مزمارا أو عودا، قطعت يده، ومن كسرهما ضمنهما، فالمنصوص في كتب أصحابه الذين هم أعرف الناس بمذهبه، وأعرفهم بأقواله، بأنه لا قطع ولا ضمان على من أتلف آلات اللهو؛ وهو المفتى به عندهم، وعند غيرهم، رحمة الله عليهم, وحكاه بعض الحنفية إجماعا.
وقول الأستاذ أبي تراب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] بأنه الغناء فلا يصح عن رسول الله ﷺ ولا ثبت عن أحد من الصحابة، وإنما هو قول من لا تقوم به الحجة.
هلا وقف الأستاذ، وتثبت فيما يقول؟ من نفي ثبوت ذلك عن الصحابة، ﵃، فالقول بأن لهو الحديث هو: الغناء، قال به أكثر المفسرين، وصح عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهم ﵃.
وقول الأستاذ أبي تراب: صح أن رسول الله ﷺ سمع مزمارا، فوضع أصبعيه في أذنيه، وكان معه ابن عمر، انتهى، ما كان للرسول ﷺ ليسد أذنيه عن سماع المباح، ولا أنه يأمر بذلك.
مع أن المعروف في هذا ما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ "أنه سمع مزمار راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، فقال: هل تسمع يا نافع؟ فيقول نعم، فمضى حتى قال نافع:
стр. 6967
لا أسمع شيئا، فرفع أصبعيه عن أذنيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل الذي فعلت" أو كما قال ﵁.
لعل الأستاذ يريد هذا، فيما أشار إليه بقوله: صح أن رسول الله ﷺ وهذا ضعيف عند الحفاظ، بل قال أبو داود: هو منكر لا تقوم به حجة، ونافع صغير، لم يبلغ على تقدير ثبوته.
وهذه أقوال الأئمة الأربعة في ذلك:
أما أبو حنيفة، فمذهبه أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، فقد نقل أئمة مذهبه: بأن استماعه فسق، والتلذذ به كفر، وليس بعد الكفر غاية.
ومالك ﵀، سئل عن الغناء, فقال: إنما يفعله عندنا الفساق, وفي كتب أصحابه: إذا اشترى جارية، وتبين أنها مغنية، فلمشتريها ردها بالعيب.
والإمام أحمد، فقد سأله ابنه عبد الله عنه، فقال. يا بني الغناء ينبت النفاق في القلب. ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق.
والشافعي ﵀، فقد قال في كتابه: "أدب القضاء": إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل. وقال لأصحابه بمصر: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة، يسمى "التغبير" يصدون به الناس عن القرآن.
стр. 6968
فإذا كان قوله هذا في التغبير، الذي هو عبارة عن شعر مزهد في الدنيا، إذا غنى المغني به، ضرب الحاضرون بقضيب على نطع، أو مخدة، ضربا موافقا للأوزان الشعرية.
فليت شعري ماذا يقول في هذا الغناء الماجن، الذي تنقله الإذاعات إلى كل مكان؟ فمن قال بإباحة هذا النوع، فقد أحدث في دين الله ما ليس منه.
أما ما نشرت جريدة عكاظ من الأحاديث التي يطلب الأستاذ المقنع إيضاح معناها، كخبر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة يوم العيد, وحديث محمد بن حاطب: "فصل ما بين الحلال والحرام، الدف، والصوت، في النكاح" ١, وخبر: "أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم" ٢, وحديث الربيع بنت معوذ، وأمثال هذه الأحاديث.
لم يكن في هذا ما يدل على إباحة الغناء الماجن، الذي نحن بصدده، فهل في غناء جاريتين صغيرتين، غير مكلفتين، عند صبية، تغنيان يوم عيد، بما تقاولته الأنصار يوم بعاث، من وصف الحرب والشجاعة والبطولة، ما يدل على إباحة غناء تلك المغنيات المستهترات الذي تنقله الإذاعات إلى كل مكان من وصف محاسن النساء المهيج للشرور، والباعث في النفوس الفتن والفجور؟!.
والأحاديث الأخرى هي في النكاح وأمثاله، في أوقات مخصوصة، بمثل هذا الغناء الذي لم يشتمل على
стр. 6969
فحش، ولا ذكر محرم؛ فإذا كان الغناء على نحو ما اعتاد الناس استعماله، لمحاولة عمل، وحمل ثقيل, وقطع مفاوز سفر، وسرور بعرس، ونحوه، ترويحا للنفوس وتنشيطا لها, كحداء الأعراب بإبلهم، وغناء النساء في بيوتهن لتسكين صغارهن، ولعب الجواري الصغار بلعبهن، فهذا إذا سلم المغني من فحش، وذكر محظور، فهو المباح؛ وهو الذي جاء ذكره في الأحاديث التي أشار إلى بعضها الأستاذ المقنع.
أما ما انتحله الكثيرون من المغنين والمغنيات، العارفين بصنعة الغناء، مما يحرك الساكن، ويهيج الكامن، والمشتمل على أوصاف محاسن الصبيان والنساء، من ذكر الجمال، والهجر، والوصال، والصبابة، والمعانقة، وما أشبه ذلك، فهو الممنوع.
وأعتقد أنه لا يقول مسلم بإباحة مثل هذا الغناء الفاتن؛ وقى الله العباد والبلاد شر هذا الغناء، ووفقهم جميعا إلى ما فيه رضاه، ومن عليهم باتباع كتاب ربهم، والتمسك بهدى نبيهم، في أمورهم كلها. والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 6970
[رد الشيخ ابن باز على ماكتب في الصحف من الدعوة إلى تزويد الإذاعة بالأغاني]
وقال الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وفقه الله: لقد اطلعت على ما كتبته بعض الصحف المحلية عن بعض الكتاب، من الدعوة إلى تزويد الإذاعة السعودية بالأغاني، والمطربين المشهورين، والمطربات المشهورات، تأسيا باليهود وأشباههم في ذلك، ورغبة في جذب أسماع المشغوفين بالغناء، والراغبين في سماعه من الإذاعات الأخرى، إلى سماعه من الإذاعة السعودية ١.
وقرأت أيضا ما كتبه، فضيلة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، والشيخ حسن بن عبد الله، وكاتب آخر لم يفصح باسمه، من الرد على هذه الدعوة الحمقاء، والفكرة النكراء، والرغبة المنحرفة، إلى أسباب الردى؛ فجزى الله أنصار الحق كل خير، وهدى الله من حاد عنه إلى رشده، وكفى المسلمين شره وفتنته.
أيها القارئ الكريم إن الإذاعة في حد ذاتها أداة ذات حدين، إن أحسنت استعمالها فهي لك، وإن أسأت استعمالها فهي عليك. ولا شك أن الواجب في نفس الأمر، شرعا وعقلا، إما أن تكون هذه الأداة أداة تعمير وتوجيه وإرشاد، إلى ما ينفع الأمة في الدين والدنيا، ولا يجوز بوجه من الوجوه، أن تكون أداة تخريب وإفساد،
стр. 6971
وإشغال للأمة بما يضرهم ولا ينفعهم.
ولا ريب أيضا عند ذوي العقول الصحيحة والفطر السليمة أن تزويد الإذاعة بالأغاني، والمطربين والمطربات، من سبل الفساد والتخريب، لا من سبل الإصلاح والتعمير.
ويا ليت هؤلاء الذين دعوا إلى التأسي باليهود وأشباههم في الأغاني، ارتفعت همتهم، فدعوا إلى التأسي بهم في إيجاد المصانع النافعة، والأعمال المثمرة.
ولكن ويا للأسف انحطت أخلاق هؤلاء، ونزلت همتهم، حتى دعوا إلى التأسي بأعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء المسلمين عموما، والعرب خصوصا، في خصلة دنيئة من سفاسف الأخلاق، وسيئ الأعمال.
بل من الأمراض المخدرة للشعوب، والسالبة لحريتها وأفكارها، والصارفة لها عن معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، عن النشاط في ميادين الإصلاح إلى ضد ذلك. ومن أراد أن يعرف مثالا لسقوط الهمم، وضعف التفكير، وانحطاط الأخلاق، فهذا مثاله: دعوة من بلاد إسلامية إلى خلق من أحط الأخلاق، بتأس فيه بأمة من أحط الأمم، وأشدها عداوة للإسلام والعرب، وقد غضب الله عليها، ولعنها، فالمتأسي بها له نصيب من ذلك.
ولا شك أن هذا من آيات الله التي ميز بها بين عباده، وجعلهم أصنافا متباينين، هذا همته فوق الثريا ينشد
стр. 6972
الإصلاح أينما كان، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويدعو إلى الأعمال المثمرة، والمصانع النافعة للأمة، في دينها ودنياها، في عصر العلم المادي، والجموح الفكري، والتيارات الجارفة المتنوعة.
وشخص آخر قد انحطت همته إلى الثرى، يدعو إلى سفاسف الأمور وخبيث الأخلاق؛ يدعو إلى ما يضعف الأمة، ويشغلها عن طرق الإصلاح، وكسب القوة، وعمارة البلاد بكل عمل جدي مثمر.
يدعو إلى التأسي بالأمة العاملة في الخسيس لا في الحسن، وفي الفساد لا في الإصلاح، وفي الشر لا في الخير، وفيما يضر لا ما ينفع. هذه والله العبر التي لا يزال الله سبحانه يوجدها بين عباده ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [سورة الأنفال آية: ٤٢] . سبحان الله، ما أعظم شأنه، وسبحان الله ما أحكمه وأجله.
أيها القارئ الكريم, إن تزويد الإذاعة بالأغاني والطرب، وآلات الملاهي، فساد وحرام, بإجماع من يعتد به من أهل العلم؛ وإن لم يصحب الغناء آلة اللهو، فهو: حرام عند أكثر العلماء.
وقد علم بالأدلة المتكاثرة أن سماع الأغاني، والعكوف عليها، ولا سيما بآلات اللهو، كالعود،
стр. 6973
والموسيقى ونحوهما, من أعظم مكائد الشيطان ومصائده، التي صاد بها قلوب الجاهلين، وصدهم بها عن سماع القرآن، وحبب إليهم العكوف على الفسوق والعصيان.
والغناء هو قرآن الشيطان، ومزماره، ورقية الزنى واللواط، والجالب لأنواع الشر والفساد.
وقد حكى أبو بكر الطرطوشي، وغير واحد من أهل العلم، عن أئمة الإسلام: ذم الغناء، وآلات الملاهي، والتحذير من ذلك. وحكى الحافظ العلامة: أبو عمرو بن الصلاح، عن جميع العلماء: تحريم الغناء، المشتمل على شيء من آلات الملاهي، كالعود ونحوه. وما ذلك إلا لما في الغناء وآلات الطرب، من إمراض القلوب، وإفساد الأخلاق، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة.
ولا شك أن الغناء من اللهو الذي ذمه الله وعابه، وهو مما ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل، ولا سيما إذا كان من مطربين ومطربات قد اشتهروا بذلك؛ فإن ضرره يكون أعظم، وتأثيره في إفساد القلوب أشد.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦-٧] : قال
стр. 6974
الواحدي وغيره: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء; انتهى.
وكان ابن مسعود ﵁ وهو أحد كبار الصحابة وعلمائهم- يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: أن لهو الحديث، هو الغناء، وقال ﵁: "الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع".
وقد ورد عن السلف من الصحابة والتابعين آثار كثيرة بذم الغناء، وآلات الملاهي، والتحذير من ذلك، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "يكون من أمتي أقوام، يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف" رواه البخاري. و "الحر" هو: الفرج الحرام، والمراد بذلك: الزنا.
وأما المعازف، فهي: آلات الملاهي كلها، كالموسيقى، والطبل، والعود، والرباب، والأوتار، وغير ذلك.
قال العلامة ابن القيم، ﵀، في كتاب الإغاثة: لا خلاف بين أهل اللغة، في تفسير المعازف، بآلات اللهو كلها.
وخرج الترمذي، عن عمران بن حصين، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي قذف وخسف ومسخ، فقال رجل من المسلمين: متى ذلك
стр. 6975
يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت القيان والمعازف، وشربت الخمور" ١.
وخرج أحمد في مسنده بإسناد جيد، عن ابن عباس، ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم الخمر والميسر، والكوبة، وكل مسكر" ٢ والكوبة، هي: الطبل، قاله سفيان، أحد رواة الحديث.
وقد روي في ذم الغناء والملاهي، أحاديث وآثار كثيرة، لا تحتمل هذه الكلمة ذكرها، وفيما ذكر كفاية، ومقنع لطالب الحق.
ولا شك أن الداعين إلى تزويد الإذاعة بالأغاني وآلات الملاهي قد أصيبوا في تفكيرهم، حتى استحسنوا القبيح، واستقبحوا الحسن، ودعوا إلى ما يضرهم، ويضر غيرهم، ولم ينتبهوا للأضرار، والمفاسد، والشرور الناتجة عن ذلك.
وما أحسن قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة فاطر آية: ٨] وصدق الشاعر حيث يقول:
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وقد دلت الأحاديث الصحيحة، على أن من دعا إلى
стр. 6976
ضلالة فعليه إثمها، ومثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
ومن ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" ١.
فيا له من خطر عظيم، ووعيد شديد، لمن حبذ الباطل ودعا إليه! وإن نصيحتي لهؤلاء، الداعين إلى الغناء والملاهي، أن يتوبوا إلى الله من معصيتهم، وأن يراجعوا الحق، ويدعوا الله، فهو خير لهم من التمادي في الباطل.
والله سبحانه يتوب على من تاب، ويحلم على من عصى، ويملى ولا يغفل. نسأل الله لنا ولهم ولسائر المسلمين الهداية، والعافية من نزغات الشيطان.
ومما تقدم من الأدلة، والآثار، وكلام أهل العلم يعلم كل من له أدنى بصيرة، أن تطهير الإذاعات مما يضر الأمم، واجب متحتم، لا يسوغ الإخلال به، سواء كانت الإذاعات شرقية أو غربية، إذا كانت مما تحت ولاية المسلمين. فكيف إذا كانت الإذاعة في مهبط الوحي، ومنبع النور، ومحل القبلة التي يوجه المسلمون إليها وجوههم أينما كانوا، في اليوم والليلة خمس مرات؟!.
стр. 6977
لا شك أنها أولى وأحق بالتطهير والصيانة من كل ما يضر المسلمين في دينهم أو دنياهم؛ ولا ريب أن تزويدها بالأغاني وآلات الملاهي، مما يضر بالمسلمين ضررا ظاهرا في دينهم ودنياهم.
فوجب أن تصان إذاعتنا من ذلك، وأن تكون إذاعة إسلامية محضة، تنشر الحق، وتدعو إليه، وتحذر من الباطل وتنفر منه، تزود الناس ما ينفعهم، ويرضي الله عنهم في الدنيا والآخرة، وتكون نبراسا يهتدي به المسلمون أينما كانوا.
فتارة تزودهم من العلوم النافعة، والتوجيهات السديدة، وتلاوة القرآن الكريم، وتفسيره بما جاء عن الرسول ﷺ والسلف الصالح، ونشر محاسن الإسلام، وبيانه لهم، سليما من شوائب الشرك والبدع.
وطورا تسمعهم أحاديث طيبة، وأحاديث زراعية، وتوجيهات تجارية، وتعليمات تربوية، وإرشادات منزلية، إلى غير ذلك من أوجه النفع، وطرق الإصلاح الديني والدنيوي.
هكذا يجب أن تكون إذاعتنا، وهكذا يجب على المسؤولين أن يوجهوها، ويطهروها مما لا يليق بها، وإنهم والله مسؤولون عن ذلك يوم القيامة أمام العزيز الجبار، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
стр. 6978
وإني أتوجه بهذه الكلمة بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن جميع العلماء، وعن جميع المسلمين الذين يغارون لله، ويغضبون إذا انتهكت محارمه، أتوجه بذلك إلى إمامنا وولي أمرنا جلالة الملك سعود بن عبد العزيز، وفقه الله، أول مسؤول، وأعظم مسؤول عن هذه الإذاعة، وما فيها من البرامج الهدامة, أن يصونها ويطهرها من كل ما يضر المسلمين، وأن لا يولي على شؤونها إلا من يخاف الله ويتقيه؛ وذلك مما أوجب الله عليه، وهو الراعي الأول لهذه البلاد، وكل راع مسؤول عن رعيته; وقد بذل الكثير من الإصلاح والتسهيلات للمسلمين، فنرجو أن يوفق لإصلاح هذه الإذاعة، كما وفق لإصلاحات كثيرة.
والله المسؤول بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفقه لكل خير، وأن ينصر به الحق، وأن يصون به الشريعة، ويحمي به حماها، عن جميع البدع والمنكرات، وأن يصلح له البطانة، ويمنحه التوفيق في كل ما يأتي ويذر، وأن يوفق جميع المسؤولين في حكومته للتمسك بالشرع، والتعظيم لحرماته، والحذر مما خالفه، إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6979
[قول الشيخ التويجري في كتابه الشهب المرمية عن فشو المعازف واستحلالها]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله التويجري، في كتابه "الشهب المرمية": بعد حمد الله، والثناء عليه، وذكر بعث محمد ﷺ ، وتزييف الشيطان وفشو المعازف، واستحلال الكثير لها.....إلخ ١.
وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وخيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزا، وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا.
فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسيط الديار، فيا رحمتا للسقوف والأرض، من دك تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام.
ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطربا، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن.
لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره، لما حرك له ساكنا، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجدا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندا.
حتى إذا تلي عليهم قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر
стр. 6980
أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت. ولقد أحسن القائل:
تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي
وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ... ما رقصوا لأجل الله
دف ومزمار ونغمة شادن ... فمتى رأيت عبادة بملاهي
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي
سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى ... زجرا وتخويفا بفعل مناهي
ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها يا ذبحها المتناهي
وأتى السماع موافقا أغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه
أين المساعد للهوى من قاطع ... أسبابه عند الجهول الساهي
إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي
فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النشوان عند ملاهي
وانظر إلى تخريق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي
واحكم بأي الخمرتين أحق بالـ ... تحريم والتأثيم عند الله
وذكر ما في المجلات والصحف، وأنها داخلة في جملة الملاهي، وأنه سمع عن كثير من أهل العلم المقتدى بهم تحريمه.
ومنها: دخوله تحت قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] الآية، وقد فسر لهو الحديث كثير من السلف، من
стр. 6981
الصحابة والتابعين، بالغناء والمزامير، وفسره بعضهم بالأساطير والقصص، من أخبار ملوك الأعاجم والروم، وبعضهم فسر لهو الحديث بكل باطل يلهي، ويشغل عن الخير.
وقريب من ذلك، قول الإمام: محمد بن إسماعيل البخاري، ﵀، في صحيحه: "باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله " واستدل بهذه الآية؛ فإن فسرت الآية بالغناء والمزامير، فهو رأس الملاهي كلها، من الغناء والمزامير لمن قصدها، ووسيلة موصلة إليها لمن لم يقصدها، بل قصد غيرها؛ والوسائل لها حكم المقاصد.
وإن فسرت بالأساطير والقصص، والأضاحيك المهزولة، فهي غاية أخباره، وكثير من محاضراته التي يتعلل المفتونون به، باتخاذه لها؛ وإن فسرت بما يجمع ذلك من كل باطل يلهي، ويشغل عن الخير، فهو فوق ذلك الوصف، يعرف ذلك من عرفه.
قال: وهكذا الراديو، إن أحب صاحبه أن يفتحه على الأخبار فعل، وإن أحب أن يفتحه على القراءة فعل، وإن أحب أن يفتحه على اللهو والطرب فعل، ومنها: أنه أعظم ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ولو لم يفتح على المعازف.
وقال، ومنها: أن إذاعته لا تخلو من هذه الأصوات الموسيقية المطربة، التي يؤتى بها للانتقال من فن إلى آخر لآلة النشر، كالتي يسمونها موسيقى الجيش، وغيرها من
стр. 6982
الأصوات المطربة، وهي من المزامير التي هي صوت الشيطان؛ بل هي أعظمها وأدعاها إلى الطرب.
قال الله ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٤] : فسره مجاهد بالغناء والمزامير، وقد روى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات" ١ يعني البرابط، والمعازف، والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية.
وقال: فإذا عرفت ما ذكرنا من الأحاديث، عرفت أنها محرمة، لا يجوز الاستماع إليها، كما نص على ذلك العلماء، من أتباع أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة.
وقال أيضا: وقال ابن حجر الهيتمي في "الزواجر": وحرم العراقيون من أتباع الشافعي المزامير كلها من غير تفصيل.
وقد أطنب الإمام الزولقي في دليل تحريمها، وقال: العجب كل العجب ممن هو من أهل العلم، يزعم أن الشبابة حلال، ويحكيه بوجه لا مستند له، وينسبه إلى مذهب الشافعي؛ ومعاذ الله أن يكون ذلك مذهبا له، أو لأحد من أصحابه، الذين يقع عليهم التعويل في علم مذهبه والانتماء إليه.
وقد علم من غير شك أن الشافعي ﵁ حرم سائر أنواع الزمر، والشبابة من جملة الزمر، وأحد
стр. 6983
أنواعه. وما حرمت هذه الأشياء لأسمائها وألقابها، بل: لما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومفارقة التقوى، والميل إلى الهوى، والانغماس في المعاصي.
وقال الإمام أبو العباس القطبي: أما المزامير والأوتار، والكوبة، فلا يختلف في تحريم استماعها، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف، من يبيح ذلك. وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور، والفسوق، ومن يبيح الشهوات، والفساد، والمجون؟! وما كان كذلك لم يشك في تحريمه، ولا في تفسيق فاعله وتأثيمه.
وقال ابن القيم، ﵀: مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال ; وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب؛ وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق، وترد به الشهادة. انتهى.
وقال أيضا ١: ومنها: فشو المعازف، واستحلالها في أكثر البلاد الإسلامية؛ وقد ورد الوعيد الشديد لمتخذها ومستحلها، مع استحلال الخمر والزنى والحرير، وغير ذلك من المحرمات، بالخسف والمسخ، وغير ذلك من العقوبات، كما أخبر النبي ﷺ بوقوع ذلك في آخر الزمان.
стр. 6984
وبالجملة: فقد جمعت هذه الآلة لأهل الفسوق، من آلات المعازف، ما كان شاردا، وقربت لهم من الفسوق والمجون ما كان متباعدا، فأصبحوا في غنية عن كل ما سواه من الآلات، ومن المغنين والمغنيات، وتغيرت به الأحوال والأخلاق في أقصر الأوقات.
فقد كانت أحوال الناس في دينهم، من نحو عشر سنين، على الاستقامة، يجتمعون لدرس العلوم الدينية التي هي مجالس الذكر في المساجد، وبعد طلوع الشمس، وبين العشاءين في البيوت، لكل واحد من أهل الدين والصلاح، نوبة تخصه، ويقرأ عليهم بعض طلبة العلم في بعض الكتب الدينية من كتب الحديث والتفسير، ويحضر تلك المجالس الجم الغفير من الناس، من قاصي البلد ودانيه؛ فانعكست الحال وتغيرت، فصار الفساق يجتمعون في بيت واحد منهم، للاستماع إلى هذا الملهى، ضد ما كان أولا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن العجب أن كثيرا من السفلة يفتحه على الغناء والطرب، بحضرة بناته، وزوجاته، وغيرهن من محارمه; وبعضهم يخصص زوجته، أو بنته بواحد، تفتحه متى شاءت على ما شاءت.
وهل هذه إلا نوع من الدياثة؟ عياذا بالله؟ لأنها إذا اعتادت سماع الغناء وأصوات الملاهي، قل حياؤها، وربما
стр. 6985
انتزع منها جلباب الحياء بالكلية؛ فكان الفساد أسرع من السيل إلى منحدره.
قال ابن القيم، ﵀ في: "إغاثة اللهفان": ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنى، فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه.
ومن الأمر المعلوم عند القوم أن المرأة إذ استعصت على الرجل، اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان، وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدا. فإذا كان الصوت بالغناء، صار انفعالها من وجهين، من جهة الصوت، ومن جهة معناه.
فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية، الدف والشبابة، والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء; فلعمر الله، كم من حرة صارت بالغناء من البغايا! وكم من حر أصبح به عبدا للصبيان والصبايا! وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا!
وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر. فإن كنتم لابد فاعلين، فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنى.
وقال في الرد على المفتي بحل اقتناء الراديو لغير
стр. 6986
الغناء: وبيان ذلك: أن صاحبها إذا فتحها قرب وقت صلاة من الصلوات، لا تزال نفسه تترقب من كل إذاعة ما فيها من أخبار، وقراءات، ومحاضرات، وغيرها، فلا تزال به نفسه وشيطانه، حتى تفوته الصلاة مع الجماعة، وهذا يشهد له الواقع، ويعترف به كل منصف.
وقد منع بعض القضاة القائلين بالإباحة، تقليدا لهذا المفتي، من فتح الراديو مطلقا، وقت التراويح، وقيام رمضان، وتوعد فاعل ذلك بالعقوبة. وهذا القاضي قد أتى في صنيعه بالعجب العجاب.
فإذا كان يرى إباحته، فما المسوغ لمنع مباح تفوت بسببه سنة لا يعاقب تاركها؟ وما ذلك إلا أنه يرى أنه من أكبر العوامل في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وما كان هذا سبيله، فهل يشك أحد في تحريمه؟ لمشاركته الخمر والميسر في جزء علة التحريم.
ولهذا قل أن تجد مفتونا به، إلا وفيه من الكسل عن حضور الصلاة في جماعته ما ليس في غيره، وخصوصا صلاة العشاء، وصلاة الفجر، وهذا عين النفاق. وذلك أن ما بين العشاءين وقتا يفرغ فيه الناس من أعمالهم الدنيوية، فيجتمع بعضهم ببعض، كل بخليله وشكله، وإذا كان اجتماعهم في بيت فيه هذه الآلة، لا يزالون يستمعون من كل إذاعة ما فيها.
فيستمعون القراءات الملحنة المطربة، التي تستلذها
стр. 6987
النفوس، لا تدينا وتفهما لكتاب الله بل لما فيها من التلحينات الأنيقة، والنغمات الرقيقة، التي تهيج الطباع، وتلهي عن التدين، الذي هو المقصود بالاستماع، وقد افتتن باستماع هذه التلحينات خلق كثير، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وبعضهم يفتحها لاستماع المعازف والمجون والفسوق، فيفوتهم بسبب ذلك صلاة العشاء مع الجماعة.
وأما صلاة الفجر، فإن كثيرا من متخذيه يسمرون عنده بعد العشاء الآخرة، فلا يزالون يستمعون من كل إذاعة ما فيها من أخبار وغيرها، على اختلافها من محرم ومكروه ومباح، فلا يزال ذلك دأب الأكثرين منهم إلى شطر الليل، فيغلبهم النوم عن القيام لصلاة الفجر، كما يشهد بذلك الواقع من حال الأكثرين منهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد جاء في المتفق عليه عن أبي برزة ﵁ أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها.
وذكر قول ابن القيم ﵀: إذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات؛ والشارع, حرم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم، لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه؟! قال: ومن قواعد الشرع العظيمة، قاعدة سد الذرائع، قال: والمحرمات قسمان: مفاسد، وذرائع موصلة إليها، مطلوبة الإعدام، كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام.
стр. 6988
وذكر قول شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: ومن يحدث بأحاديث مفتعلة، ليضحك الناس، أو لغرض آخر، فهو عاص لله ولرسوله ﷺ ، مستحق للعقوبة التي تردعه.
وقال أيضا، وقال ﵀: وما كان مباحا في غير حال القراءة، مثل المزاح الذي جاءت به الآثار، وهو أن يمزح ولا يقول إلا صدقا، لا يكون في مزاحه كذب ولا عدوان، فهذا لا يفعل حال قراءة القرآن، بل ينزه عنه مجلس القرآن.
فليس كل ما يباح في حال غير القراءة يباح فيها، كما أن ليس كل ما يباح خارج الصلاة يباح فيها، لا سيما ما يشغل القارئ والمستمع عن التدبر والتفهم، مثل كونه يخايل ويضحك، فكيف واللغو والضحك حال القراءة من أعمال المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً﴾ [سورة الجاثية آية: ٩] ، وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [سورة النجم آية: ٥٩-٦٠-٦١] ، ووصف المؤمنين بأنهم يبكون ويخشعون حال القراءة، فمن كان يضحك حال القراءة، فقد تشبه بالمشركين لا بالمؤمنين.
وقال ﵀: لم تأت الشريعة إلا بالمصلحة
стр. 6989
الخالصة أو الراجحة، أما ما غلبت مفسدته، فلم تأت به شريعة من الله.
وقال أيضا، في الشهب المرمية: ولما كان الراديو، والآلة الفونوغرافية ١ أعظم وسيلة وذريعة إلى المعازف والملاهي والطرب، بل إن أكثر المفتونين بهما يتخذهما لذلك، أحببنا أن نذكر بعض ما ورد من النهي الأكيد، والوعيد الشديد، في اتخاذ المعازف والملاهي، فنقول:
قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] الآية، قال صديق حسن ﵀، في تفسيره على هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ٢ قال: وهو كل باطل يلهي، ويشغل عن الخير، من الغناء، والملاهي، والأحاديث المكذوبة، والأضاحيك، والسمر بالأساطير التي لا أصل لها، والخرافات، والقصص المختلفة، والمعازف والمزامير، وكل ما هو منكر، والإضافة بيانية، أي: اللهو من الحديث، لأن اللهو يكون حديثا وغيره، فهو: كثوب خز، وهذا أبلغ من حذف المضاف.
وقيل المراد: شراء القينات المغنيات والمغنين، فيكون التقدير: من يشتري أهل لهو الحديث، قال الحسن، لهو الحديث: المعازف والغناء، وروي عنه أنه قال: الكفر
стр. 6990
والشرك، وفيه بعد; والمعنى: يختارون حديث الباطل على حديث الحق.
قال القرطبي: إن أولى ما قيل في هذا الباب، هو: تفسير لهو الحديث بالغناء، قال: وهو قول الصحابة والتابعين، قال ابن عباس:?"لهو الحديث: باطله".
وقال الإمام ابن القيم ﵀: لا تعارض بين تفسير لهو الحديث بالغناء، وتفسيره بأخبار الأعاجم وملوكها، وملوك الروم، ونحو ذلك.
وقال أيضا، في الشهب المرمية: حرمة الغناء قطعية، قد قدمنا من الأحاديث الكثيرة التي فيها التصريح بتحريم الغناء، والآية، ما فيه كفاية.. إلخ.
وذكر رواية الإمام أحمد: سؤال إسحاق، مالك بن أنس، عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
وذكر قول ابن القيم ﵀: وأما سماع الغناء من المرأة الأجنبية، أو الأمرد، فمن أعظم المحرمات، وأشدها فسادا للدين.
وقال أيضا: قال ابن رجب ﵀: وقول الشافعي ﵀، إن الزنادقة وضعت التغبير تصد به الناس عن القرآن، يدل على أن الإصرار على سماع الشعر الملحن، مع الضرب بقضيب ونحوه، يقتضي شغف النفوس بذلك،
стр. 6991
وتعلقها به ونفرتها عن سماع القرآن ... إلخ.
وقال ابن مسعود ﵁:"الغناء خطبة الزنا" وقال "مكحول: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت السيل البقل".
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: الأقوال التي ترغب في الفجور، وتهيج القلوب إليه، وكل ما فيه إعانة على الفاحشة، وترغيب فيها، حرام، أعظم من تحريم الندب والنياحة، لأن ذلك يثير الحزن، وهذا يثير الفسق، بل هذا من جنس القيادة.
وفي اللعب بالنرد والشطرنج، قال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو، وضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق شرعي، كله حرام. وأما اللعب بالورق، فقال فيه بعض الشافعية: أظهر الترك أوراقا مزوقة بنقوش، سموها كنجفة، يلعبون بها؛ فإن كان بعوض فقمار، وإلا فهي كالنرد ونحوه، آخر المراد منه ١.
стр. 6992
[قول الشيخ صالح الخريصي فيما ارتكبه كثير من الناس من العكوف على الراديو]
وقال الشيخ: صالح بن أحمد الخريصي، في أثناء نصيحة له:
ومن المنكرات: ما ارتكبه كثير من الناس، ممن قل نصيبه من العلم الموروث عن سيد المرسلين، وهو: العكوف على هده الآلة المطربة، المسماة بالراديو.
فتراه- والعياذ بالله- يشتريها بالقيمة الغالية، ويعكف عليها ليلا ونهارا، على استماع الأصوات الفاجرة، والمحطات الماجنة، والحكايات الخالعة، التي تعمل في القلوب أعظم من السم في الأبدان. فيا لها من مصيبة ما أعظمها بلي بها كثير من أهل الإسلام، وصاد بها الشيطان الخلق الكثير، والجم الغفير، من أشباه الأنعام.
وقد وردت أحاديث كثيرة عنه ﷺ بالنهي الشديد، والوعيد الأكيد، على من اتخذ القينات، والمعازف، والدفوف، والمزامير، والكبارات- يعني الطبول- مع أن القينة فيها خير كثير، من صلاة وعبادة، وخدمة، واستمتاع، وغير ذلك من مصالحها.
وأما هذه الآلة، فهي مشتملة على مفاسد عديدة، وليس فيها أي مصلحة، إلا أن الشيطان كاد بها بني آدم؛ وليرتقب صاحبها المصر عليها، والعاكف عندها، ما وردت به الأحاديث، من خسف، ومسخ، وغير ذلك من العقوبات التي أصابت أمثاله.
стр. 6993
كما ورد عنه ﷺ أنه قال: "يسمخ قوم من هذه الأمة، قردة وخنازير، قيل يا رسول الله: أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ قال: بلى، ويصلون ويحجون، قيل: فما بالهم؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا: قردة وخنازير.
وليصيبنهم قذف وخسف، حتى يصبح الناس، فيقولون: خسف الليلة بدار بني فلان، وخسف الليلة ببني فلان، وليرسلن عليهم حجارة من السماء، كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها. ولترسلن عليهم الريح العقيم، التي أهلكت عادا، لشربهم الخمر، وأكلهم الربا، وضربهم الدفوف، واتخاذهم القيان، وقطيعتهم الرحم".
[قول الشيخ عبد الله بن سليمان في استماع الغناء وضرب العود واستماعه]
وقال الشيخ: عبد الله بن سليمان بن حميد، ﵀ ١:
ومن المنكرات المحرمة: الغناء واستماعه، وضرب العود واستماعه، والزمر بالمزامير، وضرب الآلات المطربة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] .
فسرها ابن عباس، والحسن، وغير واحد بالملاهي، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ
стр. 6994
بِصَوْتِكَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٤] .
قال مجاهد: بالغناء والمزامير.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله بعثني هدى ورحمة للمؤمنين، وأمرني بمحق المعازف، والمزامير، والأوتار، والصليب، وأمر الجاهلية" ١ وقال ﷺ "أمرت بهدم الطبل والمزامير".
وعن ابن مسعود ﵁: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل"، وقال ﷺ : "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، صوت عند نغمة، وصوت عند مصيبة".
وبالجملة: فكل لهو محرم يحرم فعله واستماعه، ومن ذلك: الصندوق الجامع لجملة من الملاهي، فهي حرام، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من استمع إلى صوت لهو، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" وهو الرصاص المذاب.
والمستمع للهو الحرام فاسق ساقط العدالة، وقيل. مباشر آلات اللهو إذا مات لا يصلى عليه. وكثير من الناس- والعياذ بالله- يتكاسلون عن الطاعات، وينشطون عند الملاهي، وذلك من علامات النفاق، نسأل الله العافية.
[قول الشيخ عبد الله بن سليمان في فتح الراديو على الغناء وسائر الملاهي]
وقال الشيخ: عبد الله بن سليمان بن حميد أيضا ٢ ومن المنكرات الظاهرة: فتح الراديو على الغناء وسائر
стр. 6995
الملاهي، وهي محرمة إسماعا وسماعا وصنعة، وهي من شعائر الفساق لا يتوقف في تحريمها من شم رائحة العلم الصحيح؟ والملاهي جميعها بدؤها من الشيطان وعاقبتها غضب الرحمن، فالمزمار مؤذن الشيطان.
قال ابن القيم ﵀: وكونه مؤذن الشيطان، في غاية المناسبة، فإن الغناء قرآنه، والرقص والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية؛ صلاته، فلا بد لهذه الصلاة من مؤذن، وإمام، ومأموم: فالمؤذن المزمار، والإمام المغني، والمأموم الحاضرون والمستمعون.
والملاهي تنبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب، وهي من الحديث الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] ، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٤] ، قال مجاهد وغيره: بالغناء والمزامير.
وقال ﷺ : "إن الله بعثني هدى ورحمة للمؤمنين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير، والأوتار، والصليب، وأمر الجاهلية" ١، وقال أيضا ﷺ "أمرت بهدم الطبل والمزامير"، وقال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة".
وقال بعض العلماء: إن استماع الملاهي، والتلذذ بها، معصية، توجب الفسق، وترد بها الشهادة. وأبلغ من ذلك
стр. 6996
في الزجر، قول أصحاب أبي حنيفة رحمهما الله: إن السماع فسق، والتلذذ به كفر.
وقالوا في دار يسمع منها صوت الملاهي والمعازف، يدخل عليهم بغير إذنهم، لأن النهى عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول لغير إذن، لامتنع الناس من إقامة الفروض. وما ورد في الملاهي من التحريم، والوعيد الشديد على استعمالها، أكثر من أن تحصر.
إذا عرف هذا، فإن الراديو الحادث في هذه الأزمان، قد جمع آلات الملاهي كلها.
وكلام العلماء ينطبق عليه، في التحريم، وفسق المستعملين للملاهي فيه، وعدم الضمان والغرم على من كسر وأتلف آلات الملاهي. والراديو، من أكبر الفتن التي أدخلها الغربيون على المسلمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[قول الشيخ محمد بن مهيزع في رده لأوهام الظاهري في أحكام الملاهي]
وقال الشيخ: محمد بن مهيزع، ﵀، ردا لأوهام الظاهري في أحكام الملاهي ١:
стр. 6997
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأشهد أن لا إله إلا الله، أرسل محمدا رحمة للعالمين، وأمره بمحق المزامير، والمعازف، والأوتار، صلى الله عليه وآله وصحبة، ومن تمسك بهديه في السر والعلانية، وسلم تسليما، وبعد:
فقد قابلتنا مجلة الرائد في عدديها ٦٧، ٦٨ بمقال للأستاذ أبي تراب الظاهري، عنوانه: الكتاب والسنة لم يحرما الغناء، ولا استعمال المعازف والمزامير، والاستماع لها.
فلما تأملته وجدت فيه أشياء مخالفة لما جاء به الشرع المطهر، في ذم الملاهي والأغاني، بالنغمات الموسيقية المهيجة للعواطف والفساد؛ ولا يسوغ لمن لديه مسكة من العلم الموروث عن المصطفى ﷺ أن يشك في تحريم ذلك. ولقد قرر تحريمه علماء الإسلام المحققون، من أئمة المذاهب الأربعة، وفقهاء الحديث وغيرهم؛ بل حكى ابن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع بين الدف والشبابة، قال: ولم ينقل عن أحد ممن يعتد به، أنه أباح هذا السماع. انتهى.
وإذا أمعنت النظر، وسبرت أحوال من مضى، تبين لك ما جرت المعازف والأغاني المطربة على أربابها، من الشر والفساد، وما جنت على المجتمع من الضرر والكساد؛ فإن
стр. 6998
حياته تنقلب من القوة إلى الضعف، والوهن، ومن الجد إلى اللعب والحزن، ومن النشاط إلى الكسل والبطالة.
فلا تزال الدولة في سفال، وتفكك في عناصرها المعنوية، حتى يتحلل النشاط العلمي والعملي، فيتدهور كيان الأمة صناعيا واقتصاديا، وأخلاقيا وأدبيا، فيكون أمرها فرطا؛ أو لم يكف هؤلاء المغرورين أن الغناء قرآن الشيطان، والمزامير صوته.
ولهذا جاء عن الصحابة: أن الغناء ينبت النفاق في القلب، وأنه بريد الزنى، ورقية الشيطان، ومزمور إبليس، ولو تتبعنا أقوال علماء الإسلام، في ذم الأغاني والملاهي، والنهي عن استماعها، والتحذير منها، وتعداد ما اشتملت عليه من المفاسد والأضرار، لطال الكلام جدا، وليس هذا من غرضنا في هذه العجالة.
إنما المقصود هنا: التنبيه على ما سنح لنا من أوهام الظاهري، والإشارة إلى تحريم المعازف، وسائر أنواع الملاهي والأغاني بالنغمات الرخيمة، إسماعا واستماعا، محبة ومدحا، دعاية وتحسينا، لأن الوسائل لها حكم الغايات.
والتجربة شاهدة بأن استعمال ذلك، واستماع أصوات القينات بالنشيد، داعية الفجور، ومعاقرة الخمور، موصلة إلى الهلاك؛ فلا يجوز لعاقل أن يتعاطى شيئا ضرره متحتم بمنفعة متوهمة، كتسلية وترويح عن النفس، فإن
стр. 6999
عاقبتها قلق النفس، واشتغال القلب، عند فقد مألوفه وما يهواه.
ولو أن الكاتب- عافانا الله وإياه- تثبت في كلام ابن حزم، وعرضه على أقوال السلف الصالح وعلماء الأمة، لتبين له الحق بدليله، فوسعه ما وسع القوم؛ لكن صادف قلبه فارغا فتمكن منه، وطار مع ابن حزم في ظاهريته، وتجرأ على النصوص المخالفة لمذهبه، تجريحا وتضعيفا، وتأويلا بما يوافق مأخذه، بلا بصيرة ولا تحقيق؛ وهذا جناية التقليد، والهوى يعمي ويصم.
أما قول أبي تراب: إن الغناء والآلة والاستماع لهما مباح لم يرد في الشريعة نص ثابت في تحريمه.
والرد عليه ظاهر في التحريم، بقوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [سورة الحج آية: ٣٠] : فسره محمد بن الحنفية: بالغناء، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] الآية، ونحيل القارئ الكريم إلى تفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي، والواحدي.
وقد صح عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، في هذه الآية، من سورة لقمان أن الغناء هو لهو الحديث. ثم وازن بين هذا، وبين قول أبي تراب: وما ذم الله من اشترى لهو الحديث ليتلهى ويروح به عن نفسه، لا
стр. 7000
ليضل عن سبيل الله، يتضح لك الخطأ، وتعلم أن الله قد ذمه وعابه في الآية الكريمة، فإن اللهو عام للغناء والملاهي، ومدعى التخصيص يحتاج إلى دليل.
وأيضا تفسير الصحابة أولى من تفسير من بعدهم، لأنهم تلقوا القرآن وتفسيره من رسول الله ﷺ وقد جعله طائفة من المحدثين في حكم المرفوع، لأنهم إذا تعلموا عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا معانيها، والعمل بها.
قال البغوي، في قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الحج آية: ٩] يعني: يفعله عن جهل; قال قتادة: "بحسب امرئ من الضلالة، أن يختار الباطل على الحق" واللام في قوله: (ليضل) لام عاقبة، على قراءة من فتح الياء، أو تعليل للأمر القدرى: أن قيضوا له، ليكونوا ضالين أو مضلين.
وفي صحيح البخاري ما نصه: وقال هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم، حدثنا أبو مالك، أو أبو عامر الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف".
ولا يضره قدح ابن حزم بأنه منقطع، فإن البخاري علقه بصيغة الجزم، وهشام بن عمار من شيوخ البخاري، لقيه وسمع منه، وقد وصله أبو داود، فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن
стр. 7001
ابن يزيد، به; ورواه الإسماعيلي في صحيحه مسندا، وقال أبو عامر ولم يشك.
ووجه الدلالة من الحديث: أن المعازف، وهي آلات اللهو كلها، لو كانت حلالا لما ذمهم على فعلها واستحلالها، ولما قرنها بالحر- أي: الزنى- والخمر والحرير.
وفي الباب أحاديث كثيرة، وآثار عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم، صالحة للاحتجاج والاعتضاد، لكثرتها وتباين مخارجها، وتعدد طرقها.
وقول الظاهري: فإذا كان الغناء محرما بالعموم، لأنه يلهي عن ذكر الله، فكذلك كل مُلْه حرام، ولو كان من قبيل المباح، حتى قراءة القرآن.. إلخ.
والرد عليه من طريقين، أولا: أننا لا نقول بتحريم الغناء على العموم، فقد جاء في الحديث إباحته في العرس حيث لا محذور، وكذلك للجواري الصغار، في عيد ونحوه، كما هو مقرر في كتب السنة؛ إنما المحرم ما اتخذ صناعة يجتمع الناس لها، أو كان بآلة لهو، أو بألحان مطربة، ونحو ذلك.
ثانيا: جعل قراءة القرآن من قسم المباح خطأ سافر، فإنه معلوم بالضرورة أن قراءة القرآن من أفضل العبادات، وأعظم القربات، وأن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة،
стр. 7002
وتجب قراءة القرآن على من خاف نسيان، وتسن في غير ذلك، إلا مع جنابة ونحوها.
فقياس الغناء عليها من أفسد القياس؛ فإن الغناء تارة يكون حراما، وآونة يكون مكروها، ومرة يكون مباحا، على حسب ما اقترن به.
وقول أبي تراب: إنه صح عن ابن عمر، وعبد الله بن جعفر، ومن بعدهم ... إلخ.
يقال له: أما سماع ابن عمر، فإن أبا داود، روى عن نافع: أن "ابن عمر سمع صوت مزمار، فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ فقلت: لا، فرفع أصبعيه عن أذنيه، وقال: كنت مع رسول الله ﷺ فصنع مثل ما صنعت" ١ قال أبو داود. حديث منكر.
وعلى تقدير ثبوته، يقال: إنه لم يقع من ابن عمر إلا مجرد السماع لمصلحة، وهي حاجة النبي ﷺ إلى معرفة انقطاع الصوت، ليرجع إلى الطريق، ويرفع أصبعيه عن أذنيه، وهذا نقض لقول الظاهري: لو كان حراما لما أباحه لابن عمر، وأقل ما يدل عليه الحديث: كراهة سماع المزامير، فكيف يكون حكم الاستماع قصدا؟
وأما ابن جعفر: فقد كان يتعاطاه، مع بعض جواريه، فأنكر عليه أكابر الصحابة، كابن عمر، وأما من بعدهم، فإن
стр. 7003
ثبت ما نسب إليهم فليسوا بحجة، فإن السنة إذا ثبتت عن المعصوم ﷺ لم يحل لأحد أن يتجاوزها لقول أحد من الخلق، كائنا من كان.
ويقال أيضا: هب أنهم سمعوا الغناء والملاهي مرة أو مرات لعذر، أو لتأويل ونحوه، فإن مجرد السماع أخف من الاستماع واستحلاله، كيف وقد خالفهم الجمع الغفير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، من سلف الأمة وأئمتها؟ فلا يعول على القول الشاذ.
وقول أبي تراب: لم ينكر النبي ﷺ على الجاريتين، لما كانتا تغنيان بغناء بعاث ... إلخ.
والجواب: أنهما كانتا صغيرتين غير معنيتين، وكان في يوم العيد، وغناؤهما بما تقاولت به الأنصار، في الشجاعة والفروسية، وليس هناك رقص ولا ملهيات.
والحديث حجة لنا، لأن النبي ﷺ أقر أبا بكر على أن الغناء مزمار الشيطان، فكيف يستدل به على إباحة غناء القينات، والأجنبيات، بألحان الفن الخليع؟ والاستماع إلى تلك النغمات المعسولة، عند أهل الدعارة، والانحلال من الأخلاق الشريفة؟ فهل يجتمع في قلب المؤمن حب سماع القرآن، وحب سماع هذا الغناء؟ اللهم لا.
والواقع أن كثيرا من الناس يفتحون المذياع، على تلك الأغاني، وما في معناها، من لهو وطرب، فإذا وجدوا قراءة
стр. 7004
القرآن أو كلمة دينية أو أدبية، أغلقوا المذياع، أو قلبوا موجاته، طلبا للفن الخليع، وتهالكا في طلب الملاهي والأغاني السامجة، والمهيجة للشر والفساد.
وصاحب الغناء والملاهي بين خطرين: إما أن يتهتك فيكون فاجرا، وإما أن يتنسك، فيكون منافقا، ففتش نفسك، هل أنت سالم؟
وقول الظاهري: وقد شغب قوم بأحاديث وردت بالمنع من ذلك، وهي واهية مردودة.
ويقال: الله أكبر، ما أعظم جرأة الظاهري على سلف الأمة، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟! ممن رووا تلك الأحاديث من حملة الشريعة المشهود بهدايتهم، ودرايتهم، وورعهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر آية: ١٠] .
إن من الرعونة وسوء الأدب، وقلة الورع: نسبة هؤلاء العلماء إلى الشغب والتموية، وهذا هو جوابنا على قوله: وأما الآثار التي موهوا بها في الآية، أي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] . ١ ويقال أيضا: التمويه والشغب بكم ألصق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾
стр. 7005
ونحيل القارئ إلى كتاب "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" للعلامة: ابن القيم، فلقد أجاد وأفاد، وأحسن النقد في ذم الملاهي والغناء؛ فساق جملة من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة، بأسانيدها، مبرهنا عن صحتها أو حسنها بكثرة طرقها، ففيه كفاية لطالب الحق.
وقول أبي تراب: ومن لم يُضع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكر، فهو محسن.
يقال له: أي إحسان في الاشتغال بالأغاني والملاهي لو كانوا يعقلون؟ !.
وفي السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا: "كل لهو يلهوه الرجل فهو باطل، إلا ثلاثا: رميه بقوسه، أو تأديبه لفرسه، وملاعبته لزوجته" حديث حسن، له طرق يشد بعضها بعضا، وهل في الباطل إحسان؟ !
وأما حديث عائشة في لعب الحبشة بحرابهم في المسجد، فلا حجة فيه لمبيحي الغناء والملاهي، لأنه مجرد لعب بآلات الحرب، وليس هناك غناء، ولا آلة لهو، وقد بين النبي ﷺ الحكمة بقوله: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة" ١؛ وأين تقع مفسدة لعبهم، من مصلحة العلم، بيسر الدين وسماحته، والترغيب في الدخول فيه؟ !
وأما توهين أبي تراب للآثار المروية عن الصحابة ومن بعدهم، في ذم الملاهي والغناء، فهو توهين ساقط، لأن