسبين، وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه، آمين، سلام عليكم ورحمة الله، وبركاته. وبعد ذلك: هذا كتاب إخوانكم المشايخ، تشرفون عليه، والعمل- إن شاء الله- على ما فيه، ثم بعد ذلك: ما هو بخافيكم أول منشإ هذا الأمر وتقويمه، أنه من الله، ثم أسباب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وأوائلنا ﵏، وما جرى على المسلمين من اختلاف ولايتهم مرارا. وكلما اختلف الأمر، وشارف الناس لنقض دين الله، وإطفاء نوره، أبى الله وأخرج من هالحمولتين من يقوم بذلك، حتى إن آخرهم والدنا، وشيخنا الشيخ: عبد الله بن عبد اللطيف، نرجو الله أن يجبرنا في مصيبتنا فيه، بعز الإسلام والمسلمين، وأن الله سبحانه يظهر في عقبهم من يقوم مقامهم، وأن الله سبحانه يعيضه بنا رضوانه والجنه. ولا هو بخافى أحدا مقامه في آخر هذا الزمان، والتزامه في أمر هذا الفصللئ، الذي لا حياة إلا به، صار نورا وقوة لكل عارف، عاقل في أمر دينه ودنياه، وردع أهل البدع

стр. 6668

والضلال، ولا نقول، إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا خيرا، واخلفنا خيرا منها. ثم بعد ذلك تفهمون أن أسباب الشر كثيرة، ولا بد أن يحصل من الناس بعض شوفات: أحد يدوّر المخالفة، وأحد يدوّر التروّس، وأحد جاهل يريد الحق، ولكن خفى عليه سبيل الحق، فاتبع هواه؛ وهذا أمر كله مخالف للشرع، والحمد لله، ما حنا في شك من أمر ديننا. وتفهمون أنه من حين أظهر الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في قرن أطيب من وقتنا، ورجال أطيب من رجالنا، وعلماء أطيب من علمائنا، فسدد الله به، وقام بهذه الكلمة، وجدد الله أمر هذا الأصل، وأنقذ الله بأسبابه الناس، من الظلمات إلى النور. فبان أمره لأولي الأبصار، وخفي ذلك على كثير من الناس، وعاند من أزاغ الله قلبه، وأعمى بصيرته؛ وقبل هذا الحق ورضيه آباؤنا وأجدادنا، وعلماء المسلمين، فيما أتى به من الأصل والفرع، ويتعين علينا- إن شاء الله- أن نقتدي بما اقتدوا به. ولا هو بخافيكم حال هذا الزمان، وكثرة الطالب والسائل، وقلة البصيرة والفهم، وأيضا ما هو بخافيكم اختلاف العلماء في أمور الفروع، فلا بد أن كل إنسان يدعي المعرفة على جهل: إما أحد يسمع حديثا، أو قولا من أقوال العلماء، لا يعرف حقيقته، فيفتي به، أو يكون أحد له

стр. 6669

مقصد، يدور الأقوال المخالفة مقصوده الخلاف، إما مخالفة أحد من علماء المسلمين، أو يبي يقال: هذا فلان، يدور بذلك رياسة، أو شيئا من أمور الدنيا، نعوذ بالله من ذلك. فالآن يكون الأمر على ما ذكر المشايخ أعلاه، فمن أفتى أو تكلم بكلام مخالف لما عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأولاده: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد اللطيف، وعبد الله بن عبد اللطيف، فهو متعرض للخطر، لأننا نعرف أنه ما يخالفهم إلاّ إنسان، مراوز للشر والفتنة بين المسلمين. فأنتم- إن شاء الله- يا جميع علماء المسلمين التزموا بهذا الأمر، وقوموا على من خالفه؛ ومن سمعتم منه مخالفة في قليل أو كثير، ما قدرتم عليه نفذوه؛ وما لم تقدروا عليه ارفعوه إلينا، إلا إن كان هنا إنسان عنده في مخالفتهم دليل من الكتاب، أو من السنة، فلا يتكلم حتى يعرض أمره على علماء المسلمين، وتعرف حقيقته؛ فأما المعترض بغير ذلك، أو قبل تبين الأمر، فذمتنا وذمة المسلمين بريئة منه، ويكون عنده معلوما أنه على خطر منا. ثم أوصيكم، يا علماء المسلمين بالقيام لله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم الناس خصوصا هذا الأصل، وأن تجتهدوا وتديموا الجلوس والمباشرة لإخوانكم المسلمين، ومن كان تعلمون منه سدادا، ومن شبته دنيا أو تكاسل، ترفعون أمره إلينا، حتى نلزمه بطلب العلم.

стр. 6670

والأمر من ذمتي في ذمتكم، لا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بتعليم الأصل، ولا بردع الجهل والقيام على صاحبه، فلا أنتم بحل مني إذا ما اجتهدتم وقمتم بهذا الأمر، كما أنه الواجب عليكم. وتفهمون أني إن شاء الله خادم للشرع، لا بنفسي ولا بما تحت يدي، فافطنوا لموقف يوقفنى الله أنا وأنتم، والعالمين؛ وهذا أمر برئت منه ذمتي وتعلق بذمتكم. نرجو الله أن يعيننا وإياكم على القيام بما يرضيه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا؛ وأن الله سبحانه ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من أنصاره. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، سنة ١٣٣٩، وعليه ختمه. [النصح لله ولكتابه ولرسوله والحث على الإستقامة والشكر وحقيقته] وله أيضا ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، إلى من يراه من كافة إخواننا المسلمين، سلمهم الله تعالى، ووفقنا وإياهم للتمسك بالكتاب المبين، وسنة سيد المرسلين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن الواجب علينا وعلى كل مسلم النصح لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم; أما النصح لله، فتوحيده وحب أوليائه، وعداوة أعدائه، وأما

стр. 6671

النصح لكتابه، فالإيمان به، والعمل بما جاء به، وعدم تأويله على غير ما أنزل الله, وأما النصح لرسوله، فالإيمان به والاقتداء بسنته، والأخذ بما أمر به. وأما النصح لأئمة المسلمين، فمنهم الأمراء، ومنهم العلماء؛ فأما الأمراء، فالدعاء لهم بالتوفيق والصلاح، ولزوم جماعتهم، والسمع والطاعة لهم، وعدم الخروج عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، وجمع كلمة المسلمين عليهم. وأما العلماء، فمحبتهم، والاقتداء بهم، وعدم مخالفتهم، وتوقيرهم، وعدم الاستهانة بهم، وسؤالهم عما مَنَّ الله عليهم من معرفته. وتعلمون بارك الله فيكم أن لا دين إلا بنية وإخلاص ومتابعة، واستقامة على ذلك، وتذكير ما أنعم الله به على المسلمين، من النعم الدينية والدنيوية، حتى تحصل الزيادة، ويتحرز الإنسان من النقص في أمر دينه. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] . واعلموا رحمكم الله أن حقيقة الشكر هو فعل الواجبات وترك المحرمات، وليس الشكر باللسان والمخالفة بالأفعال والأقوال؛ فمثل ذلك كمثل العريان الذي يمشي بين الناس وثوبه بيده، فليس يغني عنه شيئا.

стр. 6672

واعلموا رحمكم الله أن حقيقة الشكر، الاعتقاد الحسن في الأصل، والأخذ عمن أمرنا الله بالأخذ عنه، والاقتداء به، فأولهم الأنبياء ومن بعدهم، وآخرهم العلماء، لأنهم ورثة الأنبياء، وقد قال الله في محكم كتابه: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] . وقال ﷺ : إنما شفاء العي السؤال ١ أي: سؤال العلماء، وقال ﵊: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. ومعلومكم أن جميع أهل الأمصار، ما أحد منهم ادّعى أنه كافر بالله وبكتابه وبرسوله، إنما هم على شدة في ذلك، ويرون أنفسهم أنهم مسلمون حقا، ولا يقولون في أقوالهم وأفعالهم إلا: قال الله، قال رسوله؛ وجميع الجهال الذين ليسوا بأهل علم، إذا سمعوا أقوالهم حققوا إيمانهم وإسلامهم، ولكنهم بخلاف ذلك، فسروا القرآن وأولوا الأحاديث على غير ما جاءت به، ولم يفهم ذلك من الناس أحد، لا من أهل الرأي، ولا من أهل الشجاعة. ولكن لما أن الله سبحانه منّ بالعلماء المحققين، وأراد الله يخرج هذه الفرقة، ويجعل لهم نورا وبرهانا، من عليهم بالعلماء فأنكروا ما حرفه الغالون، وانتحله المبطلون، وتأوله الجاهلون.

стр. 6673

ومعلومكم أن هذا الكتاب والسنة ما كتبت بعد الرسول ﷺ لا في جبال، ولا في حديد، إنما حفظه الله تعالى بأهل العلم، وكما قال ﷺ : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله حتى توصل الأمر إلى زماننا هذا، ونشر الله سبحانه هذه الدعوة، ومنحكم بها، فسر ذلك من بقلبه إيمان، وحيي المؤمنون حياة جديدة، وانكبت أهل الكفر والنفاق بما مَنَّ الله به علينا وعليكم; وكنا راجين ظهور العلم، وكثرة العلماء، الذين هم الحياة وهم المشرب العذب، لأجل حرص الناس على الخير وطلبه، وكنا نرى الجهال وجهلهم، ونعلل النفس أن هذا اجتهاد، والمرجع منهم- إن شاء الله- إلى الحق. فلما كان من العام الماضي وما بعد رأينا أمورا مخالفة لما أملناه، وهي ثلاثة أحوال، وهي التي تهدم الدين، وتفرق المسلمين، وينقم بها رب العالمين، الأول: إعجاب الناس بآرائهم، وخروج أناس يرون الدين ما وافق لهواهم، والثالث: يركض مع الناس وما قالوه قاله، سواء أنه حق أو باطل؛ وهذا كله مخالف للشرع والعقل. فلما تحققنا ذلك، وقام علينا علماء المسلمين، وقالوا: إما أن تأمروا بالأمر على الوجه المشروع، وتحملوا الناس على الحق لا على الهوى؛ وقلقوا من ذلك كثيرا، وخافوا من الخلل على المسلمين، ودخول عدوهم عليهم، لا العدو الشيطاني ولا العدو الإنسي، جبروا أنفسهم على

стр. 6674

الحث في النصح للمسلمين، وجبرونا على تنفيذ الأمر. فأمرنا بعض أمرائنا أن يفطنوا لمن كان به شدة ومخالفة لعلماء المسلمين أن ينصحوه غاية النصح، فمن كان قصده الدين وطاعة رب العالمين، فليرجع عما فات ويتوب، ويبين خطأه وتوبته؛ ومن كان قصده اتباع هواه وليس له مبالاة، لا بدين الله، ولا بعلماء المسلمين، ولا بولاتهم فيجلبون إلينا؛ فإن كان به خير فليتعلم عند علماء المسلمين، ولعل الله ينفعه، فإن كال بضد ذلك، فهو من فضل الله في أعز وطن من أوطان المسلمين. ونحن مقتدون بقوله ﷺ : انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوما، فكيف إذا كان ظالما؟ قال تمنعه وتحجزه عن الظلم ١ أو كما قال. فأي ظلم على الإنسان أعظم من القول على الله وعلى رسوله بغير علم؟ وأي ظلم أعظم من فرقة المسلمين وشحناهم؟ وأي ظلم أعظم من الكلام في ولاية المسلمين وعلمائهم؟ فهذا كله واقع، ولا أخذنا ذلك من سفهاء الناس ولا من ذوي الأغراض، إنما أخذناه من الثقات وأهل العلم وأهل النصح للإسلام والمسلمين. وبعد ذلك بلغنا خبر أن أحدهم يتكلم يقول: هؤلاء إخواننا الذين يعلموننا ويحضوننا على الجهاد ومحاربة الكفار، قام الناس يتكلمون فيهم ويروعونهم عن أوطانهم. فلا عرفت معنى كلام الجاهل; الأول: أن هذا قدح في علماء

стр. 6675

المسلمين؟ فصار: أنه ما اقتدى بهم، ما اقتدى إلا بجهالة الذين يفتونه بغير علم، أو بغير ما أنْزل الله، فكان كما قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [سورة الجاثية آية: ٢٣] . والثاني. حط المسلمين وأمراءهم وعلماءهم من جملة الناس الذين لا يقتدى بهم ولا يؤخذ عنهم، ويتجنبون، ويقتدى بالجهال بدلا عنهم، لأن الناس الذي نقدنا عليهم ما نقدنا عليهم إلا بأمرين: كلامهم في الولاية، وعدم سؤالهم وامتثالهم للعلماء، وجعلهم مداهنين. فلا علمنا لهذا المغرور مسلكا، إذا كانت الولاية يقدح فيها، والعلماء كذلك، فأين الولاية التي يلتجأ بالله ثم بها؟ وأين العلماء الذين يقتدى بالله ثم بهم ويسألون؟ فلا نعلم في الدنيا أحد قاطبة غير ولاية المسلمين وعلمائهم؛ فهذا من عدم الفرق، واستخفاف أمر الله عند أغلب الناس، ولكن كما قيل: إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم فإن كان عالم بذلك ويدعو الناس إلى عبادة نفسه فهذا أعظم؛ وإن كان أنه جاهل ولا يدري فهذا أعظم. ثم بعد ذلك بلغني خبر أن أناسا لما أنه أقيم أمر الله، وامتثل الناس أمر الله ثم أمر علمائهم، كان بعض الناس يريدون الانتقال من بلدهم المقوم فيها الأمر إلى بلد أخرى، فهذا بعد مصيبة ثانية; فكيف أنهم يهاجرون إلى البلدان

стр. 6676

ويحضون على الهجرة فيها، ويكلفون الذي ما يهاجر فيها تكليفات زائدة، فلما هاجروا، وأقيم أمر الله، وهم يدعون أنه ما بغضتهم للبادية إلا حكم الطاغوت وعدم تنفيذ أمر الله، فلما نفذ أمر الله أرادوا أن يفروا عنه، فهذا أمر عجيب! وصاحبه لا خاف الله، ولا استحى من الخلق. فالآن أحببت أن أبين لكم النصيحة قبل في امتثال أمر الله، وأبين لكم حقيقة ما نحن قائمون فيه على بعض إخواننا، نرجو أن الله يمن علينا وعليهم بالهداية، ثم بعد ذلك آمركم وأنهاكم. أما الذي آمركم به: فهي تقوى الله وطاعته، ثم سؤال أهل العلم، وامتثال ما أمروكم به وعدم مخالفتهم، لا بالقول ولا بالفعل، وكف الأذى عن جميع المسلمين، وعدم الاعتداء، ولزوم الجماعة، وعدم التنقل من بلد إلى أخرى على غير دليل. فمن انتقل من هجرته بغير دليل شرعي، ولا معه مكتوب من العالم الذي عنده فهو عاص للولاية، ومن عصى الولاية فقد عصى الله ورسوله، ونحن ملزمون بأدبه، إلا إنسان قد رأى معصية فيرفع الأمر للأمير والعالم الذي عنده، فإن نفذوا ذلك فالحمد لله وهو الظن بهم إن شاء الله، فإن لم ينفذوه فيرفع الأمر إلينا، وتبرأ ذمته. وأما الذي أنهاكم عنه: فكثرة القال والقيل في غير ما يرضي الله، ومخالفة علمائكم، وعدم سؤالهم والحضور

стр. 6677

عندهم والأخذ بقول أحد سواهم، إلا من أمروه وفوضوه. وأيضا يلزمكم طاعة أمرائكم في جميع أمورهم، إلا أمر يخالف المشروع؛ كذلك والإنسان الذي يريد أن ينتقل من هجرته إلى هجرة ثانية، مقصوده لما أنه أمر أن يتقيد بأمر الشرع ولا يزيد عليه، فمن استلقاه في بلده فقد عصى ولاته وتعرض للأدب. وأما أنا فلا عندي قليل ولا كثير، سوى إقامة أمر هذه الشريعة، وامتثال أمر العلماء؛ فمن كان قصده دين الله فليسأل أهل العلم، وما قالوه فليعمل به، ويعرض جميع أحواله في أمور دينه ودنياه، وجميع ما جاء مني من الأوامر والنواهي عليهم، فما أجازوه وأمروا به فيعمل به، وما نهوا عنه فيتركه. فمن كان قصده الدين وراحة المسلمين فيمتثل ذلك، ولا أدين الله بغيره، وهو منا ونحن منه؛ ومن كان قصده: درق الدنيا بالدين، ليقضي مقاصده باسم الدين، فهذا مستعينين بالله عليه، ولا يأمن العتب، أو يغره سكوتنا السابق، لأننا بالسابق سكتنا مقصودنا أن الناس قريبو عهد بجهل، ونبغي لعلهم يسترشدون. فلما رأينا الأمر اتباع للهوى، والجهل يتزايد، عزمنا أن نقوم، ولا تأخذنا في الله لومة لائم. فمن كان قصده الحق، فليأخذ الأمر من أهله الذين هم علماء المسلمين; ومن كان قصده ضد ذلك، فلا يلومن إلا نفسه.

стр. 6678

والرجاء: أن الله يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سنة ١٣٣٩ هجرية، وعليه ختمه. [الشيخ محمد بن إبراهيم يذكر المسلمين بتأخر نزول المطر وسبب ذلك] وقال الشيخ: محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، عفا الله عنهم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك، حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من عاداك وخالف أمرك؛ اللهم هذا الدعاء، وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان: من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، إلى من بلغه هذا الكتاب من المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبنا وإياهم أسباب الخزي والفضائح، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فقد رأيتم الواقع، وهو تأخر نزول الغيث عن إبانه، وقحوط المطر وعدم مجيئه في أزمانه، ولا ريب أن سبب ذلك هو معاصي الله، ومخالفة أمره بترك الواجبات، وارتكاب المحرمات.

стр. 6679

فإنه ما من شر في العالم ولا فساد، ولا نقص ديني أو دنيوي، إلا وسببه المعاصي والمخالفات، كما أنه ما من خير في العالم، ولا نعمة دينية أو دنيوية، إلا وسببها طاعة الله تعالى، وإقامة دينه. قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] ، فإن معنى الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] ، أيها الناس: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] ، في الدين أو في الدنيا، في أنفسكم وأهليكم وأموالكم: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] ، يعني: إنما يصيبكم ذلك عقوبة لكم، بما اجترحتموه من الآثام، فيما بينكم وبين ربكم،: ﴿ويعفوا﴾ لكم ربكم: ﴿عن كثير﴾ من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها، فإنه تعالى لو عاقب عباده بإجرامهم، ما بقي على ظهرها من دابة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [سورة فاطر آية: ٤٥] . قال الحسن رحمه الله تعالى: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ الآية [سورة الشورى آية: ٣٠] . قال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. وقال علي ﵁: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة وفي دعاء العباس، عم النبي ﷺ حين استسقى به عمر، والصحابة ﵃، عام الرمادة: اللهم إنه لا ينْزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة،

стр. 6680

وهذه أكفنا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فأسقنا. وفي الحديث: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ١. وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] . وقال تعالى في حق أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٦٦] ، يعني: لأنزل الله عليهم من السماء قطرها، وأخرجت لهم الأرض ثمارها. وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٦] ، فإنه يعني: لأكلوا من بركة ما تحت أقدامهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حبها ونباتها، وثمارها، وسائر ما يؤكل مما تخرجه، قال ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٦] ، يعني لأرسل السماء عليهم مدرارا: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٦] ، تخرج الأرض بركتها. وجاء في تفسير، قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] ، عن مجاهد قال: إذا أسنت السنة، قالت البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم. وعن مجاهد أيضا، قال: تلعنهم دواب الأرض، وما شاء الله، حتى الخنافس والعقارب، تقول نمنع القطر بذنوبهم. وروى ابن ماجه في سننه، من حديث عبد الله بن

стр. 6681

عمر بن الخطاب ﵄: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا بوجهه، فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن، ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع، التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم. ومعنى قوله ﷺ : ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان ١ ظاهر، والسنين: جمع سنة، والسنة: هي الجدب. وهذا من حكمة الله تعالى وعدله في خلقه، وهو مجازاتهم من جنس أعمالهم، فإن الجزاء من جنس العمل؛ وفي الجدب، وشدة المؤونة، وجور السلطان، من نقص الأموال ما يعرفه كل أحد، جزاء لبخسهم الناس حقوقهم وأموالهم، بنقص المكيال والميزان، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد. وقد جاء في هذا الذنب من الوعيد، والإخبار بما

стр. 6682

أحل الله بفاعليه، من سالف الأمم، ما هو معلوم، وإنما حرم ذلك وغلظ تحريمه، لأنه من أعظم الظلم، وأكل المال بالباطل. ومما يدخل أيضا في أكل أموال الناس بالباطل: ما يكتب بالعقود الفاسدة، والمعاملات المحرمة، التي تمادى فيها أكثر الناس، فإن ما يصير من الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري حرام؛ فإن مال المسلم لا يحل إلا بطيبة نفس منه، إما بهبة شرعية، أو بعقد شرعي، وأعظم ذلك كله الربا في المعاملات. قال الله تعالى:: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥-٢٧٦] . وقوله ﷺ : وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ١، واضح في: أن لهذا الذنب خصوصية في منع القطر من السماء، فإنه من أعظم الذنوب، لأن الزكاة أحد أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله. وكثير من الناس لا يؤدي الزكاة المفروضة من الأموال

стр. 6683

الخفية إما بخلا- والعياذ بالله- أو جهلا ببعض تفاصيل الواجب من الشروط، كالنصاب، وغير ذلك؛ فإنه إذا كان عند الإنسان ثلاثة وعشرون ريالا. فرانسيا، فحال عليها الحول، وجبت فيه الزكاة. وقوله: ولولا البهائم لم يمطروا ١ يدل على أن ما ينْزله الله تعالى من المطر في بعض الأحيان، رحمة للبهائم التي لا جرم لها. ويشهد لهذا ما رواه أبو يعلى، والبزار، من حديث أبي هريرة: مهلا عن الله مهلا، فإنه لولا شباب خشع، وبهائم رتع، وأطفال رضع، لصب عليكم العذاب صبا. وروى أبو نعيم من حديث أبي الزاهرية أن النبي ﷺ قال: ما من يوم إلا وينادي مناد: مهلا أيها الناس مهلا، فإن لله سطوات، ولولا رجال خشع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا، ثم لرضضتم به رضا. وفي قوله ﷺ : وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم ٢ مشابهة ظاهرة لقوله تعالى:: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١٣] إلى قوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٤] . وفي ذلك كله التحذير للأئمة- وهم من يقتدى بهم،

стр. 6684

من العلماء والأمراء من ترك العمل بما في كتاب الله، وهو دينه الذي دل عليه الكتاب والسنة، فإن هذه العقوبة، وهي: إغراء الله بينهم العداوة والبغضاء، وجعله تعالى بأسهم بينهم، بها انثلال عرش الديانات، وانحلال نظام الولايات، وتفرق الجماعات، وانتهاك المحرمات، وتسليط أهل الكفر والضلالات. فعلى من يقتدى بهم خصوصا، وسائر المسلمين عموما أن يتقوا الله تعالى، فإن بتقواه تعالى دوام الخير الموجود، واستجلاب ما عند الله من الفضل المفقود، وأن يعتنوا بهذا المقام، وأن يراعوه حق رعايته، في أنفسهم، وفيمن تحت أيديهم، علما وعملا، ويأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر. فيا عباد الله: التوبة التوبة! تفلحوا وتنجحوا، وتستقيم أحوالكم وتصلحوا، قال الله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ٥٢] . وارجعوا إلى ربكم بالتجرد والتخلص من حقوق الله التي له قبلكم، واخرجوا من جميع المظالم التي عند بعضكم لبعض، وأكثروا من الاستغفار، بقلب يقظان حاضر، معترف بالذنوب، مقر بالتقصير والعيوب، وأديموا التضرع لرب الأرباب، يدر عليكم الرزق من السحاب. وأحسنوا إلى المحاويج، وارحموهم، يحسن الله إليكم.

стр. 6685

ويرحمكم بغيث السماء، وفي الحديث: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء١ وأكثروا من الصدقة، واتركوا التشاحن، والتهاجر، والتقاطع بينكم، وغير ذلك مما هو من أسباب عدم إجابة الدعاء. اللهم انصر دينك وكتابك، ونبيك، وعبادك المؤمنين، اللهم أعل كلمتك وأيد حزبك الموحدين، واجعلنا منهم يا أرحم الراحمين، فأنت على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه أجمعين; ٨ / ١٠ / ١٣٥٢ هـ. [تذكير الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل بنعمة الله ووصيته بتقوى الله] وقال الإمام: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بعد ذلك وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياكم من صالحي عبيده وأوليائه، تفهمون ما من الله تعالى به علينا وعليكم، من نعمة الإسلام، والعافية والأمان، وتفهمون أن الله ، قال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] . ونصيحة الشيخ: محمد بن إبراهيم، جزاه الله خيرا، ووفقنا وإياه لما يحبه ويرضاه، كافية من جميع الأحوال، ولا عليها مزيد، فالذي أوصيكم به ونفسي: تقوى الله،

стр. 6686

واتباع أوامره، واجتناب نواهيه. ويفهم من كان فيه خير من المسلمين أن ما لنا قصد إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد السفيه ونكون- إن شاء الله- مساعدين قائمين بأمر الله، مساعدين لمن قام بذلك. فيجب عليكم تدبر هذه النصيحة، والعمل بما فيها، والتناصح فيما بينكم، والقيام على من خالف ذلك، كل على قدرته. ونحن نعاهد الله أننا خدام مساعدون لهذه الشريعة ومن قام بها، مستعينين بالله على من خالف ذلك، فالآن الشيخ محمد أدام الله وجوده، أدى الواجب ونحن برئت ذمتنا، وألزمنا المسلمين كل يقوم على قدره، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين. نرجو أن الله يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 6687

[التذكير بنعمة الله تعالى وما تضمنته كلمة الإخلاص] وله أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، إلى من يراه من إخواننا: الحجازيين، والنجديين، واليمانيين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: بارك الله فيكم، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياكم من صالحي عباده وأوليائه تفهمون أن الله سبحانه مَنَّ علينا بنعمة الإسلام، وأكملها علينا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، ومن أكبر نعمه علينا: إنزال كتابه العزيز، وإرسال نبيه الكريم. وخلاصة ذلك، وعمدة ما نزل في كتاب الله، وإرسال رسله الأولين، وخاتمهم سيد المرسلين، هي: الدعوة لعبادة الله وحده لا شريك له، وهي مضمون لا إله إلا الله، كما أن معناها: "لا إله"نفي "إلا الله"إثبات. وكل من قال لا إله إلا الله، عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، مواليا لجميع ما أمر الله به، معاديا لما نهى عنه، من الأفعال والأقوال، فهو من أهل لا إله إلا الله.

стр. 6688

ومن قالها، ولم يعرف لمعناها، ولم يعمل بمقتضاها، ولا أحب ما احتوت عليه من الخير، وأبغض ونفى ما نهت عنه من الشر، من الأقوال والأفعال، فليس هو من أهل لا إله إلا الله فهو كالأنعام، بل هو أضل. وتعرفون، بارك الله فيكم، لو أنني أريد أن أتمادى فيما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ من الآيات المحكمة، والأحاديث الصحيحة، فيما تثبت من الأعمال الطيبة، وتنكر من الأعمال السيئة، لطال الكلام. والمقصد من ذلك: الفائدة، والاتباع لما أمر الله به وهو قوله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١] . وقوله ﷺ : الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ١ وشرح ذلك مفهوم. وهو أن النصح لله: أن تعبد الله وحده، وتبرأ من سواه، من قول وعمل، وتحب ما أمرك الله به وتتجنب ما نهاك عنه، والنصح لكتاب الله: أن تعمل بمحكمه وتؤمن بمتشابهه. والنصح لرسوله ﷺ : أن تجزم أنه أفضل الأولين والآخرين، وأنه الصادق المصدوق، وأنه لا ينطق عن

стр. 6689

الهوى، وأنه المعصوم، وأنه من لا يحب الله وكتابه ورسوله، أحب من نفسه وماله وولده، فلا آمن بالله، ولا عرف ما جاء في كتاب الله. ومن فرق أو شك أن ما جاء في كتاب الله، يخالف ما جاء به رسوله ﷺ أو ما جاء به رسول الله ﷺ يخالف كتاب الله، أو أول في كتاب الله وسنة رسوله، وكذب على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقد كفر، ومن أنكر شفاعته ﷺ إذا أذن الله له، ولم يرج ذلك; أو قال: نؤمن بكتاب الله، ولا نؤمن بمحمد، فقد كفر. فإذا فهمنا ذلك، ووقر في قلوبنا، وصحت العقيدة بذلك، فيجب علينا أن نفكر ونتدبر القرآن، وسنة الرسول ﷺ وما كان عليه مذهب السلف الصالح؛ ونعمل بما فيه، ونقوم بالواجب، وننكر ما أنكره كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما أنكره السلف الصالح. هذا الذي حملني على هذه النصيحة، هو ما رأيت في هذا الزمان وأهله، من الفساد، وما اقترفناه من الذنوب، كبيرنا وصغيرنا، نستغفر الله ونتوب إليه، وما عليه الحالة اليوم. فالناس في هذا الزمن، قد انقسموا على أقسام شتى: منهم العارف بالله، وبكتاب الله، والذين يعتقدون عقيدة السلف الصالح؛ قصروا في العمل، وتركوا النصيحة، ولم يقوموا بالواجب.

стр. 6690

وفريق عرف أن الله ربه، والإسلام دينه، ومحمد ﷺ نبيه ورسوله، لكنهم لم يعرفوا ما هو الواجب عليهم، في كونهم عرفوا الله، وما حق ذلك، ولا عرفوا الإسلام وحقيقته، ولا عرفوا ما أرسل به محمد ﷺ وجاهد عليه. وآخرون اتخذوا أديانهم أهواءهم، واتبعوا كل ناعق، فمنهم الملحد- والعياذ بالله- ومنهم المتبع لهواه، ومبتدع للطرق والمضال التي نهانا الله ورسوله عنها. ومنهم من لم يعرف طريق الحق من الضلال، وتمسك بقوله إنه مسلم; ولم يفرق بين حق وباطل. ومنهم من أحدث له الشيطان من الخيالات والمفاسد ما أضله به، وادعى أنها الحياة الجديدة، وأنها الحرية، وأنها المدنية، وعملها بنفسه، وجد واجتهد في الدعوة إليها، والإنكار على من خالفها، ويقول: ينبغي أن نتقدم قدام، ولا نرجع وراء، ومعناه في التقدم هو التمدن والحرية، والتأخر هو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومذهب السلف الصالح، والتعصب فيه. فبهذه الحال وجبت علي النصيحة أولا لكافة المسلمين، وثانيا لمن ولانا الله أمره؛ فصار من الواجب علينا أن ننصح أنفسنا، وننصح جميع المسلمين، بأن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ونعتصم بحبل الله جميعا، ولا نتفرق، فيأخذنا الشيطان إلى طرق الضلال.
следующие страницы →