← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

يتوب من كان يتعامل بما حرمه الله من البيع، وأن يرجع إلى رأس ماله. فكل من عومل بالربا فعليه مراجعة صاحبه ليمتنع عن أخذ الربا منه، فإن فعل فالحمد لله، وإلا عليه مراجعة القاضي المنصوب من قبلنا. وعلى سائر قضاتنا الذين يرفع لهم أي: أمر في الربا أن يحكموا برأس المال لصاحبه، وأن يبطلوا ما زاد على ذلك من الربا في جميع أحكامهم. والأمر من ذمتنا في ذمتهم، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق، وأن يمنعنا مما يغضبه، ويقربنا لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، في ٣٠ ربيع الأول سنة ١٣٦١ هـ. [الوصية بتقوى الله وما يجب على ولاة الأمور وسائر المسلمين] وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، ﵀. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، إلى من تبلغه هذه النصيحة من المسلمين، سلك الله بي وبهم صراطه المستقيم، ووفقني وإياهم للتمسك بشرائع الدين القويم، وجنبني وإياهم جميع الأسباب والوسائل المفضية بسالكها إلى سبيل الجحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالموجب لهذا، هو تذكيركم، والنصيحة لكم، امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقوله ﷺ الدين

стр. 6722

النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ١. فأذكركم بما منّ الله به عليكم من التوحيد، ومعرفة دين الإسلام، والاهتداء بهديه، والاستضاءة بنوره، مع ما انضم إلى ذلك مما أنعم الله به من هذه الولاية الدينية العامة، التي ساد الأمن فيها وانتشر، وجرت ونفذت فيها أحكام الشريعة الإسلامية، على الكبير والصغير، والحر والعبد، فلله ربنا مزيد الحمد والثناء. فاشكروا عباد الله هذه النعمة، واغتبطوا بها، وارعوها حق رعايتها، واقدروها حق قدرها، وتحدثوا بها كثيرا، وتواصوا فيما بينكم بالتمسك بما يحفظها، والتحذير من ارتكاب أسباب زوالها وفرارها. فإن النعم إذا شكرت درّت وتزايدت وقرت، وإذا كفرت تناقصت وانمحقت وفرت، قال الله ﵎:: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] . وأنصحكم وأوصيكم بتقوى الله ﵎، فإنها هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى:: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وحقيقة التقوى: أن يجعل العبد

стр. 6723

بينه وبين غضب الله وعقابه، وقاية تقيه ذلك، بفعل الطاعات، وترك المعاصي. فيجب على الولاة: تقوى الله وخشيته فيما ولاهم الله عليه، من أمر دين المسلمين ودنياهم; كما يجب على العلماء: تقوى الله وخشيته، فيما علمهم الله من العلم وآتاهم، والعمل بما منّ الله عليهم من ذلك وحباهم، وكما يجب على جميع من ولي أمرا من أمور المسلمين: تقوى الله وخشيته فيما ولي عليه، والنصح في ذلك والأمانة. ويجب عليهم وعلى سائر المسلمين: تقوى الله وخشيته، في جميع ما خلقوا له، وتعبدوا به، وعلقت أمانته في أعناقهم، من فعل الطاعات، وترك المعاصي والمنكرات. فأوجب الواجبات: إخلاص العمل لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ وأنكر المنكرات: الشرك بالله، والابتداع في الدين بشرع ما لم يأذن يه الله. ومن أهم فرائض الدين: الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، كما في الحديث: رأس هذا الأمر الإسلام، وعموده الصلاة ١. وتركها ولو تهاونا وكسلا، كفر ناقل عن الملة، ومبيح للدم والمال; كما في الحديث: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ٢. وفيه أيضا: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن

стр. 6724

تركها فقد كفر ١. وفيه أيضا: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها ٢. ومما يجب للصلاة: أداؤها في جماعة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه همّ بالانطلاق برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة في جماعة، فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وفي رواية: لولا ما فيها من النساء والذرية أحرقتها عليهم ٣. ومن أهم واجبات الدين أيضا: أداء الزكاة، وهي آكد أركان الإسلام، بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق المال؛ ويقاتل مانعها للحديث المتقدم، وقال الخليفة الراشد، أبو بكر الصديق، ﵁: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. ويلتزم فيها الإخلاص، وأن لا تعطى إلا مستقحها شرعا، والأفضل أن يخصر بصدقته أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم؛ أما إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها، أو لأقاربه الذين تلزمه مؤونتهم؛ فإنه لا تبرأ به ذمته، ولا يجزيه في تأديتها; وتدفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الساعي، وتبرأ بذلك الذمة. وعلى الولاة في ذلك تقوى الله، بأن يصرفوا ما جبوه من ذلك مصارفه الشرعية. ومن واجبات الدين: صيام شهر رمضان، وهو أحد

стр. 6725

أركان الإسلام الخمسة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٣] . وفي الحديث: من أفطر يوما من رمضان من غير عذر، لم يجزه صيام الدهر وإن صامه ١. وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يبشر أصحابه عند قدوم رمضان، فيقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه؛ تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه الشياطين. فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم ٢. وينبغي للصائم أن يلزم في صيامه جانب الأدب والوقار، وأن يكون لسانه رطبا من ذكر الله، وتلاوة كتابه العزيز. وعليه أن يحفظ لسانه ونفسه، عن كل ما يفسد عليه صيامه، من الغيبة والبهت والنميمة، وجميع أنواع المعاصي والفجور، ففي الحديث عنه ﷺ : من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ٣. وروى الإمام أحمد، عن عبيد مولى رسول الله ﷺ : أن امرأتين صامتا، وأن رجلا قال: يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين قد صامتا، وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش، فأعرض عنه أو سكت. ثم عاد - وأراه قال: بالهاجرة – قال:

стр. 6726

يا نبي الله، إنهما والله ماتتا، أو كادتا أن تموتا. قال: ادعهما، فجاءتا; فقال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: قيئي، فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما، حتى ملأت نصف القدح. ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت من قيح وصديد ولحم عبيط، حتى ملأت نصف القدح. ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس ١. ومن واجبات الدين، وأحد أركان الإسلام: حج بيت الله الحرام على المستطيع، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٩٧] . وقال أبو هريرة ﵁: خطبنا رسول الله ﷺ : فقال: يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج، فحجوا ٢ الحديث. وعلى الحاج: أن يجتنب في حجه الرفث والفسوق والمراء، وأن لا يقصد بحجه رياء ولا سمعة، وأن يطيب نفقته في الحج، وأن لا تكون من كسب حرام؛ فبذلك يتم بر حجه، ويتحقق له الثواب الجزيل وهو الجنة، كما في الحديث: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ٣. وهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو: أن كثيرا ممن يحج لا يهتم من هذه الفريضة، فلا يتعلم أحكامها، ولا يسأل أهل

стр. 6727

العلم عن ذلك; وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] . ولهذا يقع من كثير من هؤلاء الإخلال ببعض الواجبات، وفعل بعض المحظورات، مما قد يفسد حجه من أصله، أو ينقصه التنقيص الذي يأثم به. ومن واجبات الدين: تناصح المسلمين، وتذاكر بعضهم مع بعض، في القيام بفعل ما أمر الله به ورسوله، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله. ومن أوجب الواجبات: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على الوجه الشرعي، وإقامة الحدود، والتعازير على المنهج الشرعي، قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] . وقال ﷺ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا; أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعن من قبلكم ١. قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ

стр. 6728

بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٨١] . فإن بالقيام بما فرض الله على العباد من فعل الطاعات، وترك المعاصي، والفساد، صلاح البلاد والعباد، واستجلاب للبركات ودفع للنقمات، وسبب إجابة الدعوات، قال الله تعالى:: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ الآية﴾ [سورة المائدة آية: ٦٦] . وبالجملة: فكل فساد ونقص في العلوم والأعمال، والعقول والسياسة، والمعايش، وغير ذلك، فسببه المعاصي، قال الله تعالى:: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] . ومن الواجب أيضا رد المظالم إلى أربابها، أو تحللهم منها; فإن حقوق العباد أمرها عظيم، وهي مبنية على المشاحة والمضايقة; وهي الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا في الآخرة.

стр. 6729

ومن فرائض الدين، أيضا: اجتناب المحرمات، من الزنى، واللواط، وشرب المسكرات، والربا في المعاملات، والعقود المحرمة، والغش والخيانة في الأمانات، والتطفيف في المكيال والميزان، واستعمال آلات الملاهي، ومخالطة الرجال بالنساء، وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، والسرقة، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل مال اليتيم، والتهاجر، والتباغض، والتدابر، والبهت، والغيبة، والكذب، والخديعة للمسلم، والشحناء والسخرية بالمسلمين، وإسبال الثياب، والكبر والحسد، وغير ذلك من المحرمات. ومنها أيضا: الاستهزاء بشيء من أمور الدين، بل ذلك من الكفريات. ومن المحرمات أيضا: التشبه بالكفار في أعمالهم، وزيهم من لباس وغيره، قال ﷺ : ومن تشبه بقوم فهو منهم ١. ومن أعظم الفروض، وأهم ما يهتم به: اعتناء المسلمين بنشئهم، وأن يوجهوهم التوجيه الديني النافع لهم، في دنياهم وأخراهم، وأن يأخذوهم بالتزام أصولهم الدينية، التي هي التمسك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، واعتقاد ما اعتقده السلف الصالح، مما نالوا به العزة والكرامة، وحازوا به شرف الدنيا والآخرة، وأن يغلقوا عنهم جميع الأبواب،

стр. 6730

العائدة بفساد عقائدهم وأخلاقهم. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم آية: ٦] . هذا، وأسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق إمام المسلمين، وأن يأخذ بنواصينا جميعا، وأن يتولانا بلطفه، ويشملنا بعفوه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا; ١٤/٩/١٣٧٣ هـ. [النصح بفريضة الزكاة والحكمة في تشريعها والأشياء التي تجب فيها] وله أيضا، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، إلى من يبلغه من المسلمين، وفقني الله وإياهم إلى صراطه المستقيم، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإني أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وخاتم النبيين، نصح أمته، وقال فيما صح عنه: الدين النصيحة ١ وأنزل الله عليه:: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . ثم إن الباعث لكتابة هذه الكلمة، هو: النصح والتذكير

стр. 6731

بفريضة الزكاة، التي تساهل بها بعض الناس، وغفلوا عنها، مشتغلين بتدبير أموالهم عن فريضة من فرائض الدين، وركن من أركان الإسلام، يكفر جاحده، وتقاتل الطائفة الممتنعة من أدائه. ولقد ذكر الله في كتابه الزكاة مقرونة بالصلاة، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٣] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] . وأمر تعالى رسوله بأخذها، حيث يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٣] . وجاء الوعيد الشديد على من بخل بها وقصر فيها، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤-٣٥] . وفي الحديث الصحيح: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد ١. وفي الصحيح: من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مُثِّل

стр. 6732

له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان يطوق به يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنْزك ١. ولا يخفى ما منّ الله به على عباده، من نعمة المال، ولا سيما في هذا الزمن الذي تكاثرت فيه المصالح والخيرات، واتسعت فيه أسباب الرزق، وتضخمت فيه أموال كثير من الناس؛ وما الأموال إلا ودائع في أيدي الأغنياء، وفتنة وامتحان لهم من الله، لينظر أيشكرون أم يكفرون. ومن شكرها وقيد النعمة فيها: أداء زكاتها، والصدقة على الفقراء والمساكين، والإنفاق مما استخلفهم الله فيه، قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٧] . ومن الحكمة في تشريع الزكاة: مواساة الأغيناء لإخوانهم الفقراء؛ فلو قام الأغنياء بهذه الفريضة حق القيام، وصرفوا الزكاة مصرفها الشرعي، لحصل للفقراء والمساكين ما يكفيهم، ولا يحتاجون معه إلى غيره. أما إذا منع الأغيناء ما أوجب الله عليهم من فريضة الزكاة، فإنه ينشأ من هذا أضرار ومفاسد كثيرة، من تعريض العبد نفسه للعذاب العظيم، وكراهة الله والناس له، وتسبب لإهلاك المال، وانتزاع البركة منه، ففي الحديث: ما خالطت الزكاة مالا قط إلا أهلكته ومن ظلم للفقراء والمساكين، وإيصال الضرر إليهم، ودعوة

стр. 6733

لهم إلى ارتكاب شتى الحيل، في الحصول على لقمة العيش، والتعرض للوقوف في المواقف الحرجة، والإلحاح في السؤال، بل ربما اضطرتهم فاقتهم وشدة الحاجة إلى السرقة، والإقدام على بعض الجرائم، لما يقاسونه من آلام الفقر والمسكنة التي لو أحس بها الغني يوما من الدهر، لتغيرت نظرته إليهم، ولعرف عظيم نعمة الله عليه. وإذا كان في الزكاة مصلحة للفقراء والمساكين، وبهم ضرورة إليها، فإن فيها مصلحة لأرباب الأموال، وبهم ضرورة إلى أدائها، من تطهير وتزكية لهم، وبعد عن البخل المذموم، وقرب من فعل الكرم والجود، واستجلاب للبركة والزيادة والنماء، وحفظ للمال، ودفع للشرور عنه. ولهذا قال ﷺ : من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره رواه الطبراني، وابن خزيمة في صحيحه; وعن أنس ﵁ قال: أتى رجل من تميم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرنى كيف أصنع؟ وكيف أنفق؟ فقال رسول الله ﷺ : تخرج الزكاة من مالك، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق المسكين، والجار، والسائل ١ رواه أحمد. وعن الحسن ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع رواه أبو داود في

стр. 6734

المراسيل; وكان الرسول ﷺ يدعو لمن جاء بالزكاة، فتارة يقول: اللهم بارك له وتارة يقول: اللهم صل عليه. هذا وقد تولى الله قسمة الزكاة بنفسه، وجزأها إلى ثمانية أجزاء. أما الأشياء التي تجب فيها الزكاة، فهي: أربعة أصناف: الخارج من الأرض كالحبوب والثمار، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة، والذهب والفضة; وقد تجب في غيرهن. ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود، لا تجب الزكاة فيما دونه. فنصاب الحبوب والثمار: خمسة أوسق; وأدنى نصاب الغنم: أربعون شاة; وأدنى نصاب الإبل: خمس; وأدنى نصاب البقر: ثلاثون; ونصاب الفضة: مائتا درهم; ونصاب الذهب: عشرون مثقالا. فإذا ملك الإنسان نصابا من الذهب، وقدره: أحد عشر جنيها ونصف تقريبا من الجنيهات السعودية، ومثله من الجنيه الإفرنجي; أو ملك نصابا من الفضة وقدره: سته وخمسون ريالا عربيا تقريبا، وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة، ربع العشر. وكذلك الأوراق التي كثرت في أيدي الناس، وصار التعامل بها أكثر من غيرها، فإذا ملك الإنسان منها ما يقابل نصابا من الفضة، وحال عليها الحول، فإنه يخرج منها زكاتها: ربع عشرها.

стр. 6735

أما العروض، وهي: ما اشتراها الإنسان للربح، فإنها تقوم في آخر العام، ويخرج ربع عشر قيمتها; وإذا كان للإنسان دين على أحد، فإنه يزكيه إذا قبضه، فإن كان الدين على مليء، فالأفضل أن يزكيه عند رأس الحول، وله أن يؤخر زكاته حتى يقبضه. ويجب إخراج الزكاة في بلد المال إلا لعذر شرعي، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب; ولا يجوز صرفها لغير أهلها الثمانية، الذين ذكرهم الله بقوله:: ﴿نَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] . والزكاة حق الله فلا تجوز المحاباة بها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسة نفعا أو يدفع ضرا; فاتقوا الله أيها المسلمون، وتذكروا ما أوجب الله عليكم من الزكاة، وما يقاسيه الفقراء والمساكين، من ويلات الفقر والفاقة، وبادروا إلى إخراج زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، خالصة لوجه الله، لا منّ فيها ولا أذى، ولا رياء ولا سمعة. واغتنموا الفرصة قبل فوات الأوان، قال تعالى:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] . جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونفعنا بهذه الذكرى، وهدانا جميعا إلى طريق الحق

стр. 6736

والخير والفلاح، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، في ١٠ / ٩ /١٣٧٥ هـ. [تحريم الغش والكتمان وذكر أنواع من المعاصي وكونها سبب كل نقص] وله أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم، إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبنا جميعا موجبات المخازي والفضائح، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن الله ﵎، قد أوجب النصيحة والبيان، وحرّم الغش والكتمان، قال الله تعالى:: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٧] . وقال النبي ﷺ : الدين النصيحة ... ١ إلى آخره. وقد أمر الله بالتذكير، وأخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥.] ، وهذا يشمل التذكير بالنصوص القرآنية، وصحاح الأحاديث النبوية، المشتملة على الأمر بطاعة الله ، وطاعة رسله، والتحذير من معصيته ومعصية رسله. وبيان ما في امتثال أوامره، وترك زواجره، من حصول الخيرات، وحلول البركات، واندفاع النقمات، وما في

стр. 6737

معصيته تعالى ومخالفة أمره، من محق البركات في العلوم، والأعمال، والأعمار، والمكاسب وجميع التصرفات. ويشمل أيضا: التذكير بأيام الله تعالى في خلقه، وما أحل بمن عصوا رسله من المثلات، وسائر ألوان الأخذ والعقوبات، مما يكون من أعظم واعظ، لمن في قلبه أدنى حياة. إذا عرف ذلك فإن المعاصي هي أسباب كل نقص وشر وفساد، في الأديان والبلاد والعباد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] ، فما أهبط الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب، إلا معصيتهما بأكلهما لقمة من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها. وما أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، وجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، غير معصيته بامتناعه من سجدة واحدة أن يسجدها. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم، حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد، حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية؟. وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح

стр. 6738

كلابهم، ثم قلبها عليهم وأتبعوا بحجارة من سجيل؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى نار جهنم؟ فأبدانهم للغرق وأرواحهم للنار والحرق، إلا المعاصي؛ فإنها هي التي دمرت عليهم، وأصارتهم إلى سوء عاقبة في الدنيا والآخرة. ومن ثمرات المعاصي: حرمان العلم، وحرمان الرزق، كما في المسند إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ١. ومنها: وحشة يجدها العبد بينه وبين الله، وبينه وبين الناس، لا سيما أهل الخير منهم، وتعسير أموره؛ فلا يتوجه لأمر إلا وجده مغلقا، أو متعسرا عليه. ومنها: حرمان الطاعة. ومنها: ظلمة القلب وجبنه ووهنه، ووهن البدن، وتقصير العمر، ومحق بركته، فإن البر كما يزيد بالعمر، فإن الفجور ينقصه. ومنها: انسلاخ القلب من استقباحها، فتصير له عادة؛ والمعصية سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه، وتورث الذل ولا بد، وتفسد العقل، وإذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، وتدخل العبد تحت لعنة الله؛ وتحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه والهواء، والزروع والثمار، والمساكن والأشجار.

стр. 6739

قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] ، قال مجاهد: إذا تولى سعى في الأرض بالتعدي والظلم، فيحبس الله بذلك القطر، فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد; وقال ابن زيد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] ، قال: الذنوب; ولا منافاة بين القولين، فإن الآية تشمل هذا وهذا. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين، عند رسول الله ﷺ ، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: يا معشر المهاجرين: خمس خصال، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها، إلا ابتلوا بالطواعين، والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال، إلا ابتلوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم وعن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ما طفف قوم كيلا، ولا بخسوا ميزانا، إلا

стр. 6740

منعهم الله القطر. وما ظهر في قوم الزنى، إلا ظهر فيهم الموت. وما ظهر في قوم الربا، إلا سلط الله عليهم الجنون. ولا ظهر في قوم القتل يقتل بعضهم بعضا إلا سلط الله عليهم عدوهم. ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط، إلا ظهر فيهم الخسف. وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع دعاؤهم. ولا شيء يستجلب به الرزق، بل وكل خير، ويستدفع به كل سوء وشر، غير التوبة إليه سبحانه، بالرجوع عما يكرهه من المعاصي، إلى ما يحبه من الطاعة، بأن يحقق العباد توحيدهم، ويباعدوا جميع ما ينافيه أو ينقصه، أو يقدح فيه؛ ويحافظوا على فرائض دينهم، من إقامة الصلوات الخمس في جماعة، وأداء الزكاة وغير ذلك. ويجتنبوا محارمه من أنواع الفواحش، وأجناس المسكرات والمخدرات، والمفترات، والربا في المعاملات، والخيانة في الأمانات، واستعمال أنواع الملهيات، الصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، وكافة المحرمات. فعلى المسلمين عموما وخصوصا: التوبة إلى ربهم، والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، فيما بينهم، وتعاون بعضهم مع بعض، فيما يصلح دينهم الذي به صلاح معاشهم، والفوز في معادهم.

стр. 6741

هذا وأسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحفظ إمام المسلمين من كل نواحيه، ويزيده من التوفيق لمحاب الله ومراضيه، ويقمع به كل فساد، ويصلح بمساعيه البلاد والعباد. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم; حرر في ١٠ / ٣ /١٣٧٦ هـ. [حث المسلمين على إخراج الزكاة وما تجب فيه وبيان الوعيد على تركها وحكم صدقة التطوع] وله أيضا ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، إلى من تبلغه هذه النصيحة من إخواننا المسلمين، سلك الله بنا وبهم صراطه المستقيم، وجنبنا وإياهم سبل أصحاب الجحيم، ووفقنا جميعا للتمسك بشرائع الدين القويم، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فالموجب لهذه الكلمة، هو النصيحة والشفقة، وإقامة الحجة، والإعذار من كتمان ما يلزم بيانه للناس. ومن أهم ذلك في هذه الأيام: بيان ما يلزم من أحكام الزكاة التي هي ثالث أركان الإسلام، وثانية الصلاة وقرينتها، قرنها الله تعالى بالصلاة في نيف وثلاثين موضعا من كتابه العزيز، لكون هذه الأيام غالبا وقت إخراج الزكاة، ولمزيتها بمضاعفة الحسنات.

стр. 6742

وورد الوعيد الشديد على تركها، والتغليظ في منعها، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٠] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤-٣٥] . وهذا الوعيد مفسر بالحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهمزمتيه - يعني شدقيه - ويقول: أنا مالك، أنا كنْزك ١، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ١٨٠] . وقوله تعالى:: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٣٥] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ٢.

стр. 6743

والآيات والأحاديث في التغليظ في مانع الزكاة وعقوبته كثيرة معروفة. والأموال التي تجب فيها الزكاة، أنواع: أحدها: سائمة بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم. الثاني: الخارج من الأرض، من الحبوب، والثمار، وما يلحق بها كالعسل. الثالث: الأثمان، وهي: النقود من الذهب والفضة، وما يقوم مقامهما من فلوس، وأوراق نقدية، وكذلك حلي الذهب والفضة، إذا بلغ نصابا بنفسه، أو بما يضم إليه من جنسه، أو في حكمه، ولم يكن معدا للاستعمال، ولا للعارية. وأقل نصاب الذهب: عشرون مثقالا; وبالجنيه السعودي، وكذلك الإفرنجي: أحد عشر جنيها ونصف جنيه تقريبا; وأقل نصاب الفضة: مائتا درهم، وبالريال العربي: ستة وخمسون ريالا; وبالفرانسي: ثلاثة وعشرون ريالا تقريبا. الرابع: عروض التجارة، وهي: كل ما أعد للبيع أو الشراء، لأجل الربح والتكسب، من جميع سلع التجارة، كالمجوهرات ونحوها، وكذلك السيارات، والمكائن، وغيرها من المنقولات، والثابتات، والعقارات، من أراضٍ وبيوت ونحوها، إذا تملكها بفعله بنية التجارة، فإنها تعتبر سلعة تجارة، ويلزمه أن يقومها عند الحول، بما تساوي من

стр. 6744

الثمن لدى أهل الصنف، ولا ينظر إلى رأس مالها الذي اشتراها به. وعليه أن يزكي قيمتها عند الحول، إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة، لعموم حديث سمرة: كان رسول الله ﷺ : يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع ١ رواه أبو داود. كما عليه أن يزكي الديون التي له في ذمم الناس، إذا قبضها، وإذا استفاد مالا مستقلا خارجا عن ربح التجارة، كالأجرة والراتب ونحوهما، فإنه يبتدئ له حولا من حين استفاده، ويزكيه إذا تم حوله. وأما مصرفه، فقد بيّنه الله تعالى: بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] . فلا يجوز صرفها إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية، كبناء المساجد والمدارس، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وكتب العلم، وغير ذلك من جهة الخير؛ ويجب إخراجها عند تمام الحول فورا، إلا لعذر شرعي. ولا يدفعها إلا لمن يغلب على الظن أنه من أهلها، لأنها لا تحل لغني، ولا لقوي مكتسب ٢ كما في حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار، رواه أبو داود، والنسائي،

стр. 6745

فليتق الله من لا تحل له، أن يأخذ منها شيئا، فإنها سحت، ومحق لما في يده قبلها من المال. ولا يجزئ إخراجها إلا بنية، سواء أخرجها بنفسه أو بوكيله، وسواء دفعها إلى مستحقها أو إلى نائب الإمام، ليفرقها على مستحقيها، لحديث: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ١. ولا يجوز دفعها إلى أصوله، أو إلى فروعه، أو زوجته، أو إلى أحد ممن تلزمه نفقته، ولا يحابي بها قريبه، أو يقي بها ماله، ولا يدفع بها مذمة. وينبغي للإنسان الاستكثار من صدقة التطوع أيضا، في هذا الشهر الكريم، والموسم العظيم، لحديث أنس: سئل النبي ﷺ : أي الصدقة أفضل؟ فقال: صدقة في رمضان ٢ رواه الترمذي، وقال ﷺ : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل العظيم ٣ متفق عليه. وعن أنس مرفوعا: إن الصدقة لتطفي غضب الرب، وتدفع ميتة السوء ٤. والآيات والأحاديث في هذا كثيرة معروفة. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يشملنا وإياكم بعفوه ومغفرته ورحمته، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويذل أعداءه، ويؤيد إمام المسلمين، ويأخذ بناصيته لما فيه الخير والصلاح، والسلام عليكم; ١٠ / ٩ / ١٣٧٦ هـ.

стр. 6746

[التحذير من المعاملات الربوية وبيان ما يجب على الولاة والعلماء وأهل الحسبة في ذلك] وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، إلى من يبلغه كتابي هذا من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبنا وإياهم أسباب الندم والفضائح، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالباعث لهذا الكتاب، هو: نصيحتكم، والشفقة عليكم، وتحذيركم مما وقع فيه الكثير من الناس; وهو: تعاطي المعاملات الربوية، والتعامل بها، وقد حرم الله ﵎ على عباده ذلك; وأخبر النبي ﷺ أنه من السبع الموبقات. قال الله تعالى: في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنْزيل من حكيم حميد: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥-٢٧٦] . قال ابن عباس ﵄ في معنى الآية: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق، رواه ابن أبي حاتم.

стр. 6747

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى قوله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨ - ٢٨١] . وقال تعالى:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين َوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٠-١٣٢] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التحريم والوعيد الشديد على من فعله. وقد جاءت السنة الصحيحة بالزجر عنه والتحذير، وإيضاح ما أجمل منه بالبيان والتفسير، فعن أبي هريرة ﵁ قا: ل قال رسول الله ﷺ : اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ١ رواه البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي. وعن جابر ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء، ٢ رواه مسلم; وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى

стр. 6748

أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما أراد أن يخرج، رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان; فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا ١ رواه البخاري في صحيحه. وعن ابن عباس ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نشتري الثمر حتى تطعم; وقال: إذا ظهر الزنى والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ; رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد; وفي حديث الإسراء: أن رسول الله ﷺ مر ليلة أسري به، وإذا بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم؟ فقيل: هؤلاء أكلة الربا ; رواه البيهقي. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه; وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم رواه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه; وروى أيضا عن أبى هريرة ﵁ مرفوعا: ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ من المال، بحلال أو حرام ٢ رواه البخاري، ولفظه: لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام ٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال

стр. 6749

رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز ١ رواه مالك، والبخاري، ومسلم، وله: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء ٢. وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا روح بن عبادة، قال حدثنا حيان بن عبد الله العدوي - وكان ثقة - قال سألت أبا مجلز عن الصرف؟ فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا، ما كان منه يدا بيد، فلقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: إلى متى؟! ألا تتقي الله حتى متى تؤكل الناس الربا؟ أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال - وهو عند زوجته أم سلمة -: إني لأشتهي تمر عجوة، فبعث بصاعين، فأُتي بصاع عجوة. فقال: من أين لكم هذا؟ فأخبروه، فقال: ردّوه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل، فما زاد فهو ربا، ثم قال: وكذلك ما يكال أو يوزن أيضا; فقال ابن عباس: جزاك الله خيرا يا أبا سعيد، ذكرتني أمرا كنت نسيته، فأستغفر الله وأتوب إليه قال: فكان ينهى عنه بعد.

стр. 6750

فتضمنت: هذه النصوص: تحريم الربا بجميع أنواعه، أنه من الكبائر، وأن متعاطيه محارب الله ورسوله; فمن أنواعه: بيع الجنس من هذه الأجناس الستة المتقدمة في الأحاديث ونحوها بجنسه نسيئة، أو غير معلوم المساواة للآخر، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل; ويدخل في ذلك: بيع الدراهم الفضية بجنسها متفاضلا أو غائبا مطلقا، وبيع الأوراق السعودية بعضها ببعض، أو بالريالات الفضية متفاضلا أو غائبا مطلقا. وذلك: أن النبي ﷺ فرق بين الحلال والحرام بقوله: مثلا بمثل، يدا بيد، سواء بسواء، عينا بعين ١، وأكد ذلك بقوله: فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء ٢. ومن أنواعه المحرمة بإجماع المسلمين: ما يفعله بعض الناس - والعياذ بالله - وذلك أنه إذا كان له على آخر دين، وحل الأجل، قال للذي عليه الحق: إما أن تقضي، وإلا يبقى عندك بزيادة كذا وكذا، فهذا هو ربا الجاهلية، وذلك: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، فإذا حل الأجل قال له: إما أن تقضي وإما أن تربي، فأوفاه، وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال. ومن ذلك: أن يعطي الرجل الآخر ألفا على أن يأخذ منه بعد سنة ألفا ومائة، وعلى أن يأخذ منه كل سنه مائة، والألف في ذمته بحاله، كما يفعله كثير من الناس - والعياذ

стр. 6751

بالله - وذلك لما تقدم من النصوص، ولما روي عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، ولا الدينار بالدينارين، إني أخاف عليكم الرما ١ رواه أحمد، والرما، هو: الربا. ومنها: بيع العينة الوارد في حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا، لا ينْزعه حتى تراجعوا دينكم ٢ رواه أحمد، وأبو داود; وهي: أن يبيع سلعة بنسيئة، أو بقيمة لم تقبض، ثم يشتريها بثمن أقل مما باعها به، فإن فعل بطل البيع الثاني، ولو كان بعد حلول أجله، قال الشيخ تقي الدين: إن قصد بالعقد الأول الثاني بطل الأول والثاني جميعا. ومن ذلك: ما يقع في البنوك، مثل أن يقترض الرجل من البنك مائة على أن يدفع له مع المائة زيادة ستة ريالات، أو أقل، أو أكثر; ومثل: أن يأخذ صاحب البنك من الرجل الدراهم، ويعطيه ربحا عن بقائها في ذمته خمسة ريالات، أو أقل أو أكثر، وهذا من أظهر أنواع الربا، وعين المحادة لله ورسوله. فالواجب على ولاة الأمور، والعلماء، وأهل الحسبة وفقهم الله بيان غلظ تحريم ذلك، وإنكاره، وحسم مواده، واجتثاثها من أصولها، وعقوبة كل من ثبت عنه شيء

стр. 6752

من ذلك، وتغليظ العقوبة في حق من يتكرر منه ذلك. كما أن على المرابي أن يتوب إلى الله تعالى، وله رأس ماله فقط، لا يَظلِم ولا يُظلَم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٩] . اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك، حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالف أمرك; وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [بيان تحريم الربا في مواضع من القرآن والسنة وذكر أمثلة لذلك والحث على التوبة] وقال الشيخ: عبد الله بن سليمان بن حميد ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، إلى من يراه ويسمعه من المسلمين، وفقنا الله وإياهم لاتباع الحق المبين، والتمسك بسنة سيد المرسلين، آمين. أما بعد: فاعلموا أن الله ﵎ حرم الربا في المعاملات، وأوضح تحريمه في مواضع كثيرة من كتابه، وأذن بحرب من لم يلتزم حكمه فيه، وأخبر النبي ﷺ أنه من السبع الموبقات، التي تمحق البركات، ويسعى بها صاحبها في حرب الله تعالى.

стр. 6753

وقد توعد الله المعامل فية بقوله.: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] ، أي: أنه يكون يوم القيامة كالمجنون: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥-٢٧٦] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] . وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٠-١٣٢] . فتدبروا ما في هذه الآيات من الوعيد الشديد إن كنتم تعقلون، والآيات في هذا كثيرة; وفي الحديث: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه ١، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، بحلال أم بحرام ٢.

стр. 6754

وعنه أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : رأيت ليلة أسري بي نهرا من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فإذا أراد أن يخرج رماه الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رماه بحجر في فيه، فيرجع كما كان; فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: هذا الذي رأيته في النهر آكل الربا ١ وفي الحديث: إذا ظهر الزنى والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله، وفي الحديث: يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا; قيل له: الناس كلهم؟ قال: من لم يأكله منهم ناله من غباره ٢. وما ورد في ذلك من أحاديث الوعيد أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر; وأكلة الربا يأتون يوم القيامة أجوافهم مثل البيوت يتعثرون بها. والربا عار وشنار ومحق على صاحبه ودمار، وآكله مجرب بالإفلاس وسوء الخاتمة، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وقد عمت البلوى في هذه الأزمان بالمعاملات الربوية. فمن ذلك: ما يفعله كثير من الناس من أخذ الريال العربي عن الفرنسي، بأسعارها وتحاويلها، هذا عن هذا، بزيادته ونقصه، وكذلك المصارفة بين الريال العربي والفرنسي، ومثله: دفعهم الريال الفرنسي عن الروبية،

стр. 6755

والروبية عن الفرنسي بأسعارها وتحاويلها، هذا عن هذا بأسعارها، وهذا كله من صريح الربا. لما روى الترمذي بسنده إلى أبي سعيد أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ سَمِعَتْهُ أذناي هاتان ووعاه قلبي - يقول: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، لا يشف بعضه على بعض، ولا تبيعوا غائبا منه بناجز ١ قال: والعمل عليه عند أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ وهو قول عامة الفقهاء. فهذا الحديث وما في معناه: دليل قاطع في تحريم التفاضل في بيع النقد بالنقد إذا اتحد الجنس، والريال العربي والفرنسي، متحدان في الجنس متفاضلان في الوزن الذي هو المعيار الشرعي في معرفة التفاضل والمماثلة، فبيع أحدهما بالآخر ربا، وهو محرم بالكتاب والسنة. ومن ذلك أخذ المصالح على القرض، قال ﷺ : كل قرض جر نفعا فهو ربا. والسلف على ثلاثة أوجه: فسلف تريد به وجه الله، وسلف تريد به وجه صاحبك، وسلف تسلفه طلبا لنفع نفسك فهو ربا. ومن ذلك: الذين يحتالون على الربا، ببيع قماش أو نحوه; يبيع مثلا ما يساوي مائة بمائة وخمسين إلى أجل، ثم يشتريه هو أو وكيله بمائة، والله يعلم أنهم ما أرادوا إلا الربا، فهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٩] . فمن باع سلعة إلى

стр. 6756

أجل حرم عليه شراؤها بأقل مما باعها به. ومن ذلك: قلب الدين على المعسر إذا لم يجد وفاء، باع عليه بضاعة ما يساوي مائة بمائة وخمسين، ثم يأمر التاجر الفقير المعسر ببيع هذه البضاعة، ويأخذ التاجر ثمنها، وهذه حيلة على الربا. ومنها - والعياذ بالله -: من يكون له الدين، فإذا عجز المدين عن الوفاء، زاد في الدين، وزاده في الأجل، وهذا فعل الجاهلية الأولى، الذي جاء الشرع بإبطاله. ومنهم: مَن يكون له الحب دينا، فإذا عجز المدين عن الوفاء، باعه عليه بدراهم بسعر وقته، وهذا جار كثير، وهو حرام وبيع فاسد. ومن ذلك: الرهون الفاسدة التي تؤكل مصالحها ظلما وعدوانا; وذلك أن التاجر يعطي الفقير الدراهم، ويرهن شيئا من أرضه يستغلها ما دامت الدراهم بذمة الفقير، ومتى حصل الفقير ما يسد به الدين دفعه كاملا، وأخذ أرضه؛ والتاجر في هذه المدة يأكل غلة الأرض، وهذا من أعظم أنواع الربا المنهي عنه. ومن ذلك: ما يفعله كثير من الناس من الحيلة في بيع الإقالة، يبيع الفقير الأرض التي تساوي ثلاثة آلاف مثلا بألف، بشرط الإقالة إلى سنتين أو ثلاث، أو أقل، أو أكثر؛ والبائع ليس له قصد في البيع، والمشتري يعلم ذلك، وإنما جعلا هذا البيع حيلة في حل الثمرة للمشتري، وهذا

стр. 6757

شيء باطل، وحيلة محرمة، لا تحل الثمرة للمشتري ولو رضي البائع. ومن ذلك: ما يفعله كثير من التجار، يعطي مالا لآخر يبيع به ويشتري، ويشترط صاحب المال شيئا معينا في كل أسبوع، أو في كل شهر مصلحة لماله، وهذا حرام وربا صريح. ومن ذلك ما يفعله بعضهم: إذا أعطى لرجل مالا يبيع به ويشتري، شرط عليه نصف الخسارة، وهذا لا يجوز، وشرطه فاسد، ويحرم على صاحب المال أخذ شيء من الخسارة ولو رضي المضارب بذلك، بل على المضارب المال، وعلى المضارب العمل، وما يربح في المال بينهما على ما شرطاه. ومن ذلك ما يفعله بعضهم: يقترض ذهبا، ويكتبه دراهم بذمته بسعرها وقت القرض، أو أزيد. وبعضهم: يعطي الجنيه إذا كان صرفها مثلا: خمسون في ستين إلى أجل. وبعضهم: يعطي الريال بريالين وربع أو نصف إلى أجل، كل هذه الأمور من صريح الربا المحرم. ومن ذلك: ما يفعله بعضهم من التحاويل: الألف بألف وخمسين أو ستين، وهذا بيع فضة بفضة متفاضلا ونسيئة; وقول بعضهم: إنها إجارة غير صحيح، لأن الإجارة أن يحمل النقود بعينها إلى البلد المعين، ويأخذ أجرة عليها; والإجارة لها شروط وأحكام معروفة؛ فهذه التحاويل

стр. 6758

المعروفة الآن، فيها علتان من علل الربا، فهي حرام بلا ريب. ومن ذلك: بيع المصاغات من الفضة على اختلاف أجناسها، بريالات فرنسية أو عربية أو روبية، فهذا لا يجوز، وهو من الربا الصريح، إلا إذا علم التماثل، وكان وزنا بوزن، ومثلا بمثل; أما إذا جهل التماثل، أو علم التفاضل، فهو الربا. والواجب: أن تباع الفضة بالذهب، والذهب بفضة، ويشترط لذلك التقابض في مجلس العقد، أو تباع الفضة بقروش النيكل، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. فكل هذه الأمور المشروحة من الربا الصريح: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] ، فقد جاءتكم الموعظة من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ بالنهي عن ذلك، فانتهوا عما حرم الله عليكم، فإن فيما أحل الله لكم غنى عما حرم عليكم. فإن البركة في الحلال، وفيه السلامة من الوعيد والوبال، وإياكم والتعرض لسخط الله ولعنته وناره ومحق بركة أموالكم وأعماركم، وعيلتكم وفقركم، وسوء خاتمتكم: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٠] .

стр. 6759

وكونوا من معاصي الله على حذر، فإن للمعاصي عقوبات عاجلا وآجلا; فمن كفته الموعظة وتاب إلى الله فله ما سلف وأمره إليه، ومن تمادى بأمره وعاند ربه وظهر من التعامل بالمعاملات الربوية، فإنه يستحق التعزير البليغ الرادع له ولأمثاله. هذا ونسأله أن يجيرنا وإياكم من المعاصي وعقوباتها، وأن يوفقنا وإياكم لتقواه، والعمل بما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ٣ / ١٣٦٧ هـ. [الوصية بتقوى الله وتوضيح معناها وبيان أعظم المأمورات وأهم خصال التقوى] وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين نفعني الله وإياهم باستماع الوصيات الدينية والنصائح، وجنبنا جميعا أسباب سخطه، وموجبات الخزي والفضائح، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد قال الله عز شأنه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقال:: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥] . وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [سورة ق آية: ٤٥] .

стр. 6760

وأعظم شيء أوصيكم ونفسي به: تقوى الله ، فإنها وصيته تعالى لعباده الأولين والآخرين، كما قال تعالى:: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ْ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وهي: وصية نبيه ﷺ لأمته عموما وخصوصا، كما قال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ١. ولما بعث ﷺ معاذا إلى اليمن، قال له: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ٢. إذا عرف هذا، فإن حقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين غضب ربه وعقابه وقاية تقيه ذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه وزواجره. وأعظم المأمورات وأهمها: توحيد الرب جل شأنه، فإنه الأمر الذي من أجله خلق الثقلان الجن والإنس، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ
следующие страницы →