← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

أجل حرم عليه شراؤها بأقل مما باعها به. ومن ذلك: قلب الدين على المعسر إذا لم يجد وفاء، باع عليه بضاعة ما يساوي مائة بمائة وخمسين، ثم يأمر التاجر الفقير المعسر ببيع هذه البضاعة، ويأخذ التاجر ثمنها، وهذه حيلة على الربا. ومنها - والعياذ بالله -: من يكون له الدين، فإذا عجز المدين عن الوفاء، زاد في الدين، وزاده في الأجل، وهذا فعل الجاهلية الأولى، الذي جاء الشرع بإبطاله. ومنهم: مَن يكون له الحب دينا، فإذا عجز المدين عن الوفاء، باعه عليه بدراهم بسعر وقته، وهذا جار كثير، وهو حرام وبيع فاسد. ومن ذلك: الرهون الفاسدة التي تؤكل مصالحها ظلما وعدوانا; وذلك أن التاجر يعطي الفقير الدراهم، ويرهن شيئا من أرضه يستغلها ما دامت الدراهم بذمة الفقير، ومتى حصل الفقير ما يسد به الدين دفعه كاملا، وأخذ أرضه؛ والتاجر في هذه المدة يأكل غلة الأرض، وهذا من أعظم أنواع الربا المنهي عنه. ومن ذلك: ما يفعله كثير من الناس من الحيلة في بيع الإقالة، يبيع الفقير الأرض التي تساوي ثلاثة آلاف مثلا بألف، بشرط الإقالة إلى سنتين أو ثلاث، أو أقل، أو أكثر؛ والبائع ليس له قصد في البيع، والمشتري يعلم ذلك، وإنما جعلا هذا البيع حيلة في حل الثمرة للمشتري، وهذا

стр. 6757

شيء باطل، وحيلة محرمة، لا تحل الثمرة للمشتري ولو رضي البائع. ومن ذلك: ما يفعله كثير من التجار، يعطي مالا لآخر يبيع به ويشتري، ويشترط صاحب المال شيئا معينا في كل أسبوع، أو في كل شهر مصلحة لماله، وهذا حرام وربا صريح. ومن ذلك ما يفعله بعضهم: إذا أعطى لرجل مالا يبيع به ويشتري، شرط عليه نصف الخسارة، وهذا لا يجوز، وشرطه فاسد، ويحرم على صاحب المال أخذ شيء من الخسارة ولو رضي المضارب بذلك، بل على المضارب المال، وعلى المضارب العمل، وما يربح في المال بينهما على ما شرطاه. ومن ذلك ما يفعله بعضهم: يقترض ذهبا، ويكتبه دراهم بذمته بسعرها وقت القرض، أو أزيد. وبعضهم: يعطي الجنيه إذا كان صرفها مثلا: خمسون في ستين إلى أجل. وبعضهم: يعطي الريال بريالين وربع أو نصف إلى أجل، كل هذه الأمور من صريح الربا المحرم. ومن ذلك: ما يفعله بعضهم من التحاويل: الألف بألف وخمسين أو ستين، وهذا بيع فضة بفضة متفاضلا ونسيئة; وقول بعضهم: إنها إجارة غير صحيح، لأن الإجارة أن يحمل النقود بعينها إلى البلد المعين، ويأخذ أجرة عليها; والإجارة لها شروط وأحكام معروفة؛ فهذه التحاويل

стр. 6758

المعروفة الآن، فيها علتان من علل الربا، فهي حرام بلا ريب. ومن ذلك: بيع المصاغات من الفضة على اختلاف أجناسها، بريالات فرنسية أو عربية أو روبية، فهذا لا يجوز، وهو من الربا الصريح، إلا إذا علم التماثل، وكان وزنا بوزن، ومثلا بمثل; أما إذا جهل التماثل، أو علم التفاضل، فهو الربا. والواجب: أن تباع الفضة بالذهب، والذهب بفضة، ويشترط لذلك التقابض في مجلس العقد، أو تباع الفضة بقروش النيكل، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. فكل هذه الأمور المشروحة من الربا الصريح: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] ، فقد جاءتكم الموعظة من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ بالنهي عن ذلك، فانتهوا عما حرم الله عليكم، فإن فيما أحل الله لكم غنى عما حرم عليكم. فإن البركة في الحلال، وفيه السلامة من الوعيد والوبال، وإياكم والتعرض لسخط الله ولعنته وناره ومحق بركة أموالكم وأعماركم، وعيلتكم وفقركم، وسوء خاتمتكم: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٠] .

стр. 6759

وكونوا من معاصي الله على حذر، فإن للمعاصي عقوبات عاجلا وآجلا; فمن كفته الموعظة وتاب إلى الله فله ما سلف وأمره إليه، ومن تمادى بأمره وعاند ربه وظهر من التعامل بالمعاملات الربوية، فإنه يستحق التعزير البليغ الرادع له ولأمثاله. هذا ونسأله أن يجيرنا وإياكم من المعاصي وعقوباتها، وأن يوفقنا وإياكم لتقواه، والعمل بما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ٣ / ١٣٦٧ هـ. [الوصية بتقوى الله وتوضيح معناها وبيان أعظم المأمورات وأهم خصال التقوى] وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين نفعني الله وإياهم باستماع الوصيات الدينية والنصائح، وجنبنا جميعا أسباب سخطه، وموجبات الخزي والفضائح، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد قال الله عز شأنه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . وقال:: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥] . وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [سورة ق آية: ٤٥] .

стр. 6760

وأعظم شيء أوصيكم ونفسي به: تقوى الله ، فإنها وصيته تعالى لعباده الأولين والآخرين، كما قال تعالى:: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ْ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وهي: وصية نبيه ﷺ لأمته عموما وخصوصا، كما قال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ١. ولما بعث ﷺ معاذا إلى اليمن، قال له: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ٢. إذا عرف هذا، فإن حقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين غضب ربه وعقابه وقاية تقيه ذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه وزواجره. وأعظم المأمورات وأهمها: توحيد الرب جل شأنه، فإنه الأمر الذي من أجله خلق الثقلان الجن والإنس، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ

стр. 6761

اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [سورة هود آية: ١-٢] . وذلك: هو الإقرار بوحدانيته تعالى، والإيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثباتها على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا بريئا من تمثيل الممثلين; وتنْزيهه تعالى عن جميع ما لا يليق بجلاله وعظمته، تنْزيها بريئا من تعطيل المعطلين. والإيمان بأنه تعالى: رب كل شيء ومليكه، وأن العالم بجميع ما فيه هو خلقه وحده لا شريك له، وتحت تدبيره وتصرفه، وإفراده سبحانه بجميع أنواع العبادة، عن اعتقاد جازم، أنه هو المستحق لذلك دون كل ما سواه. وهذا هو معنى كلمة الإخلاص التي هي أساس الملة، "لا إله إلا الله"فإن معناها: لا معبود حق إلا الله وأعظم المحرمات، هو: الشرك به في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وأفعاله. وأهم خصال التقوى، وأفرضها وآكدها بعد التوحيد: إفراد رسوله ﷺ بالمتابعة، وتحكيمه في القليل والكثير، والنقير والقطمير، وفي كل شيء يحصل التنازع فيه، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] .

стр. 6762

ومن أهم خصال التقوى، وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين: أداء الجمعة، والصلوات الخمس في أوقاتهن؛ وهي عمود الدين كما قال ﷺ : رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ١. ولا شيء من الفرائض مجرد تركه كفر غير الصلاة، كما قال ﷺ : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ٢ وقال ﷺ : بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ٣. ومن فرائضها أيضا: أداء زكاة الأموال الزكوية، وهي: بهيمة الأنعام بأنواعها الثلاثة; والنقدان: الذهب والفضة، وما في معناهما وحكمهما من العروض، وغيرها، والخارج من الأرض من الحبوب والثمار، مما يكال ويدخر، بشرط كمال النصاب في كل منها، ومضي الحول، كل نوع منها بحسبه; ويجب على الجاهل تعلم ذلك ومعرفته، وسؤال أهل العلم عنه ليؤدي هذا الفرض العظيم بيقين. ومن أهم خصال التقوى: صيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، بشرط الاستطاعة. وهذه الخمس هي أركان الإسلام الخمسة، كما في الصحيح عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ٤. ومن أهم خصالها: الأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 6763

المنكر، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] إلى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] . وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون َتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٨١] . وفي الحديث: عن النبي ﷺ : إن من كان قبلكم، كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيرا، فقال: يا هذا اتق الله، فإذا كان من الغد جالسه، وواكله، وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود، وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والذي نفس محمد بيده، لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم. فتقوى الله تعالى بفعل المأمورات وترك المنهيات

стр. 6764

هي مجلبة كل خير، والنجاة والسلامة من كل شر، في الدنيا والآخرة. فكل صلاح وبركة وخير في الدنيا والآخرة، واستقامة في العقائد، ونزاهة في الأخلاق، والحصول على كل خير، والسلامة من كل شر وضير، والخروج من كل ضيق، وحصول الفرقان بين الحق والباطل، وغير ذلك مما لا يحصى، كل ذلك سببه تقوى الله تعالى. وكل فساد ونقص في الاعتقاد والأخلاق والأعمال، والعلوم والفهوم، والقوى والإرادات، والتصورات، وغور الماء، وحبس القطر من السماء، ونقص الحروث والتجارات، وغير ذلك، فسببه الإخلال بتقوى الله، وعدم المبالاة بأوامره ونواهيه، وقلة الاكتراث بوعيد الله الذي يعيده في كتابه ويبديه رسوله. فما أحلّ بسالف الأمم شديد العقوبات، ولا أخذ من غبر بفظيع المثلات إلا بسبب الإضلال بالتقوى، وإيثار الشهوات والأهواء، وقد قال تعالى:: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] . والأمر بالمعروف يشمل الأمر بجميع الفرائض التي تقدمت وغيرها، ومن أهمها بر الوالدين، وصلة الأرحام، وصدق الحديث، والوفاء بالعهود، والقيام بجميع واجبات الدين.

стр. 6765

والنهي عن المنكر يشمل جميع أنواع المنكرات، من الزنى وغيره من الفواحش والربا; وآكل الربا محارب لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] . وفي الأثر: ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا أذن الله بخرابها; ومن أعظم المنكرات: تعاطي المسكرات، واستعمال جميع الملاهي، والاستماع إليها، وبخس المكاييل والموازين، إلى غير ذلك من سائر المنكرات. وفي سنن ابن ماجه: من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: كنت عاشر عشرة، رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال وأعوذ بالله من أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم. فيجب على جميع المسلمين التوبة إلى الله مما سلف

стр. 6766

من المعاصي والمخالفات وذلك بالتخلي من جميع المعاصي، والندم حقا على ما فات، والعزيمة على عدم العودة، فإنه لا توبة من المعاصي بدون ذلك. كما يجب اجتناب ذلك في المستقبل، والصدق مع الله في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وذلك واجب على ولاة المسلمين أن يقوموا بعزم صارم، وبذل المجهود حقيقة، فإن الله جعل الأمور في أيديهم، وهم الذين بين الله وبين خلقه. كما يجب على العلماء النصيحه، والبيان حقيقة، والبعد كل البعد من الكتمان; ويجب على كل أحد إنكار المنكر، كل بحسبه; والتوبة واجبة في كل حين، ومن كل ذنب؛ وتتأكد عند سؤالهم ربهم ما هو من ضرورياتهم الدينية، وكذلك ضرورياتهم الدنيوية؛ ومن أهمها: طلب الغيث الذي هو سبب الحياة. ومن التوبة الخروج من المظالم، والتخلي من حقوق الخلق، في الدماء والأموال والأعراض، وترك التشاحن; وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: أريت ليلة القدر، فخرجت لأخبركم، فتلاحا رجلان فرفعت فهذا يدل على أن التشاحن من أسباب موانع حصول الخير، وتعاطي الحلال مأكلا ومشربا وملبسا، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الصحيح: ثم ذكر الرجل يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب، يا رب، ومأكله حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي

стр. 6767

بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟! ١. وفي الأثر عن بعض أنبياء بني إسرائيل، أنه خرج بقومه يستسقون، فلم يسقوا، فأوحى الله إلى نبيهم أن قل لهم: إنكم قد رفعتم أكفا قد سفكتم بها الدماء، وأكلتم بها الحرام. ويجب الحرص كل الحرص على التخلي من حق الزكاة، والتطهير للمال من ذلك، وكل من منع الزكاة، وأكل الحرام. وترك الأمر بالمعروف: سبب خاص في منع القطر، وعدم استجابة الدعاء، كما تقدم في حديث ابن عمر خمس خصال.. إلخ، وكما في آخر حديث أبي هريرة السابق. ومما ينبغي أن يقدم بين يدي الاستسقاء: الصدقة، وملاحظة الفقير، والنظر إليه نظرة رحمة، عسى أن يرحمنا ربنا، وفي الحديث: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ٢. وينبغي اللجأ إلى الله عن صدق، ودعاؤه عن تضرع وخشية، وصدق رغبته إليه في إجابة المطلوب، والإكثار من الاستغفار. أسأله تعالى بأسمائه وصفاته أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويمن على المسلمين بالغيث الشامل النافع، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم في٢٠ /٥/١٣٨١هـ.

стр. 6768

[التذكير بالقحط وسببه وذكر بعضا من الكبائر والجرائم وما يناسب بين يدي الإستسقاء] وله أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على صفوته من بريته، وخيرته من خليقته، محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للاتعاظ بالمواعظ، وقبول النصائح، وجنبنا جميعا أسباب الخزي والندم والفضائح. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: تعلمون - وفقني الله وإياكم - ما أصيب به المسلمون، من قحوط الأمطار، وتأخر الغيث عن الأكثر من الديار، وما نشأ عن ذلك من غور مياه الآبار، وما نال المواشي من النقص الكثير والأضرار؛ وليس ذلك - لعمر الله - من نقص في جود الباري جل شأنه وفضله وكرمه وإحسانه، ولا نقص مما بيمينه، بل الأمر كما قال ﷺ : يمين الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار; أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى، يخفض ويرفع; وإنما سبب ذلك: إضاعة أمر الله، وعدم المبالاة بأوامره ونواهيه قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ

стр. 6769

يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] . وقال ﷺ : ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة وكل هاتين الآيتين الكريمتين، والحديث المذكور على أثرهما يدل بعمومه على أن جميع ما في الوجود من النقص والفساد، في العلوم والأعمال والأفهام، والتدبيرات والتصرفات، والأمراض في الأبدان والأشجار والثمرات، إلى غير ذلك مما يصيب أي نوع وأي فرد من الموجودات، فسببه المعاصي والمخالفات. ومن أكبر الكبائر: ترك الصلاة، وهو بمجرده ردة عن الإسلام، ولو كان ذلك الترك تهاونا أو كسلا، قال ﷺ : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ١. أما ترك فعلها في الجماعة، فليس بردة، وإنما هو من المحرمات، ومن أسباب تركها بالكلية; قال ﷺ : أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، وآمر رجلا فيؤم الناس، ثم انطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ٢، وفي رواية: لولا ما فيها من النساء والذرية لأحرقتها عليهم ٣. ومن أكبر الكبائر أيضا: عدم أداء الزكاة ; وإقام الصلاة

стр. 6770

وإيتاء الزكاة هما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين; وهما مع الشهادتين الأركان التي يقاتل من ترك واحدا منها; قال ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام ١. ومن أكبر الكبائر أيضا: الربا في المعاملات. ولكلِّ من هاتين الكبيرتين: كبيرة منع الزكاة، وكبيرة أكل الربا، من الخصوصية في منع القطر، ما سيأتي بيانه إن شاء الله. ومن أكبر الكبائر وأعظم العظائم: التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم القيام لهما بما يشترط ويفتقر إليه في حصوله، على الوجه الذي تبرأ به الذمة، ويحصل به المقصود. قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَكَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] . وقال ﷺ في حديث حذيفة: والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ٢. ومن أعظم الجرائم والمحرمات: تطفيف المكاييل

стр. 6771

والموازين، قال ﷺ : يا معشر المهاجرين: خمس خصال إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ١. وبالجملة: فما أهلكت الأمم وحلّت بهم المثلات، من إغراق قوم نوح بالطوفان، وتدمير الريح العقيم لعاد، ولا أخذت ثمود في ديارهم بالصيحة التي أخمدتهم في مساكنهم، وما أغرق فرعون وقومه في البحر، وما قلبت ديار قوم لوط، وجعل عاليها سافلها، وما أخذ غيرهم من الأمم التي دمر الله عليهم، إلا بمعاصيهم ومخالفتهم رسلهم، والتمادي فيما نهوهم عنه. وكما أن كل فساد ونقص في الأرض مطلقا سببه المعاصي، فكل خير ونمو وبركة وإجابة دعوات ودفع نقمات وإعطاء طلبات، فإنما سببه تقوى الله تعالى، والقيام

стр. 6772

بأوامره والانزجار عن محارمه، والاتعاظ بمواعظه، وأداء فرائضه. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٦-٦٨] . فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى تنالوا المطلوب، وتحصل لكم النجاة من كل كرب مرهوب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ْ﴾ [سورة الطلاق آية: ٢-٣] . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٥-٦٦] . وقد عزم المسلمون على الاستسقاء، فيجب أن نقدم بين يدي نجوانا لربنا ودعائنا إياه التوبة، وإن كانت واجبة في كل حال، فلها من آكدية الوجوب أمام الاستسقاء ما لا يخفى، وأن نحافظ على الصلاة، ونقيم الجمعة والجماعات، وأن نؤدي الزكاة المفروضة على وجهها،

стр. 6773

ونحذر من المحاباة، وذلك على كل مسلم ملك نصابا وحال عليه الحول وهو في ملكه. ونصاب الذهب: عشرون مثقالا، وقدره من الجنيه السعودي والإفرنجي: أحد عشر جنيها ونصف جنيه; ونصاب الفضة: مائة وأربعون مثقالا، وقدره من الريالات السعودية، فضة كانت أو ورقا: ستة وخمسون ريالا، ومن الريالات الفرنسية: ثلاثة وعشرون ريالا تقريبا. وتجب الزكاة أيضا في قيم العروض، وهي ما عدا الذهب والفضة مما أعد للبيع والشراء، إذا ملكها بفعله، وبلغت قيمتها من أحد النقدين نصابا، وتم عليه الحول في ملكه. ويتأكد الإكثار من الاستغفار، كما قال نوح لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٠-١١] . وكما قال هود لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ٥٢] . وكان جل خطبة النبي ﷺ في الاستسقاء استغفار الله سبحانه ودعاءه والابتهال إليه; وينبغي أن يكون من الدعاء بتضرع وخشوع، ورغبة ورهبة، وكمال صدق في الطلب; ويجب الخروج من المظالم، لوجوبه في كل حال، وهو هاهنا آكد.

стр. 6774

ويجب ترك التشاحن، قال ﷺ : تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا، إلا امرأ كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا ١. ويجب التباعد مما يمنع إجابة الدعاء من أكل الحرام، لحديث: أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما سبق في حديث حذيفة. وينبغي الإكثار من الصدقة، صدقة التطوع، رحمة للفقراء، وإحسان إليهم؛ وذلك من أسباب رحمة الله بعباده، وإحسانه إليهم، وحصول ما طلبوا من ربهم، ورغبوا إليه فيه. وفي الحديث: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ٢، وفي الحديث الآخر: إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم ٣. وينبغي - وفقني الله وإياكم - أن أهل كل مسجد من المساجد يجمعون صدقاتهم، ويدفعونها إلى وكيل منهم أمين، إما المؤذن أو غيره، وبعدما تجتمع تفرق على المساكين، من جيران المسجد ومن يحضر معهم من الغرباء الفقراء، ويكون تقسيمها عليهم قبل يوم الاستسقاء بيوم. ولا يخفى ما في هذا الصنيع من التنشيط والتعاون على البر والتقوى; أسأل الله أن يغيث قلوب الجميع بالتوبة

стр. 6775

النصوح، ويغيث البلاد والعباد بالغيث العام العاجل غير الآجل، الهنيء المريء، النافع الذي ليس بضار، الذي هو سقيا رحمة، لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق. كما أسأله تعالى: أن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويدمر أعداء الدين، ويكفينا سوءهم ويرد كيدهم في نحورهم، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، في ٤ / ٩ / ١٣٨٢ هـ. [التناصح والتفطن لنعم الله تعالى والقيام بالمأمورات وترك المنهيات واجتناب الربا والتنباك] وقال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة، وآلائه الجمة المتكاثرة، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه المتواترة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النجاة في الآخرة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه المبلغين عن الله نواهيه وأوامره، وسلم تسليما كثيرا. من عبد الله بن محمد بن حميد، إلى كافة إخواننا المسلمين، رزقنا الله وإياهم القيام بواجب الدين، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فمن أعظم ما يجب علينا وعليكم: التناصح في دين الله تعالى، والتفطن لما منّ الله به عليكم من النعم

стр. 6776

العظيمة، والمنح الجسيمة، التي أعظمها وأجلها: نعمة الإسلام، وما امتن به عليكم من صحة الأبدان، وأمن السبل، ووفور الأرزاق. وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٤] ، أي ظلوم بنفسه، كفار بنعمة ربه. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] . ولا شك: أن الشكر قيد للموجود، وصيد للمفقود، يعني: تقيد به النعم الحاضرة، وتستجلب به النعم المرجوة. وروي عنه ﷺ أنه قال: إن للنعم نفارا، فقيدوها بالشكر، وإن للقلوب صدا، فاجلوها بالذكر. ومما يجب القيام به: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على وفق ما تقتضيه الشريعة المطهرة، فإن الله ذم من لم يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولعنهم على ألسنة أنبيائهم، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] . وفي السنن والمسند عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن من كان قبلكم إذا عمل العامل

стр. 6777

الخطيئة، جاءه الناهي تعذيرا، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأن لم يره بالأمس على خطيئة، فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم. والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه أخذا، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم. ومعلوم أن جميع بني آدم، لا تتم مصالحهم في الدنيا والآخرة، إلا بالاجتماع، والتعاون والتناصر على جلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم، فإنه إذا كثر الخبث، عم العقاب الصالح والطالح، إذا لم يؤخذ على يد الظالم، أوشك أن يعمهم الله بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] . فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضى الله تعالى، أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص النية لله تعالى، ولا يهابنّ من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠] ، والأجر على قدر النصب. ولا يتركه أيضا لصداقته ومودته، ومداهنته، وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنْزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقا; ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى

стр. 6778

مصالح آخرته، وينقذه من مضارها. وصديق الإنسان، هو من يسعى في عمار آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقصان دنياه، فإنما كان إبليس عدوا لنا لهذا; وكانت الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أولياء للمؤمنين، لسعيهم في مصالح آخرته، وهدايتهم إليها. ومن ذلك: المحافظة على الصلوات الخمس، فإن الله ذمّ من لم يؤدها بأوقاتها، ويقوم بها في جماعة; ويجب تأديب من عرف بالكسل والتخلف عنها، فإن رسول الله ﷺ قد همّ بإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة في جماعة، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: لقد هممت أن آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ١. وقال ﷺ : من سمع النداء ولم يجب، فلا صلاة له ٢. وروي عنه ﷺ أنه قال: ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ٣، وإن ذئب الإنسان الشيطان، إذا خلا به أكله. وفي حديث ابن مسعود ﵁: لو أنكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ٤.

стр. 6779

ومن ذلك: الزكاة المفروضة، فإنها قرينة الصلاة، في كتاب الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] . وقد ذم الله تعالى من لم يؤدها، وتوعده بأنواع من العقوبات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٠] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٥] . وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا الذي فرضت لنا عليهم، فيقول الله : وبعزتي وجلالي، لأدنينكم ولأبعدنهم، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [سورة المعارج آية: ٢٤-٢٥] . وروي عنه ﷺ ما خالطت الزكاة مالا إلا أهلكته. فيجب على كل من عنده شيء من أنواع التجارات أن

стр. 6780

يُقَوِّمها عند الحول ويخرج زكاتها، والعبرة بما تقَوَّم به، لا بما اشتريت به، وإذا زادت الثمار عن خرصها، وجب إخراج ما زاد عن الخرص. عباد الله طهروا أموالكم من الزكاة، ونقوها منها، ومن المعاملات الربوية، فإن الله تعالى: ذم آكل الربا، وتوعده بأنواع من العقوبات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] . وفي حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ لما عُرِجَ به إلى السماء نظر إلى سماء الدنيا، فإذا رجال بطونهم كأمثال البيوت العظام، قد مالت بطونهم، وهم منضودون على سابلة آل فرعون، موقوفون على النار، كل غداة وعشي يقولون: ربنا لا تقم الساعة أبدا. قلت: يا جبريل، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا من أمتك، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ومعنى: منضودون أي: مطروحون، أي: طرح بعضهم

стр. 6781

على بعض; والسابلة: المارّة; أي: يطؤهم آل فرعون الذين يعرضون على النار كل غداة وعشي. وروي عنه قال: الربا ثلاث وسبعون بابا، وأيسره مثل أن ينكح الرجل أمّه ١ قال ابن مسعود ﵁: ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذن الله بهلاكها، وقال بعض العلماء: الربا مجرب بسوء الخاتمة والعياذ بالله من ذلك. ويذكر أنه يوجد من بعض الناس معاملات ربوية، وعقود فاسدة؛ فيجب على كل أحد مجانبة المعاملات الربوية، والعقود الفاسدة، فإن العلماء ﵏ قالوا بتحريم تعاطي العقود الفاسدة، لأنها ذريعة إلى الربا، والذرائع معتبرة في الشرع، ولها حكم الغايات. فمنها: أن بعض الناس، إذا جاءه المحتاج مثلا، وباعه سلعة بثمن مؤجل، أو بحال لم يقبض، يعود فيشتريها منه بأقل من ذلك الثمن؛ كأن يبيعه سلعة بستين مؤجلة، ثم يشتريها منه بخمسين نقدا، فهذه هي مسألة "العينة"المنهي عنها. ومنها: ما إذا صار لرجل دين على رجل، فطلبه منه، فلم يقدر على وفائه، باعه سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بما عليه من الدين، وهذا حرام إجماعا، وهذا: هو بيع الدين بالدين، سواء كان الدين الأول والآخر له أو لغيره، وهو بيده مضاربة; ومجرد قوله: إن الدين الأول يخصني مثلا، وما ثبت في ذمته أخيرا لغيري، إلا أنه بيدي مضاربة،

стр. 6782

لا ينفعه، بل هو من الحيل المحرمة. ومنها: ما يقع من بعض الناس في محل البيع والشراء؛ وهو: أن أناسا يشتركون في شراء سلعة، كبعير ونحوه، ثم يعرضونه على المشترين، فيزيد فيه بعض من له فيه شركة، فيغتر المشتري، ظانا أن هذا الذي يزيد ليس له فيه شركة، فيبني على سومه، وهو إنما قصد النجش، وتغرير المشتري. فهذا حرام ولا يجوز إقراره، ومن عرف بمثل هذا، فلا بد من تأديبه، ومنعه من البيع والشراء في أسواق المسلمين. ومنها: ما إذا أراد الفلاح مثلا أن يبيع من ذمته عيشا أو تمرا، فيأتي التاجر، فيشتري منه بأنقص مما يبيع به الناس، بشرط أن يقرضه شيئا للعقد، كأن يكون السعر خمسمائة الوزنة في الذمة، بمائتي ريال، فيشتريها التاجر بمائة وخمسين، ويقرضه شيئا للعقد. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: كل قرض جر نفعا فهو ربا، وعن ابن مسعود ﵁ قال: إذا كان لك على رجل دين، فأهدى لك شيئا، فلا تأخذه وأكثر الناس يأخذ من عميله الطعام والخضر، ولا يحسبه شيئاً وهذا ربا محرم، ولو أخذ قليلا أو كثيرا دخل في التحريم إذا لم يحسبه من الدين. ومما ينبغي أيضا: اجتناب هذا التنباك وهو المسمى بالتتن، وهو لا شك خبيث، ومفتاح كل شر ومقدما له، وقد

стр. 6783

نهى رسول الله ﷺ عن كل مخدر ومفتر؛ مع أنه يتولد منه أمراض عامة، وعلل كثيرة. منها: أنه إذا أكثر من شربه يفسد أفواه مجاري العروق، وحينئذ يمنع كل عرق من أخذ حقه من الغذاء. ومنها: أنه يحدث الغشاوة في العينين، والصداع في الرأس، واليبس في الدماغ، وثقل السمع، ويورث النسيان، والنوم الشديد، والكسل المفرط. وقد يحدث السعال والسهر المضر، وتغيير الشفتين بالاسوداد والاصفرار، ونتن الفم وتغيير اللون، ويورث الارتعاش في جميع الجسم، ويولد عللا كثيرة لا يفطن لها إلا صاحب بصر وبصيرة نافذة. فيا عباد الله راقبوا الله تعالى، وقوموا على كل من عرف بارتكاب المعاصي قياما تاما، وتجردوا من الذنوب; والجار يقوم على جاره، والرجل يقوم على أولاده، ومن في بيته، وعلى أقاربه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. وعليكم ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والتقرب إلى الله تعالى بما يجب من فعل الطاعات وترك المنهيات، كالتشاحن والتباغض والتحاسد، والتقاطع، والتدابر؛ وائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، وأخلصوا في ذلك النية لله تعالى. وعلى أهل الولاية أن يقوموا بذلك القيام التام، ويؤدبوا

стр. 6784

كل من عرف منه تكاسل عن الصلاة في جماعة، وشرب من هذا التنباك الخبيث، ولا يناظروا في ذلك أحدا من الناس. نرجو الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، من صلاح ديننا ودنيانا، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، ولا يؤآخذنا بسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك، وهو القادر عليه، وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [التحذير من مخالفة أمر الله وذكر أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] وله أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن محمد بن حميد، إلى كافة إخواننا المسلمين، سلك الله بنا وبهم ما هو أهدى وأقوى، وجعلنا جميعا من المتمسكين بالعروة الوثقى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن التناصح في دين الله، والتذكير بنعمه وأيامه، والتحذير عن مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، فيه من المصالح الكليات والجزئيات ما لا يحيط به إلا الله . فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ١ والنصح لعامة المسلمين، هو: تنبيههم عند الغفلة،

стр. 6785

وإرشادهم عند الجفوة، وتعليم جاهلهم، وتوقير كبيرهم، والرحمة لصغيرهم. فالذي أوصي به إخواننا المسلمين، وأحثهم عليه: تقوى الله، ومراقبته، وذلك بالتحرز بطاعة الله عن عقوبته، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فإن أكثر الخلق - والعياذ بالله - أعرضوا عما خلقوا له، واشتغلوا بالفاني عن الباقي. وخف على النفوس وقع الأوامر والنواهي، حتى أظلمت والله القلوب من الذنوب: ﴿كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين آية: ١٤] . فقد فشا في الناس كثير من المنكرات، التي نهت عنها الشريعة الإسلامية، كالتهاون بالصلاة مع الجماعة في المساجد، وكالربا، وحلق اللحى، وشرب الدخان، وخروج النساء متبرجات، وكالغش والخيانة، والكذب، والشحناء، وكثرة القيل والقال، إلى غير ذلك مما يطول عده. فيجب على المسلمين التناصح، والتعاضد، بأن ينصح بعضهم بعضا، تأدية لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد أخبر النبي ﷺ أن مراتبه ثلاث: باليد، واللسان، والقلب وهو أضعفها، حتى قال ابن مسعود ﵁: هلك من لم يعرف المعروف وينكر المنكر بقلبه يشير ﵁ إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك.

стр. 6786

وناهيك لو قام كل منا بنصيحة الآخر، دعوة، وأمرا، ونهيا، لامتنع فشوّ الشر والمنكر فينا، واستقر الخير والمعروف بيننا؛ وبالإعراض عن ذلك يكثر الشر ويتفاقم الأمر، ويتجرأ الكثير أو الأكثر إلى فعل المنهيات، وارتكاب المحرمات، فتزول وحشتها من القلوب. ومتى كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم، أوشك أن يعمهم الله بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] . كيف وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد ذهب معظمه، فما بقي منه إلا رسوم، أو مجرد ادعاء، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإنه لباب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإنه لمن أعظم منافع الإسلام، وآكد قواعد الأديان، وبه تحيا السنن وتموت البدع، فينبغي لطالب الآخرة، والساعي في تحصيل رضى الله تعالى أن يعتني بهذا الباب؛ فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، وأن يخلص نيته لله تعالى، ويوطن نفسه على الصبر، وليثق بالثواب من الله تعالى. فعند ذلك لا يهاب من ينكر علمه لارتفاع مرتبته، وعلو جاهه، فإن الله يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٩] .

стр. 6787

ولا شك أن الأجر على قدر النصب، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يتساهل في ذلك لأجل صداقة له ومودة ومداهنة، وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنْزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقا؛ ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها. وصديق الإنسان ومحبه، هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص دنياه; وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بذلك صورة نفع في الدنيا; وإنما كان إبليس عدو لنا لهذا المعنى. وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أولياء المؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها; ثم إن الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، يجب عليهم إصلاح نيتهم في أمرهم ونهيهم، وأن يقصدوا بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة، وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل الأذى من الخلق، فإن من وثق بالثواب من الله، لم يجد مسّ الأذى. ولقد كان الله يحفظ من هذا شأنه، من بأس الصائلين ببركة إخلاصهم، وحسن مقصدهم، وقوة توكلهم، وابتغائهم بكلامهم رضى الله تعالى، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أشق ما يحمله المكلف، لأنه مقام الرسل، حيث يثقل صاحبه على الطباع، وتنفر منه نفوس أهل اللذات، ويمقته أهل الخلاعة؛ بل قال بعض السلف: إن

стр. 6788

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقا. ومما يتعين التنبيه عليه: ملاحظة هؤلاء الشبيبة، لا سيما من الآباء والأولياء، بأن يعتنوا بأبنائهم، ويربوهم على حب الله تعالى وطاعته، وعلى الفضائل والآداب الإسلامية السامية، فإنهم أمانة الله في أعناقكم. وقد منحكم الله إياهم، وأكرمكم بهم، وأمركم بحفظهم وصيانتهم، وأن لا تتركوهم وشأنهم، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٧] . فالأولاد أمانة تحت أيديكم، وهم منكم ولكم، فإذا نشؤوا نشأة صالحة، وربوا على الفضائل الإسلامية والآداب الدينية، وعلى البر والوفاء، والعلم النافع، كان خيرهم لكم، وصلاحهم لصلاحكم. ومتى نشأ الولد على الإهمال والانحلال، وعدم التقيد بقيود الإسلام، وتجرد من أخلاقه ودينه، فرط الأمر من أيديكم، وانصب بلاؤه عليكم، وخرج عن طاعتكم، فموته حينئذ خير من حياته. وقد أمركم الله بحفظهم وحمايتهم عن وقوعهم في المهالك، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم آية:

стр. 6789

٦] . والأولاد من الأهل، بل هم صفوة الأهل، وهم أمانة في أيديكم، أمركم بحفظها، وحمايتها من النار; وما حفظها من النار إلا بصدها عن الأسباب، والأعمال التي توصلها إليها. وإن أعظم هذه الأسباب الموصلة لهم إلى النار هو: بعدهم عن دينهم، وتركهم لأوامره وفضائله، وارتكابهم لنواهيه وزواجره. وأصل الصلاح والفضائل في تربية الأولاد، هو: إلزامهم بالتمسك بالدين الإسلامي قولا وعملا واعتقادا؛ فإذا استمسك به الإنسان، فقد استمسك بالعروة الوثقى، لا انفصام لها. هذا، ونسأل الله تعالى أن يجعلهم قرة أعين لآبائهم وأهليهم، وأن يجعلهم صالحين موفقين، أهل بر ووفاء وصدق وإخلاص، موفقين للعلم النافع والعمل به. كما نرجو الله تعالى أن يهدينا جميعا لطاعته، وأن يسلك بنا وبكم سبل توفيقه وهدايته، ويحفظ إمام المسلمين، وأن ينصر به دينه، ويعلي كلمته؛ ويثبتنا جميعا على الإسلام، إلى أن نلقاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في ٣ / ١٣٧٦هـ.

стр. 6790

[سبب ظهور الفساد في الأرض وما في ذلك من الآيات والأحاديث] وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم، إلى من يراه من المسلمين، رزقنا الله وإياهم قلوبا صاغية، وآذانا للحق واعية، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] . قال ابن عباس ﵄: الفساد: القحط، وقلة النبات، وذهاب البركة; قال أبو العالية: من عصى الله في الأرض، فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] ، البركات: المطر والنبات; وقال تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٦] . قال ابن عباس ﵄، في تفسير قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٦] ، يعني: المطر والنبات. وقال هود لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ٥٢] . ذكر المفسرون: أن قوم هود حبس الله عنهم المطر بسبب ذنوبهم ثلاث سنين، فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله

стр. 6791

بلادكم، وزادكم عزا على عز. وقال نوح لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراًوَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٠-١٢] . قال قتادة: علم نبي الله، أنهم أهل حرص على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله، فإن في طاعة الله سعادة الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [سورة الجن آية: ١٦] ، ومعنى الآية: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام، واستمروا عليها: ﴿مَاءً غَدَقاً﴾ [سورة الجن آية: ١٦] ، أي: كثيرا، يعني: سعة الرزق، وضرب الماء الغدق مثلا، لأن الخير والرزق كله من المطر. هذه الآيات تدل على أن المعاصي سبب لحبس المطر، وذهاب البركة، وأن طاعة الله سبب للمطر والبركات. وقد روى الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي مخلد أنه قال: وجد رجل في زمان زياد، أو ابن زياد، صرة فيها حب - يعني: من بر - أمثال النوى، مكتوب فيها: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه العدل، وجاءت في هذا المعنى أحاديث. روى ابن ماجة والبزار والبيهقي - واللفظ لابن ماجة - عن ابن عمر ﵄، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال

стр. 6792

إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم; وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم ١ ورواه الحاكم من حديث ابن بريدة بنحوه. ورواه مالك بنحوه، موقوفا على ابن عباس ﵄، بلفظ: ما ظهر الغلول في قوم، إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب. ولا فشا الزنى في قوم، إلا كثر فيهم الموت. ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا قطع الله عنهم الرزق. ولا حكم قوم بغير حق، إلا فشا فيهم الدم. ولا خفر قوم بالعهد، إلا سلط الله عليهم العدو ٢. ورفعه الطبراني إلى النبي ﷺ في معجمه، من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ما طفف قوم كيلا، ولا بخسوا ميزانا، إلا منعهم الله القطر. وما ظهر في قوم الزنى، إلا ظهر فيهم الموت. وما ظهر في قوم الربا، إلا سلط الله عليهم الجنون.

стр. 6793

ولا ظهر في قوم القتال، يقتل بعضهم بعضا، إلا سلط الله عليهم عدوهم. ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط، إلا ظهر فيهم الخسف. وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع دعاؤهم. وروى الإمام أحمد، عن عمرو بن العاص، ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من قوم يظهر فيهم الربا، إلا أخذوا بالسنين، وما من قوم يظهر فيهم الرشا، إلا أخذوا بالرعب ١ والسنة: العام القحط. عباد الله إنه ليس في الدنيا شر إلا سببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى؟ وبالإيمان كفرا، وبموالاة الولي الحميد، أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل، بزجل الكفر والشرك، والكذب والزور والغش، وبلباس الإيمان، لباس الكفر والعصيان والفسوق؟ فهان على الله غاية الهوان، وسقط من رحمته غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى، فمقته أكبر المقت وأرداه. وما الذي أغرق أهل الأرض، حتى علا الماء فوق

стр. 6794

رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على عاد، حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على ثمود الصيحة، حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية، حتى سمعت الملائكة نبح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء، أمطرها عليهم؟ فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد. وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجسام للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح، بأنواع العقوبات، ودمرها تدميرا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة، حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، فقتلوا الرجال، وأخربوا الديار، ونهبوا الأموال، ثم بعثهم إليهم مرة ثانية، فأهلكوا

стр. 6795

ما قدروا عليه، وتبروا ما علوا تتبيرا؟ وما الذي سلط عليهم أنواع العذاب والعقوبات، مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب ﵎: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٧] ؟ وروى الإمام أحمد: عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص، فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك! ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى!! وروى النسائي بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الرجل يحرم الرزق بالذنب يصيبه ١. واعلموا أن كل معصية من المعاصي هي ميراث أمة من الأمم التي أهلكها الله : فاللواط ميراث عن قوم لوط; وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب; والعلو في الأرض والفساد ميراث عن قوم فرعون;
следующие страницы →