← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

وبذلك نجح احتلال الأعداء لبعض الأقطار المجاورة، بهذا السلاح البارد؛ فهم الآن كما تسمعون عنهم، يقرون الرذيلة والفساد في أوطانهم، كمسارح الرقص، ومحلات المجون والخلاعة، والخمور؛ حتى إن الرخص تمنح للنساء العربيات، ليتجرن في أعراضهن، وليبعن عفافهن، وليفتحن بيوت البغاء رسميا وعلانية، بدون خجل أو حياء أو مبالاة. ولا نطيل الكلام بذكر ما يجري هناك، من المخازي والأمور القبيحة، من الرؤساء والأعيان، فضلا عن الهمج؛ كما أنه بالتوجيهات الغربية والثقافات المزيفة، فقد شبابهم العقائد الصحيحة، وسارعوا إلى الإلحاد والزندقة، وحاربوا الدين والمتدينين، ووالوا الكفرة والمشركين. وكل ذلك من آثار التعليم الغربي، والثقافات المزيفة، فصاروا إلى هذه الحال المحزنة. أيها المسلمون، إن المملكة العربية السعودية، كانت - بحمد الله - آمنة مطمئنة، متمسكة بشرائع الإسلام، منفذة لتعاليم الدين، متبعة للقرآن، وعاملة بسنن خير المرسلين; ولكن يا للأسف، دب إليها الشر من حيث لا يعلمون، واستحكم فيها البلاء من حيث لا يدرون. بسبب بعض التعليم الحديث، وبعض المعلمين

стр. 7422

الأجانب، ودخول المجلات الداعرة، والصحف الفاجرة، واستماع الإذاعات الملحدة المملوءة بالنيل من الدين ورجاله، والطعن في الإسلام ونظامه، والتصريح بأن التمسك بالدين جمود ورجعية، وأن الانحلال والإلحاد تقدم ومدنية. وبهذه الأمور اختلت الأخلاق، وتغيرت الفطر، وترك كثير من أوامر الله، وارتكب كثير من نواهيه، وبث بعض المعلمين الأجانب - الذين لا صلة لهم بالدين ولا علاقة - في نفوس كثير من الطلبة كراهة الدين وأهله، وتنقصهم، والاستخفاف بهم؛ حتى إنهم يتنقصون الحكومة، وينتقدون الكثير من أعمالها. وتحقق ضرر هؤلاء المعلمين الأجانب، على أبناء هذه المملكة، وظهر سوء عاقبتهم على الدين والأخلاق والحكومة. وكنا في أمل من حكومتنا - وفقها الله - للانتباه والإصلاح، وتدارك ما حصل بتعديل مناهج الدراسة، على ما يقوم به الدين، وتحصل به منفعة للوطن، وإبعاد المعلمين الأجانب المنحرفين، ومنع المجلات والصحف الضارة. إذ فجأنا خبر فادح ومصيبة عظيمة، وطامة كبرى; ألا وهي فتح مدارس لتعليم البنات في المملكة العربية

стр. 7423

السعودية على نحو التعليم الموجود في البلاد المنحلة، عن الدين والأخلاق. وقد عارض بعض المسلمين في تعليم المرأة بهذه الصفة، خوفا من فتنتها، وحذرا من ضررها على المجتمع، في المستقبل بعد مدة. وألفت نظر ولاة الأمور، إلى أنه لا مانع من توسيع تعليم المرأة على المنهج الذي يقره الدين وتعاليمه، مع التمسك بالحجاب، وبالأخلاق الفاضلة، وكما كان التعليم زمن السلف الصالح، مثل تعليمها التوحيد، والطهارة، والصلاة، وأحكام الحيض والنفاس، وأمور دينها الواجب عليها، وكتربية أولادها، وتدبير منْزلها، وغير ذلك من الأمور النافعة لها؛ وهذا فيما يظهر ونظن، هو هدف الحكومة - أيدها الله - ورغبتها. ولذا جعلوها منوطة بالمشائخ، وقد عينوا برياستها شيخا منهم، مؤملين فيه السير بمدارس البنات على الهدف المنشود؛ ولكن يا للأسف! بأول سنة شوهد تبدل الأمر، وسوء الحال: فقد نشرت جريدة البلاد، بعددها ٧٠٣ في ٣/٢/١٣٨٠? مقالا للرئيس المذكور، يتضمن عزمه على إدخال مواضيع الحساب، والهندسة، والجغرافيا، بمناهج مدارس البنات، في السنة الدراسية القادمة؛ لأن هذه المواضيع لم تكن تدرس في هذه السنة.

стр. 7424

هذا وقد صرح الرئيس العام لمدارس البنات بأن منهاج مدارس البنات يتألف من خلاصة مناهج التعليم بالجمهورية العربية المتحدة ... إلخ. كما وقد سمعنا أنهم سيجلبون معلمات صالحات، من سورية ولبنان ومصر، فيا ليت شعري أن الرئيس يبين هذا الصلاح في تلك النسوة، التي سيجلبهن من الخارج للتعليم في هذه المملكة. بل إن الصالحات منهن سافرات مائلات مميلات، وكأنه لا يوجد في المملكة العربية معلمات صالحات لتعليم الدين النافع، فلا حول ولا قوة إلا بالله. أيها المسلمون، يا أهل الغيرة والأنفة، اسمعوا لهذا التصريح الشنيع الذي يقصد منه إرغام أهل الخير، ومجاراة الأمم المنحلة، في تعليم بناتكم الحساب، والهندسة، والجغرافيا، ما للنساء وهذه العلوم، تضاف إلى ما يزيد عن أحد عشر درسا، غالبا لا فائدة فيه؟ إنها لمصيبة وخطر عظيم على مجتمعنا. إن تعليم المرأة على هذه الصفة، هو مصدر انحطاط الأمة، وسقوطها في الهاوية، إن هذا التعليم سبب لتمرد المرأة، وخروجها عن تعاليم دينها، وآداب شرعها، وعوائد قومها الصالحة، وسفورها، وتبرجها، واختلاطها مع الأجانب؛ والسفور مدعاة إلى الفجور، وفتنة الاختلاط كبيرة.

стр. 7425

وقد أجمع العقلاء على أن المرأة مطمع نظر الرجل ومثار شهوته، وأن الاختلاط مثير للشهوة جالب للفتن، سبب لفعل ما يكرهه الله. وهل حدث ما تعلمون أو تسمعون عنه في البلاد المجاورة من تمزيق الحجاب وكشف الساق والفخذ والرأس، وفتح بيوت البغاء، والسينما، والرقص والخلاعة، إلا بعد التعليم المزعوم ثقافة؟!. وقد انتقد بعض القراء كلمتي السابقة عن مدارس البنات، متباعدين وقوع ما أشرت إليه؛ ولعلهم الآن عذروا، بعدما رأوا وسمعوا عن لباس البنات الخاص بالمدرسة، وركوبهن الأتوبيسات سافرات؛ وليس الخبر كالعيان. أيها المسلمون، إن أفراخ الإفرنج الذين تغذوا بألبانهم، وتثقفوا بتعاليمهم، يريدون من تعليم المرأة مشاركتها للرجل في المكاتب، والمباسط، والمعامل، والمدارس، كما صرحوا به في عدة مقالات معروفة، فقد خسرنا الغالب من أبنائنا نتيجة هذا التعلم الفاسد. فهم لا يقدرون أبا، ولا يحترمون أما، ولا يرحمون أخوة، ولا يؤدون واجبا إلا وهم كارهون؛ يحبون الشر، ويقلدون الكفرة، ويتشبهون بالمجوس، ويبغضون الخير وأهله، ويتنقصونهم، فالله المستعان.

стр. 7426

ولم يقفوا عند هذا الحد، بل يريدون ويحاولون إخراج البنات من أكنانهن ليكشفوا حجابهن، وليتمكنوا من التمتع بهن، بحيلة هذا التعليم المزعوم. والعجب العجاب: حصول هذه الأمور الهدامة، التي هي هدم للأخلاق، وخروج عن الشريعة، ومحادة لله ولرسوله، وللمسلمين، ولا نرى المنتسبين إلى العلم والمتصفين بالشهامة والرجولة يهمهم ذلك. فأين الغيرة يا أهل الإسلام؟! غزاكم أعداء الإسلام في بيوتكم، وأفسدوا الكثير من أبنائكم، ويحاولون إفساد البنات، وأنتم ساكتون! ما هذا السكوت والطمأنينة، والركود والإخلاد؟! أجهلتم هذا؟! أم تساهلتم به؟ فإنه والله عظيم! كيف بعد التستر والحجاب، والحفظ والصيانة يكون السفور والخلاعة، في بلاد نشأ أهلها على فطرة الإسلام، وعبادة الله وحده، وتحكيم شرعه، ودستورها القرآن؟! إنها لمصيبة عظيمة! أيها المسلمون، كونوا على حذر، وتنبهوا لهذه الأخطار، وتكاتفوا، وتعاونوا في السعي، بمراجعة المشائخ والحكومة، وبيان الحقائق لهم، لإغلاق ما فتح من هذه المدارس التي فتحت لتعليم البنات على المنهج الحديث.

стр. 7427

فهي مدارس ظاهرها الرحمة، وباطنها البلاء والفتنة، ونهايتها السفور والفجور، فإن لم تدركوا الحصول على إغلاقها، فلا تقبلوا فتحها في بلاد لم تفتح فيها؛ فإن تساهلتم حل بكم ما حل بغيركم، وستندمون وقت لا ينفع الندم. إن تعليم المرأة على هذا المنهج خطر عظيم على المجتمع، ومصيبة لا تجبر، وعاقبته سيئة; إن تعليم المرأة سبب لتمردها، وهن ناقصات عقل ودين؛ لذا أوجب الله على المكلفين من العبادات ما هو معلوم. وخص المرأة - وهو العليم الحكيم - بوجوب الحجاب في عدة آيات من القرآن، وفي سنة رسول الله ﷺ معلوم مشهور، فلا نطيل بذكر ما ورد في ذلك. ونهى الشارع عن سفر المرأة وحدها، وحرم الخلوة بالأجنبية، إبعادا للتهم، وكان أهل الجاهلية، يئدون البنات خشية العار، فيلحقهم عارها. وبيتعليمها ستسافر وحدها، وتخلو بزميلها أو معلمها، وتذهب بعض الليل بعيدة عن أهلها باسم الدراسة والمذاكرة، أو تبيت عند غير أهلها، ولا يكون لوليها عليها أمر. فالله الله عباد الله، في مقاومتها وردها، وعدم قبولها؛ فإنه لا يرضى بهذه المدارس، إلا من لا غيرة

стр. 7428

عنده، ولا رجولة ولا دين. والغالب أن الراضين بها والمستحسنين لها من دعاة الفجور، نعوذ بالله من موجبات غضبه. والقصد مما ذكرنا: النصيحة لإخواننا المسلمين، وأداء الواجب، وبراءة الذمة؛ والله يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه، إنه جواد كريم؛ وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. [في سبيل الحق] وقال الشيخ: عبد الرحمن بن حماد العمر: ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وبعد: فبمناسبة ما نشاهده من تحول في تطبيق ديننا الحنيف نتيجة ما مني به كثير من المنتسبين للإسلام، من تخلف فكري وعقائدي، جعلهم يسخرون بدينهم، وبالداعين إليه; ويطالبون باسم التقدم والرقي إحلال كثير من المحرمات في بلادهم، مخرج الأنبياء، ومهبط وحي السماء. وامتثالا لما أوجبه الله علينا، من مؤازرة الحق، ونصيحة من حادوا عنه، وإرشادهم إلى طريق سعادتهم ورقيهم ونجاتهم،

стр. 7429

لهذا قمت بإعداد هذه الرسالة، راجيا من الله سبحانه أن يجعلها من الأسباب الناجعة في حل الخلاف، وشفاء القلوب. كما أرجو من القارئ الكريم أن يدرأ بالحسنة السيئة، ويحمل كلماتها محمل النصح وحسن المعتقد؛ فذلك مقصدي، والله حسبي ووكيلي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رسالة: إلى الطائفة المنصورة: إليكم يا حملة رسالة الأنبياء والمرسلين، إليك يا أخي المجاهد في سبيل الله ... بيدك ... بلسانك ... بقلمك ... بذلك كله ... إليك أوجه رسالتي هذه، وأنا أحس بإحساسك، وأشعر بشعورك. ولكني أقول لك يا أخي المجاهد الغيور: إنك سوف تلاقي في سبيل دعوتك إلى الله، وفي سبيل غيرتك لمحارم الله، عندما تراها تنتهك ... عندما ترى السفور منتشرا، والخمر مستقى، والجرائم الأخلاقية مرتكبة، والفرائض مضاعة، والدين والشرف يستباحان، باسم التقدم والرقي. أقول لك: سوف تتقاذفك سهام مرضى القلوب، الذين تنفذ دعوتك إلى مخازيهم وأهدافهم الخسيسة، نفوذ السهم من الرمية، وسوف يقولون عنك: منافق، مخادع،

стр. 7430

أكال، جاهل، رجعي، دجال; وسوف يقولون عنك كل شيء مما يشفون به غليل نفوسهم المريضة، وسوف يطالبون بطردك من وظيفتك إن كنت موظفا، ويحاربونك في كل مجال. ولكني أذكرك قدوتك وإمامك محمدا ﷺ الذي دعا الناس بمكة عشر سنين، لم يؤمن خلالها بدعوته إلا النّزر اليسير، والذي قيل له لما بدأ دعوته إلى الله: ساحر، كاهن، مجنون. وقيل لمن أراد الإنصات لتلاوته: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٦] وقذف بالحجارة، وألقى عليه سلى الجزور - وهو ساجد أمام بيت الله - ومع هذا كله، صبر وضاعف جهاده، ولم يشك قلة حيلته، وهوانه على الناس إلا على ربه; وكسرت رباعيته، وشج وجهه، ولم يزد على أن أخذ يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ١. نعم، ذلك هو محمد بن عبد الله، جاهد في الله، وتلقى الأذى بصدر رحب في سبيل الله، حتى حقق الله له النصر، فاستغفر الله الذي توفاه مؤمنا حقا، وألحقه بالرفيق الأعلى، بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة. وتلا محمدا صحابته، والتابعون لهم بإحسان،

стр. 7431

بالإيمان والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالغيرة لمحارم الله، بنشر دين الله، بدعوة الناس إليه. وهكذا يتبع هديه المهتدون إلى يوم القيامة، ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٣] ، وممن حققوا قول الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . بل إنهم الطائفة المنصورة التي قال عنها محمد ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎" ١ ذلك لأنهم فهموا قول الله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة النساء آية: ١١٤] . فهموا ذلك القول الرباني فحققوه، فاستحقوا أن يوصفوا بمقتضاه، ويكرموا جزاء امتثاله كرامة المتقين. وهكذا يصف الله المجاهدين فيه من الرسل وحملة رسالتهم، تلك الرسالات التي اختتمت برسالة محمد ﷺ إلى الناس كافة، والتي بها رسخت أركان العدالة في الأرض، وانمحت رواسب التفرقة بين بني الإنسان، بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٣] ، وبقول رسول الله ﷺ : "ليس لعربي فضل على عجمي

стр. 7432

إلا بالتقوى; كلكم لآدم وآدم من تراب". أو كما قال. وأنتم يا دعاة الحق، الغيورين لحرمات الله، المؤمنين به، الداعين إليه، أنتم المخاطبون بالتضحية، والصبر، فلا تنهزموا أمام الباطل الزاهد، وأنتم الأعلون. واعلموا أن الله معكم، ينصركم كما نصر من جاهدوا قبلكم من الأنبياء وعباد الله المخلصين. فادعوا إلى الله على بصيرة، قابلوا الجاهل بالحلم، وخاطبوا العالم المعاند، بالإقناع بالموعظة الحسنة، لعله يتذكر أو يخشى، ولعله يتوب إلى ربه من ظلم نفسه. لأنه يظن - يا أخي المجاهد - أنه يضادك ويغيظك، ولا يدري أنه إنما يضاد نفسه، ويسعى في هلاكها، وينصب من نفسه عدوا لله، وناصرا للشيطان، ناصرا للمنكر من تحكيم القوانين، وإباحة وأد الأخلاق الفاضلة، ناصرا لتقاليد الغربيين والشيوعيين، في أهله، في بنيه، وبناته. يفكر أن التقدم في إدخال ابنته وعورته، مدرسة يقوم بالتدريس فيها أستاذة تلقت دراستها في الخارج، وصارت طيلة أيام دراستها مع زميلها على كرسي واحد، ومشت متبرجة في الشارع، وشاهدت المسرح والرقص، ودخلت دور السينماء وقرأت شيئا من "آخر ساعة" و "المصور" وشيئا من مؤلفات ذوي الخلاعة والمجون، في مقابل الجهل بأمر دينها، وفاضل أخلاقها.

стр. 7433

ويقتنع هذا المغرور بنفسه، الجاهل بمستقبل محارمه أن ابنته في مدرسة مصونة بالحيطان عن عيون الرجال، دون أن يفكر في تلك الأستاذة الماثلة أمام ابنته، والتي لن تدرسها مهما أعطيت من التعليمات، إلا الشيء الذي تعرفه، لأنها لا تعرف غيره. وإن لم تظهر ذلك الذي تعرف في كل درسها، فلا بد من ظهوره في فعلها ونظراتها، وحركاتها، وفرطات كلامها، لأنه من المستحيل أن ينضح إناء بغير الذي فيه. وظيفة المرأة: ويظن هذا المغرور أن للمرأة حقا في مشاركة الرجل، في الدائرة، وفي المتجر، والمصنع، وفي الإذاعة؛ وينسى أنها عورة إنما خلقت لتصان في بيوت، وتكرم فيها. وينسى أن الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، كما جاء في كتاب الله الذي حفظ لها حقوقها وكرامتها، وبين مهمتها في الحياة، وكما بين تلك الحقوق وتلك المهمة أيضا محمد ﷺ في كثير من الأحاديث. فلو قرأ قول الله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ

стр. 7434

مِنْهَا١ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ٢ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .

стр. 7435

وقوله الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٥٩] ، وقول الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٣٤] ، وقول الله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: ٦] ، وقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٩] الآية، لو قرأ هذا وآمن به، لما طالب بتحلل المرأة، وخروجها من سترها إلى محيط العمل، ومخالطة الأجانب. وآمن بقول الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النور آية: ٣٠] ، وبقول الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٣] ، وبقول رسول الله ﷺ : "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها

стр. 7436

البطش، والرجل زناها الخطى. والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" ١ متفق عليه، وبحديث أم سلمة ﵂، قالت: "كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي ﷺ احتجبا منه; فقلنا: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ "٢، وبقوله ﷺ : "لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم " ٣ متفق عليه. لو قرأ هذا وآمن به، لما طالب بتحلل المرأة، وخروجها لتختلط بالرجال; ولما "سئلت فاطمة ابنة رسول الله ﷺ عن الأفضل للمرأة؟ قالت: أن لا ترى الرجال ولا يرونها" وقال الشيخ محمد بن عبد الله بن حمدان: لن نترك كتاب الله، ونعمل بالنظم الغربية ٤ اطلعت في جريدة اليمامة العدد ٢٤٩ في ١/٦/٨٠ على كلمة بعنوان: " نقد وتوجيه " بتوقيع رشيد سلهوب الخالدي، من الظهران، ردا على كلمتي المنشورة في مجلة راية الإسلام الغراء، حول كلمة: "لا تئدوا بناتنا في المهد" يقول الكاتب في كلمته:

стр. 7437

إن تعليم البنات - على الطريقة المتبعة في الخارج - دعوة إلى الانطلاق والتقدم، والعمل لمؤازرة الرجل. هكذا يصف التعليم الذي نهايته: التبرج والسفور، والانحلال، والرقص، والغناء، والخروج على الأخلاق. ليتكم يا هذا تطالبون بتعليم البنات في حدود ما رسمه الدين الحنيف، وتكتفون بذلك، إذاً لرحبنا بذلك، وأيدناكم؛ ولكنكم تريدون تعليما كالتعليم الموجود في الخارج - مجرد تقليد ومحاكاة - ولا تهمكم تعاليم الإسلام التي تأمر بالمحافظة على أخلاق المرأة، وتصون لها عفتها وكرامتها. لا تريدون هذا، لأنه من أعمال الرجعيين!! تريدون لفتياتكم أن ينْزلن بجانب الرجل، في ميادين العمل؛ بل تريدون لهن أن يخرجن نجوما للسينما، والتلفزيون، وغيرهما، وهذا هو التقدم، الذي تتمنون أن تحرزه أمتكم. وهذا خروج على مبادئ الدين الحنيف، ومحاربة للفضيلة، ولا يرضاه الإسلام، بل حذر منه. ورغم أن الإسلام بين أن المرأة عورة، يجب محافظتها على الأخلاق، والتحرز من الاختلاط بالرجال، فإن أنصار المرأة - أو على الأصح أعداءها - لا يرضيهم هذا، لأنه بحد زعمهم كبت وحبس لها;

стр. 7438

وهذا ما تلقنوه من أساتذتهم - أسيادهم - الغربيين، وأتباعهم، وقبلته عقولهم الضعيفة. ثم يقول الكاتب: أرأيت كيف وصلت البلدان التقدمية إلى ما هي عليه الآن من حضارة، وعلم، وتكتيك؟! ولو لم تكن بجانب الرجل تشد أزره، لما نهضت وتقدمت؟!. وجوابي على هذا التساؤل، أن أقول: نعم رأيت وسمعت، ويا لهول ما سمعت وما رأيت!! رأيت: أنهم تجاوزوا في تعليم فتياتهم، فلم يكتفوا بتعليمهن الدين، وشؤون المنْزل، وتربية الأولاد. لا; لم يكتفوا بذلك، بل خرجوا بهن عن الحدود الموسومة لهن، زاعمين أنهم يريدون لهن التحرر، والحضارة والانطلاق؛ فخرجن بذلك عن تعاليم الإسلام، ونزعن برقع الحياء، وتركن الحجاب، واختلطن بالرجال، ونزلن إلى ميادين العمل؛ بل برعن في إجادة الرقص، والغناء، والفجور!! وصار ما يخالف هذا يعد من أعمال الرجعية!! أي حضارة؟! وأي تقدم في هذا الذي وصلت إليه هذه الأمم؟!! نحمد الله أننا لم نصل بعد - ولن نصل إن شاء الله - إلى هذه الحضارة الزائفة، وهذا التقدم المزعوم!!.

стр. 7439

نحمد الله على ما نحن عليه، من تمسك نسائنا بتعاليم الإسلام، في المحافظة على الحجاب، وعدم الاختلاط بالرجال، وعدم إظهار الزينة، والتمشي مع تعاليم الدين الذي من تمسك به فهو السعيد. وليست أدل على ذلك مما تزخر به إذاعاتهم وصحفهم من هذا النوع، فهذه المجلات الخليعة التي ترد إلينا منهم فيها من الصور العارية، والحكايات الفاجرة، والقصص، والأوصاف الخسيسة، فيها من كل هذا وأكثر منه، الشيء الكثير - كما هو معروف -، زيادة على ما فيها من إلحاد، وزندقة، واستهزاء بالدين وأهله. هذا هو التقدم والحضارة المزعومة!! ولكن الله سينصر دينه ويعلي كلمته، ويدحض أعداءه، ويكبتهم، ويحفظ علينا ديننا، وأخلاقنا، وشيمنا، ورجعيتنا، إن كان التمسك بالدين هو الرجعية. ثم يقول الكاتب متسائلا: هل اطلعت على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ الصادر في "سان فرنسيسكو" الذي يقضي عدم التمييز بين الرجل والمرأة؟!. اضحك معي أيها القارئ الكريم، وابك أيضا على هذا الكلام، فهو مضحك مبك في آن واحد; كيف تستدل أيها الكاتب على عدم التمييز، بما أوصت به هذه اللجنة؟! لماذا تكلف نفسك مشقة البحث والاطلاع؟ وتذهب

стр. 7440

بعيدا إلى ما أوصت به لجنة "سان فرانسيسكو"؟! أليس عندك كتاب الله، وسنة رسوله؟ فيهما الخير الكثير، لمن أراد الهداية; فيهما ما يغنيك عن تتبع ما أوصت به اللجان الغربية، عن مركز المرأة أو غيره. فإن كنت تعتقد - وهذا ما نرجوه - أن توصيات الدين الإسلامي خير من توصيات هذه اللجان وأشباهها، فلماذا تترك توصياته وتعاليمه، وتبحث غيرها؟!. وإن كانت الأخرى - لا قدر الله - فاعلم أن الدين الإسلامي أرقى الأديان، وأعظمها، وأنه جاء بخير البشرية جمعاء؛ فلا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] . فكر جيدا أيها الكاتب، واعلم أن الغربيين أعداء الإسلام، لم يدخروا وسعا في تضليلنا عن ديننا، بل عملوا بكل ما أوتوا من قوة; ومن جملة دسائسهم الخبيثة: دعوتهم إلى تحرير المرأة، وتثقيفها، ومساواتها بالرجل، لعلمهم أننا إذا فعلنا ذلك وقعنا في المحذور، وخالفنا أوامر ربنا. إن الدين الإسلامي أنصف المرأة وحفظ لها أخلاقها، وشيمها العربية الأصيلة، ولم يهضمها حقوقها، كما يزعمه البعض، ممن تأثر بأبواق الدعايات الغربية؛ بل

стр. 7441

أمر بتعليمها الدين، وما يجب عليها تعلمه، في حدود مرسومة لا تتعداها. ونهى عن تعليمها التعليم الذي يؤدي إلى السفور، ونزع جلباب الحياء، ومحو الأخلاق والفضيلة، وأمرها بالحجاب والتستر، والمحافظة على الأخلاق; ونهاها عن التبرج، والاختلاط بالرجال، وإظهار الزينة. ولست بذلك أدعو إلى احتقار المرأة، أو عدم تعليمها؛ كلا، ولكن هذا التعليم السافل الذي يدعو إليه البعض والذي مؤداه ونهايته: التبرج، والانحلال، وترك الأخلاق، والفضيلة، هذا التعليم، هو: ما نحذر مجتمعنا منه، ومن دعاته، ونخوفهم من عواقبه الوخيمة التي ظهرت في بعض البلدان؛ والسعيد من وعظ بغيره. أما تعليم الدين وما يتبعه، كتربية الأولاد، وتدبير المنْزل، مع الحرص الشديد على الأخلاق والشيم، والعادات الحميدة، التي نادى بها الإسلام، من لبس الثياب الساترة والحجاب، وعدم المخالطة، فهذا لا ينكره أحد. وأي مصيبة وأي انتكاس أعظم من وجود أناس في مجتمعنا، يستدلون على إباحة شيء أو تحريمه بالنظم الغربية، والقوانين الوضعية تاركين كتاب الله، وسنة رسوله؟!

стр. 7442

ونحن نطالب صحفنا الحرة، الحريصة على نشر الأفكار النافعة، أن توصد الباب أمام كل رأي فج، واقتراح مرتجل; ونطلب من صحفنا التي نذرت نفسها لخدمة الأمة، أن تحرص على نشر ما يتمشى مع تقاليدنا الحرة السليمة، وتقبله فطر المسلمين النقية. وأخيرا، نبتهل إلى الله العلي القدير، أن يرزقنا التمسك بكتابه، وسنة رسوله، وأن يعيذنا من شياطين الإنس والجن، وأن يجنبنا مواقع الزلل؛ إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد.

стр. 7443

الفصل الخامس [الأمر من ديوان مجلس الوزراء بمنع النساء من العمل الذي يؤدي إلى اختلاطهن بالرجال] ولأهمية شأن المرأة والاهتمام به ١، فقد تقرر الأمر من ديوان مجلس الوزراء، بمنع النساء من العمل، الذي يؤدي إلى اختلاطهن بالرجال، كما ذكر ذلك في التعميم الآتي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صاحب السمو الملكي، ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء، ورئيس الحرس الوطني، بعد التحية: بناء على ما لاحظنا من قيام بعض الجهات الحكومية بالرفع عن طلب السماح لها، بالتعاقد، أو

стр. 7444

تعيين عدد من السيدات السعوديات، للعمل بها، أو الترخيص لهن بممارسة بعض الأعمال، أو المهن، التي تؤدي إلى اختلاطهن بالرجال. ولأنه سبق أن صدر الأمر رقم ١٩٦٠/٨ وتأريخ ٢٢/٢/١٣٩٩? بمنع النساء من العمل في الوظائف، التي تؤدي إلى اختلاطهن بالرجال، كما صدر الأمر رقم ١١٥٧٥ وتأريخ ١٩/٥/١٤٠١? بالتأكيد على ذلك، وعدم الترخيص للمرأة بممارسة المهن التي تؤدي إلى اختلاطهن بالرجال. نخبركم بأن السماح للمرأة بالعمل الذي يؤدي إلى اختلاطها بالرجال، سواء في الإدارات الحكومية، أو غيرها من المؤسسات العامة أو الخاصة، أو الشركات، أو المهن، ونحوها، أمر غير ممكن، سواء كانت سعودية، أو غير سعودية؛ لأن ذلك محرم شرعا، ويتنافى مع عادات وتقاليد هذه البلاد؛ وإذا كان يوجد دائرة، تقوم بتشغيل المرأة، في غير الأعمال التي تناسب طبيعتها، أو في أعمال تؤدي إلى اختلاطها بالرجال، فهذا خطأ يجب تلافيه. وعلى الجهات الرقابية ملاحظة ذلك، والرفع عنه; وقد زودت الجهات المعنية بنسخة من أمرنا هذا، للاعتماد والإحاطة، فأكملوا ما يلزم بموجبه. توقيع رئيس مجلس الوزراء

стр. 7445

الفصل السادس [مطالعة الصحف التي تسربت إلى بلاد المسلمين] مطالعة الصحف التي تسربت إلى بلاد المسلمين، فهي من الوسائل العظمى لنقض عرى الإسلام، من الدول المجاورة المنحلة، أفراخ الإفرنج، عباد الأولياء والصالحين، العكّف عند المشاهد، الباذلين عندها نفائس الأموال، بقصد التبرك والنذور لها، التاركين لإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغيرهما من شعائر الإسلام، المشتهرة بينهم شعائر الكفر، واستحلال المحرمات، والخلاعة، وينتسبون إلى الإسلام، جرأة على الله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٢] . وقد تسربوا إلى بلد الإسلام، فأخذ كثير من الشباب أخلاقهم المزيفة، وبثوا بعض علومهم المحرمة؛ وسرت إلى المسلمين صحفهم الخليعة، وسار على سبيلهم كثير من الشباب الزائغ، فنشروا في بلد الإسلام على الصحف تلك: الإلحاد، والزندقة، والخلاعة. وتعلق بها من لا بصيرة له، ومستحسن ما يتلوه من تلك الصحف، ومن الصحف الخارجية؛ وفسدت أخلاق الكثير، واعتنقوا الباطل، وأعرضوا عن الحق، وتركوا كثيرا مما أمر الله به، وارتكبوا كثيرا من المنكرات، مما سلف وغيره.

стр. 7446

[إكباب الجهال والشباب على مطالعة كتب الزيغ والإلحاد والزندقة] قال الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ﵀: ومن المنكرات: إكباب الجهال والشباب، على مطالعة كتب الزيغ، والإلحاد والزندقة، والصحف المشتملة على ذلك، وعلى الصور الخليعة مما أحرى من أدمن النظر فيها من الشباب ونحوهم أن يصبح أسيرا للشيطان، إن لم يقتله بالكلية، ويسلبه جميع الإيمان. [التشبه بالكفار] ومن المنكرات: التشبه بالكفار، ولا فرق بين الأمور الدينية، والعادية، كالزي ونحوه، وروى أبو داود بسند جيد، أن رسول الله ﷺ قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" ١. وقال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، سنة ١٣٨٤?: ويل للإسلام من أهله إن الإسلام بدأ يضعف في بلادنا، وتخف سطوته في القلوب، وتضعف عظمته في النفوس بما أصيب به من الويلات والمصائب، التي جرها بعض المنتسبين إلى الإسلام نحو الإسلام. فقد علم الناس أن تغيرا عقليا، وانحرافا غريبا طرأ على أفكارهم، وتدفق عليهم سيل المدنية الجارف؛ فاستقبلوا ذلك البلاء العظيم بارتياح، وقبول وصفاء بال، وبادروا إلى إتقانه، والدعوة إليه، وذهلوا عن كل شيء سواه،

стр. 7447

فكأنهم في سكرة من أمرهم. وهذا مما جعل كل واحد من علماء المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، يشعر بالخطر المحدق به، وبدينه، وبأمته، لأن الباطل في نمو وازدياد، والحق في ضعف واختفاء. والكثير من العلماء أو الأكثر يتأففون من الحالة الراهنة، ويظهرون التضجر والسخط، ويبدون التأثر والانفعال؛ ولكن هذا لا يكفي لتلافي الأخطار المحدقة بالإسلام - وهي في نمو وازدياد - بل لا بد لدفع ذلك، من اجتماعات إسلامية صادقة، لتدارك ما فات، وإصلاح ما فسد، وإقامة ما اعوج. إن الأمة الإسلامية لا تكون ذات كيان، عزيزة الجانب، إلا إذا اجتمعت، وتناصرت على جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرها، في أمر دينها ودنياها، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . وإليك بعض ما قاله أعداء الإسلام في وصفهم للمسلمين، حين عدلوا عن دينهم الإسلامي إلى ما سواه: لما رغب المسلمون عن تعاليم دينهم، وجهلوا حكمه وأحكامه، فشا فيهم فساد الأخلاق; فكثر الكذب والنفاق والخيانة، والتحاقد والتباغض، وتفرقت كلمتهم. وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة، وغفلوا عما

стр. 7448

يضرهم وما ينفعهم، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون؛ ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة؛ ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضر أخاه لا يقصر في إلحاق الضرر به؛ فجعلوا بأسهم بينهم، والأمم من ورائهم تبتلعهم لقمة بعد أخرى. رضوا بكل عارض، واستعدوا لقبول كل حادث، وركنوا إلى السكون في كور بيوتهم، يسرحون في مرعاهم، ثم يعودون إلى مأواهم. هذا وصفهم لحالة المسلمين حين جهلوا تعاليم هذا الدين القويم، ورضوا منه بمجرد الانتساب إليه؛ في حين أن الإسلام، هو أجلّ دين على وجه الأرض، لم ينزل على نبي من الأنبياء مثله، ولا كان لأمة من الأمم نظيره. فإنه دين الفطرة، دين الرقي، دين العدالة، دين المدنية الفاضلة، دين العمل، دين الاجتماع، دين التوادد والتناصح والتحابب، دين رفع ألوية العلم، والصنائع، والحرف، غير قاصر على أحكام العبادات والمعاملات، بل شامل لجميع منافع العباد ومصالحهم، على ممر السنين وتعاقب الدهور، إلى أن تقوم الساعة; والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 7449

وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀: ١ المولد النبوي الشريف اعتاد كثير من الناس، في مثل هذا الشهر، شهر ربيع الأول من كل سنة، إقامة الحفلات الرائعة، لذكرى مولد الرسول ﷺ ، وذلك ليلة الثانية عشر منه، قائلين: إنه عبارة عن إظهار الشكر لله على وجود خاتم النبيين وأفضل المرسلين، بإظهار السرور بمثل اليوم الذي ولد فيه ﷺ ، وبما يكون فيه من الصدقات والأذكار. فنقول: لا شك أنه سيد الخلق وأعظمهم، وأفضل من طلعت عليه الشمس; ولكن لماذا لم يقم بهذا الشكر أحد من الصحابة، والتابعين؟ ولا الأئمة المجتهدين، ولا أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالخير؟ مع أنهم أعظم محبة له منا، وهم على الخير أحرص، وعلى اتباعه أشد. بل كمال محبته وتعظيمه، في متابعته وطاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه، وإحياء سنته ظاهرا وباطنا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك، بالقلب واليد واللسان؛ فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار،

стр. 7450

والذين اتبعوهم بإحسان، لا في إقامة تلك الحفلات المبتدعة، التي هي من سنن النصارى. فإنه إذا جاء الشتاء في أثناء كانون الأول، لأربع وعشرين خلت منه، بزعمهم أنه ميلاد عيسى، ﵊، أضاؤوا في ذلك الكهرباء، وصنعوا الطعام، وصار يوم سرور وفرح عندهم. وليس في الإسلام أصل لهذا؛ بل الإسلام ينهى عن مشابهتهم، ويأمر بمخالفتهم. فقد قيل: إن أول من احتفل بالمولد النبوي، هو: كوكبوري أبو سعيد بن أبي الحسن علي بن يكتكين التركماني، صاحب "إرْبَلْ"، أحدث ذلك في أواخر القرن السادس، أو أوائل القرن السابع؛ فإنه يقيم ذلك الاحتفال ليلة التاسعة، على ما اختاره المحدثون من ولادته ﷺ تلك الليلة، وتارة ليلة الثانية عشر، على ما قاله الجمهور. فهل كان التركماني ومن تبعه أعلم وأهدى سبيلا من خيار هذه الأمة وفضلائها من الصحابة ومن بعدهم؟ في حين أنه لو قيل: إن يوم البعث أولى بهذا الشكر من يوم الولادة، لكان أحرى، لأن النعمة، والرحمة، والخير والبركة، إنما حصلت برسالته، بنص قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١٠٧] . ومعلوم أن كل بدعة يتعبد بها أصحابها، أو تجعل من شعائر الدين، فهي محرمة، ممنوعة، لأن الله عز وجل

стр. 7451

أكمل الدين، وأجمعت الأمة على أن الصدر الأول أكمل الناس إيمانا وإسلاما. فالمقيمون لتلك الحفلات، وإن قصدوا بها تعظيمه ﷺ فهم مخالفون لهديه، مخطئون في ذلك؛ إذ ليس من تعظيمه أن يبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تغيير، أو تبديل؛ وحسن النية، وصحة القصد لا يبيحان الابتداع في الدين. فإن جلّ ما أحدثه من كان قبلنا من التغيير في دينهم، عن حسن نية وقصد؛ وما زالوا يزيدون وينقصون بقصد التعظيم وحسن النية، حتى صارت أديانهم خلاف ما جاءتهم به رسلهم. وقال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد ﵀: ليس هذا ما يقوله ابن تيمية ﵀ قرأت في صحيفة الندوة بتأريخ ١٦/٤/١٣٨٢?، كلمة بعنوان: "هذا ما يقوله ابن تيمية" حول الاحتفال بذكرى المولد النبوي، باسم الشيخ: محمد المصطفى الشنقيطي، ومقاله يتضمن أنه اطلع على جواب فضيلة الشيخ: يحيى عثمان المكي، وعلى جوابنا، حول إحداث بدعة ذكرى المولد النبوي.

стр. 7452

أما نحن، فهذا ما نعتقده، وندين الله به، مستدلين بما ستراه إن شاء الله، وكما هو معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وأما الشيخ يحيى، فكلامه لا شك أنه عين الصواب، وهو عين كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، لمن يعقل ويفهم كلام المحققين. وأما دعواكم بأنه بتر كلام الشيخ فهذا غير صحيح، بل ساق منه ما هو المقصود، وما يدل على الموضوع؛ وكلام الشيخ صريح بكون ذكرى المولد بدعة، لا يجوز بما نقله الشيخ يحيى، وبما نقلتم أنتم أيضا. فإنكم نقلتم عنه، إلى أن قلتم: قال ﵀: فتعظيم المولد، واتخاذه موسما، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم، لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله ﷺ كما قدمته لك: أنه يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد. فهذا كلام الشيخ ﵀، الذي تزعم أن الشيخ يحيى بتره; والواقع أن هذا هو معنى كلام الشيخ السابق، وهو يؤيد ما نقله الشيخ يحيى. وبيان ذلك: أن الشيخ ابن تيمية قال فيما نقله عنه يحيى: والله يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا. فتأمل كلام الشيخ تجده قد فرق بين المحبة

стр. 7453

والاجتهاد، وبين إحداث البدعة، فرجا لهم المثوبة على المحبة والاجتهاد، وأثبت عليهم حكم الابتداع، بفعل ما لم يشرع. فالمحبة للرسول مشروعة، بل واجبة، بل يجب تقديم محبته ﷺ على النفس؛ وهذا أيضا هو: معنى ما نقلتم; فإن الشيخ ﵀ يقول: قد يفعله - أي المولد - بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم، لحسن قصده، وتعظيمه للرسول ﷺ كما قدمته لك: أنه يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد. فكلام الشيخ ﵀، صريح بأن هذا الفعل: يستقبح من المؤمن المسدد، فهل يستقبح ما هو مشروع؟!، وهل نختار فعل المؤمن المسدد، أو نختار فعل بعض الناس الذي حسن قصده، ولكنه أخطأ الطريق بفعله؟!. وأما ما نقله شيخ الإسلام عن الإمام أحمد، أنه قال في حق الأمير الذي أنفق على تحلية المصحف ألف دينار: هذا خير ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أن مذهبه: إن زخرفة المصاحف مكروهة، ا?. فنقول: لا شك أن تحلية المصحف بألف دينار، خير من إنفاقها على البغايا، والخمور، والمعازف، ونحو ذلك، وإنه لمن الإنصاف، لو أكمل الشيخ المصطفى

стр. 7454

الشنقيطي، كلام شيخ الإسلام على هذه العبارة ولم يبترها. وهو قوله: وقد تأول بعض الأصحاب انه أنفقها في تجويد الورق، والخط، وليس مقصود أحمد هذا، وإنما قصده: أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضا مفسدة كره لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا بها الفساد، الذي لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور، ككتب الأسمار والأشعار، أو حكمة فارس والروم. هذا كلام ابن تيمية يبين أن تحلية المصحف بألف دينار، خير من إنفاقها في كتب الفجور، ونحوها. ونحن نقول: إن ذكرى المولد النبوي مع اعتقادنا أنه بدعة، خير من تعطيل حكم الشريعة، وإباحة الزنى، والخمور، فمن فعل هذه الأشياء، فبدعة ذكرى المولد أسهل منها - وهي محرمة - إلا أنها خير من سواها، مما هو أشد تحريما منها؛ حنانيك إن بعض الشر أهون من بعض. وأما قولكم: إن الاستدلال بكلام الشيخ ابن تيمية مقلوب، وأنه صريح في جواز عمل المولد، فهذا افتراء على شيخ الإسلام، وإلزام له بما لم يقل، ولا يتحمله كلامه البتة، ولم يفهمه أحد من المسلمين عنه.

стр. 7455

ولكنه على حد فهمكم الخاطئ، الذي لم يستطع التفرقة بين حسن القصد وبين سوء الفعل، كما سبق توضيح كلام الشيخ ﵀. ألم تر أنه ﷺ لما صنع خالد ﵁ ما صنع في بني جذيمة، لم يرض فعله ﷺ وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" ١ مرتين. فتبرأ من صنيع خالد، ولم يتبرأ من خالد نفسه، لحسن قصده ونيته; فاتضح: أن المقلوب في الحقيقة هو: استدلالكم، وإذا خفي كلام الشيخ عليكم فهو لا يخفى على القراء. وأما نقلكم عن شيخ الإسلام: أن مرتكب البدعة لا ينهى عنها، إذاً كان نهيه يحمله إلى ما هو شر منها، فهذا حق، ولكنك أردت قياسه على مسألتنا، وهو قياس مع الفارق، وليس له في بحثنا صلة. هل إذا منعنا بدعة المولد سيحدث ما هو أعظم منكرا منها؟!. ما هو الذي سيحدث بمنعها؟! هل سيحدث سفك دماء؟! أو شركيات؟! أو بدع أشد منها؟! لا - ولله الحمد -. وهل إحداث المولد في ليلة أو ليلتين من السنة يمنع الناس من استعمال أغاني أم كلثوم - على حسب

стр. 7456

زعمكم - ماذا تفعل تلك الليلة في جانب ليالي السنة كلها؟! ولا شك أن سماع سيرة الرسولصلى الله عليه وسلم خير من استماع غيرها من الأشياء المباحة، فضلا عن الأشياء المنكرة، ولكن تخصيصها بليلة واحدة معينة من ليالي السنة، واتخاذها عيدا يتكرر، كالأعياد التي شرعها لنا الإسلام، لا شك أنه بدعة؛ بل ينبغي أن تكون سيرته ﷺ في أغلب أيام السنة تقرأ، من غير تخصيص لوقت معين. ومما يدل على أنه بدعة، ما يأتي: أولا: أنه لم يرد في كتاب ولا سنة، والعبادات مبناها على الأمر. ثانيا: قد ورد النهي عنها بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١. ثالثا: لم يفعله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا غيرهم من الصحابة والتابعين، ولا من بعدهم من أئمة المسلمين. رابعا: هذا فيه المشابهة للنصارى بأعيادهم، وقد نهينا عن التشبه بهم في عدة أحاديث، كما لا يخفى على من عرف شيئا من الشريعة الإسلامية. ومن المستغرب أنكم قلتم في مقالكم السابق،

стр. 7457

تأريخ ٧/٤/١٣٨٢? في صحيفة الندوة: إن بدعة المولد تلقتة الأمة الإسلامية بالقبول، فكأنكم جعلتم فعل الناس دليلا على الجواز، وهل هذا حجة؟ والسنة تردّه؟! وهل ما يفعله العوام أو المنحرفون يحتج به على الشريعة؟! هل أجمع علماء الإسلام المحققون على جوازه؟ مع أن الأمة التي تشير إليها، قد أجمعت على وضع القانون بدلا من الشريعة، فهل يكون دليلا على جواز إباحة الخمور، والزنى عند التراضي، والبناء على القبور، والصلاة عندها؟! هل يكون فعلهم دليلا على جواز هذه الأشياء؟! وأما قولكم: إننا اذا لم نفعل ذلك - أي إحداث المولد - نكون موضعا للوقوع في أعراضنا، واتهامنا بعدم محبته ﷺ . فنقول: كيف نتهم بذلك، ونحن نعتقد أن الصلاة عليه ﷺ ركن من أركان الصلاة، وأن من صلى ولم يصل على النبي فصلاته غير صحيحة، فريضة كانت أو نافلة؛ وهذا مذهبنا معشر الحنابلة دون غيرنا. وأيضا: وقوع مثل هذا لا يكون مسوغا لنا على ترك الحق وعدم التمسك به، فإن صاحب الحق قد يلقب بألقاب شنيعة تنفر عنه؛ فالمشركون قالوا في حقه ﷺ إنه قطع أرحامنا، وسفه أحلامنا، وإنه كاهن،

стр. 7458

ومجنون، وساحر، إلى غير ذلك من الألقاب، ولم يزده ذلك إلا تمسكا بالحق، وكذلك أتباعه من الأئمة وغيرهم من المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. وأيضا: هناك ألقاب في هذا الزمن لكل متمسك بدينه، فتراه يرمى بأنه رجعي، وأنه متزمت، وضيق العطن، إلى أمثال هذه الكلمات، فهل ندع أوامر الشريعة للسلامة من هذه الألقاب؟! ثم إنكم أيضا قلتم عن شيخ الإسلام، إنه ابتدع مؤلفات كثيرة في حماية جانب الرسول ﷺ ، وهذا في الحقيقة اتهام للشيخ خاطئ، وجهل وقصور متناه منكم. فشيخ الإسلام لم يبتدع، وإنما ينقل الآيات، والأحاديث، وكلام العلماء ويوضحها، ويبين المراد منها، وينفي عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وهو من أحرص الناس على الاتباع وترك الابتداع، وكذا تلميذه العلامة ابن القيم على طريقته ﵀. والواقع أن بحث هذا الموضوع يستدعي كلاما أبسط من هذا، ولكن هذه إشارة; وسنكتب - إن شاء الله - كلاما أوسع، وأجمع للأدلة من هذا; وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

стр. 7459

[الجن هل لوجودهم حقيقة أم لا وما حكم من أنكر وجودهم] وسئل الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ﵀: ١ ما قولكم دام فضلكم وكثر النفع بعلومكم عن الجن، هل لوجودهم حقيقة؟ أم لا؟ وما حكم من أنكر وجودهم؟ وهل لهم نفوذ في أجسام البشر أم لا؟ لأن بعضهم أنكروا ذلك، قائلين: إنما يحدث في بعض الناس هو من أخلاط في العقل، وهذيان كلام لا معنى له. إنما هو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب في عملها منعا غير تام، وسببه أخلاط غليظة لزجة، تسد منافذ بطون الدماغ سدا غير تام، فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه، وربما كان لأسباب أخرى من شأنها تشنج بعض الأعضاء، أو خلل في الأعصاب. وإن الصرع داء عصبي يعتري المصابين به، فيفقدهم حسهم وشعورهم، ويصرعهم إلى الأرض، ويجعلهم يتخبطون؛ في بدء حصوله يكون الجسم متوترا، والوجه شاحبا، ثم تحدث إرجافات شديدة، وانطباقات في الفكين، وخروج ماء الفم ممزوج بدم، وتنضم اليدان إحداهما إلى الأخرى؛ وبعد مضي بضع دقائق، يعود المريض إلى حالته الأولى، فيميل للنوم، فينام، ثم يستيقظ كأنه لم يطرأ عليه شيء.

стр. 7460

فأجاب ﵀: دلّت الكتب السماوية على وجود الجن حقيقة، وأجمع المسلمون عليه، بل وعقلاء النصارى، والمجوس، والصابئون؛ وهذا أمر معلوم حتى عند جاهلية العرب، ولم ينكر وجودهم إلا جهلة الأطباء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، وكذا جمهور الكفار، لأن وجودهم تواترت به أخبار الأنبياء، تواترا معلوما بالاضطرار، يعرفه الخاصة والعامة; قال: ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهلة الفلاسفة ونحوهم. وقال: ليس الجن كالإنس في الحد، والحقيقة; فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساويا لما على الإنس في الحد، والحقيقة؛ لكنهم شاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، بلا نزاع أعلمه بين العلماء. وقال ابن حزم في كتاب "الفيصل": ووجود الجن جاءت به النصوص، وأنهم: أمة عاقلة مميزة، متعبدة، موعودة متوعدة متناسلة، يموتون، وأجمع المسلمون على ذلك، بل النصارى والمجوس، والصابئون، وأكثر اليهود؛ وهم يروننا ولا نراهم. وقال الإمام الماوردي: الجن من العالم الناطق المميز، يتناسلون، ويموتون، وأشخاصهم محجوبة عن
следующие страницы →