← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

واتباع أوامره، واجتناب نواهيه. ويفهم من كان فيه خير من المسلمين أن ما لنا قصد إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد السفيه ونكون- إن شاء الله- مساعدين قائمين بأمر الله، مساعدين لمن قام بذلك. فيجب عليكم تدبر هذه النصيحة، والعمل بما فيها، والتناصح فيما بينكم، والقيام على من خالف ذلك، كل على قدرته. ونحن نعاهد الله أننا خدام مساعدون لهذه الشريعة ومن قام بها، مستعينين بالله على من خالف ذلك، فالآن الشيخ محمد أدام الله وجوده، أدى الواجب ونحن برئت ذمتنا، وألزمنا المسلمين كل يقوم على قدره، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين. نرجو أن الله يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 6687

[التذكير بنعمة الله تعالى وما تضمنته كلمة الإخلاص] وله أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، إلى من يراه من إخواننا: الحجازيين، والنجديين، واليمانيين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: بارك الله فيكم، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياكم من صالحي عباده وأوليائه تفهمون أن الله سبحانه مَنَّ علينا بنعمة الإسلام، وأكملها علينا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، ومن أكبر نعمه علينا: إنزال كتابه العزيز، وإرسال نبيه الكريم. وخلاصة ذلك، وعمدة ما نزل في كتاب الله، وإرسال رسله الأولين، وخاتمهم سيد المرسلين، هي: الدعوة لعبادة الله وحده لا شريك له، وهي مضمون لا إله إلا الله، كما أن معناها: "لا إله"نفي "إلا الله"إثبات. وكل من قال لا إله إلا الله، عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، مواليا لجميع ما أمر الله به، معاديا لما نهى عنه، من الأفعال والأقوال، فهو من أهل لا إله إلا الله.

стр. 6688

ومن قالها، ولم يعرف لمعناها، ولم يعمل بمقتضاها، ولا أحب ما احتوت عليه من الخير، وأبغض ونفى ما نهت عنه من الشر، من الأقوال والأفعال، فليس هو من أهل لا إله إلا الله فهو كالأنعام، بل هو أضل. وتعرفون، بارك الله فيكم، لو أنني أريد أن أتمادى فيما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ من الآيات المحكمة، والأحاديث الصحيحة، فيما تثبت من الأعمال الطيبة، وتنكر من الأعمال السيئة، لطال الكلام. والمقصد من ذلك: الفائدة، والاتباع لما أمر الله به وهو قوله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١] . وقوله ﷺ : الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ١ وشرح ذلك مفهوم. وهو أن النصح لله: أن تعبد الله وحده، وتبرأ من سواه، من قول وعمل، وتحب ما أمرك الله به وتتجنب ما نهاك عنه، والنصح لكتاب الله: أن تعمل بمحكمه وتؤمن بمتشابهه. والنصح لرسوله ﷺ : أن تجزم أنه أفضل الأولين والآخرين، وأنه الصادق المصدوق، وأنه لا ينطق عن

стр. 6689

الهوى، وأنه المعصوم، وأنه من لا يحب الله وكتابه ورسوله، أحب من نفسه وماله وولده، فلا آمن بالله، ولا عرف ما جاء في كتاب الله. ومن فرق أو شك أن ما جاء في كتاب الله، يخالف ما جاء به رسوله ﷺ أو ما جاء به رسول الله ﷺ يخالف كتاب الله، أو أول في كتاب الله وسنة رسوله، وكذب على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقد كفر، ومن أنكر شفاعته ﷺ إذا أذن الله له، ولم يرج ذلك; أو قال: نؤمن بكتاب الله، ولا نؤمن بمحمد، فقد كفر. فإذا فهمنا ذلك، ووقر في قلوبنا، وصحت العقيدة بذلك، فيجب علينا أن نفكر ونتدبر القرآن، وسنة الرسول ﷺ وما كان عليه مذهب السلف الصالح؛ ونعمل بما فيه، ونقوم بالواجب، وننكر ما أنكره كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما أنكره السلف الصالح. هذا الذي حملني على هذه النصيحة، هو ما رأيت في هذا الزمان وأهله، من الفساد، وما اقترفناه من الذنوب، كبيرنا وصغيرنا، نستغفر الله ونتوب إليه، وما عليه الحالة اليوم. فالناس في هذا الزمن، قد انقسموا على أقسام شتى: منهم العارف بالله، وبكتاب الله، والذين يعتقدون عقيدة السلف الصالح؛ قصروا في العمل، وتركوا النصيحة، ولم يقوموا بالواجب.

стр. 6690

وفريق عرف أن الله ربه، والإسلام دينه، ومحمد ﷺ نبيه ورسوله، لكنهم لم يعرفوا ما هو الواجب عليهم، في كونهم عرفوا الله، وما حق ذلك، ولا عرفوا الإسلام وحقيقته، ولا عرفوا ما أرسل به محمد ﷺ وجاهد عليه. وآخرون اتخذوا أديانهم أهواءهم، واتبعوا كل ناعق، فمنهم الملحد- والعياذ بالله- ومنهم المتبع لهواه، ومبتدع للطرق والمضال التي نهانا الله ورسوله عنها. ومنهم من لم يعرف طريق الحق من الضلال، وتمسك بقوله إنه مسلم; ولم يفرق بين حق وباطل. ومنهم من أحدث له الشيطان من الخيالات والمفاسد ما أضله به، وادعى أنها الحياة الجديدة، وأنها الحرية، وأنها المدنية، وعملها بنفسه، وجد واجتهد في الدعوة إليها، والإنكار على من خالفها، ويقول: ينبغي أن نتقدم قدام، ولا نرجع وراء، ومعناه في التقدم هو التمدن والحرية، والتأخر هو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومذهب السلف الصالح، والتعصب فيه. فبهذه الحال وجبت علي النصيحة أولا لكافة المسلمين، وثانيا لمن ولانا الله أمره؛ فصار من الواجب علينا أن ننصح أنفسنا، وننصح جميع المسلمين، بأن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ونعتصم بحبل الله جميعا، ولا نتفرق، فيأخذنا الشيطان إلى طرق الضلال.

стр. 6691

وأن نحذر من قوله تعالى:: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٥٣] . ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٦] . فأما الذنوب والمعاصي، فنستغفر الله ونتوب إليه، فما عملنا من خير فهو من الله وبفضله وكرمه; ونقول: اللهم ما أصبح بنا من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك؛ وما عملنا من شر فمن أنفسنا والشيطان، ونستغفر الله ونتوب إليه. والحمد لله الذي لما ابتلى عباده بالمعاصي، وابتلاهم بالامتحان، وابتلاهم بكيد الشيطان، منّ عليهم بالتوبة والاستغفار؛ وذلك من فضله وكرمه. أما الحالة السابقة في الناس، فهي من كيد الشيطان، ومن أسباب الذنوب، ومن التفرق في الدين، ومقاومته بالطرق والضلالات، التي ما أنزل الله بها من سلطان; وإلا الطريقة واحدة، والمحجة واضحة، وهي: ما جاء في معنى لا إله إلا الله، المحتوية على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومذهب السلف الصالح. مع أننا لا ننكر ولا نعترض على المذاهب الأربعة، التي أئمتها أئمة حق، ولم يقصدوا إلا الحق، ولا ينطقوا إلا بما

стр. 6692

يرونه حقا؛ وبما ظهر لهم من الحق، وإلا فالزلل لم يعصم منه إلا محمد ﷺ . مع أننا ننكر أن تكون المذاهب الأربعة مللا، أو أن يعتقد أحد في الأئمة ومن تبعهم اجتهادا غير موافق لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بتضليل أو مخالفة للحق؛ وهذا غير ما ظهر في هذا الزمان من المدعين بالتجدد، وعلى أنهم شبيبة يقومون بواجب بلادهم وشعبهم، ويجب عليهم التقدم والتمدن والحرية، على غير مفهوم هذه الكلمات. فهذه النّزعة التي تقود هذه الشبيبة إلى الضلال، هي نزعة شيطان، وصدمة للدين وللعرب، ولجميع من تمسك بالسمت ومكارم الأخلاق، لأنه ﷺ يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. فما من أمر فيه خير وحفظ للسمت والشرف، سواء أتى من عربي أو عجمي، ولا يخالف الكتاب والسنة: إلا وقد جاء فيما أمر به صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، وزاد عليه بتعليم الخير؛ كما عمل ذلك مع بعض الوفود الذين وفدوا عليه، وسألهم عن بعض ما هم عليه، وزادهم عليه. والآن فأي مسلم يعرف الإسلام، وينتسب وينسب إليه، ويقر ما أقره هؤلاء الغواة، من لزوم الرجوع عن الدين، وإبداله بما رأوه موافقا للشهوات الدنيئة التي لا يقرها دين ولا مذهب، ولا تقرها أصحاب مكارم الأخلاق

стр. 6693

في الجاهلية، ولا صلحاء أي ملة تعرف الشرف والعقل، فهو ضال عن طريق الصواب. وغير خاف أنه صار في آخر الزمان دعوة للتمدن، وهي - بلا شك - رقصة من رقصات الشيطان; وذلك قوله: إنني مسلم بلا عمل ولا اعتقاد، مع اتباع أقوال الملحدين وأهل الفساد، وارتكاب المحرمات في الأقوال والأفعال، مبررا عمله في ذلك بأنه من أعمال البلاد المتمدنة. أما الأمر الذي لا يوجد تحت أديم السماء أقبح منه في العقيدة، وفي الوقت نفسه مخالف لكل عقل سليم، وفكر مستقيم، ونقل قويم هو: كون الرجل، يدعو ويعبد، أو يرجو ويخاف، غير الله الجبار المتكبر رب العباد، القادر على الأولين والآخرين، من المتجبرين أو المتكبرين، الذي جعل الجنة رحمة، ووفق لها كل صاحب خير وسعادة والنار عدله ونقمته، وساق لها أهل الشر والنكد والضلالة. وأقبح من ذلك في الأخلاق: ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء، بدعوى تهذيبهن وترقيتهن، وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها، حتى نبذوا وظائفهن الأساسية، من تدبير المنْزل، وتربية الطفل، وتوجيه الناشئة - التي هي فلذة أكبادهن، وأمل المستقبل - إلى ما فيه حب الدين والوطن، ومكارم الأخلاق. ونسوا واجباتهن الخلقية، من حب العائلة التي عليها قوام الأمم، وإبدال ذلك بالتبرج والخلاعة، ودخولهن في

стр. 6694

بؤرات الفساد والرذائل، وادعاء أن ذلك من عمل التقدم والتمدن؛ فلا والله ليس هذا التمدن في شرعنا وعرفنا وعادتنا. ولا يرضى أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أو إسلام، أو مروءة، أن يرى زوجته، أو أحدا من عائلته، أو المنتسبين للخير، في هذا الموقف المخزي؛ هذه طريق شائكة تدفع بالأمة إلى هوة الدمار. ولا يقبل السير عليها إلا رجل خارج من دينه، خارج من عقله، خارج من عربيته; فالعائلة هي الركن الركين في بناء الأمم، وهي الحصن الحصين الذي يجب على كل ذي شمم أن يدافع عنها. إننا لا نريد من كلامنا هذا التعسف والتجبر من أمر النساء فالدين الإسلامي قد شرع لهن حقوقا يتمتعن بها، لا توجد حتى الآن في قوانين أرقى الأمم المتمدنة. وإذا اتبعنا تعاليمه كما يجب، فلا تجد في تقاليدنا الإسلامية وشرعنا السامي ما يؤخذ علينا، ولا يمنع من تقدمنا في مضمار الحياة والرقي، إذا وجهنا المرأة في وظائفها الأساسية؛ وهذا ما يعترف به كثير من الأوربيين من أرباب الحصافة والإنصاف. ولقد اجتمعنا بكثير من هؤلاء الأجانب، واجتمع بهم كثير ممن نثق بهم من المسلمين، وسمعناهم يشكون مرّ

стр. 6695

الشكوى، من تفكك الأخلاق، وتصدع ركن العائلة في بلادهم من جراء المفاسد. وهم يقدّرون لنا تمسّكنا بديننا وتقاليدنا، وما جاء به نبينا من التعاليم العالية، التي تقود البشرية إلى طريق الهدى، وساحل السلامة ويودّون من صميم أفئدتهم لو يمكنهم إصلاح حالتهم هذه، التي يتشاءمون منها، وتنذر ملكهم بالخراب والدمار، والحروب الجائرة. وهؤلاء نوابغ كتّابهم ومفكّريهم، قد علموا حق العلم هذه الهوة الساحقة التي أمامهم، المنقادون لها بحكم الحالة الراهنة، وهم لا يفتؤون في تنبيه شعوبهم، بالكتب والنشرات والجرائد، على عدم الاندفاع في هذه الطريق، التي يعتقدونها سبب الدمار، وسبب الخراب. إني لأعجب أكبر العجب، ممن يدعي النور والعلم، وحب الرقي، من هذه الشبيبة التي ترى بأعينها وتلمس بأيديها ما نوهنا به من الخطر الخلقي، الحائق بغيرنا من الأمم، ثم لا ترعوي عن ذلك، وتتبارى في طغيانها، وتستمر في عمل كل أمر يخالف تقاليدنا، وعاداتنا الإسلامية العربية، ولا ترجع إلى تعاليم الدين الحنيفي الذي جاء به نبينا محمد ﷺ رحمة وهدى لنا، ولسائر البشر. فالواجب على كل مسلم وعربي فخور بدينه، معتز بعربيته، أن لا يخالف مبادئه الدينية، وما أمره الله تعالى

стр. 6696

بالقيام به لتدبير المعاد والمعاش، والعمل على كل ما فيه الخير لبلاده ووطنه. فالرقي الحقيقي، هو بصدق العزيمة، والعمل الصحيح، والسير على الأخلاق الكريمة، والانصراف عن الرذيلة، وكل ما من شأنه أن يمس الدين، والسمت العربي، والمروءة؛ وليس بالتقليد الأعمى؛ وأن يتبع طرائق آبائه وأجداده، الذين أتوا بأعاظم الأمور، باتباعهم أوامر الشريعة التي تحت عبادة الله، وحده، وإخلاص النية، في العمل. وأن يعرف حق المعرفة، معنى ربه، ومعنى الإسلام وعظمته، ومعنى ما جاء به نبينا، ذلك البطل الكريم العظيم ﷺ من التعاليم القيمة التي تسعد الإنسان في الدارين; وتعلمه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين; وأن يقوم أود عائلته، ويصلح من شأنها، ويتذوق ثمرة عمله الشريف. فإذا عمل هذا، فقد قام بواجبه، وخدم وطنه وبلاده. إني أرى من واجبي بصفتي مسلما، وبحسب عربيتي وإخلاصي لأبناء قومي، أن أقوم بهذه النصائح لمن ولاني المولى أمرهم، مقتديا في عملي هذا بالنبي ﷺ الذي أرجو أن أكون تبعا له في أقوالي وأعمالي، وفي محياي ومماتي، صابرا على ما تقوله الناس من الانتقادات غير مبال لها ولا وجل منها، كما قيل: إذا كان الذي بيني وبين الله عامر ... فعسى الذي بيني وبين الناس خراب

стр. 6697

وذلك لأجل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وإسعاد من ولاني المولى أمرهم، راجيا أن نكون ممن قال فيهم صلوات الله وسلامه عليه: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، إلى أن يأتي أمر الله ﵎، وهم على ذلك ١. وإني على ثقة تامة بأن يرى كل صاحب إنصاف، أن واجبي يدعوني لأن أوجه هذه النصائح لشعبي المحبوب، ولكل مسلم، لأني مسلم محافظ على إسلاميته، عربي غيور على عربيته، متبع لما جاء به محمد ﷺ ، مقتد بمذهب السلف الصالح، رضوان الله عليهم، حريص على كل ما في تقاليدنا العربية، من مكارم الأخلاق، آمر بما أمر به الإسلام، ناهٍ عما نهى عنه الإسلام، غير منتصر لآبائي وأجدادي، أو لنعرة جاهلية، أو لمذهب من المذاهب غير الكتاب والسنة. وإني بحول الله وقوته سأثابر على هذه الدعوة المباركة، وأرجو المولى أن ينفع بها؛ فما كان فيها من الصواب فمن الله، وما كان من الخطأ فمن نفسي ومن الشيطان، واستغفر الله من ذلك. كما أنني أعاهد الله بأنني سأقوم إن شاء الله، بما أوجبه الله، وأن أسعى بإلزام من أطاعني بما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وأساعد على ذلك.

стр. 6698

كما أني سأمنع كل من يخالف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ومذهب السلف الصالح، بيدي وقلبي ولساني، على قدر الاستطاعة. وأسأل الله التوفيق والعناية والتيسير، لي ولإخواني المسلمين، عامتهم وخاصتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم; سنة ١٣٥٦ هـ. [التذكير بالدعوة والتجديد لهذا الدين والتحذير من عقوبة الله] وقال الشيخان، رحمهما الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه الأمين، محمد وآله وصحبه، والتابعين. من محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، رزقهم الله الاتعاظ والتذكر، ومنّ علينا وعليهم بالانتباه والتفكر، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فهذه تذكرة لنعم الله علينا وعليكم، ونصيحة تجب علينا الكتابة بها إليكم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥] . وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٦٩] . وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة الأعراف آية:

стр. 6699

٧٤] . والآيات في هذا المعنى كثير. وأكبر نعمة نذكّركم بها، هي: ما منّ به مولاكم، وما خصكم به من المنحة وأولاكم، من هذه الدعوة النجدية، وتجديد الملة الحنيفية، بعد أفول شموسها، ومحو آياتها ودروسها، واعتكار ليل الإشراك، وتلاطم الضلال والهلاك، حتى عبدت في نجد كغيرها، الطواغيت والأوثان، من الأشجار والقبور والغيران. وكان المطاع والمتبع هو الشيطان، بدلا عن مضمون كلمة الإسلام والإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله الملك الديان، وشهادة أن محمدا عبده ورسوله سيد ولد عدنان وأصبح الحق مهجورا، والباطل مؤيدا منصورا. ونشأت بدع الرفض والتجهم والاعتزال، وبدعة الاتحاد التي هي أكبر بدع الضلال، وغير ذلك من ظهور السحر والكهانة والتنجيم، وسفك الدماء، ونهب الأموال، واستحلال المحرمات، مما هو حقيقة الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء. إلى أن ابلولج صبح الحق واتضح، وتجهم وجه الباطل وافتضح، بما منّ به الكريم، من الدعوة والتجديد، على يد من منحهم الله التوفيق والتسديد، وهم: الإمام الأوحد الفريد، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، وأنصار أئمة التوحيد آل سعود، ومن سبقت لهم سابقة السعادة والسيادة؛ ولم

стр. 6700

تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يثنهم عن هذا الفخر الأفخم مقاومة مقاوم. فانجلت بحمد الله من نجد وما حولها، وجنات الإشراك، وظهرت بذلك فضيحة كل مبتدع أفاك، واستضاءت بنور المحمدية المحضة أرجاء تلك الأقطار؛ وعاد عود الإسلام غصنا أخضر بعد الالتواء والاصفرار، واستقرت الشريعة في نصابها، ورجعت الفريضة إلى بابها، ونشرت أعلام الجهاد، وقامت حجة الله على العباد. وكلما اعترى أهل هذه الدعوة من نقص وانثلام، بسبب الوقوع في المعاصي والآثام، رد الله تعالى بمنّه لهم الكرة، وأعاد دولتهم المرة بعد المرة، إلى أن منّ الله بطلعة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن، أيد الله به السنة والقرآن، فجمع به شمل أهل الإسلام والإيمان. فهذه والله هي النعمة العظيمة، والمنحة الجسيمة، مع ما انضم إلى ذلك من كمال التمكين في الأرض، والأمن العام، وغير ذلك من النعم التي لا يعدها ويحصيها إلا المنعم بها وموليها. فيجب علينا وعليكم رعايتها وشكرها، ويتعين التحدث بها وذكرها، فإن بالشكر استقرار النعم الموجودة، واستجلاب النعم المفقودة، قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] .

стр. 6701

وحقيقة الشكر: تقوى الله تعالى، بفعل ما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر; وأصل ذلك وأعظمه، وأفرضه وألزمه، هو: توحيد الله علما وعملا وتعليما، وحثا وتحريضا وإرشادا، وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، الذي دلت عليه كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، مطابقة. وإثبات ما أثبته لنفسه تعالى في كتابه، وأثبته له رسوله ﷺ في السنة، من صفات الكمال، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ وهذا دلت عليه كلمة الإخلاص بالتضمن. فإن التوحيد هو الأصل الأصيل الذي لا يصح بدونه قول ولا عمل، وما ضل من ضل، ووقع في الشرك من وقع وزل إلا بالجهل بذلك، والتغافل عما هنالك. ومن لوازم التوحيد: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله؛ وهذه أمور قد طوي بساطها، وانحل نظامها ورباطها؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد قال رسول الله ﷺ : أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. وفي الحديت الآخر: وهل الدين إلا الحب والبغض. وفي الأثر الإلهي: هل واليت لي وليا؟ أو عاديت لي عدوا؟. وقد وقع من التهاون بهذا الشأن، وعدم الغيرةعند

стр. 6702

انتهاك محارم الله، ما يخشى بسببه أن يغضب الرب لدينه، ويغار لشرعه وحرماته، فيحل بنا من نقماته، ويوقع بنا من سطواته، ما لا قبل لنا به. فإن إضاعة أمر الله، والوقوع في حرماته، هو سبب تغيير الله النعم على أهلها، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٥٣] . وفي بعض الآثار الإلهية عن الرب ﵎، أنه قال: وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب، ثم ينتقل عنه إلى ما أكره، إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره. ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه إلى ما أحب، إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب. وقال تعالى خطابا للصحابة ﵃:: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٣٨] . وبالجملة: فنحذركم وأنفسنا، عقاب الله وسطوته؛ فإن أخذه لمن ضيع أمره ثقيل، وعذابه الدنيوي والأخروي لمن عصاه وبيل؛ فإن الخلق أهون شيء على الله، إذا أضاعوا أمره. وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، قال: لما فتحت قبرص، فرق بين أهلها، فبكى

стр. 6703

بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. وقد فصل الله في كتابه مما أوقع لمن ضيع أمره، ما فيه عبرة لأولي الاعتبار، وتبصرة لذوي الأبصار. ومن الأمور المهمة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ; بل لا قوام للدين إلا بذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الآيات سورة [آل عمران آية: ١٠٤] . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ١ رواه مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة. ففي هذه الآية الكريمة من الفوائد: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا يكفي في ذلك الأفراد; بل لا بد من عدد يحصل بهم المقصود، وتوجد منهم الكفاية.

стр. 6704

وفي حديث أبي سعيد: وجوب ذلك على كل أحد بحسب هذه المراتب، لما يفيد قوله ﷺ : من رأى منكم منكرا ١ من العموم. فعلى إمام المسلمين - وفقه الله - أن يقيم في كل بلد من يقوم بهذا الشأن، ويلزم أئمة المساجد في كل بلد أن يسألوا العامة، عن ثلاثة الأصول المختصرة التي ألفها إمام هذه الدعوة، قدس الله روحه. والله المسئول أن يمنّ علينا وعليكم بالتوبة النصوح، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. [التذكير بتقوى الله وتفصيل معناها وذكر أعظم المنكرات وأوجب الواجبات] وقال الشيخ محمد بن إبراهيم، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، ثبتنا الله وإياهم على الإسلام; ووفقنا وإياهم: اجتناب المعاصي والآثام، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فقد قال الله تعالى:: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقال: الدين النصيحة، ثلاثاً. قيل: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم ٢ فدلت الآية الكريمة والحديث على وجوب التذكير والنصيحة.

стр. 6705

فالذي أوصي وأذكر وأنصح به جميع إخواني من المسلمين، ومن الولاة والعلماء وأهل الحسبة، وجميع الخاصة والعامة: أن يتقوه تعالى، فإنها هي وصية الله لعباده الأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وحقيقة تقوى الله: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وعقابه، وقاية تقيه ذلك، بفعل الطاعات وترك المعاصي. فيجب على الولاة تقوى الله وخشيته، فيما ولّاهم الله عليه، من أمر دين المسلمين ودنياهم، كما يجب على العلماء تقوى الله تعالى وخشيته، فيما علمهم من العلم وآتاهم، والعمل بما منّ الله به عليهم من ذلك وحباهم; كما يجب على جميع من ولي أمرا من أمور المسلمين: تقوى الله وخشيته فيما ولي عليه، والنصح في ذلك والأمانة. ويجب عليهم وعلى سائر المسلمين تقوى الله وخشيته في جميع ما تعبدوا به وخلقوا له، من فعل الطاعات، وترك المعاصي والمنكرات; فأوجب الواجبات: إخلاص العمل لله وحده، وتجريد المتابعة للنبي ﷺ . وأعظم المنكرات: الشرك بالله تعالى، والابتداع في الدين بشرع ما لم يأذن به الله.

стр. 6706

ومن الواجبات أيضا: تناصح المسلمين، وتذاكر بعضهم مع بعض، ومعاونة بعضهم لبعض، في القيام بفعل ما أوجب الله ورسوله، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله. ومن أوجب الواجبات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على الوجه الشرعي، وإقامة الحدود والتعازير، على المنهج المرعي، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] . فإن بالقيام بما فرض الله على العباد من فعل الطاعات، وترك المعاصي والفساد، صلاح البلاد والعباد، واستجلاب البركات، ودفع النقمات، وإجابة الدعوات، وإعطاء الطلبات، وقضاء الحاجات، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] . وقد رأيتم ما أصاب المسلمين من الآفات في الزروع، ونقص الثمرات، ونزع البركات، وتأخر الغيث عن كثير من البلاد والفلوات، وذلك بارتكاب المعاصي والأرجاس، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] . وفي الحديث: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة.

стр. 6707

فالواجب على المسلمين: التوبة إلى الله، وحقيقتها: الإقلاع من جميع الذنوب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة؛ وأن يحافظوا على أمر الدين، ومن أهمها الصلاة وهي عموده، كما في الحديث: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة ١. وتركها تهاونا وتكاسلا كفر ناقل عن الملة، ومبيح للدم والمال، كما في الحديث: بين العبد والكفر ترك الصلاة ٢. وفي الحديث الآخر: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها ٣. ومن الواجب للصلاة: أداؤها في جماعة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه هم بالانطلاق برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة في جماعة، فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وقال: لولا ما فيها من النساء والذرية لأحرقتها عليهم ٤. ومن أهمها أيضا: الزكاة، وهي حق المال، ويقاتل مانعها، للحديث السابق; وقال أبو بكر الصديق ﵁: لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؟ ، وفي حديث: وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا ٥. ومن الواجب أيضا: رد المظالم إلى أربابها وتحللهم

стр. 6708

منها؛ فإن حقوق العباد أمرها عظيم، وهي مبنية على المشاحّة والمضايقة، وهي الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا في الآخرة. ومن فرائض الدين أيضا: اجتناب جميع المحرمات، من الزنى واللواط، وشرب المسكرات، والربا في المعاملات، والعقود المحرمة، والغش والخيانة في الأمانات، والتطفيف في المكيال والميزان، واحتكار الأقوات، واستعمال آلات الملاهي، ومخالطة الرجال بالنساء، وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية. والهزء بشيء من أمور الدين - بل ذلك من الكفريات -، والسرقة، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وأكل أموال الناس بالباطل، والكذب والخديعة للمسلم، والشحناء والتهاجر، والتباغض والتدابر، والبهت والغيبة والنميمة، والسخرية بالمسلمين، وإسبال الثياب، والكبر والحسد، وغير ذلك من المحرمات. وينبغي أيضا للمسلمين: أن يقدموا بين يدي نجواهم، وسؤالهم خالقهم ومولاهم، أنواع الصدقات، والإحسان إلى ذوي العاهات، وتحليل المسلمين بعضهم بعضا، وإكثارهم الدعوات، وتضرعهم إلى فاطر السماوات والأرض، رجاء أن يعطيهم مطلوبهم، ويغفر ذنوبهم؛ فإنه تعالى وتقدس الجواد المنان. هذا وأسأل الله الكريم أن يهدينا جميعا لما يرضيه،

стр. 6709

ويجنبنا أسباب سخطه ومعاصيه، وينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأوطاننا بالوابل الهتان؛ ويمنّ علينا بمزيد التمسك بالسنة والقرآن، وأن يقمع الكفرة والملحدين؛ ويحفظ إمام المسلمين، ويديم له الظفر والتمكين، بالهدى ودين الحق المبين، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما إلى يوم الدين. [التذكير بآيات الله وأيامه والتحدث بنعمة الله والتحذير من أسباب نقمه] وله أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم، إلى من تبلغه هذه النصيحة من المسلمين، رزقني الله وإياهم الفقه في الدين، ومزيد التمسك بما بعث به سيد المرسلين، ومنّ عليّ وعليهم باقتفاء آثار الصدر الأول، من سلفنا المصلحين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن من أعظم فرائض الدين، التذكير بآيات الله، وأيامه في خلقه، والتحدث بنعمه، والتحذير من أسباب نقمه، لما في ذلك من أسباب حصول الخير الكثير، والسلامة من حلول العقوبات، والتغيير. قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [سورة ق آية: ٤٥] . وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾

стр. 6710

[سورة الضحى آية: ١١] . وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥] . وأعظم نعمة أنعم الله بها على عباده: بعثة عبده ورسوله محمد ﷺ بالهدى ودين الحق، وهما العلم النافع، والعمل الصالح; وأصل ذلك وأساسه: عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه. فأشرقت ببعثته قلوب من استجابوا له بعد ظلامها، وخشعت ولانت بعد قسوتها، ونالوا بذلك من القوة بعد الضعف، والعز بعد الذل، والعلم بعد الجهل، ما فتحوا به البلاد وقلوب العباد؛ وعلت بذلك كلمة الله، وصارت كلمة الكفر إلى السفال والفشل والإذلال، وعزل سلطان الجاهلية والإشراك؛ فلله الحمد على ذلك. إلا أن إبليس - أعاذنا الله منه - لشدة عداوته لبني الإنسان، وعظيم تغلغله بالكفر والطغيان، ومزيد جدِّه في الصدف عن طاعة الرحمن، وإن كان قد صدر منه ما صدر من اليأس، لم يدع الجد في إطفاء هذا النور، والتنفير عن الحق، والترغيب في أنواع الكفر والإلحاد والفجور، والدعوة إلى البدع، والإكثار من الأزّ إلى المعاصي والشرور، وبث الشبه والشهوات وألوان المغريات، على أيدي حزبه ومن استجابوا له من شياطين الإنس، ومن أنواع الخدع بزينة الدنيا وزخاريفها الفتانة، وضروب الشهوات.

стр. 6711

وشتى أسباب الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، من أجناس الملاهي وصنوف المسكرات حتى ثقل على القلوب سماع القرآن، وحصل التهاون بوعيده، وعدم الاهتمام بزواجره وتهديده، ولا سيما بعدما تصرمت أيام القرون المفضلة؛ فإنه قد اشتد الخطب، وانفتح باب الشر على مصراعيه، ولم يزل في مزيد. وإن كان ربنا ﵎ قد منّ ببقاء أصل هذا النور، وتأييد هذا الحق، بما أجراه على أيدي علماء الصدق، ورثة الرسل، من تجديد هذا الدين، وإقامة حجج الله على عباده؛ ومع ذلك فالأمر على ما وصفته، من تأثير مساعي إبليس وجنوده على الأكثر، حتى اشتدت الكربة، وصار الدين في غاية من الغربة. ولا سيما أزماننا هذه، التي صار فيها عند الأكثر المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ربا على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير؛ وطغى طوفان المادة، وأخفى غبار الشهوات والشبهات وضوح الجادة، وفشا الجهل. وتكلم في الأمور الدينية من ليس لها بأهل، حتى صرّح من صرّح من جهلتهم، فيما يكتبونه وينشرونه، بمزيد الحث والتحريض على ما هو من أعظم ما يهدم الإسلام، وينسي أصوله العظام، وأصبحت القلوب إن لم تمت في غاية من أنواع الأمراض، مرض الجهل، ومرض الشهوة، ومرض

стр. 6712

الشبهة، حتى استولت عليها القسوة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فيا لها من أمراض ما أصعبها، مع الإعراض عن الأدوية المحمدية، وما أسهلها وما أخفها، وما أسرع برؤها متى عولجت بالدواء الذي بعث الله به طبيب القلوب الأكبر ﷺ . وقد سمى النبي ﷺ الجهل مرضا، لما ينشأ عنه من عمى القلوب الذي هو المرض - أيّ مرض - وفيما بعث به ﷺ من الكتاب والسنة لهذه الأمراض، أنجع دواء، وأنفع شفاء. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٧] . وقال تعالى:: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاّ خَسَاراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٢] . فهلم إخواني نداوي هذه الأمراض، بأدوية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بتدبر أوامرهما ونواهيهما، ووعدهما ووعيدهما، وزواجرهما، ومذاكرة بعضنا مع بعض، وقيامنا لله مثنى وفرادى، لنتذكر ونتفكر، ونتناصح ونتآمر بالمعروف، ونتناهى عن المنكر، ونحب في الله ونبغض في الله، ونوالي في الله، ونعادي في الله، ونتعاون على البر والتقوى. ونبحث في أدوية تلك الأمراض التي تحصيلها من أسهل

стр. 6713

شيء، عندما تحصل القلوب على الصدق في طلب هذا الدواء، والإقبال على الله في التماس السلامة من تلك الأدواء، قال تعالى:: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سورة سبأ آية: ٤٦] . هلّم إخواني نشخّص سائر أمراض قلوبنا، ونشخّص أدويتها، ونجاهد نفوسنا على معالجتها، من تلك الأمراض المهلكة، ويحض بعضنا بعضا، ويحذر كل منا نفسه وأخاه، من وبيل أخذ الله، وشديد عقابه الدنيوي والأخروي، ومن الإقامة على أسباب تغيير ما منّ الله به من التوحيد، وتحكيم الوحي المحمدي، والعز والتأييد، والأمن والصحة والهدوء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [سورة الرعد آية: ١١] . وفي الأثر: أن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله، فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون. إخواني إن ربنا ﵎ لم يغير على قوم نوح بإهلاكهم بالطوفان، وسائر من أوقع بهم عقابه، وأحل بهم سطوته، إلا بعد أن غيروا بمعصيتهم رسله، وفسقهم عن طاعته، فاستوجبوا التدمير. : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ

стр. 6714

عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٦-١٧] . هلم إخواني لإمساك بعضنا بيد بعض، وتنشيط بعضنا لبعض، إلى اليقظة والانتباه من هذه الرقدة، التي طالما انتهز عدونا فيها الفرصة. هلم إخواني للتوبة النصوح إلى ربنا، ورجوعنا مما يسخطه إلى ما يرضيه قولا وفعلا، ومعاملة لبعضنا مع بعض بإخلاص وصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٩] . وقال تعالى:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التحريم آية: ٨] .

стр. 6715

[حكم التعامل بالربا وذكر أدلة تحريمه وأنواعه وتوجيه النصح لمن يتعامل به] وله أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين. من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، جعلنا الله وإياهم ممن ينتفع يالمواعظ والنصائح، ويجتنب الخزي والندم والفضائح آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإنه قد بلغني، وتحققت أنه يوجد أناس يعاملون بالربا، في أشياء يأتي بيانها إن شاء الله تعالى، فرأيت من الواجب المتعين علي نصيحة إخواني المسلمين في هذا الشأن، وموعظتهم، ليعلم الجاهل، ويتنبه الغافل، ويرتدع ويتعظ المتهاون والمتغافل، وعملا بقوله ﷺ : الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ١. إذا علم هذا، فالذي أوصيكم به ونفسي: تقوى الله تعالى، فإنها جماع الأمر كله، وهي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وهي وصية النبي ﷺ لأمته، كما قال ﷺ في حديث

стр. 6716

العرباض بن سارية: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة ١. وأصل التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين من يخافه ويحذره، وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه، وقاية تقيه منه ذلك، وهو: فعل طاعته، واجتناب معاصيه. قال عمر بن عبد العزيز، ﵀: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك; ولكن تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترص الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا، فهو خير إلى خير. وقال الحسن، ﵀، المتقون اتقوا ما حرم الله عليهم، وأدوا ما افترض الله عليهم. انتهى. فمن أعظم المعاصي والكبائر التي اجتنابها واتقاؤها من تقوى الله تعالى، التي أوجب على عباده: الربا في المبايعات، وقد ورد في الكتاب والسنة في التغليظ فيه والوعيد الشديد، ما لم يرد نظيره في غيره من الكبائر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٠-١٣٢] . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا

стр. 6717

الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥-٢٧٦] . وقال تعالى: ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُون َوَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٨١] . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : اجتنبوا السبع الموبقات، قال: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ١. وفي صحيح البخاري، عن سمرة بن جندب، ﵁ قال قال النبي ﷺ رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى النهر رجل بين يديه حجارة; فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج، رمى

стр. 6718

الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فرجع كما كان، فقلت: ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قال: آكل الربا وفي صحيح مسلم عن جابر، ﵄، قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء ١. وقال ابن عباس ﵄: إذا ظهر الربا والزنى في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله، وقال ابن مسعود ﵁: ما ظهر الزنى والربا في قرية إلا أذن الله بخرابها. وبالجملة: فقد دلت النصوص على أن الربا من أعظم الكبائر والمحرمات، ومن أبلغ أسباب نزع البركات، وحلول النقمات، والقلة والذلة، ومحاربة فاطر الأرض والسماوات; فمن أنواعه - التي يتعاطاها من قلّ نصيبه من مخافة الله - البيع بالعينة، وهي: أن يبيع شيئا بثمن مؤجل، ثم يشتريه البائع، أو شريكه، أو وكيله من المشتري بأقل مما باعه به، وهذا لا يجوز، لما روى أحمد وأبو داود، عن ابن عمر، ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا، لا ينْزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ٢. ولما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته العالية قالت: دخلت أنا وأم ولد

стр. 6719

زيد بن أرقم، على عائشة ﵂، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم نقدا، فقالت لها: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أن جهاده مع رسول الله ﷺ بطل إلا أن يتوب رواه أحمد. ومن أنواع الربا: قلب الدين على المعسر، وله صور، منها: أن يكون للتاجر عند الفلاح المعسر دراهم حالة، ثمن مبيع أو غيره، فإذا طلبت منه اعتذر بالعسرة; فيقول له التاجر: أكتبها عليك بزاد؟ فيجيبه المعسر إلى ذلك، فيقلبها بزاد في ذمته; فهذا لا يجوز، ولا يصح، لأنه بيع دين بدين، وهو ممنوع عند عامة أهل العلم، لكونه من أنواع الربا، وهو: بيع الكالئ بالكالئ، المنهي عنه في الحديث، فإن معنى الكالئ بالكالئ: المؤخر بالمؤخر. ولأنه سلم لم يقبض رأس ماله، ومن شرط الصحة للسلم: قبض رأس ماله في مجلس العقد، لحديث: من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ١ وإنما سمي سلفا وسلما: لتسليم رأس المال وتقديمه، وقبضه في المجلس. ولكن من الناس من لا يصرح بقلب الدين، مخافة الإنكار عليه، فيتوصل إلى غرضه الفاسد بالحيلة المحرمة، بإظهار عقد سلم، فيدفع إلى الفلاح دراهم هي رأس المال السلم في الظاهر، وبعدما يقبضها الفلاح، يردها إلى التاجر

стр. 6720

عما في ذمته من الدراهم، ويسمون هذا تصحيحا، وهو باطل غير صحيح، إذ العبرة في الأشياء بحقائقها، فإن حقيقة هذا العقد، هو: قلب الدين المحرم; يوضح هذا: أنه لا يدع الفلاح يقوم بالدراهم من المجلس، وأنه لو يعلم أنه لا يوفيه منها، أو أنه يوفيه حقه من دون الكتب عليه، ما كتب عليه لعسرته وعدم ملاءته. وأما إذا كان الفلاح مليا، يرغب كل أحد معاملته، فأسلم التاجر إليه دراهم في زاد، وبعدما قبضها الفلاح منه، دفعها إليه وفاء عن الدراهم الحالة التي له عليه، من غير شرط ولا مواطأة، فهذا لا بأس به، لكن الأولى: أن لا يقبضها منه إلا بعدما يذهب بها، وتكون عنده نحو يوم أو يومين احتياطا، وبعدا عن الشبهة; والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله، وصحبه وسلم. [على جميع المسلمين اجتناب الربا وما حرم الله في جميع معاملاتهم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، إلى من يراه من المسلمين، وعلى الأخص الأمراء والقضاة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإن ما تقدم أعلاه، هو نصيحة من الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، حفظه الله، فنرجو من جميع من اطلع عليها من المسلمين العمل بموجبها، ومخافة الله وتقواه في ذلك، وعلى جميع المسلمين اجتناب الربا في جميع معاملاتهم، وأن

стр. 6721

يتوب من كان يتعامل بما حرمه الله من البيع، وأن يرجع إلى رأس ماله. فكل من عومل بالربا فعليه مراجعة صاحبه ليمتنع عن أخذ الربا منه، فإن فعل فالحمد لله، وإلا عليه مراجعة القاضي المنصوب من قبلنا. وعلى سائر قضاتنا الذين يرفع لهم أي: أمر في الربا أن يحكموا برأس المال لصاحبه، وأن يبطلوا ما زاد على ذلك من الربا في جميع أحكامهم. والأمر من ذمتنا في ذمتهم، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق، وأن يمنعنا مما يغضبه، ويقربنا لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، في ٣٠ ربيع الأول سنة ١٣٦١ هـ. [الوصية بتقوى الله وما يجب على ولاة الأمور وسائر المسلمين] وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، ﵀. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، إلى من تبلغه هذه النصيحة من المسلمين، سلك الله بي وبهم صراطه المستقيم، ووفقني وإياهم للتمسك بشرائع الدين القويم، وجنبني وإياهم جميع الأسباب والوسائل المفضية بسالكها إلى سبيل الجحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالموجب لهذا، هو تذكيركم، والنصيحة لكم، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقوله ﷺ الدين

стр. 6722

النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ١. فأذكركم بما منّ الله به عليكم من التوحيد، ومعرفة دين الإسلام، والاهتداء بهديه، والاستضاءة بنوره، مع ما انضم إلى ذلك مما أنعم الله به من هذه الولاية الدينية العامة، التي ساد الأمن فيها وانتشر، وجرت ونفذت فيها أحكام الشريعة الإسلامية، على الكبير والصغير، والحر والعبد، فلله ربنا مزيد الحمد والثناء. فاشكروا عباد الله هذه النعمة، واغتبطوا بها، وارعوها حق رعايتها، واقدروها حق قدرها، وتحدثوا بها كثيرا، وتواصوا فيما بينكم بالتمسك بما يحفظها، والتحذير من ارتكاب أسباب زوالها وفرارها. فإن النعم إذا شكرت درّت وتزايدت وقرت، وإذا كفرت تناقصت وانمحقت وفرت، قال الله ﵎:: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] . وأنصحكم وأوصيكم بتقوى الله ﵎، فإنها هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى:: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وحقيقة التقوى: أن يجعل العبد

стр. 6723

بينه وبين غضب الله وعقابه، وقاية تقيه ذلك، بفعل الطاعات، وترك المعاصي. فيجب على الولاة: تقوى الله وخشيته فيما ولاهم الله عليه، من أمر دين المسلمين ودنياهم; كما يجب على العلماء: تقوى الله وخشيته، فيما علمهم الله من العلم وآتاهم، والعمل بما منّ الله عليهم من ذلك وحباهم، وكما يجب على جميع من ولي أمرا من أمور المسلمين: تقوى الله وخشيته فيما ولي عليه، والنصح في ذلك والأمانة. ويجب عليهم وعلى سائر المسلمين: تقوى الله وخشيته، في جميع ما خلقوا له، وتعبدوا به، وعلقت أمانته في أعناقهم، من فعل الطاعات، وترك المعاصي والمنكرات. فأوجب الواجبات: إخلاص العمل لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ وأنكر المنكرات: الشرك بالله، والابتداع في الدين بشرع ما لم يأذن يه الله. ومن أهم فرائض الدين: الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، كما في الحديث: رأس هذا الأمر الإسلام، وعموده الصلاة ١. وتركها ولو تهاونا وكسلا، كفر ناقل عن الملة، ومبيح للدم والمال; كما في الحديث: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ٢. وفيه أيضا: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن

стр. 6724

تركها فقد كفر ١. وفيه أيضا: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها ٢. ومما يجب للصلاة: أداؤها في جماعة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه همّ بالانطلاق برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة في جماعة، فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وفي رواية: لولا ما فيها من النساء والذرية أحرقتها عليهم ٣. ومن أهم واجبات الدين أيضا: أداء الزكاة، وهي آكد أركان الإسلام، بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق المال؛ ويقاتل مانعها للحديث المتقدم، وقال الخليفة الراشد، أبو بكر الصديق، ﵁: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. ويلتزم فيها الإخلاص، وأن لا تعطى إلا مستقحها شرعا، والأفضل أن يخصر بصدقته أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم؛ أما إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها، أو لأقاربه الذين تلزمه مؤونتهم؛ فإنه لا تبرأ به ذمته، ولا يجزيه في تأديتها; وتدفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الساعي، وتبرأ بذلك الذمة. وعلى الولاة في ذلك تقوى الله، بأن يصرفوا ما جبوه من ذلك مصارفه الشرعية. ومن واجبات الدين: صيام شهر رمضان، وهو أحد

стр. 6725

أركان الإسلام الخمسة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٣] . وفي الحديث: من أفطر يوما من رمضان من غير عذر، لم يجزه صيام الدهر وإن صامه ١. وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يبشر أصحابه عند قدوم رمضان، فيقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه؛ تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه الشياطين. فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم ٢. وينبغي للصائم أن يلزم في صيامه جانب الأدب والوقار، وأن يكون لسانه رطبا من ذكر الله، وتلاوة كتابه العزيز. وعليه أن يحفظ لسانه ونفسه، عن كل ما يفسد عليه صيامه، من الغيبة والبهت والنميمة، وجميع أنواع المعاصي والفجور، ففي الحديث عنه ﷺ : من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ٣. وروى الإمام أحمد، عن عبيد مولى رسول الله ﷺ : أن امرأتين صامتا، وأن رجلا قال: يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين قد صامتا، وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش، فأعرض عنه أو سكت. ثم عاد - وأراه قال: بالهاجرة – قال:
следующие страницы →