زعمكم - ماذا تفعل تلك الليلة في جانب ليالي السنة كلها؟!
ولا شك أن سماع سيرة الرسولصلى الله عليه وسلم خير من استماع غيرها من الأشياء المباحة، فضلا عن الأشياء المنكرة، ولكن تخصيصها بليلة واحدة معينة من ليالي السنة، واتخاذها عيدا يتكرر، كالأعياد التي شرعها لنا الإسلام، لا شك أنه بدعة؛ بل ينبغي أن تكون سيرته ﷺ في أغلب أيام السنة تقرأ، من غير تخصيص لوقت معين. ومما يدل على أنه بدعة، ما يأتي: أولا: أنه لم يرد في كتاب ولا سنة، والعبادات مبناها على الأمر.
ثانيا: قد ورد النهي عنها بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١.
ثالثا: لم يفعله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا غيرهم من الصحابة والتابعين، ولا من بعدهم من أئمة المسلمين. رابعا: هذا فيه المشابهة للنصارى بأعيادهم، وقد نهينا عن التشبه بهم في عدة أحاديث، كما لا يخفى على من عرف شيئا من الشريعة الإسلامية.
ومن المستغرب أنكم قلتم في مقالكم السابق،
стр. 7457
تأريخ ٧/٤/١٣٨٢? في صحيفة الندوة: إن بدعة المولد تلقتة الأمة الإسلامية بالقبول، فكأنكم جعلتم فعل الناس دليلا على الجواز، وهل هذا حجة؟ والسنة تردّه؟! وهل ما يفعله العوام أو المنحرفون يحتج به على الشريعة؟! هل أجمع علماء الإسلام المحققون على جوازه؟ مع أن الأمة التي تشير إليها، قد أجمعت على وضع القانون بدلا من الشريعة، فهل يكون دليلا على جواز إباحة الخمور، والزنى عند التراضي، والبناء على القبور، والصلاة عندها؟! هل يكون فعلهم دليلا على جواز هذه الأشياء؟!
وأما قولكم: إننا اذا لم نفعل ذلك - أي إحداث المولد - نكون موضعا للوقوع في أعراضنا، واتهامنا بعدم محبته ﷺ .
فنقول: كيف نتهم بذلك، ونحن نعتقد أن الصلاة عليه ﷺ ركن من أركان الصلاة، وأن من صلى ولم يصل على النبي فصلاته غير صحيحة، فريضة كانت أو نافلة؛ وهذا مذهبنا معشر الحنابلة دون غيرنا.
وأيضا: وقوع مثل هذا لا يكون مسوغا لنا على ترك الحق وعدم التمسك به، فإن صاحب الحق قد يلقب بألقاب شنيعة تنفر عنه؛ فالمشركون قالوا في حقه ﷺ إنه قطع أرحامنا، وسفه أحلامنا، وإنه كاهن،
стр. 7458
ومجنون، وساحر، إلى غير ذلك من الألقاب، ولم يزده ذلك إلا تمسكا بالحق، وكذلك أتباعه من الأئمة وغيرهم من المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
وأيضا: هناك ألقاب في هذا الزمن لكل متمسك بدينه، فتراه يرمى بأنه رجعي، وأنه متزمت، وضيق العطن، إلى أمثال هذه الكلمات، فهل ندع أوامر الشريعة للسلامة من هذه الألقاب؟!
ثم إنكم أيضا قلتم عن شيخ الإسلام، إنه ابتدع مؤلفات كثيرة في حماية جانب الرسول ﷺ ، وهذا في الحقيقة اتهام للشيخ خاطئ، وجهل وقصور متناه منكم. فشيخ الإسلام لم يبتدع، وإنما ينقل الآيات، والأحاديث، وكلام العلماء ويوضحها، ويبين المراد منها، وينفي عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وهو من أحرص الناس على الاتباع وترك الابتداع، وكذا تلميذه العلامة ابن القيم على طريقته ﵀.
والواقع أن بحث هذا الموضوع يستدعي كلاما أبسط من هذا، ولكن هذه إشارة; وسنكتب - إن شاء الله - كلاما أوسع، وأجمع للأدلة من هذا; وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 7459
[الجن هل لوجودهم حقيقة أم لا وما حكم من أنكر وجودهم]
وسئل الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ﵀: ١ ما قولكم دام فضلكم وكثر النفع بعلومكم عن الجن، هل لوجودهم حقيقة؟ أم لا؟ وما حكم من أنكر وجودهم؟ وهل لهم نفوذ في أجسام البشر أم لا؟ لأن بعضهم أنكروا ذلك، قائلين: إنما يحدث في بعض الناس هو من أخلاط في العقل، وهذيان كلام لا معنى له. إنما هو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب في عملها منعا غير تام، وسببه أخلاط غليظة لزجة، تسد منافذ بطون الدماغ سدا غير تام، فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه، وربما كان لأسباب أخرى من شأنها تشنج بعض الأعضاء، أو خلل في الأعصاب.
وإن الصرع داء عصبي يعتري المصابين به، فيفقدهم حسهم وشعورهم، ويصرعهم إلى الأرض، ويجعلهم يتخبطون؛ في بدء حصوله يكون الجسم متوترا، والوجه شاحبا، ثم تحدث إرجافات شديدة، وانطباقات في الفكين، وخروج ماء الفم ممزوج بدم، وتنضم اليدان إحداهما إلى الأخرى؛ وبعد مضي بضع دقائق، يعود المريض إلى حالته الأولى، فيميل للنوم، فينام، ثم يستيقظ كأنه لم يطرأ عليه شيء.
стр. 7460
فأجاب ﵀: دلّت الكتب السماوية على وجود الجن حقيقة، وأجمع المسلمون عليه، بل وعقلاء النصارى، والمجوس، والصابئون؛ وهذا أمر معلوم حتى عند جاهلية العرب، ولم ينكر وجودهم إلا جهلة الأطباء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، وكذا جمهور الكفار، لأن وجودهم تواترت به أخبار الأنبياء، تواترا معلوما بالاضطرار، يعرفه الخاصة والعامة; قال: ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهلة الفلاسفة ونحوهم.
وقال: ليس الجن كالإنس في الحد، والحقيقة; فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساويا لما على الإنس في الحد، والحقيقة؛ لكنهم شاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، بلا نزاع أعلمه بين العلماء. وقال ابن حزم في كتاب "الفيصل": ووجود الجن جاءت به النصوص، وأنهم: أمة عاقلة مميزة، متعبدة، موعودة متوعدة متناسلة، يموتون، وأجمع المسلمون على ذلك، بل النصارى والمجوس، والصابئون، وأكثر اليهود؛ وهم يروننا ولا نراهم.
وقال الإمام الماوردي: الجن من العالم الناطق المميز، يتناسلون، ويموتون، وأشخاصهم محجوبة عن
стр. 7461
الأبصار، وإن تميزوا بأفعال وآثار، إلا أن الله يخص برؤيتهم من يشاء.
وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية، وما تخيلوه من آثارهم الخفية ... إلى أن قال: فإن أنكر قوم خلق الجن، ولم يؤمنوا بالكتب الإلهية، قهرتهم براهين العقول، وحجج القياس. وقال أبو البقاء في كلياته: وجمهور أرباب الملل، المصدقين بالأنبياء، قد اعترفوا بوجود الجن، واعترف جمع عظيم من قدماء الفلاسفة.
وقال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" في علاج الصرع ما مثاله: الصرع صرعان، صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية; وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح: فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرية العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدفع آثارها، وتعارض أفعالها، وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الاختلاط، والمادة; وأما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع فيه هذا العلاج.
стр. 7462
وأما جهلة الأطباء، فينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحسد والوجود شاهدان به، وإحالتهم ذلك على علية بعض الأخلاط، هو صدق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء يسمون هذا الصرع: "المرض الإلهي" وقالوا من الأروح.
وقال في الإقناع وشرحه: والمشهور أن للجن قدرة على النفوذ في بواطن البشر، لقوله ﵊: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" ١.
وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ إذا أوتي بالمصروع وعظ من صرعه، وأمره ونهاه؛ فإن انتهى وفارق المصروع، أخذ عليه العهد أن لا يعود، وإن لم يأتمر، ولم ينته، ولم يفارقه، ضربه حتى يفارقه. والضرب في الظاهر يقع على المصروع، وإنما يقع في الحقيقة على من صرعه؛ ولهذا يتألم من صرعه به ويصيح، ويخبر المصروع إذا أفاق بأنه لم يشعر بشيء من ذلك. ولو تتبعنا أقوال العلماء في هذا لكثر جدا.
أما حكم منكر الجن فإنهم مكذبون للقرآن العزيز والسنة النبوية، ومخالفون لما أجمع عليه المسلمون، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ
стр. 7463
الْقُرْآنَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٩] ، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [سورة الجن آية: ١] ، وكما في خبر جن نصيبين الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ فاستمعوا قراءته، وآمنوا به، وصدقوه. فظهر مما تقدم إثبات وجود الجن حقيقة، وكفر من أنكر وجودهم، وأن لهم قدرة على النفوذ من بواطن البشر؛ وأن الصرع صرعان: صرع من الأرواح الشريرة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة، لما نص عليه كثير من محققي العلماء، ﵏، والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل؛ وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد: تعقيب وتنبيه ١ حول مقال [الحج بين التعسير والتيسير]
نشرت جريدة البلاد بعدديها الصادرين في ٦ محرم، وفي ١٢ منه، سنة ١٣٨٥?، كلمتين للأستاذين الفاضلين: صالح محمد جمال، وأخيه أحمد محمد جمال؛ ومع شكري لهما وتقديري لمواقفهما الإسلامية، بارك الله فيهما، وفي علومهما، غير أنه لا بد من إيضاح ما ورد من الخطأ في كلمتيهما.
قال الأخ الفاضل صالح في كلمته بعنوان: "الحج بين
стр. 7464
التعسير والتيسير": ذكرني هذا الاقتراح، بما يعمد إليه خطباء المساجد عندنا، في كل عام في موسم الحج، من إيراد صفة حج النبي ﷺ وحث الحجاج أن يحجوا كما حج تماما ... إلخ.
أقول: ناهيك بهذا شرفا وفضلا، من أن المسلمين يحجون كما حج الرسول ﷺ وأن فيهم من يأمر بذلك، ويحث عليه، ويرغب فيه; فإن الله أمرنا باتباعه، والتمسك بهديه. فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢١] ، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، فهل يجوز لنا أن نغير في شرع الله ودينه؟ وفي صفة الحج وهيئته؟ بحجة الفروق الزمنية، واختلاف الوسائل العصرية؟! فيختص الشرع في أناس كانوا فبانوا؟!. لا أظن أن أحدا من المسلمين يقول بهذا، أو يعيب على من حث بالاقتداء بالنبي ﷺ في الحج، أو الصلاة، أو الزكاة، والصوم، وغيرها من شرائع الإسلام، فقد قال عبد الله بن مسعود: "اتبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم"، وقال: "إنكم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون، ويحدث لكم، فإذا رأيتم ذلك، فعليكم بالهدي الأول"
مع أن الحث هو الحض، والترغيب وليس الإلزام
стр. 7465
والإيجاب، فهل يريد الأخ أن لا يذكر شيء أبدا مما جاء عن النبي ﷺ في صفة الحج؟!. ثم قال الأخ: ويحذروهم من الذبح بمكة، لأنه غير جائز، ووجوب الذبح بمنى! لا أظن هذا صحيحا، فإن الذبح بمنى وبمكة جائز، لما روى أبو داود، وابن ماجة وغيرهما، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "منى منحر وفجاج مكة كلها منحر" ١ ثم قال الأستاذ: ولو أراد الحجيج كلهم أن يأخذوا بدعوة هؤلاء الخطباء لدقّت الأعناق ... إلخ.
أقول: لو تمسك الناس بحج رسول الله ﷺ لوجدوا فيه الخير والبركة والهدوء، والراحة التامة؛ فهذا الحجيج ينصرفون من عرفات إلى مزدلفة دفعة واحدة، وما دقّت الأعناق، ولا كسّرت الرواحل، ولا تعطلت الحركة، وما حصل إلا الخير. ثم هم ينفرون من منى دفعة واحدة إلى مكة، ولا يبقى إلا القليل على كثرتهم. وهؤلاء الخطباء لم يأتوا بشيء من عندياتهم، أو استحساناتهم، حتى نترك أقوالهم، أو يمنعون من صيغ الخطب، التي يلقونها، وهي إيراد صفة حج النبي ﷺ كما تفضلتم بذلك.
وبعد أن فرض الحج، أمر الرسول ﷺ أن ينادي في الناس، بأنه سيحج هذا العام، ليقتدوا بأفعاله، وليعلمهم
стр. 7466
طريقة أداء المناسك، فهل الرسول ﷺ أراد من هذا العمل، ومن قوله ﷺ "خذوا عني مناسككم" ١ تكليف أمته والشق عليهم؟! لا والله. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٨] . وإذا لم نتبع هدي الرسول ونقتدي به، فمن نتبع؟ وكيف نعلم الجاهل، إذا كان حج الرسول ﷺ فيه تكليف؟!
ثم قال الأخ صالح: ولولا رحمة الله التي تمثلت في اختلاف المذاهب الأربعة لكان الحج عملية جد شاقة. أقول: أصحاب المذاهب الأربعة لم يقصدوا مخالفة النبي ﷺ لغرض التوسعة على الناس، وليست أقوالهم شرعا يتبع، إذا خالفت النص، بل كل منهم يتحرى ما أمر به الرسول ﷺ أو فعله، أو أقره، لا أنهم يأتون بأحكام جديدة لم تستند على دليل.
وهذا الاختلاف إنما نشأ عن حسن نية وتطلب للحق، وإلا فكلهم مجمعون على أن أي قول يقولونه مخالف لهدي رسول الله ﷺ يضرب به عرض الحائط، قال هذا المعنى أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد.
والخلاف: ليس رحمة، بل هو مذموم؛ ذمه القرآن والسنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٩] ، ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ
стр. 7467
رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود آية: ١١٩-١١٨] ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] ، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] . ولو كان الخلاف رحمة لما كان الإجماع - الذي هو الأصل الثالث - حجة.
وفي حديث العرباض بن سارية: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١، وجاء في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: هَجَّرْتُ إلى رسول الله ﷺ يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله ﷺ يرى في وجهه الغضب، قال: "إنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم في الكتاب" ٢ وفي حديث آخر: "أبهذا أمرتكم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟! وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة التنازع في أمر دينهم، واختلافهم على أنبيائهم" ٣.
وبالجملة: فهذه الآيات، والأحاديث، والآثار، كلها تذم الاختلاف، وتعيبه، وتمنع منه، وما يروى: "اختلاف
стр. 7468
أمتي رحمة" لا أصل له، كما قاله السيوطي، وابن الديبع، والسخاوي في المقاصد الحسنة. بل الرحمة والخير في الاجتماع; والشر والبلاء في الفرقة والاختلاف، ومعناه ليس بصحيح، لأن المعنى: يكون الحث على الاختلاف، والتفرق، وعدم الاتفاق، طلبا لتوسعة الرحمة. والذي تعطيه عبارة الأخ في قوله: ولولا رحمة الله التي تمثلت في اختلاف المذاهب الأربعة، ... إلخ، ما يدل على أن الرحمة لم تتمثل وتحصل إلا بعد وجود هذه المذاهب الأربعة، وكثرة الخلاف؛ وأعتقد أن الأخ لا يقصد هذا، وإنما هي سبقة قلم.
قال الأخ: ولو أراد الحجيج كلهم أن يخرجوا دفعة واحدة من مكة فيخرجوا يوم التروية، متجهين إلى منى، ليصلوا بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفجر اليوم التاسع، ثم يتحرك كل الحجيج دفعة واحدة أيضا إلى عرفات، لو وقع هذا فعلا، لما تحركت سيارة واحدة من مكة ... إلى أن قال: ولو تحركوا من منى كلهم في صبيحة اليوم التاسع، لانتهى وقت الوقوف قبل أن يصل كل الحجيج إلى عرفات.
أقول: لو خرجوا دفعة واحدة لتيسر أمرهم، ما داموا متبعين لهدي الرسول ﷺ ولوجدوا فيه الراحة،
стр. 7469
والطمأنينة، وهذا يحصل فعلا بدفعهم من عرفات إلى مزدلفة، وكالنفر الأول من منى إلى مكة، ولا يحصل إلا الخير. ومع هذا، فإن الخطباء لم يقرروا وجوب الخروج في اليوم الثامن؛ بل لو خرج الحجيج قبله أو بعده إلى عرفات، جاز. والمبيت بمنى الليلة التاسعة، سنّة بغير خلاف. ثم لو لم يأت عرفة إلا ليلة النحر قبل طلوع الفجر، صح حجه.
ثم قال الأخ صالح: ولم يكن الحج عند إصدار هذه التشريعات، بهذه الكثرة، وبهذه الوسائل؛ فكيف لو شاهد واحد منهم هذا الذي يلقاه الحجاج الآن؟ مما يجعل إلزام الحاج، بأن يحجوا كما حج الرسول ﷺ أمرا يكاد يكون مستحيلا. فهل الكثرة وتلك الوسائل المريحة، تكون سببا لتغيير الأحكام الشرعية؟! بل إن هذه الأزمنة، أسهل وأيسر في حق الحجاج من الزمن الأول، لعدم توفر المياه في ذلك الوقت، ولصعوبة المسالك، ولحاجتهم الشديدة إلى نقل كل ما يحتاجونه من ماء وغيره، لبعد المسافات على الرواحل، ولعدم وجود ما يحتاجونه من الأطعمة في عرفات ومزدلفة ومنى؛ والذين حجوا مع النبي ﷺ بلغ عددهم مائة وأربعة وعشرين ألفا.
стр. 7470
وقد ذكر بعض المؤرخين أن عدد الحجاج في أواخر خلافة بني العباس، قد بلغ ستمائة ألف; فقارن نسبتهم مع نسبة عدد الحجاج في هذا الزمن، مع اعتبار وسائل النقل؛ وفي زمننا كل شيء متيسر - ولله الحمد- من المياه، والمطاعم، ووسائل النقل، وغيرها.
وأحب أن أذكر الأخ أن الحج ليس مجرد نزهة فقط، لا يتحمل الإنسان منه أدنى مشقة أو تعب؛ لا، بل أخبر الرسول ﷺ أن الحج من الجهاد؛ والجهاد معروف ما يتحمله الإنسان في سبيله، وكما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [سورة النحل آية: ٧] .
وقول الأخ صالح: فكيف لو شاهد واحد منهم هذا الذي يلقاه الحجاج الآن؟ مما يجعل إلزام الحاج أن يحج كما حج النبي ﷺ أمرا، يكاد يكون مستحيلا.
هذه عبارة لا ينبغي أن تصدر من عاقل، فضلا عمن عنده أدنى علم. فهل يسوغ لنا أن نغير في العبادات الشرعية بحجة الكثرة؟ أيشرع للناس وقوفا في اليوم الثامن وفي اليوم التاسع؟ أيشرع للناس ترك رمي الجمار نظرا للكلفة والمشقة؟!، أيشرع للناس اختصار الطواف والسعي خمسة أشواط بدلا من سبعة؟! نظرا للكثرة والمشقة!!.
وقوله: يكاد يكون الاقتداء بالنبي ﷺ أمرا مستحيلا
стр. 7471
ليس هو- والحمد لله- بالمستحيل، بل هو متيسر سهل، فلا نزيد ولا ننقص "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١. وإذا كان الاقتداء بالنبي ﷺ مستحيلا، فمن الذي يجب أن يقتدى به، وتكون طريقته أسهل وأيسر من النبي ﷺ ؟ أم نقول للناس تخبطوا في متاهات الجهل، وحجوا كما أردتم، بدون الاقتداء بأحد؟!.
وقوله: لم أسمع خطيبا يحاول التيسير على الحجاج، فيقول لهم مثلا: إن الإمام مالك أجاز المكث في مزدلفة، بقدر حط الرحال. أقول: ليس التيسير من جهة الخطباء، ولا من غيرهم، بل هي السنة; والإمام مالك إذا كان يرى إجزاء المكث بمزدلفة بقدر حط الرحال، فإن من الصحابة من قال: إن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة؛ قال بهذا ابن عباس، وابن الزبير ﵄.
وقال به من التابعين: إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، والأوزاعي، وحماد ابن أبي سليمان، وداود الظاهري، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن جرير، وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية، وأكثر العلماء يقولون بوجوبه. والمسلمون مأمورون باتباع نبيهم ﷺ لا باتباع مالك، ولا أحمد، ولا غيرهما.
стр. 7472
قال شيخ الإسلام: وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقول، أو وجه من غير نظر في الترجيح، والإمام مالك يقول: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وقوله: لم أسمع واحدا منهم قط، قال لهم: إمضاء يوم الثامن بمنى إلى فجر يوم التاسع مجرد سنة، أنفي سمعك يدل على أنهم لم يقولوه؟ بل كلهم مجمعون فيما علمت على أن الخروج في اليوم الثامن، والمبيت بمنى تلك الليلة سنة، وأنه لو لم يخرج إلى عرفات، إلا ليلة النحر قبل طلوع الفجر صح حجه.
وقوله: أما وجوب ذبح الهدي بمنى فإني ألاحظ عليهم، وعلى أكثرية خطباء المسجد الحرام تحذير الحجاج من الذبح بمكة، والفتوى بعدم إجزائه!! لا يقول بهذا أحد منهم، بل الذي عليه أكثر العلماء، من الشافعية، والحنابلة، جواز الذبح بمكة، وعدم وجوبه بمنى، لحديث جابر السابق.
قوله: وأسلوب الرسول ﷺ في توجيه الحجيج الذي كان يقوله لكل سائل: افعل ولا حرج!! لم يقل الرسول ﷺ لكل سائل افعل ولا حرج، إلا فيما يحصل به التحلل، فهذا عروة بن مضرس، جاء يسأل الرسول ﷺ ولم يقل له: افعل ولا حرج.
стр. 7473
قال عروة: جئت من جبل طيء أتعبت نفسي، وأكللت راحلتي، فما من جبل إلا وقفت عنده، فهل لي من حج؟ قال ﷺ "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه" ١، فراعى الرسول ﷺ الترتيب، ولم يقل له: افعل ولا حرج، مع أن السائل، قال: أتعبت نفسي، وأكللت راحلتي؛ فهل: لو رمى الجمار يوم عرفة- بأن قدمه على يوم النحر- هل يجزئه بحجة: افعل ولا حرج؟! أو طاف طواف الإفاضة في اليوم التاسع، فهل يكفيه بحجة: افعل ولا حرج؟! وإنما "قال النبي ﷺ لمن سأله يوم النحر: ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، قال آخر: رميت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج; فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر، إلا قال: افعل ولا حرج" ٢، والمراد به هو: ما يحصل به التحلل يوم العيد; لقوله: فما سئل يومئذ، ولم يقل لكل سائل: افعل ولا حرج; وقصة كعب بن عجرة أيضا معروفة معلومة. انتهى المراد من كلمة الأخ صالح.
ولي على كلمة الأخ أحمد محمد جمال، المنشورة في جريدة البلاد، في العدد الصادر بتأريخ اثني عشر منه خمس ملاحظات:
стр. 7474
أولا: قوله: وأردف الفقيه العربي، أن مذهب الشافعي: جواز الذبح طيلة العام. أقول: لم يكن هذا هو مذهب الشافعي الصحيح، بل قوله موافق لقول الجمهور، كما دلت عليه النصوص النبوية، من تخصيص الذبح في أيام التشريق كما قاله الحافظ ابن كثير وغيره، ونقله عنه الموفق ابن قدامة في المغني، وكما في الأم له ﵀. ثانيا: نقله عن الفقيه العربي قوله، ويمنع في الوقت نفسه الخطباء والوعاظ الذين يحرمون الذبح في غير منى; لو تفضل الأخ الفقيه، وأعلن بأسماء الذين يمنعون من ذلك لكان أليق; فإن الجمهور من العلماء يجوزون الذبح بمكة، كمنى، لحديث جابر السابق. ثالثا: نقله استنكار الفقيه العربي أن يجمد الخطباء والوعاظ على الحث للحجاج باقتفاء سنة الرسول ﷺ في حجه من حيث المبيت بمنى ليلة التاسع، وفي المزدلفة ليلة العاشر، مع أنهم يعلمون علم اليقين أن ذلك مستحيل على كافة الحجاج ... إلخ. أعظم بها من منقبة وأكرم بها من طريقة سامية! كيف لا يقتدى بسيد الخلق، وإمام المرسلين الذي أمرنا باتباعه، والتمسك بهديه، والاقتداء بأفعاله؟ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢١] ، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [سورة النور آية: ٥٤] ،
стр. 7475
وقال ﷺ : "خذوا عني مناسككم" في حين أن المبيت بمنى ليلة التاسع سنة إجماعا، لأحاديث دلت على ذلك؛ والمبيت بمزدلفة واجب عند كثير من أهل العلم. وآخرون قالوا إنها ركن من أركان الحج، لا يتم الحج بدون المبيت بمزدلفة، كما تقدم، لحديث عروة بن مضرس: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع" ١ الحديث. رابعا: قوله: وإن الفقهاء قبلهم قد أوضحوا السنة من الواجب، من مناسك الحج، وبذلك يسروا على الحجاج. فهل التيسير من الفقهاء؟!، أهم مشرعون من عندياتهم؟! أم مجتهدون، يتحرون الدليل، ويلتمسون الصواب، ويتطلبون الاقتداء بنبيهم ﷺ في صفة الحج وغيره. وكلهم يعلمون، أن التيسير ليس من قبلهم، ويعلمون أن الرسول ﷺ قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢، ويعلمون أن الرسول ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور" ٣. نقل الأستاذ أحمد، عن الفقيه العربي، بأنه سيصدر فتوى لحجاج بلاده بجواز التصدق بثمن الهدي عند الحاجة إليه، فهلا يتكرم بإصدار فتوى بجواز التصدق، بتكاليف الحج، بدلا من الحج؟! ويسقط عنهم حجة الإسلام، فمتى جاز في البعض جاز في الكل.
стр. 7476
وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع
وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعِي
ففتواه هو وغيره ما لم تستند على دليل شرعي غير معتبرة.
وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلافا له حظ من النظر
وختاما: أشكر للأستاذين الجليلين، أن أتاحا لي الفرصة للاشتراك بإبداء رأيي في الموضوع، والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
[رد الشيخ عبد العزيز بن باز على عبد الله السعد حين أساء الظن بالإخوة المتطوعين في الدعوة إلى الله]
وقال الشيخ: عبد العزيز بن باز١ في ردّه على عبد الله السعد:٢ فألفيت الكاتب قد أساء الظن بالإخوان المتطوعين، القائمين بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في "الرياض" وملحقاتها، ووصفهم بأنهم مخدوعون، ومتشددون، ومحاربون للجديد، إلى غير ذلك مما وقع في كلامه من الأخطاء.
وقد رأيت أن أنبه في هذه الكلمة، على ما وقع في مقاله، من الأخطاء ذات الأهمية، نصحا له ولسائر الأمة،
стр. 7477
ودفاعا عن الإخوان، فيما نعلم براءتهم منه، وتحريضا له ولغيره من الكتاب، على التثبت في القول، ولزوم الاعتدال في الحكم، والحذر من سوء الظن الذي لا ينبني على أساس مستقيم.
وإلى القارئ تفصيل القول فيما وقع في مقال الكاتب: عبد الله السعد، من الأخطاء التي تستحق التنبيه عليها، والإنكار على قائلها؛ فنقول، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به: أما ما ذكره الكاتب: عن مضار الغلو والتشديد فصحيح؛ ولا شك أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالتحذير من الغلو في الدين، وأمرت بالدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن. ولكنها مع ذلك لم تهمل جانب الغلظة والشدة في محلها، حيث لا ينفع اللين، والجدال بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٤٦] الآية.
стр. 7478
فشرع الله سبحانه لعباده المؤمنين، الغلظة على الكفار، والمنافقين، حين لم تؤثر فيهم الدعوة بالحكمة واللين؛ والآيات وإن كانت في معاملة الكفار، دالة على أن الشريعة إنما جاءت باللين في محله حين يرجى نفعه. أما إذا لم ينفع، واستمر صاحب الظلم، أو الكفر، أو الفسق في عمله، ولم يبال بالواعظ والناصح، فإن الواجب الأخذ على يديه، ومعاملته بالشدة، وإجراء ما يستحقه، من إقامة حد، أو تعزير، أو تهديد، أو توبيخ، حتى يقف عند حده، وينْزجر عن باطله.
ولا ينبغي للكاتب وغيره: أن ينسى ما ورد في هذا من النصوص، والوقائع من حين بعث النبي ﷺ إلى عصرنا هذا، وما أحسن ما قاله الشاعر في هذا المعنى:
دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف صلت بكفه له أسلموا واستسلموا وأنابوا
والخلاصة: أن الشريعة الكاملة جاءت باللين في محله، والشدة في محلها. فلا يجوز للمسلم أن يتجاهل ذلك; ولا يجوز أيضا أن يوضع اللين في محل الشدة، ولا الشدة في محل اللين. ولا ينبغي أيضا أن ينسب إلى الشريعة أنها جاءت
стр. 7479
باللين فقط، ولا أنها جاءت بالشدة فقط؛ بل هي شريعة حكيمة كاملة، صالحة لكل زمان ومكان، ولإصلاح كل أمة؛ ولذلك جاءت بالأمرين معا، واتسمت بالعدل والحكمة والسماح. فهي شريعة سمحة، ليسر أحكامها، وعدم تكليفها ما لا يطاق، ولأنها تبدأ في دعوتها باللين، والحكمة، والرفق؛ فإذا لم يؤثر ذلك، وتجاوز الإنسان حده، وطغى، وبغى، أخذته بالقوة والشدة، وعاملته بما يردعه، ويعرفه سوء عمله.
ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة خلفائه الراشدين، وصحابته المرضيين، وأئمة الهدى بعدهم، عرف صحة ما ذكرناه. ١
ومما ورد في اللين قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
стр. 7480
لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٩] الآية، وقوله تعالى في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه آية: ٤٤] ، وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٥] الآية. ومما ورد في الشدة: الآيات المتقدم ذكرها ١، ومن الأحاديث: ما رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما، عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ لما تلا قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٩-٧٨] قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه وفي لفظ آخر: على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو لتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم" ٢.
стр. 7481
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم" ١، وروي عنه ﷺ أنه قال: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم" ٢، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر، معلومة لدى أهل العلم، وقد هجرهم النبي ﷺ وأصحابه ﵃ خمسين ليلة، حتى تابوا، فتاب الله عليهم، وأنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٧]
стр. 7482
إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [سورة التوبة آية: ١١٨] الآية.
فمما تقدم من الآيات والأحاديث، يعلم الكاتب وغيره من القراء أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت باللين في محله، والغلظة والشدة في محلها.
وأن المشروع للداعية إلى الله أن يتصف باللين والرفق، والحلم والصبر، حتى يكون ذلك أكمل في نفع دعوته والتأثر بها، كما أمره الله بذلك، وأرشد إليه رسوله ﷺ ، وأن يكون على علم وبصيرة فيما يدعو إليه، وفيما ينهى عنه، لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] . ولا ينبغي للداعية أن يلجأ إلى الشدة والغلظة، إلا عند الحاجة والضرورة، وعدم حصول المقصود بالطريقة الأولى؛ وبذلك يكون الداعي إلى الله سبحانه قد أعطى المقامين حقهما، وترسم هدي الشريعة في الجانبين; والله الموفق. ونحن في هذا لا نقصد موافقة الكاتب على ما نسبه للإخوان من التشديد، فالذي عرفنا عنهم خلاف ذلك، فهم - بحمد الله- على بينة وبصيرة، ويعاملون الناس بالتي هي أحسن، ويوجهونهم إلى الخير، تحت إرشادات علماء البلاد، والمسؤولين فيها.
ولو فرضنا أنه وقع من بعضهم خطأ، أو تشديد في غير محله، فليسوا معصومين، والواجب تنبيههم،
стр. 7483
وإرشادهم إلى ما قد يقع منهم من الخطأ، حتى يحذروه مستقبلا. وكان الواجب على الكاتب، حين بلغه عنهم ما يعتقده خلاف الشرع، أن يتصل بأعيانهم مشافهة أو كتابة، ويناصحهم فيما أخذ عليهم، أو يتصل بسماحة المفتي، أو رئيس الهيئات، ويبدي ما لديه حول الإخوان من النقد، حتى يوجههم المشايخ إلى الطريق السوي. أما أن يكتب في صحيفة سيارة ما يتضمن التشنيع عليهم، والحط من شأنهم، ووصفهم بما هم برآء منه، فهذا لا يجوز من مؤمن يخاف الله ويتقيه، لما فيه من كسر شوكة الحق، والتثبيط عن الدعوة إليه، والتلبيس على القراء، ومساعدة السفهاء والفساق على باطلهم، وعلى النيل من دعاة الحق.
والله المسؤول أن يسامحنا وإياه، وأن يوفر الجميع للتوبة النصوح، والاستقامة على الحق، ومناصرة الداعين إليه، إنه خير مسؤول.
وأما قوله: وأنا لا أنكر على كل مؤمن أن يرشد إلى الخير، ويوجه إلى الرشد، ويستنكر الشر، ويلفت النظر إليه بأخلاق القرآن والسنة; وهي: اللطف واللين، والروية; أما إذا اتسمت أقواله أو أفعاله بالقسوة والشدة، فإن ذلك ليس من حقه،
стр. 7484
لأنه غير مأذون، ولا مكلف من جهة أسند إليها هذا الأمر، وغاية ما في الأمر أن يستنكر ما يراه منكرا بقلبه، وهو أضعف الإيمان لغير المسؤول. قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا في جماعة أو أمة ليس فيها أجهزة حكومية خصصت لهذا الواجب، ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة. فهذا الكلام فيه حق وباطل وإيهام، وإليك أيها القارئ بيان ذلك بالتفصيل.
أما قوله: إنه لا ينكر على كل مؤمن، أن يرشد إلى الخير، ويوجه إلى الرشد ... إلخ، فهذا حق، والواجب على كل من لديه بصيرة، أن يقوم بذلك؛ وهو سبيل نبينا محمد ﷺ وسبيل أتباعه على بصيرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] : فهذه الآية الكريمة ترشد إلى أن أتباع النبي ﷺ على الكمال هم أهل البصيرة والدعوة إلى الحق. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٥] : وهذه الآية العظيمة، وإن كان الخطاب فيها موجها إلى رسول الله ﷺ ، فالمراد بها جميع الأمة، وقد أوضح الله فيها سبيل الدعوة ومراتبها.
стр. 7485
فالواجب على الدعاة: أن يسيروا في دعوتهم إلى الله سبحانه على ضوئها، وعلى الطريقة التي رسمها الله فيها، سواء كان المدعو كافرا، أو مسلما، إلا من ظلم وعاند، فقد تقدم في الأدلة السابقة، ما يدل على شرعية الغلظة عليه، ومعاملته بما يستحق، في حدود الشريعة الكاملة.
وأما قول الكاتب: أما إذا اتّسمت أقواله وأفعاله بالقسوة والشدة، فإن ذلك ليس من حقه، لأنه غير مأذون، ولا مكلف من جهة أسند إليها هذا الأمر؛ وغاية ما في الأمر أن يستنكر ما يراه منكرا بقلبه، وهو أضعف الإيمان لغير المسؤول.
فهذا فيه إجمال وخطأ ظاهر، يتضح مما تقدم; وذلك لأن المطلوب من جميع الدعاة، سواء كانوا مسؤولين من جهة الحكومة، أو متطوعين، أن يكونوا في دعوتهم على المنهج الشرعي، وأن لا تتسم أقوالهم وأفعالهم، بالقسوة والشدة، إلا عند الضرورة إليها، كما سبق؛ وكلام الكاتب يوهم خلاف ذلك.
وقوله: وغاية الأمر ... إلخ. هذا خطأ واضح.
والصواب: أن مراتب الإنكار الثلاث، مشروعة للمسؤول وغيره؛ وإنما يختلفان في القدرة، فالمسؤول من جهة الحكومة أقدر من غيره، والإنكار بالقلب هو
стр. 7486
أضعف الإيمان، في حق العاجز عن الإنكار، باليد واللسان، سواء كان مسئولا، أو متطوعا؛ وهو صريح الحديث الشريف، ومقتضى القواعد الشرعية.
وأما قول الكاتب قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا، في جماعة أو أمة ليس فيها أجهزة حكومية خصصت لهذا الواجب، ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة، ففيه نظر ظاهر أيضا. وهذا الأسلوب الذي أطلقه الكاتب، ليس أسلوبا علميا، ولا منسجما مع الأدلة الشرعية; لأن الدعوة إلى الله سبحانه، وتعليم الناس ما يجهلونه من شرع الله، لا ينبغي أن يعبر عنه بمثل هذا الأسلوب. بل ينبغي أن يعبر عنه بأسلوب الحث والترغيب، ولا سيما في الأمم والجماعات المحتاجة إلى ذلك، فإن دعوتهم، وإرشادهم إلى ما يجب عليه من شرع الله، من الأمور المتعينة على ولاة الأمر، وعلى أهل العلم حسب القدرة؛ فكيف يعبر عن مثل هذا الأمر العظيم، يقول الكاتب: قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا ... إلخ؟! وأما قوله: ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة، فهذا خطأ ظاهر أيضا؛ لأن الأجهزة والسلطات الحكومية، إن كانت قد قامت بواجب
стр. 7487
الدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمشاركة غيرها لها في ذلك من المتطوعين حسن جدا، ومطلوب شرعا؛ لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، والمشاركة في جهاد شرعي، وتوجيه صالح. قصارى ما هنالك أن الأجهزة والسلطات الحكومية قد أدت فرض الكفاية، وصار القيام من غيرهم لمشاركتهم من باب السنن والتطوع، وذلك من أفضل العبادات وأحبها إلى الله سبحانه. وأما إن كانت الأجهزة والسلطات الحكومية، لم تقم بالواجب على الوجه الأكمل، كما هو الواقع، فإن مشاركة غيرهم لهم في ذلك متعينة، لأن فرض الكفاية لم يسقط بهم.
وقد تقرر في الأدلة الشرعية أن الدعوة إلى الله سبحانه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، إذا قام بها من يكفي سقط الفرض عن الباقين، وصارت المشاركة فيها في حق الباقين سنة؛ وإن لم يقم بها من يكفي أثم الجميع. وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فرض عين، وذلك في حق من يرى المنكر، وليس هناك من ينكره، وهو قادر على إنكاره، فإنه يتعين عليه إنكاره، لقيام الأدلة الكثيرة على ذلك.
стр. 7488
ومن أصرحها: قول النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ١ أخرجه مسلم في صحيحه. والإنكار بالقلب: فرض على كل واحد، لأنه مستطاع للجميع، وهو بغض المنكر، وكراهيته، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد، واللسان، لقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٨] .
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [سورة الفرقان آية: ٧٢] ، ومعنى لا يشهدون الزور: لا يحضرونه; والزور: يشمل كل منكر. ويدخل في ذلك الشرك، والكفر، وأعياد المشركين، والاجتماع على شرب الخمور، والتدخين، والأغاني، وآلات الطرب، وأفلام السينما، وأشباه ذلك من المنكرات؛ ذكر معنى ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية.
стр. 7489
وذكر البغوي ﵀، عند تفسيرها قريبا من ذلك، وقال: أصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وهذا هو الواقع من أهل الباطل.
فإنهم يحسّنون المنكرات، بوصفها بغير حقيقتها، حتى يرغب فيها الناس، وحتى لا ينفروا منها؛ فيكون على فاعل ذلك إثم ما عمل، وإثم الدعوة إليه، وأعظم من ذلك، الدعوة إليها بالقول.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" ١. والأدلة في هذا المعنى كثيرة.
وقول الكاتب: وقد سرني أن علماءنا الأفاضل قد استنكروا هذا التجاوز منهم، ونهوهم عنه ... إلخ. فيه نظر.
وقد سبق لك أن الإخوان كانوا في دعوتهم، وإنكارهم للمنكر، يتحرون الطريقة الشرعية، ويعاملون الناس بالرفق والحكمة، ولا نعلم أنهم تعاطوا من الشدة والقسوة ما يوجب إنكار العلماء عليهم.
فلا أدري عن أي مصدر وصل هذا الخبر إلى الكاتب.
стр. 7490
ومعلوم أن على الناقل أن يتثبت في النقل، وأن ينظر فيما ينقل وينشر بين الناس، وإذا صح لديه الخبر، نظر هل إعلانه أصلح، أم تركه أحسن في العاقبة.
ولا شك أن هذا الخبر لو صح، فليس من المصلحة نشره بين الناس، وإعلانه في الصحف، لما في ذلك من التنقص للدعاة إلى الحق، وتثبيط عزائمهم، وتشجيع أهل الفسق ضدهم، في وقت يتكاتف فيه دعاة الباطل، والمذاهب الهدامة، على نشر باطلهم، وإعلان مذاهبهم، فالله المستعان.
وأما ما ذكره الكاتب عن الفتنة، التي وقعت في صدر الإسلام، وتمخض عنها قتل عثمان ﵁، وما جرى من الخلاف بعد ذلك بين أهل الشام والعراق ... إلخ. فتلك أمور قد عنى بها التأريخ، وعرفها علماء الإسلام وغيرهم. ولا شك أن لأعداء الإسلام والجهال به فيها دورا فعّالا؛ وقول أهل السنة والجماعة، في هذه الفتنة معلوم، وهو الكف عما شجر بين الصحابة ﵃، والترضي عنهم جميعا، واعتقاد أنهم مجتهدون فيما فعلوا، طالبون للحق؛ والمصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر واحد، كما صح بذلك الحديث الشريف.
وإنما يهمنا هنا أمران: أحدهما: تخوف الكاتب من
стр. 7491
أن يكون هؤلاء الإخوان، قاموا بما قاموا به، عن تأثير جماعة سرية إجرامية تخريبية. والجواب عن هذا، أن يقال: من عرف الإخوان وسبر حالتهم، يعلم يقينا أنهم بعيدون كل البعد عن هذه التهمة الشنيعة، وعن هذا الظن السيئ؛ والواجب على المسلم، حمل أحوال إخوانه على أحسن المحامل، وعلاج ما قد يقع من الخطأ بالطرق الشرعية، التي تبني ولا تهدم، وتشجع الحق ولا تخذله، وتنصر الحق وتدمغ الباطل، لا أن يظن بهم السوء، ويشجع على إماتة دعوتهم، وتشويه سمعتهم وتشجيع أهل الباطل ضدهم، وتحريض ولاة الأمر على إيقاف حركتهم، عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٢] ، وقول النبي ﷺ "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ١. والأمر الثاني: وصفه كعب الأحبار، تقليدا لبعض المتأخرين، بأنه يهودي أظهر الإسلام، من أجل الكيد للإسلام وإفساد أهله.
والجواب: أن هذا خلاف المعروف عن علماء الإسلام، ونقلة الأخبار؛ فقد روى عنه علماء الحديث، وأثنى عليه معاوية ﵁ وكثير من السلف; وروى عنه مسلم في صحيحه، وذكره البخاري في كتابه
стр. 7492
"الجامع الصحيح" ولم يزنه بريبة، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، والتهذيب، وابن الأثير في أسد الغابة، ولم يتهموه بهذه التهمة. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب، ما نصه: كعب بن مانع الحميري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، ثقة، من الثانية، مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، مات في خلافة عثمان ﵁. فكيف يجوز لمن يخاف الله ويتقيه: أن يرمي شخصا أظهر الإسلام، والدعوة إليه، وشارك الصحابة في أعمالهم، بأنه يهودي، بدون حجة ولا برهان يسوغ ذلك. وقد صح عن النبي ﷺ التحذير من رمي المسلم لأخيه، بالصفات الذميمة، وأن من رمى أخاه بما هو بريء منه، كان الرامي أولى بذلك الوصف، الذي رمى به أخاه. وكونه: يروي بعض الأخبار الإسرائيلية الغريبة، لا يوجب رميه باليهودية، والكيد للإسلام، لأن النبي ﷺ قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" ١. وقد قام علماء الإسلام بنقد أخبار بني إسرائيل، وتزييف ما خالف الحق منها، وإبطاله؛ فكعب في ذلك يشبه عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سلام، ووهبا، وغيرهم ممن نقل أخبار بني إسرائيل.
стр. 7493
فكما أن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، لا يجوز أن يتهم باليهودية، لكونه نقل كثيرا من أخبار بني إسرائيل، من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كتبهم، فهكذا كعب، لا يجوز أن يرمى باليهودية والكيد للإسلام من أجل ذلك؛ ولا يجوز أن يجعل في صف عبد الله بن سبأ وأشباهه، من المعروفين بالكفر والإلحاد، والكيد للإسلام. وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من دعا رجلا بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه ١") هذا الحديث، وما جاء في معناه: يوجب على المسلم التثبت في الحكم على الناس، والحذر من رمي أخيه بصفة ذميمة، وهو بريء منها، بمجرد الظن، أو تقليد من لا يعتمد عليه، والله المستعان.
ثم قال الكاتب أقول: إن من جهل شيئا عاداه، كما في المثل، وقد كنا قبل وعينا الجديد، وقبل معرفتنا بحقيقة المستحدثات العلمية الجديدة نكره استعمالها، ونستعيبه; ثم ذكر استعمال السيارات، والطائرات، والصواريخ، إلى أن قال:
стр. 7494
ما دمنا قد عرفنا هذا كله، ولمسناه، وتأكدنا فوائده، وعدم معارضته للدين، فلماذا يحاربه هؤلاء الطيبون المخدوعون؟ ولماذا يسافرون من بلد إلى آخر، لاستنكاره ومحاولة عدم استعماله؟ ... إلخ. لا ريب أن من قرأ هذا الكلام، وضم بعضه إلى بعض، يفهم منه أن الإخوان الذين انتصب الكاتب لنقدهم، ينكرون هذه المستحدثات الجديدة، من السيارات، والطائرات، واللاسلكي، وأشباه ذلك.
ومعلوم قطعا أن الإخوان الذين أشرنا إليهم، لا ينكرون شيئا من ذلك، ولا يعيبونه، بل هم أنفسهم يستعملون ذلك، فينتقلون في السيارات، ويركبون الطائرات، ويستعملون اللاسلكي، فما الذي دعا الكاتب إلى الوقوع في هذه الفرية الكبيرة؟ والزلة الشنيعة؟!! أترك الجواب للقراء وأسأل الله : أن يعصمنا من الهوى، وخطوات الشيطان. وأما سفرهم إلى البلدان للدعوة والتوجيه، فهو أمر يستحقون عليه الثناء والشكر، وليس محلا للاستنكار والاستغراب; نعم هو حقيق بالاستغراب، بالنسبة إلى تخلف أكثر الناس عن هذه المهمة الشريفة، التي هي طريقة الرسل وأتباعهم، وليس هو محلا للاستغراب الذي ينتج عنه الاستنكار، والتشنيع والظن السيئ.
стр. 7495
وأما قوله: المخدوعون; فهي عبارة لا تليق من الكاتب، وليس الإخوان محلا لها، وقائلها أولى بها; لأن الإخوان - بحمد الله - على بينة من أمرهم، وليسوا مخدوعين، ولا متأثرين بحركة هدامة، ولا عاملين لغرض دنيء، بل غايتهم شريفة، وعملهم مشكور، ودافعهم هو الحق، والغيرة له، والخوف على المسلمين من عواقب ظهور المنكرات وعدم تغييرها; وإنما المخدوع حقا من ظن بهم خلاف ذلك. وأما قوله: الطيبون، وقوله - فيما تقدم - عن المغرضين، والطامعين، وأعداء الإسلام: إنهم استغلوا طيبة الصحابة; أرجو أن لا يكون قصد بهذا الوصف، التنقص لمن وصفهم بالطيب؛ لأن سياق الكلام، ووصف الصحابة، والإخوان بالطيب، في جانب كونهم مخدوعين، يشير إلى أن المراد بوصف الطيب: الغفلة، والغباوة، وعدم التنبه لعواقب الأمور، هذا هو المعروف من بعض كتّاب العصر. أرجو أن لا يكون الكاتب قصد هذا المقصد، وإن كان كلامه يقتضيه، أو يحوم حوله، ونسأل الله أن يعفو عنا وعنه، وأن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح من أخطائنا، وسيئات أعمالنا، إنه خير مسؤول.
وأما قول الكاتب - بعدما تقدم -: ليس لي بالطبع