وحج البيت الحرام، من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين "١ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
وسئل ﵀، عن: معنى: "لا إله إلا الله ".
فأجاب: اعلم رحمك الله، أن هذه الكلمة، هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي: كلمة التقوى، وهي: العروة الوثقى، وهي: التي جعلها إبراهيم ﵇: ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] . وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويصومون ويتصدقون; ولكن المراد معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال ﷺ : " من قال لا إله إلا الله مخلصا "٢، وفي رواية: " صادقا من قلبه "٣، وفي لفظ: " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله "٤، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة.
واعلم: أن هذه الكلمة، نفي، وإثبات: نفي الألوهية عما سوى الله ﵎ من المخلوقات، حتى عن محمد ﷺ وعن الملائكة، حتى جبرائيل، فضلا عن غيرهم من الأولياء والصالحين؛ إذا فهمت ذلك، فتأمل هذه الألوهية التي أثبتها الله لنفسه، ونفاها عن محمد،
стр. 702
وجبرائيل ﵉، فضلا عن غيرهما من الأولياء والصالحين، أن يكون لهم مثقال حبة خردل.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة، في زماننا: السر، والولاية; فالإله معناه: الولي الذي فيه السر; وهو الذي يسمونه: الفقير، والشيخ; وتسميه العامة: السيد، وأشباه هذا; وذلك أنهم يظنون، أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة، يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله; فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم، هم الذين يسميهم الأولون: الإله، والواسطة هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط.
إذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة، فذلك بأمرين: الأول: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم النبي ﷺ وقتلهم، وغنم أموالهم، واستحل دماءهم، وسبى نساءهم، كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية; وهو أنه لا يخلق إلا الله، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
وهذه: مسألة عظيمة، مهمة، وهي: أن تعرف أن
стр. 703
الكفار شاهدون بهذا كله، ومقرون به، ومع هذا لم يدخلهم في الإسلام، ولم يحرم دماءهم وأموالهم، وكانوا أيضا يتصدقون، ويحجون، ويعتمرون، ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرمات، خوفا من الله .
ولكن الأمر الثاني، هو الذي كفرهم، وأحل دماءهم وأموالهم، وهو: أنهم لا يشهدون الله بتوحيد الألوهية وهو: أنه لا يدعى إلا الله، ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره، لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فمن استغاث بغيره فقد كفر، ومن ذبح لغيره، فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر; وأشباه هذا.
وتمام هذا: أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون الملائكة، وعيسى، وعزيرا، وغيرهم من الأولياء، فكفرهم الله بهذا، مع إقرارهم بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر; فإذا عرفت معنى لا إله إلا الله وعرفت أن من نخا نبيا أو ملكا، أو ندبه، أو استغاث به، فقد خرج من الإسلام؛ وهذا هو الكفر، الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ
فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، لكن هؤلاء الصالحين مقربون، ونحن ندعوهم، وننذر لهم، وندخل عليهم، ونستغيث بهم،
стр. 704
نريد بذلك الجاه، والشفاعة وإلا فنحن نفهم أن الله هو المدبر; فقل: كلامك هذا دين أبي جهل وأمثاله; فهم يدعون عيسى، وعزيرا، والملائكة، والأولياء، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
فإذا تأملت هذا تأملا جيدا، عرفت أن الكفار يشهدون لله بتوحيد الربوبية، وهو التفرد بالخلق، والرزق، والتدبير؛ فهم ينخون عيسى، والملائكة، والأولياء يقصدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده; وعرفت أن الكفار، خصوصا النصارى منهم من يتعبد الليل والنهار، ويزهد في الدنيا، ويتصدق بما دخل عليه منها، معتزلا في صومعة عن الناس، ومع هذا كافر، عدو لله، مخلد في النار، بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه، ويذبح له، وينذر له; وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل; وتبين لك: معنى قوله ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بد أ"١.
فالله، الله، إخواني! تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره، أسه ورأسه، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله; واعرفوا معناها; وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين; واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وأبغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال: ما علي
стр. 705
منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله، وافترى; بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا: إخوانه، وأولاده; فالله، الله، تمسكوا بأصل دينكم، لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئا. اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.
ولنختم الكلام بآية ذكرها الله في كتابه، تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا، أعظم من كفر الذين قاتلهم رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٦٧] ، فقد ذكر الله تعالى عن الكفار، أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادات والمشائخ، فلا يدعونهم، ولا يستغيثون بهم، بل يخلصون لله وحده لا شريك له، ويستغيثون به ويوحدونه; فإذا جاء الرخاء أشركوا.
وأنت ترى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم، وفيه زهد واجتهاد وعبادة، وإذا مسه الضر، يستغيث بغير الله، مثل: معروف، وعبد القادر الجيلاني، وأجل من هؤلاء، مثل: زيد بن الخطاب، والزبير وأجل من ذلك مثل: رسول الله ﷺ . فالله المستعان! وأعظم من ذلك، وأعظم: أنهم يستغيثون بالطواغيت، والكفرة المردة، مثل: شمسان; وإدريس، ويوسف، وأمثالهم; والله أعلم.
стр. 706
وقال رحمه الله تعالى:
اعلم رحمك الله أن فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة، والصوم؛ فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك، أعظم من وجوب بحثه عن الصلاة، والصوم. وتحريم الشرك، والإيمان بالطاغوت أعظم من تحريم نكاح الأمهات، والعمات; فأعظم مراتب الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله.
ومعنى ذلك: أن يشهد العبد أن الإلهية كلها لله، ليس منها شيء لنبي، ولا لملك، ولا لولي، بل هي حق الله على عباده. والألوهية هي التي تسمى في زماننا: السر؟ والإله في كلام العرب هو الذي يسمى في زماننا: الشيخ، والسيد، الذي يدعى به، ويستغاث به; فإذا عرف الإنسان أن هذا الذي يعتقده كثيرون في شمسان وأمثاله، أو قبر بعض الصحابة، هو العبادة التي لا تصلح إلا لله، وأن من اعتقد في نبي من الأنبياء فقد كفر، وجعله مع الله إلها آخر، فهذا لم يكن قد شهد أن لا إله إلا الله.
ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله، من جنى، أو أنسى، أو شجر، أو حجر، أو غير
стр. 707
ذلك; وتشهد عليه بالكفر، والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك أو أخوك; فأما من قال أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة، والقباب على القبور، وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت.
وهذا كلام يسير، يحتاج إلى بحث طويل، واجتهاد في معرفة دين الإسلام، ومعرفة ما أرسل الله به رسوله ﷺ ، والبحث عما قال العلماء، في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، ويجتهد في تعلم ما علمه الله رسوله، وما علمه الرسول أمته من التوحيد; ومن أعرض عن هذا فطبع الله على قلبه، وآثر الدنيا على الدين، لم يعذره الله بالجهالة، والله أعلم.
[لا إله إلا الله تنفي أربعة أنواع وتثبت أربعة]
وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه، ما نصه:
اعلم رحمك الله: أن معنى لا إله إلا الله، نفي وإثبات: لا إله نفي، إلا الله إثبات; تنفي أربعة أنواع; وتثبت أربعة أنواع; المنفي الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
فالإله ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلها، والطواغيت: من عبد، وهو راض، أو ترشح للعبادة، مثل: شمسان; أو تاج، أو أبو حديدة.
والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو
стр. 708
مسكن، أو عشيرة، أو مال، فهو: ند، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] .
والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق، وأطعته مصدقا، لقوله تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] .
وتثبت أربعة أنواع: القصد: كونك ما تقصد إلا الله; والتعظيم، والمحبة، لقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، والخوف، والرجاء، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٧] .
فمن عرف هذا، قطع العلائق من غير الله، ولا يكبر عليه جهامة الباطل، كما أخبر الله عن إبراهيم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، بتكسيره الأصنام، وتبريه من قومه; لقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] .
وقال أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه:
اعلم أرشدك الله؛ أن الله خلقك لعبادته، وأوجب
стр. 709
عليك طاعته; ومن أفرض عبادته عليك: معرفة لا إله إلا الله، علما، وقولا، وعملا؛ والجامع لذلك، قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] .
فاعلم: أن وصية الله لعباده، هي: كلمة التوحيد، الفارقة بين الكفر، والإسلام; فعند ذلك: افترق الناس، سواء جهلا، أو بغيا، أو عنادا; والجامع لذلك: اجتماع الأمة على وفق قول الله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] ، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآية [سورة يوسف آية: ١٠٨] .
فالواجب على كل أحد، إذا عرف التوحيد وأقر به، أن يحبه بقلبه، وينصره بيده ولسانه; وينصر من نصره ووالاه; وإذا عرف الشرك وأقربه أن يبغضه بقلبه، ويخذله بلسانه، ويخذل من نصره ووالاه، باليد واللسان والقلب; هذه حقيقة الأمرين; فعند ذلك يدخل في سلك من قال الله فيهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] .
فنقول: لا خلاف بين الأمة، أن التوحيد: لا بد أن يكون بالقلب، الذي هو العلم واللسان الذي هو القول; والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي; فإن أخل بشيء
стр. 710
من هذا، لم يكن الرجل مسلما; فإن أقر بالتوحيد ولم يعمل به، فهو كافر، معاند، كفرعون وإبليس; وإن عمل بالتوحيد ظاهرا، وهو لا يعتقده باطنا، فهو: منافق خالصا، أشر من الكافر; والله أعلم.
قال ﵀: وهو نوعان: توحيد الربوبية; وتوحيد الألوهية. أما توحيد الربوبية، فأقر به الكافر والمسلم; وأما توحيد الألوهية، فهو الفارق بين الكفر والإسلام، فينبغي لكل مسلم أن يميز بين هذا، وهذا.
ويعرف أن الكفار لا ينكرون أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر; قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] ، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦١] .
فإذا تبين لك أن الكفار يقرون بذلك، عرفت أن قولك: لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله; لا يصيرك مسلما حتى تقول: لا إله إلا الله، مع العمل بمعناها؛ فهذه الأسماء، كل واحد منها، له معنى يخصه.
أما قولك: الخالق، فمعناه: الذي أوجد جميع مخلوقاته، بعد عدمها; وأما قولك: الرازق، فمعناه: أنه لما
стр. 711
أوجد الخلق، أجرى عليهم أرزاقهم؛ وأما المدبر، فهو: الذي تنزل الملائكة من السماء إلى الأرض بتدبيره، وتصعد إلى السماء بتدبيره، ويسير السحاب، بتدبيره، وتصرف الرياح، بتدبيره؛ وكذلك جميع خلقه، هو: الذي يدبرهم، على ما يريد. فهذه الأسماء، التي يقر بها الكفار، متعلقة بتوحيد الربوبية، التي يقر بها الكفار.
وأما توحيد الألوهية، فهو قولك: لا إله إلا الله، وتعرف معناها كما عرفت معنى الأسماء المتعلقة بالربوبية، فقولك: لا إله إلا الله، نفي وإثبات; فتنفي الألوهية كلها، وتثبتها لله وحده; فمعنى الإله في زماننا: الشيخ، والسيد، الذي يقال فيهما أو غيرهما: سر ممن يعتقد فيهم أنهم يجلبون منفعة أو يدفعون مضرة; فمن اعتقد في هؤلاء، أو غيرهم، نبيا كان أو غيره، فقد اتخذه إلها من دون الله.
فإن بني إسرائيل لما اعتقدوا في عيسى ابن مريم وأمه سماهما الله إلهين; قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] . ففي هذا دليل على أن من اعتقد في مخلوق لجلب منفعة، أو دفع مضرة، فقد اتخذه إلها; فإذا كان الاعتقاد في الأنبياء هذا
стр. 712
حاله، فما دونهم أولى.
وأيضا فإن من تبرك بحجر، أو شجر، أو مسح على قبر أو قبة يتبرك بهم، فقد اتخذهم آلهة; والدليل على ذلك أن الصحابة لما قالوا للنبي ﷺ اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، يريدون بذلك التبرك، قال: "الله أكبر: إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٦"١٣٧] ".
فمثل قول الصحابة في ذات أنواط، بقول بني إسرائيل، وسماه إلها، ففي هذا دليل على أن من فعل شيئا مما ذكرنا، فقد اتخذه إلها.
والإله هو: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله وحده، فمن نذر لغير الله، أو ذبح له، فقد عبده، وكذلك: من دعا غير الله ... قال الله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة" ١، وكذلك: من جعل بينه وبين الله واسطة، وزعم أنها تقربه إلى الله، فقد عبده.
وقد ذكر الله ذلك عن الكفار، فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا
стр. 713
عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وكذلك ذكر عن الذين: جعلوا الملائكة وسائط، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤١] .
فذكر سبحانه: أن الملائكة نزهوه عن ذلك، وأنهم تبرؤوا من هؤلاء، وأن عبادتهم كانت للشياطين، الذين يأمرونهم بذلك، وذكر سبحانه عن الذين جعلوا الصالحين وسائط، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧"٥٦] ، وذكر سبحانه: أنهم لا يملكون كشف الضر عن أحد، ولا عن أنفسهم، وأنهم لا يحولونه عن أحد; وأنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه; فهذا يبين لك معنى لا إله إلا الله.
فإذا عرفت حال المعتقدين في عيسى بن مريم، والمعتقدين في الملائكة، والمعتقدين في الصالحين، وحالهم معهم، أنهم: لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، فضلا عن غيرهم، عرفت أن من اعتقد فيمن دونهم أضل سبيلا; فحينئذ يتبين لك معنى لا إله إلا الله، والله أعلم
стр. 714
مذاكرة الشيخ: أهل حرمة.
قال لهم: لا إله إلا الله، سألنا عنها كل من جاءنا منكم من مطوع، ولا وجدنا عندهم، إلا أنها لفظة ما لها معنى! ومعناها لفظها! ومن قالها فهو مسلم! ووقتا يقولون لها معنى، لكن معناها لا شريك له في ملكه!
ونحن نقول: لا إله إلا الله، ليست باللسان فقط، لا بد للمسلم إذا لفظ بها، أنه يعرف معناها بقلبه; وهي التي جاءت لها الرسل، وإلا فالملك ما جاءت الرسل له.
وأنا أبين لكم إن شاء الله مسألة التوحيد، ومسألة الشرك، تعرفون: المشهد فيه قبة، والذي من الرجال صلى الظهر، قام واستقبل القبر، وولى الكعبة قفاه، وركع لعلي ركعتين، صلاته لله توحيد، وصلاته لعلي شرك، أأنتم فهمتم؟ قالوا: فهمنا، صار هذا مشركا، صلى لله، وصلى لغيره.
ولله سبحانه حق على عبده، في البدن، والمال، والصلاة: زكاة البدن، والزكاة في المال حق لله; فإذا زكيت لله، وخرجت بشيء تقسمه عند القبة، فزكاتك لله توحيد، وزكاتك للمخلوق شرك; كذلك سفك الدم: إن ذبحت لله توحيد، وإن ذبحت لغيره صار شركا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢] ، والنسك: سفك الدم; كذلك التوكل، من أنواع العبادة، إن توكلت على الله صار توحيدا; وإن
стр. 715
توكلت على صاحب القبة، صار شركا، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] .
وأكبر من ذلك كله: الدعاء; تفهمون أن الدعاء مخ العبادة; قالوا: نعم; قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، أنتم تفهمون أن هنا من يدعو الله، ويدعو الزبير، ويدعو الله، ويدعو عبد القادر، الذي يدعو الله وحده مخلص; وإن دعا غيره صار مشركا، فهمتم هذا؟ قالوا: فهمنا، قال الشيخ: هذا إن فهمتموه، فهذا الذي بيننا وبين الناس.
فإن قالوا: هؤلاء يعبدون أصناما، ويدعونهم، يريدون منهم; ونحن عبيد مذنبون، وهم صالحون، ونبغي بجاههم، فقل لهم: عيسى نبي الله ﵇، وأمه صالحة، والعزير صالح، والملائكة كذلك; والذين يدعونهم أخبر الله عنهم، وأنهم ما أرادوا منهم ما أرادوا إلا بجاههم قربة وشفاعة.
واقرأ عليه الآيات في الملائكة، في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآية وفي الأنبياء، قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٧١] ، وفي الصالحين: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٦] ، ولا فرق بينهم ﷺ .
وسئل عن قوله ﷺ : " من قال لا إله إلا الله صادقا "١.
стр. 716
والحديث الآخر: "مخلصا دخل الجنة" ما معنى الصدق؟ والإخلاص؟ والفرق بينهما؟ وأيضا حديث: البطاقة، كونها رجحت بتلك السجلات، لما تضمنت من الإخلاص، والصدق; ما معنى: الصدق في ذلك؟
فأجاب ﵀:
المسألة كبيرة; ولما ذكر الإمام أحمد الصدق والإخلاص، قال: بهما ارتفع القوم، ولكن يقربهما إلى الفهم: التفكر في بعض أفراد العبادة، مثل الصلاة، فالإخلاص فيها، يرجع إلى إفرادها عما يخالطها كثيرا، من الرياء، والطبع، والعادة، وغيرها؛ والصدق يرجع إلى إيقاعها على الوجه المشروع ولو أبغضه الناس لذلك. وحديث البطاقة: أنه رزق عند الخاتمة قولها، على ذلك الوجه، والأعمال بالخواتيم; مع أن علي بقية إشكال، والله أعلم.
وقال أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
هذه: أمور خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية
الكتابيين، والأميين، مما لا غنى للمسلم عن معرفتها.
فالضد يظهر حسنه الضد ... وبضدها تتبين الأشياء
стр. 717
فأهم ما فيها، وأشدها خطرا: عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ﷺ ، فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية، تمت الخسارة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥٢] .
المسألة الأولى: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، يريدون شفاعتهم عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ ، فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله، الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص; وأخبر أن من فعل ما يستحسنونه، فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار; وهذه المسألة هي التي تفرق الناس لأجلها، بين مسلم وكافر; وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] .
المسألة الثانية: أنهم متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٥٣] ، وكذلك في دنياهم، ويرون ذلك هو الصواب، فأتى بالاجتماع في الدين بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً
стр. 718
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٩] ، ونهانا عن مشابهتهم بقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] ، ونهانا عن التفرق في الدين بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] .
المسألة الثالثة: أن مخالفة ولي الأمر عندهم، وعدم الانقياد له، فضيلة، والسمع والطاعة ذل ومهانة; فخالفهم رسول الله ﷺ وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم، والنصيحة، وغلظ في ذلك، وأبدى فيه وأعاد. وهذه الثلاث التي جمع بينها فيما ذكر عنه، في الصحيحين أنه قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثا، أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم "١ ولم يقع خلل في دين الناس، ودنياهم، إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث، أو بعضها.
الرابعة: أن دينهم مبني على أصول، أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار، أولهم وآخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى
стр. 719
آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة لقمان آية: ٢١] ، فأتاهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ الآية [سورة سبأ آية: ٤٦] ، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] .
الخامسة: أن من أكبر قواعدهم: الاغترار بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله، فأتاهم بضد ذلك، وأوضحه في غير موضع من القرآن.
السادسة: الاحتجاج بالمتقدمين، كقوله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [سورة طه آية: ٥١] ، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [سورة المؤمنون آية: ٢٤] .
السابعة: الاستدلال بقوم أعطوا قوى في الأفهام والأعمال، وفي الملك والمال والجاه; فرد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ الآية [سورة الأحقاف آية: ٢٦] ، وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٩] ، وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٤٦] .
الثامنة: الاستدلال على بطلان الشيء، بأنه لم يتبعه إلا الضعفاء كقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ١١١] ، وقوله: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٣] ، فرده الله
стр. 720
بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٣] .
التاسعة: الاقتداء بفسقة العلماء فأتى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤] ، وبقوله: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٧] .
العاشرة: الاستدلال على بطلان الدين بقلة أفهام أهله، وعدم حفظهم كقوله: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [سورة هود آية: ٢٧] .
الحادية عشر: الاستدلال بالقياس الفاسد، كقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [سورة إبراهيم آية: ١٠] .
الثانية عشر: إنكار القياس الصحيح. والجامع لهذا وما قبله: عدم فهم الجامع والفارق.
الثالثة عشر: الغلو في العلماء، والصالحين كقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [سورة النساء آية: ١٧١] .
الرابعة عشر: أن كل ما تقدم مبني علي قاعدة وهي: النفي والإثبات، فيتبعون الهوى والظن، ويعرضون عما آتاهم الله.
الخامسة عشر: اعتذارهم عن اتباع ما آتاهم الله بعدم
стр. 721
الفهم، كقوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ، ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ [سورة هود آية: ٩١] ، فأكذبهم الله، وبين أن ذلك بسبب الطبع على قلوبهم; والطبع بسبب كفرهم.
السادسة عشر: اعتياضهم عما أتاهم من الله، بكتب السحر، كما ذكر الله ذلك، في قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠١"١٠٢] .
السابعة عشر: نسبة باطلهم إلى الأنبياء، كقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] ، وقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٧] .
الثامنة عشر: تناقضهم في الانتساب، ينتسبون إلى إبراهيم مع إظهارهم ترك اتباعه.
التاسعة عشر: قدحهم في بعض الصالحين، بفعل بعض المنتسبين، كقدح اليهود في عيسى، وقدح اليهود والنصارى في محمد ﷺ .
العشرون: اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء، كما نسبوه لسليمان.
الحادية والعشرون: تعبدهم بالمكاء والتصدية.
الثانية والعشرون: أنهم اتخذوا دينهم لهوا ولعبا.
стр. 722
الثالثة والعشرون: أن الحياة الدنيا غرتهم، فظنوا أن عطاء الله منها يدل على رضاه، كقوله: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٥] .
الرابعة والعشرون: ترك الدخول في الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء، تكبرا، وأنفة، فأنزل الله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيات [سورة الأنعام آية: ٥٢] .
الخامسة والعشرون: الاستدلال على بطلانه بسبق الضعفاء، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [سورة الأحقاف آية: ١١] .
السادسة والعشرون: تحريف كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
السابعة والعشرون: تصنيف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله، كقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٧٩] .
الثامنة والعشرون: أنهم لا يعقلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم، كقوله: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [سورة البقرة آية: ٩١] .
التاسعة والعشرون: أنهم مع ذلك لا يعلمون بما تقوله الطائفة، كما نبه الله عليه بقوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٩١] .
стр. 723
الثلاثون:" وهي من عجائب آيات الله" أنهم لما تركوا وصية الله بالاجتماع، وارتكبوا ما نهى الله عنه من الافتراق، صار كل حزب بما لديهم فرحون.
الحادية والثلاثون:" وهي من عجائب الله أيضا" معاداتهم الدين، الذي انتسبوا إليه، غاية العداوة، ومحبتهم دين الكفار الذين عادوهم وعادوا نبيهم، غاية المحبة، كما فعلوا مع النبي ﷺ لما أتاهم بدين موسى، واتبعوا كتب السحر، وهي من دين آل فرعون.
الثانية والثلاثون: كفرهم بالحق إذا كان مع من لا يهوونه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١١٣] .
الثالثة والثلاثون: إنكارهم ما أقروا أنه من دينهم، كما فعلوا في حج البيت، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٠] .
الرابعة والثلاثون: أن كل فرقة تدعي أنها الناجية، فأكذبهم الله بقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١١١] ، ثم بين الصواب بقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١١٢] .
الخامسة والثلاثون: التعبد بكشف العورات، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٢٨] .
стр. 724
السادسة والثلاثون: التعبد بتحريم الحلال، كما تعبدوا بالشرك.
السابعة والثلاثون: التعبد باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله.
الثامنة والثلاثون: الإلحاد في الصفات كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٢] .
التاسعة والثلاثون: الإلحاد في الأسماء، كقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٠] .
الأربعون: التعطيل، كقول آل فرعون.
الحادية والأربعون: نسبة النقائص إليه.
الثانية والأربعون: الشرك في الملك: كقول المجوس.
الثالثة والأربعون: جحود القدر.
الرابعة والأربعون: الاحتجاج على الله.
الخامسة والأربعون: معارضة شرع الله بقدره.
السادسة والأربعون: مسبة الدهر كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [سورة الجاثية آية: ٢٤] .
السابعة والأربعون: إضافة نعم الله إلى غيره كقوله:
стр. 725
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [سورة النحل آية: ٨٣] .
الثامنة والأربعون: الكفر بآيات الله.
التاسعة والأربعون: جحد بعضها.
الخمسون: قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء.
الحادية والخمسون: قولهم في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَر﴾ [سورة المدثر آية: ٢٥] .
الثانية والخمسون: القدح في حكمة الله تعالى.
الثالثة والخمسون: أعمال الحيل الظاهرة والباطنة، في دفع ما جاءت به الرسل، كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٢] .
الرابعة والخمسون: الإقرار بالحق ليتوصلوا به إلى دفعه، كما قال في الآية.
الخامسة والخمسون: التعصب للمذهب، كقوله فيها: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٣] .
السادسة والخمسون: تسمية اتباع الإسلام شركا، كما ذكره في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيتين [سورة آل عمران آية: ٧٩] .
стр. 726
السابعة والخمسون: تحريف الكلم عن مواضعه.
الثامنة والخمسون: لي الألسنة بالكتاب.
التاسعة والخمسون: تلقيب أهل الهدى، بالصباة، والحشوية.
الستون: افتراء الكذب على الله.
الحاديه والستون: التكذيب بالحق.
الثانية والستون: كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى للملوك، كما قال: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٧] .
الثالثة والستون: رميهم إياهم بالفساد في الأرض، كما في الآية.
الرابعة والستون: رميهم إياهم بانتقاص دين الملك، كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٧] ، وكما قال تعالى: ﴿ِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الآية [سورة غافر آية: ٢٦] .
الخامسة والستون: رميهم إياهم بانتقاص آلهة الملك، كما في الآية.
السادسة والستون: رميهم إياهم بتبديل الدين، كما قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [سورة غافر آية: ٢٦] .
стр. 727
السابعة والستون: رميهم إياهم بانتقاص الملك، كقولهم: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٧] .
الثامنة والستون: دعواهم العمل بما عندهم من الحق، كقوله:
﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [سورة البقرة آية: ٩١] ، مع تركهم إياه.
التاسعة والستون: الزيادة في العبادة، كفعلهم يوم عاشوراء.
السبعون: نقصهم منها، كتركهم الوقوف بعرفات.
الحادية والسبعون: تركهم الواجب ورعا.
الثانية والسبعون: تعبدهم بترك الطيبات من الرزق.
الثالثة والسبعون: تعبدهم بترك زينة الله.
الرابعة والسبعون: دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم.
الخامسة والسبعون: دعواهم محبة الله، مع تركهم شرعه، فطالبهم الله بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٣١] .
السادسة والسبعون: دعاؤهم إياهم إلى الكفر، مع العلم.
السابعة والسبعون: المكر الكبار، كفعل قوم نوح.
стр. 728
الثامنة والسبعون: أن أئمتهم إما عالم فاجر، وإما عابد جاهل، كما في قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٥] إلى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ .
التاسعة والسبعون: تمنيهم الأماني الكاذبة، كقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ [سورة البقرة آية: ٨٠] ، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ [سورة البقرة آية: ١١١] .
الثمانون: دعواهم أنهم أولياء الله من دون الناس.
الحادية والثمانون: اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.
الثانية والثمانون: اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد، كما ذكر عن عمر.
الثالثة والثمانون: اتخاذ السرج على القبور.
الرابعة والثمانون: اتخاذها أعيادا.
الخامسة والثمانون: الذبح عند القبور.
السادسة والثمانون: التبرك بآثار المعظمين، كدار الندوة، وافتخار من كانت تحت يده، كما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش؟ فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى.
السابعة والثمانون: الاستسقاء بالأنواء.
стр. 729
الثامنة والثمانون: الفخر بالأحساب.
التاسعة والثمانون: الطعن في الأنساب.
التسعون: النياحة.
الحادية والتسعون: أن أجل فضائلهم الفخر بالأنساب، فذكر الله فيه ما ذكر.
الثانية والتسعون: أن أجل فضائلهم الفخر أيضا، ولو بحق، فنهي عنه.
الثالثة والتسعون: أن الذي لا بد منه عندهم، تعصب لإنسان لطائفته، ونصر من هو منها ظالما أو مظلوما، فأنزل الله في ذلك ما أنزل.
الرابعة والتسعون: أن دينهم أخذ الرجل بجريمة غيره، فأنزل الله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٤] .
الخامسة والتسعون: تعيير الرجل بما في غيره، فقال: " أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية "١.
السادسة والتسعون: الافتخار بولاية البيت، فذمهم الله بقوله:
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٦٧] .
السابعة والتسعون: الافتخار بكونهم ذرية أنبياء، فأتى لله بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٣٤] .
الثامنة والتسعون: الافتخار بالصنائع، كفعل أهل
стр. 730
الرحلتين على أهل الحرث.
التاسعة والتسعون: عظمة الدنيا في قلوبهم، كقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣١] .
المائة: التحكم على الله، كما في الآية.
الحادية بعد المائة: ازدراء الفقراء، فأتاهم بقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٢] .
الثانية بعد المائة: رميهم أتباع الرسل بعدم الإخلاص وطلب الدنيا، فأجابهم بقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ٥٢] ، وأمثالها.
الثالثة بعد المائة: الكفر بالملائكة.
الرابعة بعد المائة: الكفر بالرسل.
الخامسة بعد المائة: الكفر بالكتب.
السادسة بعد المائة: الإعراض عن ما جاء عن الله.
السابعة بعد المائة: الكفر باليوم الآخر.
الثامنة بعد المائة: التكذيب بلقاء الله.
التاسعة بعد المائة: التكذيب ببعض ما أخبرت به الرسل عن اليوم الآخر، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٧] ، ومنها: التكذيب بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] . وقوله: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] ، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٦] .
العاشرة بعد المائة: الإيمان بالجبت والطاغوت;
стр. 731
الحادية عشر بعد المائة: تفضيل دين المشركين، على دين المسلمين.
الثانية عشر بعد المائة: لبس الحق بالباطل.
الثالثة عشر بعد المائة: كتمان الحق مع العلم به.
الرابعة عشر بعد المائة: قاعدة الضلال وهي: القول على الله بلا علم.
الخامسة عشر بعد المائة: التناقض الواضح لما كذبوا الحق، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [سورة ق آية: ٥] .
السادسة عشر بعد المائة: الإيمان ببعض المنزل دون بعض.
السابعة عشر بعد المائة: التفريق بين الرسل.
الثامنة عشر بعد المائة: مخالفتهم فيما ليس لهم به علم.
التاسعة عشر بعد المائة: دعواهم اتباع السلف، مع التصريح بمخالفتهم.
العشرون بعد المائة: صدهم عن سبيل الله من آمن به.
الحادية والعشرون بعد المائة: مودتهم الكفر والكافرين.
الثانية والعشرون بعد المائة: والثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة والعشرون بعد المائة: العيافة، والطرق، والطيرة، والكهانة، والتحاكم إلى الطاغوت، وكراهية التزويج بين العيدين; والله أعلم١.
стр. 732
وقال أيضا: رحمه الله تعالى:
ذكر بعض ما في قصة الجاهلية المذكورة في السيرة، من الفوائد:
الأولى: ما في قصة ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر من بيان الشرك بالله; وإزالة الشبهة التي أدلى بها المشركون، من قولهم: نريد الجاه والشفاعة، وقولهم: ليس دعوة الصالحين مثل الأصنام وقولهم: نحن نعلم أن الله هو النافع الضار وقولهم: هؤلاء ولو أشركوا، فهم من أمة محمد; وقول شياطينهم: هذا شرك أصغر. فكل هذا: يكشفه قصتهم.
الثانية: مضرة البدع ولو صح قصد مبتدعها، وأنها سبب للخروج عن الإسلام.
الثالثة: التحذير من الغلو.
الرابعة: كون الحق في القلوب ينقص، والباطل يزيد.
الخامسة: التحذير من الكذب على العلماء، وقد يكون الكاذب لم يتعمد.
السادسة: معرفة أن الأصنام لم تعبد لذاتها; وإنما عبدت لأجل الصالحين.
السابعة: أن الردة وعبادة الأصنام، قد يكون سببها فعل بعض الصالحين.
الثامنة: التحذير من الفتنة بقبور الصالحين، لقوله: (عكفوا على قبورهم) .
التاسعة: أن من أسباب الردة بعد الأمد عن النبوة.
العاشرة: أن من أسبابها: نسيان العلم.
الحادية عشر: ما في قصة عمرو بن لحي من التحذير من فتنة البلد الحرام.
الثانية عشر: التحذير من فتنة أهل الشام.
الثالثة عشر:
стр. 733
التفطن لما أعطي عمرو من الأعمال.
الرابعة عشر: ما أعطى من الكمال.
الخامسة عشر: ما أعطى من الملك.
السادسة عشر: ما أعطى من طاعة الناس له.
السابعة عشر: التفطن للفرق بين: كرامات الأولياء، وتنزل الشياطين.
الثامنة عشر: أن من علامات الباطل زيادته كل وقت، وعلامات الحق ثقله ونقصانه. التاسعة عشر: العبرة برؤية النبي ﷺ له في النار.
العشرون: اللطيفة: كون صور الصالحين يبعث عليها أول الرسل، ولم يكسرها إلا خاتم الرسل. الحادية والعشرون: معرفة أن الكفار لم يقصدوا بالشرك وعبادة الأصنام إلا الخير. الثانية والعشرون: كون بعض الأوثان عندهم أعظم من بعض. الثالثة والعشرون: تفرقهم واختلافهم، في تعظيم أوثانهم وفي عبادتها. الرابعة والعشرون: كونهم في أمر مريج وفي قول مختلف، يقولون: إن الأمر بيد الله لا يدبر إلا هو، ويقولون: ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [سورة هود آية: ٥٤] . الخامسة والعشرون: فعلهم العبادات١.
[معنى قوله تعالى يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية]
وسئل ﵀، عن قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٤] ، وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [سورة الفتح آية: ٦] ، وقوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٣] ، ما معنى سوء الظن بالله؟
стр. 734
وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٢٣] ، ما معناه؟ وما معنى: إدخال البخاري إياه في كتاب الطب؟
وكذلك: الحديث الذي أورده: " ما من مسلم يصيبه أذى "١ فإن فسرتم "الأذى" بجميع المكروهات، كما هو المشهور من معنى اللفظ الآخر: " ما يصيب المسلم، من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى "٢ فعطف: "الأذى" على ما تقدم، والعطف يقتضي المغايرة، هل المراد: المسلم الذي لم يصدر منه شرك بالكلية; أم لا؟
وما معنى قولهم: من الشرك التصنع للمخلوق، وخوفه، ورجاؤه؟.
وهل المراد به: الشرك الأكبر؟ أو الأصغر؟
وقوله: "أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله "٣ ما معناه؟
فأجاب: أما قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٤] ، وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [سورة الفتح آية: ٦] ، فقد بسط الكلام عليها في الهدى، على وقعة أحد، وقد فسره بأشياء كثيرة، نقولها ونعتقدها، ولا نظن إلا أنها عقل وصواب، فتأمل كلامه تأملا جيدا.
وأما قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٢٣] ، وإدخال البخاري لها في كتاب الطب، فمراد البخاري: أن هذه الأمراض، التي يكرهها العبد، هي مما يكفر الله بها عن المؤمن
стр. 735
سيئاته، ويطهره بها، لأن قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٢٣] ، عام في جزاء الدنيا والآخرة; وأما: إدخاله هذا في كتاب الطب، فواضح، وأهل العلم: يذكرون في الباب، ما هو أبعد من هذا، تعلقا واستطرادا.
وأما قوله: (ما من مسلم يصيبه أذى) فهو عام، وأما عطف: "الأذى" على الوصب، والنصب، والهم; فمن عطف العام على الخاص، وهو كثير جدا في كلام العرب، وفي كلامنا.
وأما سؤالكم: هل هذا في المسلم الذي لم يصدر منه شرك بالكلية؟
فنقول: أما الشرك الذي يصدر من المؤمن وهو لا يدري، مع كونه مجتهدا في اتباع أمر الله ورسوله، فأرجو أن لا يخرجه هذا من الوعد.
وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا الباب، كحلفهم بآبائهم، وحلفهم بالكعبة، وقولهم: ما شاء الله وشاء محمد، وقولهم: اجعل لنا ذات أنواط; ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه، ولم يجادلوا فيه حمية الجاهلية لمذهب الآباء والعادات.
وأما الذي يدعي الإسلام، وهو يفعل من الشرك الأمور العظام، فإذا تليت عليه آيات الله استكبر عنها، فليس هذا بالمسلم; وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من
стр. 736
ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ما حاله. وأما قول من قال: من الشرك التصنع للمخلوق; فلعل مراده: التصنع بطاعة الله الذي يسمى: الرياء، وهو كثير جدا، فهذا صحيح في أمور لا يفطن لها صاحبها.
وأما خوف المخلوق فالمراد به: الخوف الذي يحملك أن تترك ما فرض الله عليك، وتفعل ما حرم الله عليك، خوفا من ذلك المخلوق; وأما: الرجاء، فلعل المراد: الذي يخرج العبد عن التوكل على الله والثقة بوعده، وكل هذه الأمور كثيرة جدا.
وأما قولك: هل المراد به الشرك الأصغر، أو الأكبر؟ فهذا يختلف باختلاف الأحوال، وقد يتصنع لمخلوق فيخافه، أو يرجوه، فيدخل في الشرك الأصغر، وقد يتزايد ذلك ويتوغل فيه، حتى يصل إلى الشرك الأكبر.
وسئل ﵀:
عن معنى عقد اللحية؟ والضرب في الأرض؟ هو الذي نعرف: أن بعضهم يخط خطوطا، ثم يعدها: إن ظهرت شفعا فكذا، وإن ظهرت وترا فكذا، أم غير ذلك؟ وتفسير: "الجبت" برنة الشيطان; ما رنة الشيطان؟. وحديث: "من ردته الطيرة فقد أشرك، وكفارة ذلك أن تقول: اللهم لا طير إلا طيرك" إلخ، أم كيف يزول ذلك الشرك بهذا اللفظ؟ مع أن الطيرة مخامرة باطنة، واللفظ وحده لا يفيد، أو فائدة
стр. 737
قليلة؟ وما معنى: الفخر، والطعن؟ وما معنى مكر الله بالعبد؟ وما الفرق بين الروح، والرحمة؟
فأجاب ﵀: عقد اللحية: لا أعلمه، لكن ذكر في الآداب ما يقتضي أنه شيء يفعله بعض الناس في الحرب، على وجه التكبر. وأما الضرب، فهو مشهور جدا حتى إن بعض الناس يخط، فمن وافق خطه فذاك، والذي يبدو للذهن: أنه عام في كل أنواع الخط، وخط ذلك النبيِّ عُدِمَ، لا يوجد من يعرفه.
ورنة الشيطان: لا أعرف مقصود الحسن، بل عادة السلف، يفسرون اللفظ العام ببعض أفراده، وقد يكون السامع يعتقد أن ذلك ليس من أفراده، وهذا كثير في كلامهم جدا، ينبغي التفطن له.
وقوله في الطيرة: "وكفارة ذلك أن تقول" إلخ.
فالطيرة تعم أنواعا، منها ما لا إثم فيه، كما قال عبد الله: (وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) ; فإذا وقع في القلب شيء، وكرهه، ولم يعمل به، بل خالفه، وقال، لم يضره، فإن قال من الحسنات شيئا فهو أبلغ وأتم في الكفارة; فلو قدرنا أن تلك الطيرة من الشرك الخفي أو الظاهر، ثم تاب منه، وقال هذا الكلام على طريق التوبة، فكذلك.
стр. 738
وأما الفخر بالأحساب؛ فالأحساب: الذي يذكر عن مناقب الآباء السالفين، التي نسميها: المراجل; إذا تقرر هذا، ففخر الإنسان بعمله منهي عنه; فكيف افتخاره بعمل غيره؟!
وأما الطعن في الأنساب، ففسر بالموجود في زماننا: ينتسب إنسان إلى قبيلة، ويقول بعض الناس: ليس منهم، من غير بينة، بل الظاهر أنه منهم.
وأما مكر الله، فهو: أنه إذا عصاه وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه. وأما الفرق بين الروح والرحمة، فلا أعرفه، ولعله: فرق لطيف، لأن الروح فسر بالرحمة في مواضع.
وسئل ﵀:
عن الوعيد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، هل هو صحيح، أم غير ذلك؟. أيضا نبهني عبد الوهاب في خطه للموصلي: أنك ما رضيت قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في مشيئته وإرادته، حتى إني أفكر فيها، ولا بان لي فيها شيء أيضا، سوى المذكور عند النووي:
" اللهم إني أسلمت نفسي إليك "١ إلخ، بين لي معناه، جزاك الله خيرا.
الجواب: الوعيد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه ثابت عند أهل الحديث; فإن كنت قد حفظت القرآن، أو شيئا منه، ثم نسيته، فودي أن تعود إليه. وأما قوله في الخطبة:
стр. 739
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك في مشيئته، وإرادته، فعجب! كيف يخفى عليك؟ هذا للألوهية، والمذكور في الخطبة توحيد الربوبية، الذي أقر به الكفار.
وأما قوله: " اللهم إني أسلمت نفسي إليك "١ إلى آخره، فترجع إلى الإخلاص، والتوكل، ولو كان بينهما فروق لطيفة. والله أعلم.
وسئل ﵀:
عن الفقير الصابر، والغني الشاكر أيهما أفضل؟ وعن حد الصبر وحد الشكر؟. فأجاب: أما مسألة الغنى والفقر، فالصابر والشاكر كل منهما من أفضل المؤمنين; وأفضلهما: أتقاهما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٣] .
وأما حد الصبر وحد الشكر، فلا عندي علم إلا المشهور بين العلماء، أن الصبر: عدم الجزع، والشكر: أن تطيع الله بنعمته التي أعطاك.
[رسالة حسين وعبد الله ابني الشيخ إلى الحفظى في الحث على التوحيد]
قال ابنا الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى، ما نصه:
بسم الله الرحمن الر حيم
من حسين، وعبد الله، ابني الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، إلى جناب: الأخ في الله: محمد بن أحمد الحفظي، سلمه الله تعالى من الآفات، واستعمله بالباقيات
стр. 740
الصالحات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإنا نحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير; والصلاة والسلام، على نبيه وحبيبه، محمد البشير النذير، وعلى آله وأصحابه أولي الفضل الشهير، والعلم المستطير، وقد وصل الله إلينا كتابك، وفهمنا ما حواه، من حسن خطابك; وتذكر أنك على هذا الدين، الذي نحن عليه، من إخلاص الدين لله، وترك عبادة ما سواه، وأنك لا ترضى بالإشراك والتخلف عن التوحيد، ولو قدر فواق.
فالحمد لله الذي من علينا وعليك، وهذا هو أفرض الفرائض على جميع الخلق; ومن انتفع بهذا الدين، واستقام عليه، فله البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة وله العزة والرفعة والجاه، والملابس الفاخرة; وفي الحديث: عن الصادق المصدوق، صلوات الله وسلامه عليه، قال: " إن الله ليرفع بهذا الدين أقواما، ويضع به آخرين ".
والذي نوصيك به، ونحضك عليه: التفقه في التوحيد، ومطالعة مؤلفات شيخنا ﵀، فإنها تبين لك حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، وحقيقة الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وأخبر أنه لا يغفره، وأن الجنة على فاعله حرام، وأن من فعله حبط عمله، والشأن كل الشأن، في معرفة حقيقة التوحيد، الذي بعث الله به رسوله، وبه يكون الرجل مسلما، مفارقا للشرك وأهله; وذلك لأن كثيرا