← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

ابن يزيد، به; ورواه الإسماعيلي في صحيحه مسندا، وقال أبو عامر ولم يشك. ووجه الدلالة من الحديث: أن المعازف، وهي آلات اللهو كلها، لو كانت حلالا لما ذمهم على فعلها واستحلالها، ولما قرنها بالحر- أي: الزنى- والخمر والحرير. وفي الباب أحاديث كثيرة، وآثار عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم، صالحة للاحتجاج والاعتضاد، لكثرتها وتباين مخارجها، وتعدد طرقها. وقول الظاهري: فإذا كان الغناء محرما بالعموم، لأنه يلهي عن ذكر الله، فكذلك كل مُلْه حرام، ولو كان من قبيل المباح، حتى قراءة القرآن.. إلخ. والرد عليه من طريقين، أولا: أننا لا نقول بتحريم الغناء على العموم، فقد جاء في الحديث إباحته في العرس حيث لا محذور، وكذلك للجواري الصغار، في عيد ونحوه، كما هو مقرر في كتب السنة؛ إنما المحرم ما اتخذ صناعة يجتمع الناس لها، أو كان بآلة لهو، أو بألحان مطربة، ونحو ذلك. ثانيا: جعل قراءة القرآن من قسم المباح خطأ سافر، فإنه معلوم بالضرورة أن قراءة القرآن من أفضل العبادات، وأعظم القربات، وأن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة،

стр. 7002

وتجب قراءة القرآن على من خاف نسيان، وتسن في غير ذلك، إلا مع جنابة ونحوها. فقياس الغناء عليها من أفسد القياس؛ فإن الغناء تارة يكون حراما، وآونة يكون مكروها، ومرة يكون مباحا، على حسب ما اقترن به. وقول أبي تراب: إنه صح عن ابن عمر، وعبد الله بن جعفر، ومن بعدهم ... إلخ. يقال له: أما سماع ابن عمر، فإن أبا داود، روى عن نافع: أن "ابن عمر سمع صوت مزمار، فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ فقلت: لا، فرفع أصبعيه عن أذنيه، وقال: كنت مع رسول الله ﷺ فصنع مثل ما صنعت" ١ قال أبو داود. حديث منكر. وعلى تقدير ثبوته، يقال: إنه لم يقع من ابن عمر إلا مجرد السماع لمصلحة، وهي حاجة النبي ﷺ إلى معرفة انقطاع الصوت، ليرجع إلى الطريق، ويرفع أصبعيه عن أذنيه، وهذا نقض لقول الظاهري: لو كان حراما لما أباحه لابن عمر، وأقل ما يدل عليه الحديث: كراهة سماع المزامير، فكيف يكون حكم الاستماع قصدا؟ وأما ابن جعفر: فقد كان يتعاطاه، مع بعض جواريه، فأنكر عليه أكابر الصحابة، كابن عمر، وأما من بعدهم، فإن

стр. 7003

ثبت ما نسب إليهم فليسوا بحجة، فإن السنة إذا ثبتت عن المعصوم ﷺ لم يحل لأحد أن يتجاوزها لقول أحد من الخلق، كائنا من كان. ويقال أيضا: هب أنهم سمعوا الغناء والملاهي مرة أو مرات لعذر، أو لتأويل ونحوه، فإن مجرد السماع أخف من الاستماع واستحلاله، كيف وقد خالفهم الجمع الغفير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، من سلف الأمة وأئمتها؟ فلا يعول على القول الشاذ. وقول أبي تراب: لم ينكر النبي ﷺ على الجاريتين، لما كانتا تغنيان بغناء بعاث ... إلخ. والجواب: أنهما كانتا صغيرتين غير معنيتين، وكان في يوم العيد، وغناؤهما بما تقاولت به الأنصار، في الشجاعة والفروسية، وليس هناك رقص ولا ملهيات. والحديث حجة لنا، لأن النبي ﷺ أقر أبا بكر على أن الغناء مزمار الشيطان، فكيف يستدل به على إباحة غناء القينات، والأجنبيات، بألحان الفن الخليع؟ والاستماع إلى تلك النغمات المعسولة، عند أهل الدعارة، والانحلال من الأخلاق الشريفة؟ فهل يجتمع في قلب المؤمن حب سماع القرآن، وحب سماع هذا الغناء؟ اللهم لا. والواقع أن كثيرا من الناس يفتحون المذياع، على تلك الأغاني، وما في معناها، من لهو وطرب، فإذا وجدوا قراءة

стр. 7004

القرآن أو كلمة دينية أو أدبية، أغلقوا المذياع، أو قلبوا موجاته، طلبا للفن الخليع، وتهالكا في طلب الملاهي والأغاني السامجة، والمهيجة للشر والفساد. وصاحب الغناء والملاهي بين خطرين: إما أن يتهتك فيكون فاجرا، وإما أن يتنسك، فيكون منافقا، ففتش نفسك، هل أنت سالم؟ وقول الظاهري: وقد شغب قوم بأحاديث وردت بالمنع من ذلك، وهي واهية مردودة. ويقال: الله أكبر، ما أعظم جرأة الظاهري على سلف الأمة، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟! ممن رووا تلك الأحاديث من حملة الشريعة المشهود بهدايتهم، ودرايتهم، وورعهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر آية: ١٠] . إن من الرعونة وسوء الأدب، وقلة الورع: نسبة هؤلاء العلماء إلى الشغب والتموية، وهذا هو جوابنا على قوله: وأما الآثار التي موهوا بها في الآية، أي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] . ١ ويقال أيضا: التمويه والشغب بكم ألصق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾

стр. 7005

ونحيل القارئ إلى كتاب "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" للعلامة: ابن القيم، فلقد أجاد وأفاد، وأحسن النقد في ذم الملاهي والغناء؛ فساق جملة من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة، بأسانيدها، مبرهنا عن صحتها أو حسنها بكثرة طرقها، ففيه كفاية لطالب الحق. وقول أبي تراب: ومن لم يُضع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكر، فهو محسن. يقال له: أي إحسان في الاشتغال بالأغاني والملاهي لو كانوا يعقلون؟ !. وفي السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا: "كل لهو يلهوه الرجل فهو باطل، إلا ثلاثا: رميه بقوسه، أو تأديبه لفرسه، وملاعبته لزوجته" حديث حسن، له طرق يشد بعضها بعضا، وهل في الباطل إحسان؟ ! وأما حديث عائشة في لعب الحبشة بحرابهم في المسجد، فلا حجة فيه لمبيحي الغناء والملاهي، لأنه مجرد لعب بآلات الحرب، وليس هناك غناء، ولا آلة لهو، وقد بين النبي ﷺ الحكمة بقوله: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة" ١؛ وأين تقع مفسدة لعبهم، من مصلحة العلم، بيسر الدين وسماحته، والترغيب في الدخول فيه؟ ! وأما توهين أبي تراب للآثار المروية عن الصحابة ومن بعدهم، في ذم الملاهي والغناء، فهو توهين ساقط، لأن

стр. 7006

تلك الأقوال مأخوذة من معاني النصوص، وفيها الصحيح والحسن، فلا يجوز العدول عنها إلى مجرد الرأي، والتعصب للمذهب، وأقوال الشيوخ، فإنها أقوال يحتج لها ولا يحتج بها. ولقد حرص الكاتب على تدعيم مذهب ابن حزم، في إباحة الأغاني والملاهي، فلم يصنع شيئا، وباء بالفشل؛ فإن قولهم هذا مردود باطل، لمخالفته لطريقة رسول الله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان؛ فمن نكص عن منهاجهم وسلك غير سبيلهم، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. ولقد أنكر السلف على من تتبع الرخص، وأخذ بالأقوال الشاذة؛ قال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم لاجتمع فيك الشر كله" وقال يحيى بن سعيد الأنصاري:?"لو أن رجلا عمل بكل رخصة: بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة لكان فاسقا" وقال بعض السلف: من تتبع الرخص تزندق. فأسأل الله أن يرينا الحق حقا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا، ويزرقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 7007

[رد الشيخ ابن باز على ما نشر في مجلة الرائد بقلم أبي تراب من قوله بحل الغناء] وقال الشيخ: عبد العزيز بن باز حفظه الله ١: لقد اطلعت على ما نشرته مجلة الرائد في عدديها: السابع والستين، والثامن والستين، بقلم أبي تراب الظاهري، تحت عنوان: "الكتاب والسنة لم يحرما الغناء، ولا استعمال المعازف والمزامير، والاستماع إليها". وتأملت ما ذكره في هذا المقال، من الأحاديث والآثار، وما اعتمده في القول بحل الغناء وآلات الملاهي تبعا لإمامه أبي محمد بن حزم الظاهري، فتعجبت كثيرا من جرأته الشديدة، تبعا لإمامه أبي محمد، على القول بتضعيف جميع ما ورد من الأحاديث، في تحريم الغناء، وآلات الملاهي، بل على ما هو أشنع من ذلك، وهو القول: بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة. وعجبت أيضا من جرأتهما الشديدة الغريبة، على القول بحل الغناء وجميع آلات الملاهي، مع كثرة ما ورد في النهي عن ذلك، من الآيات والأحاديث والآثار عن السلف الصالح ﵃، فنسأل الله العافية والسلامة من القول عليه بغير علم، والجرأة على تحليل ما حرمه الله من غير برهان. ولقد أنكر أهل العلم قديما، على أبي محمد هذه الجرأة الشديدة، وعابوه بها، وجرى عليه بسببها محن كثيرة، فنسأل الله أن يعفو عنا وعنه، وعن سائر المسلمين.

стр. 7008

ولقد حذر الله عباده من القول عليه بغير علم، ونهاهم سبحانه أن يحرموا أو يحللوا بغير برهان، وأخبر أن ذلك من أمر الشيطان وتزيينه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النحل آية: ١١٦-١١٧] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين ٌإِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٨-١٦٩] . فحذر الله سبحانه عباده في هذه الآيات الكريمات، من التحليل والتحريم بغير علم، وبين سبحانه: أن القول عليه بغير علم، في رتبة رهيبة فوق الشرك، ونبه عباده على أن الشيطان يحب منهم القول على الله بغير علم، ويأمرهم به ليفسد عليهم بذلك دينهم وأخلاقهم ومجتمعهم. فالواجب على كل مسلم أن يحذر القول على الله بغير علم، وأن يخاف الله سبحانه ويراقبه فيما يحلل ويحرم، وأن

стр. 7009

يتجرد من الهوى والتقليد الأعمى، وأن يقصد إيضاح حكم الله لعباد الله، على الوجه الذي بينه الله في كتابه، أو أرشد إليه رسوله ﷺ في سنته، نصحا لله ولعباده، وحذرا من كتمان العلم، ورغبة في ثواب الله على ذلك. فنسأل الله لنا ولسائر إخواننا التوفيق لهذا المسلك، الذي سلكه أهل العلم والإيمان، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، إنه على كل شيء قدير. وأنا ذاكر لك أيها القارئ- إن شاء الله- ما وقع في كلام أبي تراب وإمامه أبي محمد، من الأخطاء، وموضح لك ما ورد من الآيات والآحاديث الصحيحة والآثار، في تحريم الغناء وآلات الملاهي، وذاكر من كلام أهل العلم في هذا الباب ما يشفي ويكفي. حتى تكون من ذلك على صراط مستقيم وحتى يزول عن قلبك- إن شاء الله- ما قد علق به من الشبه والشكوك، التي قد يبتلى بها من سمع مقالة أبي تراب وأضرابه من الكتاب. وبالله نستعين، وعليه نتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال أبو تراب، وتحقيق المسألة: أن الغناء وآلاته والاستماع إليها مباح، لم ير في الشريعة التي جاء بها ﷺ نص ثابت في تحريمة البتة، والأدلة تؤخذ من الأصلين هما: الكتاب، والسنة; وما لسواهما فهو شغب وباطل مردود،

стр. 7010

ولا يحل لمؤمن أن يعدو حدود الله قطعا، إلى أن قال في أثناء مقاله: قال الحافظ أبو محمد بن حزم: بيع الشطرنج، والمزامير، والعيدان، والمعازف، والطنابير، حلال كله؛ من كسر شيئا من ذلك ضمنه، إلا أن يكون صورة مصورة، فلا ضمان على كسرها، لما ذكرنا من قبل، لأنها مال من مال مالكها. أقول: لقد أخطأ أبو محمد، وأخطأ بعده أبو تراب، في تحليل ما حرم الله من الأغاني وآلات الملاهي وفتحا على الناس أبواب شر عظيم، وخالفا بذلك سبيل أهل الإيمان، وحملة السنة والقرآن، من الصحابة وأتباعهم بإحسان، وإن ذلك لعظيم وخطره جسيم؛ فنسأل الله لنا وللمسلمين العافية، من زيغ القلوب، ورين الذنوب، وهمزات الشيطان، إنه جواد كريم. ولقد ذهب أكثر علماء الإسلام، وجمهور أئمة الهدى، إلى تحريم الأغاني، وجميع المعازف- وهي آلات اللهو كلها- وأوجبوا كسر آلات المعازف، وقالوا: لا ضمان على متلفها. وقالوا: إن الغناء إذا انضم إليه آلات المعازف، كالطبل، والمزمار، والعود، وأشباه ذلك، حرم بالإجماع، إلا ما يستثنى من ذلك، من دف النساء في العرس ونحوه، على ما يأتي بيانه إن شاء الله.

стр. 7011

وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح إجماع علماء المسلمين، على ما ذكرنا من تحريم الأغاني والمعازف إذا اجتمعا، كما سيأتي نص كلامه فيما نقله عنه العلامة ابن القيم ﵀. وما ذلك إلا لما يترتب على الغناء وآلات اللهو من قسوة القلوب ومرضها، وصدها عن القرآن الكريم، واستماع العلوم النافعة، ولا شك أن ذلك من مكائد الشيطان التي كاد بها الناس، وصاد بها من نقص علمه ودينه؛ حتى استحسن سماع قرآن الشيطان ومزموره، بدلا من سماع كتاب الله، وأحاديث رسوله ﷺ . ولقد اشتد نكير السلف على من اشتغل بالأغاني والملاهي، ووصفوه بالسفة والفسق، وقالوا: لا تقبل شهادته، كما سيأتي بعض كلامهم في ذلك إن شاء الله، وما ذاك إلا لما ينشأ عن الاشتغال بالغناء والمعازف من ضعف الإيمان، وقلة الحياء والورع، والاستخفاف بأوامر الله ونواهيه، ولما يبتلى به أرباب الغناء والمعازف من شدة الغفلة، والارتياح إلى الباطل، والتثاقل عن الصلاة وأفعال الخير، والنشاط فيما يدعو إليه الغناء والمعازف من الزنى واللواط، وشرب الخمور، ومعاشرة النسوان والمردان، إلا من عصم الله من ذلك.

стр. 7012

ومعلوم عند ذوي الألباب، ما يترتب على هذه الصفات من أنواع الشر والفساد، وما في ضمنها من وسائل الضلال والإضلال. وإليك أيها القارئ الكريم بعض ما ورد في تحريم الأغاني والمعازف، من آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦-٧] قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هاتين الآيتين، ما نصه: لما ذكر حال السعداء وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر آية: ٢٣] ، عطف: بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء، والألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود، في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] قال: هو والله الغناء".

стр. 7013

روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري:?"أنه سمع عبد الله بن مسعود، وهو يسئل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] ، فقال عبد الله بن مسعود: (الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات". حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار عن سعيد بن جبير عن "أبي الصهباء، أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] قال: الغناء"، وكذا قال ابن عباس وجابر، وعكرمة وسعيد بن جبير، ومجاهد ومكحول، وعمرو بن شعيب وعلي بن بذيمة. وقال الحسن البصري: "نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] في الغناء والمزامير"؟ وقال قتادة، قوله: ﴿"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] والله لعله لا ينفق فيه مالا، ولكن شراؤه: استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق وما يضر على ما ينفع" انتهى كلامه. فتأمل: أيها القارئ الكريم، هاتين الآيتين الكريمتين، وكلام هذا الإمام في تفسيرهما، وما كان عن أئمة السلف في

стр. 7014

ذلك، يتضح لك ما وقع فيه أرباب الأغاني والملاهي؛ فإن الخطر العظيم؛ وتعلم بذلك صراحة الآية الكريمة في ذمهم وعيبهم، وأن شراءهم للهو الحديث، واختيارهم له، من وسائل الضلال والإضلال، وإن لم يقصدوا ذلك أو يعلموه. وذلك لأن الله سبحانه مدح أهل القرآن في أول السورة وأثنى عليهم بالصفات الحميدة، وأخبر أنهم أهل الهدى والفلاح، حيث قال : (بسم الله الرحمن الر حيم) ، ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة لقمان آية: ١-٢-٣-٤-٥] . ثم قال سبحانه بعد هذا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] الآية، وذلك يدل على ذم هؤلاء المشترين، وتعرضهم للضلال بعد الهدى، وما كان وسيلة للضلال والإضلال، فهو مذموم يجب أن يحذر ويبتعد عنه. وهذا الذي قاله الحافظ بن كثير في تفسير الآية، قاله غيره من أهل التفسير، كابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وغير واحد، حتى قال الواحدي في تفسيره: أكثر المفسرين على أن لهو الحديث، هو: الغناء، وفسره آخرون بالشرك، وفسره جماعة بأخبار الأعاجم، وبالأحاديث الباطلة، التي تصد عن الحق؛ وكلها تفاسير صحيحة لا منافاة بينها.

стр. 7015

والآية الكريمة تذم من اعتاض ما يصد عن سبيل الله ويلهيه عن كتابه؛ ولا شك أن الأغاني وآلات الملاهي، من أقبح لهو الحديث، الصاد عن كتاب الله وعن سبيله. قال أبو جعفر بن جرير ﵀ في تفسيره- لما ذكر أقوال المفسرين في لهو الحديث- ما نصه: والصواب من القول في ذلك، أن يقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله، لأن الله تعالى عم بقوله لهو الحديث، ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه؛ والغناء والشرك، من ذلك. انتهى كلامه. وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] : (من) : في موضع رفع بالابتداء، و (ولهو الحديث) : الغناء، في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، ثم بسط الكلام في تفسير هذه الآية. ثم قال: المسألة الثانية، وهو: الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون، الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات، لا يختلف في تحريمه، لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. فأما ما سلم من ذلك، فيجوز القليل منه في أوقات

стр. 7016

الفرح، كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو الحبشة، وسلمة بن الأكوع. فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم، من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابات، والطار، والمعازف، والأوتار، فحرام. انتهى كلامه. وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب. ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: "دخل علي النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر ﵁ فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتا" ١. وفي رواية لمسلم: فقال رسول الله: "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا" ٢، وفي رواية له أخرى، فقال ﷺ "دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد" ٣، وفي بعض رواياته أيضا: "جاريتان تلعبان بدف" ٤. فهذا الحديث الجليل يستفاد منه: أن كراهة الغناء وإنكاره، وتسميته مزمار الشيطان: أمر معروف مستقر عند الصحابة ﵃، ولهذا أنكر الصديق على عائشة غناء الجاريتين عندها، وسماه مزمار الشيطان. ولم ينكر عليه النبي فيه تلك التسمية، ولم يقل له إن

стр. 7017

الغناء والدف لا حرج فيهما، وإنما أمره أن يترك الجاريتين، وعلل ذلك بأنها أيام عيد. فدل ذلك على أنه ينبغي التسامح في مثل هذه الجواري الصغار في أيام العيد، لأنها أيام فرح وسرور، ولأن الجاريتين إنما أنشدتا غناء الأنصار الذي تقاولوا به يوم بعاث، فيما يتعلق بالشجاعة والحرب. بخلاف أكثر غناء المغنين والمغنيات اليوم، فإنه يثير الغرائز الجنسية، ويدعو إلى عشق الصور، وإلى كثير من الفتن الصادة للقلوب عن تعظيم الله ومراعاة حقه، فكيف يجوز لعاقل أن يقيس هذا على هذا؟ ! ومن تأمل هذا الحديث، علم أن ما زاد على ما فعلته الجاريتان منكر، يجب التحذير منه، حسما لمادة الفساد، وحفظا للقلوب عمّا يصدها عن الحق، ويشغلها عن كتاب الله وأداء حقه. وأما دعوى أبي تراب أن هذا الحديث حجة على جواز الغناء مطلقا، فدعوى باطلة، لما تقدم بيانه؛ والآيات، والأحاديث، والآثار الواردة في هذا الباب، كلها تدل على بطلان دعواه. وهكذا الحديث الذي رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي، عن عامر بن سعد البجلي، "أنه رأى أبا مسعود البدري وقرظة بن كعب، وثابت بن يزيد، وهم في

стр. 7018

عرس، وعندهم غناء، فقلت لهم: هذا وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: إنه رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت من غير نوح". فهذا الحديث ليس فيه حجة على جواز الغناء مطلقا، وإنما يدل على جوازه في العرس لإعلان النكاح؛ ومن تأمل هذا الحديث عرف أنه دليل على منع الغناء لا على جوازه. فإنه ﷺ لما رخص لهم فيه في العرس لحكمة معلومة، دل على منعه فيما سواه، إلا بدليل خاص، كما أن الرخصة للمسافر في قصر الرباعية، يدل على منع غيره من ذلك، وهكذا الرخصة للحائض والنفساء، في ترك طواف الوداع، يدل على منع غيرها من ذلك، والأمثلة لهذا كثيرة. وأيضا: فإنكار عامر بن سعد، على هؤلاء الصحابة الغناء، وإقرارهم له على ذلك، دليل على أن كراهة الغناء، والمنع منه، أمر قد استقر عند الصحابة والتابعين، وعرفوه عن النبي ﷺ والله المستعان. قال العلامة بن القيم، رحمة الله عليه، في كتابه. "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" ما نصه: ومن مكائد عدو الله ومصائده، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة

стр. 7019

ليصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن القرآن، وهو رقية: اللواط والزنى، وبه ينال الفاسق من معشوقة غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها، مكرا وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه، فقبلت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجورا، إلى أن قال. ولقد أحسن القائل: تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله دف ومزمار ونغمة شادن ... فمتى رأيت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى ... زجرا وتخويفا بفعل مناهي ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها يا ذبحها المتناهي وأتى السماع موافقا أغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه أين المساعد للهوى من قاطع ... أسبابه عند الجهول الساهي إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النشوان عند ملاهي وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي واحكم فأي الخمرتين أحق بالتـ ... حريم والتأثيم عند الله وقال آخر: برئنا إلى الله في معشر ... بهم مرض من سماع الغناء

стр. 7020

وكم قلت يا قوم أنتم على ... شفا جرف ما به من بنا شفا جرف تحته هوة ... إلى درك كم به من عنا وتكرار ذا النصح منا لهم ... لنعذر فيهم إلى ربنا فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله في أمرنا فعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على تنتنا تنتنا ولم يزل أنصار الإسلام، وأئمة الهدى تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتحذر من سلوك سبلهم، واقتفاء آثارهم، من جميع طوائف الملة. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز، أيضا في رده على أبي تراب ١: شبهة يجب أن تكشف: زعم أبو تراب تبعا لابن حزم، أن قوله سبحانه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ [سورة لقمان آية: ٦] الآية، دليل على أن مشتري لهو الحديث من الأغاني والملاهي لا يستحق الذم إلا إذا اشتراها لقصد الضلال، أو الإضلال أما من اشتراها للترفيه والترويح عن نفسه، فلا بأس في ذلك. والجواب أن يقال: هذه شبهة باطلة من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن ذلك خلاف ما فهمه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين من الآية الكريمة، فإنهم احتجوا بها على ذم الأغاني والملاهي والتحذير منها، ولم يقيدوا ذلك بهذا

стр. 7021

الشرط الذي قاله أبو تراب؛ وهم أعلم الناس بمعاني كلام الله وكلام الرسول ﷺ ، وهم أعرف بمراد الله من كلامه ممن بعدهم. الوجه الثاني: أن ذلك خلاف ظاهر الآية لمن تأملها، لأن الله سبحانه قال: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] , فدل ذلك على أن هذا الصنف المذموم من الناس قد اشترى لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله بغير علم ولا شعور بالغاية، ولا قصد للإضلال أو الضلال. ولو كان اشترى لهو الحديث، وهو يعلم أنه يضل به، أو يقصد ذلك لم يقل الله ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] ، لأن من علم أنه اشترى لهو الحديث، ليضل به عن سبيل الله، لا يقال له: إنه لا يعلم. وهكذا من قصد ذلك، لا يقال إنه اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، لأن من علم أن غايته الضلال، أو قصد ذلك، قد اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بعلم وقصد، لا ليضل بغير علم. فتأمل وتنبه أيها القارئ الكريم، يتضح لك الحق، وعليه تكون اللام في قوله ليضل عن سبيل الله لام العاقبة، أو لام التعليل، أي: تعليل الأمر القدري، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير وغيره. وعلى كونها للعاقبة، يكون المعنى: أن من اشترى لهو

стр. 7022

الحديث، من الغناء والمعازف، تكون عاقبته الضلال عن سبيل الله والإضلال، واتخاذ سبيل الله هزوا، والإعراض عن آيات الله استكبارا، واحتقارا، وإن لم يشعر بذلك ولم يقصده. وعلى المعنى الثاني: وهو كونها لتعليل الأمر القدري، يكون المعنى: أن الله سبحانه قضى وقدر على بعض الناس، أن يشتري لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله. وعلى كلا التقديرين، فالآية الكريمة تفيد ذم من اشترى لهو الحديث، ووعيده، بأن مصيره إلى الضلال، والاستهزاء بسبيل الله، والتولي عن كتاب الله؛ وهذا هو الواقع الكثير والمشاهد، ممن اشتغل بلهو الحديث، من الأغاني والمعازف، واستحسنها وشغف بها، يكون مآله إلى: قسوة القلب، والضلال عن الحق، إلا من عصم الله. وقد دلت الشريعة الإسلامية الكاملة في مصادرها ومواردها، على وجوب الحذر من وسائل الضلال والفساد، والتحذير منها، حذرا من الوقوع في غاياتها؛ كما نهى النبي ﷺ عن شرب القليل الذي لا يسكر، حذرا من الوقوع في المسكر، حيث قال ﵊: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" ١. ونهى عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، لئلا يكون ذلك وسيلة إلى الوقوع فيما وقع فيه بعض المشركين، من عبادة الشمس عند طلوعها وغروبها؛ ونظائر ذلك كثيرة،

стр. 7023

يعرفها من له أدنى علم بالشريعة المطهرة، والله المستعان. الوجه الثالث: أنه لو كان الذم مختصا بمن اشترى لهو الحديث، لقصد الضلال أو الإضلال، لم يكن في تنصيص الرب على لهو الحديث فائدة، لأن الذم حينئذ لا يختص به، بل يعم كل من فعل شيئا يقصد به الضلالة أو الإضلال، حتى ولو كان ذلك الشيء محبوبا إلى الله . كمن اشترى مصحفا يقصد به التلبيس على الناس وإضلالهم، فإن المصحف محبوب إلى الله لاشتماله على كلامه ، ولكنه سبحانه لا يحب من عباده أن يشتروه للتلبيس والإضلال، وإنما يشترى للاهتداء والتوجيه إلى الخير. وقد اعترف ابن حزم وأبو تراب بهذا الوجه، وزعما أن الآية تختص بهذا الصنف، وهو خطأ بين، وعدول بالآية عن معناها الصحيح، وإضاعة لمعناها الأكمل. فعرفت أيها القارئ الكريم، من هذه الأوجه الثلاثة، كشف شبهة أبي تراب وبطلانها، واتضح لك أن الآية الكريمة حجة ظاهرة على ذم الأغاني والملاهي وتحريمها، وأنها وسيلة للضلالة والإضلال، والسخرية بسبيل الله، والإعراض عن كتابه، وإن لم يشعر مشتريها بذلك؛ وهذا هو

стр. 7024

الذي فهمه السلف الصالح من الآية الكريمة، وهم أولى بالاتباع ﵃. وسبق لك كشف شبهة أبي تراب، في تعلقه بحديث الجاريتين، وكشف شبهته الأخرى، في تعلقه بحديث أبي مسعود البدري وصاحبيه، في الرخصة لهم في الغناء وقت العرس. وأوضحنا فيما تقدم أن الحديثين المذكورين حجة ظاهرة على أبي تراب وإمامه ابن حزم، في النهي عن الأغاني، والمنع منها، لا على جوازها. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وقد تكلم العلامة ابن القيم ﵀، على الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] الآية، بكلام حسن يؤيد ما تقدم، وهدا نصه: قال ﵀: قال الواحدي وغيره: أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء، قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد الله بن مسعود في رواية أبي الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة. وروى ثوير بن أبي فاختة عن أبيه عن ابن عباس، في قوله تعالى: ?" ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] قال: (هو الرجل يشتري الجارية تغنيه ليلا ونهارا". وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو: اشتراء المغني

стр. 7025

والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل، وهذا قول مكحول، وهذا اختيار أبي إسحاق أيضا، وقال: أكثر ما جاء في التفسير، أن لهو الحديث ههنا، هو: الغناء، لأنه يلهي عن ذكر الله تعالى. قال الواحدي: قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو، والغناء، والمزامير، والمعازف، على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار، وهو كثير في القرآن. قال: ويدل على هذا ما قاله قتادة في هذه الآية: لعله أن لا يكون أنفق مالا. قال: وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، قال الواحدي: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء. قال: وأما غناء القينات، فذلك أشد ما في الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: "من استمع إلى قينة، صب في أذنه الآنك يوم القيامة" والآنك: الرصاص المذاب. وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء، مرفوعا إلى النبي ﷺ ؛ ففي مسند الإمام أحمد ومسند عبد الله بن الزبير الحميدي، وجامع الترمذي، من حديث أبي أمامة والسياق للترمذي، أن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام" ١.

стр. 7026

وفي مثل هذا، نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] . وهذا الحديث، وإن كان مداره على عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم، فعبيد الله بن زحر ثقة، والقاسم ثقة، وعلي ضعيف، إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله تعالى. ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه: الغناء؛ فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] فقال: (والله الذي لا إله إلا هو، هو: الغناء) ، يرددها ثلاث مرات. وصح عن ابن عمر ﵄ أيضا أنه الغناء، قال الحاكم أبو عبد الله، في التفسير في كتاب المستدرك: ليعلم طالب هذا العلم، أن تفسير الصحابي، الذي شهد الوحي والتنزيل، عند الشيخين مسند. وقال في موضع آخر من كتابه: هو عندنا في حكم المرفوع، وهذا وإن كان فيه نظر، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله في كتابه؛ فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة؛ وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علما وعملا؛ وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل.

стр. 7027

ولا تعارض بين تفسير لهو الحديث بالغناء، وتفسيره بأخبار الأعاجم وسلوكها، وملوك الروم، ونحو ذلك، مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما: لهو الحديث. ولهذا قال "ابن عباس: لهو الحديث: الباطل والغناء"، فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما. والغناء أشد لهوا، وأعظم ضررا، من أحاديث الملوك وأخبارهم، فإنه رقية الزنى، ومثبت النفاق، وشرك الشيطان، وخمرة العقل، وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكلام الباطل، لشدة ميل النفوس إليه، ورغبتها فيه. إذا عرف هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم، بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث كما بالقرآن، ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا. وإذا يتلى عليه القرآن، ولى مستكبرا كأن لم يسمعه، كأن في أذنيه وقرا، وهو الثقل والصمم، وإذا علم منه شيئا استهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرا؛ وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة ونصيب من هذا الذم. يوضحه: أنك لا تجد أحدا، عني بالغناء وسماع

стр. 7028

آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى، علما وعملا؛ وفيه رغبة عن استماع القرآن، إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء، وسماع القرآن، عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن. وربما حمله الحال، على أن يسكت القارئ، ويستطيل قراءته، ويستزيد المغني، ويستقصر نوبته، وأقل ما في هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن لم يحظ به جميعه. والكلام في هذا، مع من في قلبه بعض حياة يحس بها، فأما من مات قلبه، وعظمت فتنته، فقد سد على نفسه طريق النصيحة، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٤١] انتهى كلامه ﵀. ومن الآيات الدالة على ذم الأغاني والمعازف وهي: آلات الملاهي، قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [سورة الفرقان آية: ٧٢] . وقد فسر الصوت والزور بالغناء وآلات الملاهي؛ وفسر الصوت أيضا بكل صوت يدعو إلى باطل؛ وفسر

стр. 7029

الزور، بكل منكر؛ ولا منافاة بين التفاسير، ومدلول الآيتين يعم ذلك كله. ولا ريب أن الأغاني والملاهي من أقبح الزور، ومن أخبث أصوات الشيطان، لما يترتب عليها من قسوة القلوب، وصدها عن ذكر الله وعن القرآن، بل وعن جميع الطاعات إلا من عصم الله، كما سلف بيان ذلك. وأما الأحاديث الواردة في ذم الأغاني والملاهي، فكثيرة؛ وأصحها ما رواه البخاري في صحيحه، حيث قال: وقال هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال حدثني أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف". وهو صريح في ذم مستحلي المعازف، حيث قرنهم مع مستحلي الزنى والخمر والحرير، وحجة ظاهرة في تحريم استعمال المعازف، وهي آلات الملاهي، كالطنبور، والعود، والطبل، وغير ذلك من آلات الملاهي. وقد أجمع أهل اللغة على تفسير المعازف بآلات الملاهي، وما ذاك إلا لما يترتب عليها من قسوة القلوب ومرضها، واشتغالها عن الصلاة والقرآن، وإذا انضم إليه الغناء، صار الإثم أكبر، والفساد أعظم، كما سيأتي كلام

стр. 7030

أهل العلم في ذلك، وقد تقدم لك بعضه. وأما "الحر" فيروى بالحاء المهملة والراء، وهو الفرج، والمراد به الزنى، ويروى بالخاء المعجمة والزاي، وهو نوع من الحرير. وقد أخذ علماء الإسلام بهذا الحديث، وتلقوه بالقبول، واحتجوا به على تحريم المعازف كلها. وقد أعله ابن حزم وأبو تراب بعده، تعليلا له: بأنه منقطع بين البخاري ﵀، وبين شيخه هشام بن عمار، لكونه لم يصرح بسماعه منه، وإنما علقه عنه تعليقا. وقد أخطأ ابن حزم في ذلك، وأنكر عليه أهل العلم هذا القول، وخطؤوه فيه، لأن هشاما من شيوخ البخاري، وقد علقه عنه جازما به، وما كان كذلك فهو صحيح عنده؛ وقد قبل منه أهل العلم ذلك، وصححوا ما علقه جازما به إلى من علقه عنه. وهذا الحديث من جملة الأحاديث المعلقة الصحيحة، ولعل البخاري لم يصرح بسماعه منه، لكونه رواه عنه بالإجازة، أو في معرض المذاكرة، أو لكونه رواه عنه بواسطة بعض شيوخه الثقات، فحذفه اختصارا، أو لغير ذلك من الأسباب المقتضية للحذف. وعلى فرض انقطاعه بين البخاري وهشام، فقد رواه عنه غيره متصلا عن هشام بن عمار ... الخ، بأسانيد صحيحة؛

стр. 7031

وبذلك بطلت شبهة ابن حزم، ومقلده أبي تراب، واتضح الحق لطالب الحق، والله المستعان. وإليك أيها القارئ كلام أهل العلم في هذا الحديث، وتصريحهم بخطأ ابن حزم في تضعيفه، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ﵀، لما ذكر هذا الحديث، وذكر كلام الزركشي وتخطئته ابن حزم في تضعيفه، قال ما نصه: وأما دعوى ابن حزم التي أشار إليها- يعني الزركشي- فقد سبقه إليها ابن الصلاح في علوم الحديث، فقال: التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها، وصورته صورة الانقطاع، وليس حكمه حكمه، ولا خارجا ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف. ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، عن رسول الله ﷺ "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف" الحديث، من جهة أن البخاري أورده قائلا: قال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه. والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك، لكونه قد ذكر ذلك الحديث في

стр. 7032

موضع آخر من كتابه مسندا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب، التي لا يصحبها خلل الانقطاع. انتهى. ثم قال الحافظ بعدما نقل كلام ابن الصلاح المذكور بأسطر، ما نصه: وقد تقرر عند الحافظ، أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم، يكون صحيحا إلى من علق عنه، ولو لم يكن من شيوخه؛ لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ، موصولا إلى من علق عنه، بشرط الصحة، أزال الإشكال. ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع، وصنفت كتاب تعليق التعليق. وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي، وفي كلامه على علوم الحديث: أن حديت هشام بن عمار جاء عنه موصولا في مستخرج الإسماعيلي، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين، فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، حدثنا هشام بن عمار، قال: وأخرجه أبو داود في سننه، فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده. انتهى. وقال العلامة: ابن القيم رحمة الله عليه، في الإغاثة، لما ذكر هذا الحديث، ما نصه: هذا حديث أخرجه البخاري في صحيحه محتجا به، وعلقه تعليقا مجزوما به، فقال: باب فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه.

стр. 7033

وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري. قال: حدثني أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام، إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله تعالى ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة". ولم يصنع من قدح في صحة هدا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع، لأن البخاري لم يصل سنده به، وجواب هذا الوهم من وجوه: أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا قال: قال هشام فهو بمنزلة قوله عن هشام. الثاني: أنه لو لم يسمع منه، فهو لم يستجز الجزم به عنه، إلا وقد صح عنه أنه حدث به؛ وهذا كثيرا ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته؛ فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس. الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى بالصحيح محتجا به، فلولا صحته عنده لما فعل ذلك.

стр. 7034

الرابع: أنه علقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض، فإنه إذا توقف في الحديث، أو لم يكن على شرطه، يقول: ويروى عن رسول الله ﷺ ، ويذكر عنه، ونحو ذلك، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ فقد جزم وقطع بإضافته إليه. الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحا، فالحديث صحيح متصل عند غيره، قال أبو داود في كتاب اللباس: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس، قال سمعت: عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثنا أبو عامر، أو أبو مالك، فذكره مختصرا. ورواه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه الصحيح مسندا، فقال أبو عامر ولم يشك. ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر. و"الحر" فإن كان بالحاء والراء المهملتين، فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاي المعجمتين، فهو نوع من الحرير، غير الذي صح عن الصحابة ﵃ لبسه؛ إذ الخز نوعان: أحدهما من حرير، والثاني من صوف، وقد روي هذا الحديث من وجهين.

стр. 7035

وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا عبد الله بن سعيد، عن معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، عن ابن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير" ١ وهذا إسناد صحيح. وقد توعد مستحلي المعازف فيه، بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير؛ وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط في الذم والوعيد. وفي الباب عن سهل بن سعد الساعدي، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة الباهلي، وعائشة أم المؤمنين؛ وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغازي بن ربيعة، ونحن نسوقها لتقر بها عيون أهل القرآن، وتشجى بها حلوق أهل سماع الشيطان، ثم ساقها كلها. ولولا طلب الاختصار، لنقلتها لك أيها القارئ الكريم، ولكني أحيل الراغب في الاطلاع عليها على كتاب الإغاثة، حتى يرى ويسمع ما تقر به عينه، ويشفي به قلبه، وهو على كثرتها وتعدد مخارجها، حجة ظاهرة، وبرهان قاطع، على تحريم الأغاني والملاهي، والتنفير منها، تضاف

стр. 7036

إلى ما تقدم من الآيات والأحاديث، الدالة على تحريم الأغاني والمعازف. ويدل الجميع على أن استعمالها، والاشتغال بها من وسائل غضب الله، وحلول عقوبته، والضلال والإضلال عن سبيله؛ نسأل الله لنا وللمسلمين العافية من ذلك، والسلامة من مضلات الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأما كلام العلماء في الأغاني والمعازف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهو كثير جدا، وقد سبق لك بعضه. وإليك جملة من كلامهم، على سبيل التكملة والتأييد لما تقدم، والله ولي التوفيق. روى علي بن الجعد وغيره، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع" وقد روى ذلك عن النبي ﷺ مرفوعا والمحفوظ أنه من كلام ابن مسعود ﵁. قال العلامة بن القيم، ﵀، في كتاب: "الإغاثة" لما ذكر هذا الأثر، ما نصه: فإن قيل فما وجه إنباته للنفاق في القلب، من بين سائر المعاصي؟ قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة، في أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها، وأدوائها، وأنهم: هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم الذين داووا

стр. 7037

أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل. وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوى مادة المرض، فاشتد البلاء وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يطبب الناس. فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء. فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه. فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا، لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفوس وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان. والغناء يأمر بذلك كله ويحسنة، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح؛ فهو والخمر رضيعا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا- رهان؛ فإنه صنو الخمر ورضيعه، ونائبه وحليفه، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما شريعة الوفاء التي لا تفسخ.

стр. 7038

وهو جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب على محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى والشهوة، والسخافة والرقاعة، والرعونة والحماقة. فبينا الرجل وعليه سمة الوقار، وبهاء العقل وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن، فإذا استمع الغناء ومال إليه، نقص عقله وقل حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد. فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة، إلى كثرة الكلام والكذب، والهزهزة، والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الذباب، ويدور دوران الحمار في الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد كخوران الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين. ولقد صدق الخبير به من أهله، حيث يقول: أتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح فلم تر فيهم إلا النشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحي

стр. 7039

إذا نادى أخو اللذات فيه ... ولم نملك سوى المهجات شيئا أجاب اللهو حي على السماح ... أرقناها لألحاظ الملاح وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد في قوم، والكذب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم، وأكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش؛ وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية؛ وإن لم يكن هذا نفاقا فما للنفاق حقيقة. وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان كما سيأتي، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدا، وأيضا: فإن أساس النفاق، أن يخالف الظاهر الباطنوصاحب الغناء بين أمرين: إما أن يتهتك فيكون فاجرا، أو يظهر النسك فيكون منافقا. فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة، وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله، من أصوات المعازف، وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله، وكراهة ما يكره، قفر؛ وهذا محض النفاق. وأيضا، فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ونقر الصلاة، وقل أن تجد مفتونا بالغناء إلا وهذا وصفه. وأيضا: فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن القبيح ويزينه ويأمر به، ويقبح

стр. 7040

الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق. وأيضا: فإن النفاق غش ومكر وخداع، والغناء مؤسس على ذلك. وأيضا: فإن النفاق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين. وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث يظن أنه يصلحه، والمغني يدعو القلوب إلى فتنه الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات. قال الضحاك: "الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب" وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده:?"ليكن أول ما يعتقدون من أدبك، بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن". فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بها، ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق. وبالجملة: فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل القرآن، تبين له حذق الصحابة، ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها، وبالله التوفيق. وقال ابن القيم، في موضع آخر من الإغاثة: قال الإمام أبو بكر الطرطوشي- وهو من أئمة المالكية- في خطبة كتابه، في تحريم السماع: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة
следующие страницы →