أن يكون هؤلاء الإخوان، قاموا بما قاموا به، عن تأثير جماعة سرية إجرامية تخريبية. والجواب عن هذا، أن يقال: من عرف الإخوان وسبر حالتهم، يعلم يقينا أنهم بعيدون كل البعد عن هذه التهمة الشنيعة، وعن هذا الظن السيئ؛ والواجب على المسلم، حمل أحوال إخوانه على أحسن المحامل، وعلاج ما قد يقع من الخطأ بالطرق الشرعية، التي تبني ولا تهدم، وتشجع الحق ولا تخذله، وتنصر الحق وتدمغ الباطل، لا أن يظن بهم السوء، ويشجع على إماتة دعوتهم، وتشويه سمعتهم وتشجيع أهل الباطل ضدهم، وتحريض ولاة الأمر على إيقاف حركتهم، عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٢] ، وقول النبي ﷺ "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ١. والأمر الثاني: وصفه كعب الأحبار، تقليدا لبعض المتأخرين، بأنه يهودي أظهر الإسلام، من أجل الكيد للإسلام وإفساد أهله.
والجواب: أن هذا خلاف المعروف عن علماء الإسلام، ونقلة الأخبار؛ فقد روى عنه علماء الحديث، وأثنى عليه معاوية ﵁ وكثير من السلف; وروى عنه مسلم في صحيحه، وذكره البخاري في كتابه
стр. 7492
"الجامع الصحيح" ولم يزنه بريبة، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، والتهذيب، وابن الأثير في أسد الغابة، ولم يتهموه بهذه التهمة. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب، ما نصه: كعب بن مانع الحميري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، ثقة، من الثانية، مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، مات في خلافة عثمان ﵁. فكيف يجوز لمن يخاف الله ويتقيه: أن يرمي شخصا أظهر الإسلام، والدعوة إليه، وشارك الصحابة في أعمالهم، بأنه يهودي، بدون حجة ولا برهان يسوغ ذلك. وقد صح عن النبي ﷺ التحذير من رمي المسلم لأخيه، بالصفات الذميمة، وأن من رمى أخاه بما هو بريء منه، كان الرامي أولى بذلك الوصف، الذي رمى به أخاه. وكونه: يروي بعض الأخبار الإسرائيلية الغريبة، لا يوجب رميه باليهودية، والكيد للإسلام، لأن النبي ﷺ قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" ١. وقد قام علماء الإسلام بنقد أخبار بني إسرائيل، وتزييف ما خالف الحق منها، وإبطاله؛ فكعب في ذلك يشبه عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سلام، ووهبا، وغيرهم ممن نقل أخبار بني إسرائيل.
стр. 7493
فكما أن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، لا يجوز أن يتهم باليهودية، لكونه نقل كثيرا من أخبار بني إسرائيل، من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كتبهم، فهكذا كعب، لا يجوز أن يرمى باليهودية والكيد للإسلام من أجل ذلك؛ ولا يجوز أن يجعل في صف عبد الله بن سبأ وأشباهه، من المعروفين بالكفر والإلحاد، والكيد للإسلام. وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من دعا رجلا بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه ١") هذا الحديث، وما جاء في معناه: يوجب على المسلم التثبت في الحكم على الناس، والحذر من رمي أخيه بصفة ذميمة، وهو بريء منها، بمجرد الظن، أو تقليد من لا يعتمد عليه، والله المستعان.
ثم قال الكاتب أقول: إن من جهل شيئا عاداه، كما في المثل، وقد كنا قبل وعينا الجديد، وقبل معرفتنا بحقيقة المستحدثات العلمية الجديدة نكره استعمالها، ونستعيبه; ثم ذكر استعمال السيارات، والطائرات، والصواريخ، إلى أن قال:
стр. 7494
ما دمنا قد عرفنا هذا كله، ولمسناه، وتأكدنا فوائده، وعدم معارضته للدين، فلماذا يحاربه هؤلاء الطيبون المخدوعون؟ ولماذا يسافرون من بلد إلى آخر، لاستنكاره ومحاولة عدم استعماله؟ ... إلخ. لا ريب أن من قرأ هذا الكلام، وضم بعضه إلى بعض، يفهم منه أن الإخوان الذين انتصب الكاتب لنقدهم، ينكرون هذه المستحدثات الجديدة، من السيارات، والطائرات، واللاسلكي، وأشباه ذلك.
ومعلوم قطعا أن الإخوان الذين أشرنا إليهم، لا ينكرون شيئا من ذلك، ولا يعيبونه، بل هم أنفسهم يستعملون ذلك، فينتقلون في السيارات، ويركبون الطائرات، ويستعملون اللاسلكي، فما الذي دعا الكاتب إلى الوقوع في هذه الفرية الكبيرة؟ والزلة الشنيعة؟!! أترك الجواب للقراء وأسأل الله : أن يعصمنا من الهوى، وخطوات الشيطان. وأما سفرهم إلى البلدان للدعوة والتوجيه، فهو أمر يستحقون عليه الثناء والشكر، وليس محلا للاستنكار والاستغراب; نعم هو حقيق بالاستغراب، بالنسبة إلى تخلف أكثر الناس عن هذه المهمة الشريفة، التي هي طريقة الرسل وأتباعهم، وليس هو محلا للاستغراب الذي ينتج عنه الاستنكار، والتشنيع والظن السيئ.
стр. 7495
وأما قوله: المخدوعون; فهي عبارة لا تليق من الكاتب، وليس الإخوان محلا لها، وقائلها أولى بها; لأن الإخوان - بحمد الله - على بينة من أمرهم، وليسوا مخدوعين، ولا متأثرين بحركة هدامة، ولا عاملين لغرض دنيء، بل غايتهم شريفة، وعملهم مشكور، ودافعهم هو الحق، والغيرة له، والخوف على المسلمين من عواقب ظهور المنكرات وعدم تغييرها; وإنما المخدوع حقا من ظن بهم خلاف ذلك. وأما قوله: الطيبون، وقوله - فيما تقدم - عن المغرضين، والطامعين، وأعداء الإسلام: إنهم استغلوا طيبة الصحابة; أرجو أن لا يكون قصد بهذا الوصف، التنقص لمن وصفهم بالطيب؛ لأن سياق الكلام، ووصف الصحابة، والإخوان بالطيب، في جانب كونهم مخدوعين، يشير إلى أن المراد بوصف الطيب: الغفلة، والغباوة، وعدم التنبه لعواقب الأمور، هذا هو المعروف من بعض كتّاب العصر. أرجو أن لا يكون الكاتب قصد هذا المقصد، وإن كان كلامه يقتضيه، أو يحوم حوله، ونسأل الله أن يعفو عنا وعنه، وأن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح من أخطائنا، وسيئات أعمالنا، إنه خير مسؤول.
وأما قول الكاتب - بعدما تقدم -: ليس لي بالطبع
стр. 7496
الإفتاء، ولا أحمل مؤهلاته!! فهذا من اختصاص علمائنا الأفاضل، الذين استنكروا عمل هؤلاء المخدوعين الطيبين!! فيقال له، أولا: ما دمت تعرف أنك غير أهل للفتوى، فما بالك أفتيت أولا، وآخرا؟! ولو تأملت كلمتك، لعلمت أنك أفتيت فيها عدة فتاوى، على غير هدى. ومن أعظم الجرائم: الفتوى بغير علم، فكم ضل بها من ضل، وهلك بها من هلك، ولا سيما إذا كانت الفتوى معلنة على رؤوس الأشهاد، وممن قد يغتر به بعض الناس؛ فإن الخطر عظيم، والعواقب وخيمة. وعلى المفتي بغير علم مثل آثام من تبعه، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه" ١.
وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" ٢ وقد أعظم الله ، شأن الفتوى بغير علم، وحذر عباده منها، وبيّن أنها من أمر الشيطان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] .
стр. 7497
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٩-١٦٨] . ثم يقال للكاتب ثانيا: من هو الذي استنكر من العلماء الأفاضل على الإخوان عملهم؟!. وقد سبق في صدر هذه الكلمة: أنا لا نعلم أحدا من العلماء المعروفين بالغيرة والتحقيق، استنكر عملهم; بل المعروف من العلماء الأفاضل تأييدهم، ومساعدتهم، وشكرهم على أعمالهم الطيبة، والدعاء لهم بالتوفيق والسداد. وكيف يستنكر العلماء الأفاضل الدعوة إلى الله، وإرشاد العباد إلى طاعته، وتحريضهم على الصلاة في الجماعة، والإنكار على من تخلف عن ذلك؟! فلا يستنكر هذه الأعمال الجليلة مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعرف شيئا مما ورد في الدعوة إلى الله سبحانه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فضلا عن العالم الفاضل. فعياذا بالله من القول عليه، وعلى عباده بغير علم، وعياذا بالله من خطل اللسان، وسيئات العمل. فما أعظم ما جناه الكاتب على نفسه، وعلى غيره، ممن قد يغتر بقوله! وما أعظمها من جريمة!!
стр. 7498
ثم قال الكاتب بعد ذلك: ولكني أقول: إذا كان الدين يحرم التماثيل المجسمة وما في حكمها سدا للذريعة، وخوفا من العودة إلى عبادتها، كما كان في الجاهلية الأولى، وكما هو الحال اليوم في الأمم الوثنية، وإذا كان من واجبنا كأمة مسلمة محافظة أن نحارب الصور الماجنة الخليعة، خوفا على أخلاقنا وتقاليدنا، فما هي حجة بعضنا في إنكار الصور الظلية العاكسة، التي لا فرق بينها مطلقا وبين ما تعكسه المرآة التي يستعملها شبابنا وشيوخنا، ونساؤنا وبناتنا؟.
وما الفرق بين هذه الصورة الظلّية العاكسة كالمرآة، التي تشتمل عليها الجريدة والمجلة والمعرض والبيت والسينما، وبين أختها المعروضة لاسلكيا في التلفزيون؟ وكما قلت في كلمة سابقة: إن التلفزيون لا يسجل إلا ما يعرض على شاشته من خير أو شر، ونحن في هذه البلاد المقدسة قادرون على اختيار الخير والنافع، وعرضه على شاشة التلفزيون، كعلم وكدرس، وكتأريخ، وكتسلية بريئة نحول فيها بين المجتمع وبين الفراغ والنميمة وسفاسف الأقوال والأفعال. انتهى المقصود.
والجواب عن هذا أن يقال: لقد أحسن الكاتب في اعترافه بأن الدين الإسلامي يحرم التماثيل المجسمة، وما في حكمها، سدا للذريعة،
стр. 7499
وخوفا من العودة إلى عبادتها، كما كان في الجاهلية الأولى، وكما هو الحال اليوم في الأمم الوثنية.
فقد جاءت الأحاديث الصحيحة، عن رسول الله ﷺ بما يدل على ما ذكر الكاتب من تحريم التماثيل، والزجر عنها، ولعن المصورين، والتصريح بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأنهم يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم. وقد جاء في القرآن الكريم، وثبت في الأحاديث والآثار أن أسباب ضلال قوم نوح هو التماثيل، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٥-٢٣] . وثبت عن النبي ﷺ أن بعض أزواجه، ذكرت له كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ١. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فتبين مما تقدم أن التساهل ببيعها في الأسواق، ونصبها في المكاتب والدوائر ونحوها، من أعظم أسباب الشرك، ومن أعمال الجاهلية، ومن أخلاق شرار الخلق عند الله. فالواجب على المسؤولين جميعا في حكومتنا السنية
стр. 7500
القضاء على هذه التماثيل، والزجر عنها، ومنع توريدها، وإتلاف ما يوجد منها في كل مكان، طاعة لله ولرسوله، وحذرا من عواقبها الوخيمة.
ولقد أحسن الكاتب أيضا في قوله: وإذا كان من واجبنا كأمة مسلمة محافظة، أن نحارب الصور الماجنة الخليعة خوفا على أخلاقنا وتقاليدنا. نعم والله قد أحسن الكاتب في هذا، فالواجب علينا، وعلى المسؤولين في حكومتنا محاربة هذه الصور الخليعة، التي غزت بلادنا من كل مكان، وعرضت بين شبابنا وفتياتنا في كل بقعة، إلا ما شاء الله. فالواجب على أولي الأمر أن يحاربوها، ويحاربوا الصحف والكتب التي تحملها إلى هذه البلاد، كما يجب أن تحارب جميع الصحف والكتب التي تحمل إلى بلادنا أنواع الإلحاد والتخريب، والدعوة إلى التفسخ من الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة. ويجب على أولي الأمر أيضا تكليف الحكام الإداريين، وموظفي الأمن، بالتعاون مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على القضاء على هذه المعاول الهدامة، والوسائل الفتاكة بديننا وأخلاقنا وفقهم الله لنصر دينه، وحماية شريعته، ومساعدة من قام بذلك، إنه على كل شيء قدير.
стр. 7501
وأما قول الكاتب - بعد ذلك -: فما هي حجة بعضنا في إنكار الصورة الظلية العاكسة التي لا فرق بينها مطلقا وبين ما تعكسه المرآة ... إلخ؟! فالجواب أن يقال: هذه فتوى من الكاتب بالتسوية بين الصورة الشمسية وبين الصورة في المرآة!! ومعلوم: أن الفتوى تفتقر إلى علم بالأدلة الشرعية، وقد سبق اعتراف الكاتب بأنه ليست فيه صفتها، ولا يحمل مؤهلاتها، فما باله- هداه الله- أفتى هنا، وجزم بالحكم بغير علم؟!. ويقال له أيضا: لقد أخطأت في التسوية والقياس، من وجهين: أحدهما: أن الصورة الشمسية لا تشبه الصورة في المرآة، لأن الصورة الشمسية لا تزول عن محلها، والفتنة بها قائمة. وأما الصورة في المرآة فهي غير ثابتة، تزول بزوال المقابل لها، وهذا فرق واضح لا يمترى فيه عاقل.
والثاني: أن النص عن المعصوم ﷺ جاء بتحريم الصور مطلقا، ونص على تحريم ما هو من جنس الصورة الشمسية، كالصورة في الثياب والحيطان.
فقد صح عنه ﷺ في عدة أحاديث: أنه لما رأى عند عائشة سترا فيه تماثيل، غضب وهتكه، وقال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون" ١، وقال في حديث آخر: "إن أصحاب هذه الصور - يشير إلى الصور التي في الثياب
стр. 7502
- يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم" ١، وثبت عنه ﵊: "أنه محا الصور التي في جدران الكعبة يوم الفتح"، وهي في حكم الصور الشمسية. فلو سلمنا مشابهة الصورة الشمسية للصورة في المرآة، لم يجز القياس، لما قد تقرر في الشرع المطهر: أنه لا قياس مع النص، وإنما محل القياس إذا فقد النص، كما هو معلوم عند أهل الأصول، وعند جميع أهل العلم.
وأما ما ورد عنه ﷺ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، إلا رقما في ثوب" ٢ فهذا الحديث لا شك في صحته، وقد تعلق به بعض من أجاز الصور الشمسية. والجواب عنه من وجوه: منها: أن الأحاديث الواردة في تحريم التصوير ولعن المصورين، والتصريح بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، مطلقة عامة، ليس فيها تقييد ولا استثناء، فوجب الأخذ بها، والتمسك بعمومها وإطلاقها.
ومنها: أنه ﷺ لما رأى الصور المشبهة للشمسية، وهي الصور الموجودة في الستور والحيطان، غضب، وتلون وجهه، وأمر بهتك الستور التي فيها الصور، ومحو الصور التي في الجدران؛ وباشر محوها بنفسه، لما رآها في جدران الكعبة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ومنها: أن الاستثناء المذكور، إنما ورد في سياق
стр. 7503
الأحاديث الدالة على امتناع الملائكة، من دخول البيت الذي فيه تصاوير، ولم يرد في سياق الأحاديث المانعة من التصوير، وفرق عظيم بين الأمرين. ومنها: أن قوله: "إلا رقما في ثوب" ١ يجب أن يحمل على الصور التي قطع رأسها، أو طمس; أو التي في الثياب التي تمتهن باتخاذها وسائد وبُسُطا، ونحو ذلك، لا فيما ينصب ويرفع كالستور على الأبواب، والجدران، والملابس; فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في تحريم ذلك، وأنه يمنع من دخول الملائكة، كما ورد ذلك في حديث عائشة، وأبي هريرة، وغيرهما. وبما ذكرناه يتضح الجمع بين الأحاديث، وأن الاستثناء إنما ورد في سياق الأحاديث الدالة على امتناع دخول الملائكة البيت الذي فيه الصور، وأن المراد بها الصور الممتهنة في الوسائد، والبسط، ونحوها، أو مقطوعة الرأس، والله ولي التوفيق.
وقد جمع الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح، والنووي في شرح مسلم، بين الأحاديث بما ذكرته آنفا؛ وأنا أنقل لك أيها القارئ كلامهما، وبعض كلام غيرهما في هذه المسألة، ليتضح لك الصواب، ويزول عنك الإشكال، والله الهادي إلى إصابة الحق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال الحافظ في الفتح، قال الخطابي: والصورة التي
стр. 7504
لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه: ما يحرم اقتناؤها، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح، مما لم يقطع رأسه، أو لم يمتهن، ا?. وقال الخطابي ﵀ أيضا: إنما عظمت عقوبة المصور، لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن، وبعض النفوس إليها تميل. اهـ.
وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش، ونحوه، وأن الملائكة ﵈ لا يدخلون بيتا فيه صورة أو كلب. قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر، لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث؛ وسواء صنعه بما يمتهن، أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله؛ وسواء ما كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو دينار، أو فلس، أو إناء، أو حائط، أو غيرها. وأما تصوير صورة الشجرة، ورحال الإبل، وغير ذلك مما ليس صورة حيوان، فليس بحرام؛ هذا حكم نفس التصوير.
وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقا على حائط، أو ثوبا ملبوسا، أو عمامة، ونحو ذلك مما
стр. 7505
لا يعد ممتهنا فهو حرام; وإن كان في بساط يداس، ومخدة، ووسادة، ونحوهما مما يمتهن فليس بحرام ... إلى أن قال: لا فرق في هذا كله بين ما له ظل، وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة. وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل؛ وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه، لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة، ا?.
قال الحافظ- بعد ذكره لملخص كلام النووي هذا- قلت: ويؤيد التعميم فيما له ظل، وما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أيكم ينطلق إلى المدينة، فلا يدع بها وثنا إلا كسره، ولا صورة إلا لطخها" ١ أي، طمسها، الحديث; وفيه: "من عاد إلى صنعة شيء من هذا، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٢ ا?.
قلت: وقد سبق أن النبي ﷺ محا الصور التي في جدران الكعبة، وهي لا ظل لها، وخرج مسلم في
стр. 7506
صحيحه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ١ وهذا يعم الصور التي لها ظل، والتي لا ظل لها، والأمر في ذلك واضح لا غبار عليه، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به. ونسأله تعالى لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه، إنه سميع الدعاء.
وأما التلفزيون فهو آلة خطيرة، وأضرارها عظيمة، كالسينما، أو أشد، وقد علمنا عنه من الوسائل المؤلفة في شأنه، ومن كلام العارفين به في البلاد العربية وغيرها، ما يدل على خطورته، وكثرة أضراره بالعقيدة، والأخلاق، وأحوال المجتمع.
وما ذلك إلا لما يثبت فيه، من تمثيل الأخلاق السافلة، والمرائي الفاتنة، والصور الخليعة، وشبه العاريات، والخطب الهدامة، والمقالات الكفرية، والترغيب في مشابهة الكفار في أخلاقهم وأزيائهم، وتعظيم كبرائهم، وزعمائهم، والزهد في أخلاق المسلمين وأزيائهم، والاحتقار لعلماء المسلمين، وأبطال الإسلام، وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم، والمقتضية لاحتقارهم، والإعراض عن سيرتهم، وبيان طرق المكر، والاحتيال، والسلب، والنهب، والسرقة، وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس.
стр. 7507
ولا شك: أن ما كان بهذه المثابة، وترتب عليه هذه المفاسد: يجب منعه، والحذر منه، وسد الأبواب المفضية إليه؛ فإذا أنكره الإخوان المتطوعون، وحذروا منه، فلا لوم عليهم في ذلك، لأن ذلك من النصح لله ولعباده.
ومن ظن أن هذه الآلة تسلم من هذه الشرور، ولا يبث فيها إلا الصالح العام إذا روقبت، فقد أبعد النجعة وغلط غلطا كبيرا، لأن الرقيب يغفل، ولأن الغالب على الناس اليوم هو التقليد للخارج، والتأسي بما يفعل فيه؛ ولأنه قل أن توجد رقابة تؤدي ما أسند إليها، ولا سيما في هذا العصر الذي مال فيه أكثر الناس إلى اللهو والباطل، وإلى ما يصد عن الهدى؛ والواقع يشهد بذلك، كما في الإذاعة، والتلفزيون في المنطقة الشرقية; فكلاهما لم يراقب الرقابة الكافية المانعة من أضرارهما، ونسأل الله أن يوفق حكومتنا لما فيه صلاح الأمة ونجاتها، وسعادتها في الدنيا والآخرة، وأن يصلح لها البطانة، إنه جواد كريم.
وهذا آخر ما أردنا التنبيه عليه، من أخطاء الكاتب عبد الله السعد، نصحا لله ولعباده؛ ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا والكاتب، وسائر المسلمين، للتفقه في الدين، ولكل ما فيه صلاح أمر ديننا ودنيانا، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 7508
وقال الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز: ١
احذروا الصحف الخليعة
لقد أصيب العالم الإسلامي عامة، وسكان الجزيرة خاصة، بسيل من الصحف التي تحمل بين طياتها أشكالا كثيرة من الصور الخليعة المثيرة للشهوات، الجالبة للفساد، الداعية للدعارة، الفاتنة للشباب، والشابات.
وكم حصل في ضمن ذلك من أنواع الفساد، لكل من يطالع تلك الصور العارية، وأشباهها، وكم شغف بها من الشباب من لا يحصى كثرة، وكم هلك بسمومها من شباب وفتيات، استحسنوها، ومالوا إليها، وقلدوا أهلها.
وكم في طيات تلك الصحف من مقالات إلحادية، تنشر الأفكار المسمومة، والقصائد الباطلة، وتدعو إلى إنكار الأديان، ومحاربة الإسلام. وإن من أقبح تلك الصحف، وأكثرها ضررا: "المصور" و"آخر ساعة" و"الجيل" و "روزاليوسف" و "صباح الخير" و "مجلة العربي".
فالواجب على حكومتنا - وفقها الله - منع هذه الصحف منعا باتا، لما فيها من الضرر الكبير، على
стр. 7509
المسلمين في عقائدهم، وأخلاقهم، ودينهم، ودنياهم؛ ولا ريب: أن ولاة الأمر، أول مسئول عن حفظ دين الرعية وأخلاقهم.
ولا شك أن هذه الصحف مما يفسد الدين والأخلاق، ويضر المسلمين ضررا ظاهرا في الدين والدنيا، ويزلزل عقائدهم، ويحدث الشكوك والمشاكل الكثيرة بينهم، والله يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١-٤٠] ، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٧] .
ولا ريب أن القضاء على هذه الصحف، ومنع دخولها البلاد، من أعظم نصر الله وحماية دينه.
وفي الحديث الصحيح، يقول النبي ﷺ "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام راع ومسؤول عن رعيته. والرجل راع في أهل بيته، ومسؤول عن رعيته. والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. والعبد راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته" ١.
وقال ﷺ : "ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة" ٢ رواه مسلم.
فيا ولاة أمر المسلمين، اتقوا الله في المسلمين،
стр. 7510
وحاربوا هذه الصحف الهدامة، وخذوا على أيدي السفهاء، وأغلقوا أبواب الفساد، تفوزوا بالنجاة والسعادة، وتنشلوا بذلك جمعا غفيرا من الفتيان والفتيات من وهدة هذا التيار الجارف، وحمأة هذه الصحف الخبيثة المدمرة.
ويا معشر المسلمين، حاربوا هذه الصحف الخبيثة المدمرة، ولا تشتروها بقليل ولا كثير; فإن بيعها وثمنها حرام، وإنما الواجب إتلافها أينما وجدت، دفعا لضررها، وحماية للمسلمين من شرها. أراح الله منها العباد والبلاد؛ ووفق ولاة أمر المسلمين، لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وسلامة عقائدهم، وأخلاقهم، إنه على كل شيء قدير.
[أنجح الوسائل وأقرب الطرق في الدعوة والتوجيه والإرشاد]
وقال الشيخ: صالح بن علي بن غصون: ١
الحمد لله: إن كل فرد منا يدرك أثر الدعوة والتوجيه والإرشاد في الجماهير والأسر والأفراد، كما يدرك أن أنجح الوسائل، وأقرب الطرق في هذا الوقت لهذا الغرض، طريق الإذاعة، والصحف، والمجلات، والمنابر، والنوادي، مما جعل أعداء الإسلام يستغلون هذه الثغور استغلالا فظيعا، دجلا، وتضليلا، وخلاعة، ودعارة، وتشبيها، وزندقة، وإلحادا، بكل جرأة وإقدام؛ دأبوا على ذلك ليل نهار، وضحوا في هذا السبيل، بكل
стр. 7511
غال ورخيص، فانخدع ببريق دعاياتهم، وترويجاتهم خلق كثير، وجم غفير.
ونحن، يا للأسف، بين غافل ومتغافل، عن تلك الأخطار المحدقة، والدعايات المغرضة التي زعزعت العقائد، وحطمت الكرامات، ودنست الأخلاق; فالبعض منا يتعلل عن المساهمة في هذا الواجب بمشاغله وأعماله الرسمية، بينما يتخلف قسم آخر عن المساهمة في هذا الواجب مستترا بالخمول وعدم اعتباره لدى الكثيرين، على حد تعبيره.
وقسم آخر حظهم التألم، وإظهار الحزن والأسى، وشن الحملات النكراء على المسؤولين، والأشخاص البارزين، كأن المسؤولية عليهم دونهم، وكأن النصوص الشرعية القاضية بالأمر والنهي لم تتناولهم، فنصيبهم منها التخلي والعيب على إخوانهم.
ولا شك أن واجب الأمر والنهي، والدعوة والإرشاد على كل فرد منا بحسب حاله، وعلمه، ومقدرته، ونفوذه، إذا لم يقم بهذا الأمر العظيم، من تحصل بهم الكفاية في هذا الزمن.
فعلينا أن نفرغ أنفسنا للدعوة والإرشاد، والكفاح، والنضال عن طريق الوسائل المجدية، كالإذاعة، والمنابر، والنوادي، والصحف، والمجلات؛ وأن نساند الدعاة إلى
стр. 7512
خير أين كانوا، وأن نشجع الصحف والمجلات التي تحتضن الدعوة إلى التمسك بهذا الدين، وآدابه، وأخلاقه، ماديا، وأدبيا.
فواقعنا اليوم يحتم علينا أن نكرس الجهود، ونستهين المشقات، والصعوبات في سبيل نشر هذا الدين، ومقاومة المبادئ الهدامة، التي لعبت أدوارا في ميادين الدجل والتضليل؛ سيما وقد أفسح لها المجال، فوجدت آذانا صاغية، وقلوبا واعية، انساقت وراء تلك الدعايات، بدون تفكير ولا روية.
وإن لم يتدارك الأمر قبل فواته، فالواقع أليم، والخطب جسيم، ولن يسلم من معرة ذلك وعواقبه، إلا من قام بواجبه تجاه نفسه وولده وذويه، وإخوانه المسلمين، مهما كثرت مشاغله، وتعللاته؛ وفقنا الله لصالح القول والعمل.
[الحث على نشر الدعوة الإسلامية بكل الوسائل]
وقال الشيخ: صالح بن محمد بن لحيدان، في كلمة افتتاحية: ١
بحمدك اللهم نبدأ، وعلى هدى منك نسير، ورجاؤنا بك عظيم، أن تسدد خطانا، وتكتب لنا النجاح والتوفيق فيما نحن فيه.
في السنوات الأخيرة انتشرت الحياة الثقافية في بلادنا
стр. 7513
انتشارا سريعا، يحمل معه طابع السرعة في كل شيء؛ وفي السرعة من الأخطار والأخطاء الشيء الكثير. انتشرت هذه الحياة، وانتشر معها الأفكار المختلفة، والمبادئ المتباينة، ترد من الشرق والغرب، وتحمل الناس على نبذ دينهم، والسير في ركابها.
تحملها الجرائد والمجلات في صفحاتها، والإذاعات على أمواج الأثير، في أثواب مختلفة تخدع العيون، وتميت القلوب؛ ففتن بها الشباب، وارتاع منها الشيوخ وبهتوا، وجعلت مبادئ الشر تلوح من كل جانب.
وأقبل المتعلمون من أبناء الأمة الإسلامية على اعتناق هذه الأفكار، والدعوة لها، لجهلهم بالدين وتعاليمه؛ يساعد على ذلك واقع المسلمين، وما هم عليه. وقليل منهم وقف منها موقف الناقد الممحص، المدقق، ليسبر غورها، ويطلع على ما تنطوي عليه، وتنتهي إليه من شرور وفساد في الأخلاق، والعقائد والعادات والتقاليد.
فأفضى بهم موقفهم هذا إلى نتائج أفزعتهم، وأقضت مضاجعهم، وأقلقت بالهم؛ وجعلوا يرسمون الخطط، ويخطون السبل لصد هذا السيل الجارف، وحماية أمتهم وملتهم من ويله ووباله.
وكانت الجزيرة العربية مصدر النور والإشعاع، ومهبط الوحي والفلاح، منها انتشر الإسلام في ابتداء رسالته، كما كانت منار هدى عند اندراس ملته، فمن قِبَلها
стр. 7514
ظهرت الدعوة التجديدية للملة الإسلامية، على يد حاملها وباعث نهضتها، في قلب الجزيرة.
لهذا أصبح من المتحتم على أبنائها أن يستعدّوا لنشر الدعوة الإسلامية، والوقوف موقف المدافع عن دينه ومقدساته، وأن يردوا ما تقوله الكتب، وتنشره الصحف من سخف القول، ورذيل الأفكار.
وأقرب وسيلة لهذا الميدان هي: الصحافة، لاشتراك العامة والخاصة في الاطلاع عليها، والوقوف على ما يقال فيها. وكان إنشاء مجلة تلزم نفسها السير مع الدين، وتقف نشاطها لحمايته، ونفي ما يلصق به وبأهله من باطل فكرة تداعب مخيلات كثير من العلماء والمتعلمين، ولكن إخراجها إلى حيز الوجود هو الصخرة التي تتكسر عليها أفكارهم، وتذوب عندها آمالهم.
ذلك لما يرونه من إعراض الناس مما يكتب في هذا الميدان، وخوفا من المستقبل المظلم، فالقراء يسعون وراء الصحف التي تنشر هجر القول، ووضيع الكلام، والتي تخدم المادة، وتسير في ركاب الفكر الشرقي والغربي، الذي هدفه: رفع الدنيا بهدم الدين!!.
ولكن الله يسر لهذه الفكرة من ذوي الغيرة الإسلامية، فقاموا لها على قدم وساق، وتولى إخراجها إلى ميدان العمل والظهور على مسرح الحياة، من لهم مسابقة في
стр. 7515
ميدان الدعوة ونشر الدين، فعملوا على إبرازها، وليس غريبا منهم:
وهل ينبت الخطِّيّ إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل ١
وهذه المجلة التي نتشرف بزفها إلى القراء، وعرضها عليهم هدفها واضح من اسمها، وغايتها مرتسمة في الراية التي تحملها، رائدها الخير والدعوة إليه، ونفي الشر والتحذير منه، وإرشاد المسلمين إلى ما فيه صلاحهم.
فهي مجلة كل مسلم غيور، حريص على بعث أمته وهدايتها، ومنها يستطيع أن يعبر عن رأيه ويرشد؛ فهي منار إرشاد، ومصدر تثقيف، تعالج المشاكل الإسلامية، وتحاول حلها، وترسم الخطط السليمة التي ترفع من شأن المسلمين، وينبني عليها نظام الإسلام في العبادات والعادات، وفي السياسة والاقتصاد، وفي علاقة الناس بربهم، وفيما بينهم.
وتشرح أحوال المسلمين وواقعهم، وتبين مصادر الفلاح، وأن مكانها في الإسلام، وتحذر من انتهاج السبل المؤدية إلى الهلاك والدمار; فيها تقرأ عن أسلوب الدعوة في الإسلام، وعن الأدب والأدباء، وعن التأريخ، وما
стр. 7516
سجله لأهل الجهاد من أعمال البطولات والنصر.
تجد فيها ما تحب من فتاوى تهم المسلمين، ولها مساس بحياتهم، يكتبها أكابر العلماء في هذه البلاد؛ وهي مصدر حياة، ومنار علم، تجيب على أسئلة القراء، واستفتاءاتهم، وتحل ما يصعب حله من مسائل الاقتصاد التي ضل فيها الشرق والغرب، ومن سار في ركابهم.
إنها مجلتك أيها المسلم أين كنت، وحيث تكون، فهي بك ولك، ومنك تصدر، وعنك تنطق؛ هي ميدانك الفسيح الذي تجد فيه ما يروقك من علم وأدب، فتنقلك من مقالة إلى قصيدة، إلى قصة هادفة، إلى فتوى مفصلة.
فهي روضتك المحببة، تضم أنواع النباتات النافعة، تغذيها أفكار حية، أشربت حب الإسلام، والدفاع عنه، ويتولى إخراجها كوكبة من العلماء، والشباب المثقف، ممن ستقرأ لهم في هذا، والأعداد المقبلة.
إنها مجلتك، ونجاحها متوقف على وقوفك بجانبها، فجاهد بمساندتها، وستساير بإذن الله العصر وتطوره، وستربط بين المسلمين في شرق بلادهم وغربها، حتى يكونوا جسما واحدا، يحيا حياة حرة كاملة، وهي بعون الله بالغة ما تصبو إليه، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 7517
الباب العاشر "النظم "
[الفصل الأول القضاء الشرعي الذي أوجبه الله على عباده]
سميته بها لكثرتها في هذا العصر، ولم تكن في عصر الشيخ عبد الله، ولا في عصر النبوة، ولا الأئمة المهديين; وإنما سرت إلينا من أفراخ الإفرنج المنحلين، المعرضين عن شرع رب العالمين، فجاؤوا بنظمهم يطبقونها على المسلمين.
وفي الباب فصول; الأول منها: القضاء الشرعي الذي أوجبه الله على عباده، وقد أجمعوا على أن ينصب في كل إقليم قاضيا، لحفظ حقوق المسلمين، عملا بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩] ، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] .
وقد تكفل الله لعباده جميع ما يحتاجون إليه إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٥] الآية، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . والقضاء، وفضله، وآدابه، قد أفرد بالمؤلفات؛ وفي أثناء كتب الحديث والفقه ما يشفي ويكفي، ويغني عن أفكار المعرضين عن شرع رب العالمين.
стр. 7518
قال الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ﵀:
من محاسن الإسلام ١:
لا شك أن الدين الإسلامي، دين سماوي، لم يكن لأمة من الأمم مثله، ولا نزل على نبي من الأنبياء نظيره، إذ هو دين عام، مبين لأحوال المجتمع الإسلامي، بل البشر عامة؛ وبه كمل نظام العالم، فهو جامع شامل للمصالح الاجتماعية، والأخلاقية.
فإنه يبين الأحوال الشخصية التي بين العبد وبين ربه، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج؛ وشرع نظافة البدن، فأمر بغسل الجنابة، والجمعة، والعيد، أو بعضا كالوضوء عند أداء كل فريضة من الفرائض الخمس.
وشرع أمور الفطرة، من ختان، وقص شارب، وتقليم أظفار، ونتف الإبط، والسواك، وحلق العانة. كما أرشدنا الإسلام إلى تجميل الثياب، وأن تكون على أحسن هيئة وأكملها، كما سن ذلك في الجمعة، والعيدين.
وهذب الأخلاق: فأمر بالصدق في المعاملات، والوفاء بالعقود، والعهود، والمواعيد، وأوجب ترك الذنوب، من زنى، وخمر، وغيبة، وقذف، وسعاية، وشهادة زور، وانحراف في الأحكام، وتحريف لما أباح الله
стр. 7519
وحرم، بتغيير له عن وجهه، وما أريد به إلى غير ذلك.
وبالجملة: إن الدين الإسلامي جامع، ورابط للأمة الإسلامية؛ بل هو حياتها، وتدوم ما دام، وتنعدم، وتسقط إذا انعدم. وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، ومن خصائصها، حيث لم يكن لأمة من الأمم قبلنا مثله.
فلو أن المسلمين تمسكوا بأحكام الإسلام وتعاليم دينهم، كما كان آباؤهم الأماجد، لكانوا أرقى الأمم، وأسعد الناس؛ ولكن لما حرفوا تعاليم دينهم، انحرفوا عن الصراط السوي.
وقد جعل الإسلام للفقراء حظا في مال الأغنياء، بالزكوات، والكفارات، لطفا بهم وإحسانا إليهم، ورحمة بالأغنياء، وتكرمة لهم، وتحصينا لأموالهم؛ هذا أساس المبادئ الاشتراكية المعتدلة، والأعمال الخيرية، التي تأسست لها الجمعيات الكبرى في بعض أقطار العالم.
وشرع الإسلام الحج ليحصل اجتماع عام لسائر الأمم التي تدين به، لينتفع بعضهم من بعض علومهم، وأحوالهم، ويحصل بذلك التعارف، والتعاون، والتآخي، ولما في ذلك من إعانة أهل الحرمين الشريفين ليكونا مركزين عظيمين للإسلام؛ وهذا بعض من مقاصد الحج، كما قد شرع الإسلام: اجتماعات أخرى أصغر وأيسر، في الجمع، والأعياد.
стр. 7520
وبين أحكام المعاملات، من بيع وشراء، ورهن، وقرض، وإباحة شركات ووكالة، وحوالة، وعارية، وغيرها من المعاملات المالية، التي تقتضيها القاعدة التي عليها مبني علم الاجتماع البشري.
وبيّن الإسلام كيف تقام البيوتات، وتتأسس العائلات; فندب إلى الزواج، وحث عليه ورغب فيه، وبيّن العقود التي تعتبر زواجا، ووضح شروطها، من رضى وولي وشهود، وغيرها؛ وما خالف ذلك فهو سفاح أو قريب منه; وأمر بسدل الحجاب للنساء صيانة للنسل، وإبعادا للمظنة وراحة لكل ضمير.
وبيّن أحكام الجنايات، كالقصاص في النفس والطرف، وما يشرط لذلك؛ كما بين أحكام فصل الخصومات، في الدماء والأموال، والأعراض.
وبيّن ما يلزم لحفظ المجتمع العام، من نصب الإمام، وشروط استحقاقه للإمامة، وما يجب له من الطاعة، وما يجب عليه من المشورة، والعمل بالشريعة، وإقامة العدل بين أصناف الرعية.
ثم إن الإسلام قسم السلطة فجعلها خططا منها القضاء، فحدد للقاضي خطته، من فصل الخصومات، والنظر في أموال غير المرشدين، والحجر على من يستوجبه، والنظر في وقوف عمله ليعمل بشرطها، وتنفيذ الوصايا، وإقامة الحدود، إلى غير ذلك.
стр. 7521
وبيّن خطة الشاهد: كيف تحمل الشهادة وأدائها، ومن تقبل شهادته، ومن لا تقبل; وأمر بإثباتها وعدم كتمانها؛ كما بيّن خطة المحتسب، ثم بقية الخطط.
وبيّن حكم من خرج عن طاعة الإمام، بأن يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله؛ وبين كيف تعامل الأمم الأجنبية فيما إذا وقع حرب معها، وفي حالة مسالمتها. وأمر بحسن الجوار، وإقامة الحدود على من أخاف السبيل، أو خالف ما أمرت به الشريعة.
وبالجملة: فقد استقصى هذا الدين الإسلامي العظيم جميع الشؤون الاجتماعية، وبيّنها أحسن بيان، مما يعجز عن مثله عقلاء البشر؛ حتى دخل مع الرجل في بيته وحكم بينه وبين امرأته، فبين ما له عليها من الحقوق، وبيّن ما لها عليه من مثل ذلك، وبيّن ما عسى أن يقع بينهما من خلاف في المستقبل. كما حكم الإسلام بين الرجل وبين ولده، وبينه وبين نفسه في حياته وبعد وفاته، كأوقافه ووصاياه، وما يصح منها وما لا يصح، وقسّم مواريثه، وبين أحكام تغسيله وتكفينه ودفنه. كل هذا لأجل أن تنتظم الحياة انتظاما كاملا، ويعيش المسلم عيشة هنيئة منتظمة، ليتمكن معها لإعداد الزاد ليوم المعاد، والتأهب لما بعد الموت.
стр. 7522
فالدين الإسلامي: نظام عام للمجتمع البشري الإسلامي؛ فإنه تام الأحكام، ثابت المباني، دين سماوي، لم يدع شاذة ولا فاذة إلا بينها أحسن بيان، ووضحها أتم إيضاح.
وما دخلت الأمم الكثيرة في الإسلام أفواجا أفواجا، واتسعت دائرة الإسلام، فانتشرت الأمة الإسلامية مادة جناحها من نهر القانج من الهند شرقا إلى إفريقيا، ثم إلى أواسط أوروبا، في زمن قليل، إلا باحترام الحقوق والعمل بقواعد الإسلام، والتسوية بين طبقات المسلمين، ملكهم، وصعلوكهم، وصغيرهم وكبيرهم فيه على السواء.
فالأمة الإسلامية لا حياة لها ولا استقامة بدون التمسك بدينها، والعمل بأوامره ونواهيه؛ فهي دائمة بدوام دينها، مضمحلة باضمحلاله، ساقطة إذا أهملت تعاليم دينها القويم.
كما قال بعض أعداء المسلمين: لما رغب المسلمون عن تعاليم دينهم، وجهلوا حكمته وأحكامه، نشأ فيهم فساد الأخلاق، والتباغض، وتفرقت كلمتهم، وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة، وغفلوا عما يضرهم وما ينفعهم.
وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون، وينامون؛ ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة، ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضر أخاه لا يقصر في إلحاق الضرر به، فجعلوا بأسهم
стр. 7523
بينهم، والأمم تبتلعهم لقمة بعد أخرى. رضوا بكل عارض، واستعدوا لقبول كل حادث، وركنوا إلى السكون في كور بيوتهم، يسرحون في مرعاهم ثم يعودون إلى مأواهم.
هذا وصفهم لحالة المسلمين حين جهلوا تعاليم هذا الدين القويم، ورضوا منه بمجرد الانتساب إليه، وهو دين سماوي عام، شامل لمصالح الدنيا والآخرة، ثابت المباني، تام الأركان.
قال كثير من منصفي عقلاء المستشرقين، ممن يكتب لبيان الحق، لا للسياسة: إن نشأة مدنية أوروبا الحديثة، إنما كانت رشاشا من نور الإسلام، فاض عليها من الأندلس، ومن صفحات الكتب التي أخذوها في حروبهم مع المسلمين، في الشرق والغرب.
وقال القس لميلوان: الإسلام يمتد في إفريقيا، وتسير الفضائل معه حيث سار؛ فالكرم، والعفاف، والنجدة من آثاره، والشجاعة، والإقدام من نتائجه; ومن الأسف أن السكر والفحش والقمار تنتشر بين السكان بانتشار دعوة المبشرين.
وقال كونتنسن: يمتاز المسلمون على غيرهم برفعة في السجايا، وشرف في الأخلاق؛ قد طبعت في نفوسهم ونفوس آبائهم وصايا القرآن، بخلاف غيرهم، فإنهم في سقوط تام من حيث ذلك.
стр. 7524
وقال أيضا: إن من أهم النعوت التي يمتاز بها المسلم: عزة النفس فهو سواء في حالة بؤسه ونعيمه، لا يرى العزة إلا لله ولرسوله وله، وهذه الصفة التي غرسها الإسلام في نفوسهم، إذا توفرت معها الوسائل، كانت أعظم دافع لها إلى التسابق إلى غاية المدنية الصحيحة، ورقيات الكمال.
وقال: هانوتو، وزير خارجية فرنسا في وقته: إن هذا الدين الإسلامي قائم الدعائم، ثابت الأركان، وهو الدين الوحيد الذي أمكن اعتناق الناس له زمرا وأفواجا; وهو الدين الإسلامي العظيم، الذي تفوق شدة الميل إلى التدين به كل ميل، إلى اعتناق دين سواه؛ فلا يوجد مكان على سطح المعمورة إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده، فانتشر في الآفاق.
وأقوالهم في هذا كثيرة جدا، يعترفون فيها بعظمة الإسلام، وشموله لعموم المصالح، ودرء المفاسد، وأن المسلمين لو تمسكوا بإسلامهم حقا، لصاروا أرقى الأمم وأسعد الناس، ولكن ضيعوه فضاعوا، واكتفوا منه بمجرد التسمي بأنهم مسلمون.
مناقب شهد العدو بفضلها ... والفضل ما شهدت به الأعداء
ويؤسفنا كثيرا بأن البعض من أولادنا لم يعرفوا عن
стр. 7525
الإسلام وعظمته ما عرفه هؤلاء المعادون له، بل صاروا يعظمون هذه المدنية الزائفة، ويتقبلون كل ما يكتب نحو الإسلام وأهله، من غير تعقل وتفهم.
ولم يدروا أن معظم كتاباتهم على اختلاف أساليبها يريدون بها غمط الإسلام، وتشكيك المسلمين في إسلامهم، بما يبذرونه من الشك والشبه، المؤدية إلى الحيرة والتردد، لمن لا خبرة له بمقاصدهم، ولا علم عنده بالإسلام وحكمه; والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وقال ﵀: مكانة القضاء في الإسلام ١
إن مركز القضاء له الأهمية الكبرى في هذه الشريعة، حيث كان القاضي يفصل في الخصومات، ويقضي في الدعاوى بين الناس، لا فرق بين ملك وأمير، وصغير وكبير، وغني وفقير؛ والذي هذا شأنه، وهذه مهمته، يجب عليه أن يتخلق بخلق القرآن، ويقتدي بالنبي الكريم، والسلف الصالح.
فإن رسول الله ﷺ يتولى القضاء بنفسه، فكان إذا جلس له يتمثل العدل في أسمى وأجمل المظاهر، وكان خلفاؤه من بعده يتولون هذا المنصب بأنفسهم؛ قام به أبو
стр. 7526
بكر وضي الله عنه، جامعا بين السلطة الدينية والسياسية، فكان يحكم بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﷺ ، ويتوقف في بعض القضايا، فيجمع لها المهاجرين والأنصار، ﵃، فيستشيرهم في حكمها.
وجرى على هذا من بعده، الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ فلما اتسعت الفتوحات الإسلامية، واشتغل بالأعمال السياسية، ولّى أبا الدرداء قضاء المدينة; وكان أكابر الصحابة وحفاظ القرآن، يقومون بهذا المنصب، فأبو موسى تولى قضاء الكوفة، وشريح في البصرة، وغيرهما، فساروا وأمثالهم في القضاء، سيرة بهرت العقول.
هذا صعلوك من صعاليك اليهود، ادعى عليه علي ﵁ في رمح كان بيد اليهودي، على أنه رمحه، فطلب شريح من علي البينة بأنه رمحه، فشهد ابنه الحسن، فقال: ائتني بشاهد غيره، لأنه ابنك، ولا تقبل شهادة الابن لأبيه، فقضى به شريح لليهودي، فسبح اليهودي، وهلل، وحمد وكبر، فأسلم، وقال: الرمح لعلي، وإني لكاذب عليه، فقال علي: الرمح لك، وأعطاه فرسا لتكمل عنده آلة الجهاد.
فالشريعة الإسلامية عنت بالعدل في القضاء عنايتها بكل ما من شأنه دعامة لسعادة الحياة، فأتت فيه بالعظات
стр. 7527
البالغة، تبشر من أقامه وعدل فيه، بعلو المنْزلة، وحسن العاقبة؛ وتنذر من قصر أو جار، بسوء المنقلب، وعذاب الهون.
فمن الآيات المنبهة لما في العدل والاستقامة من الكرامة والفضل، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٢] أي: بالعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٢] .
فدلت الآية الكريمة على الأمر بالعدل، وأن خيرا عظيما يحصل للحاكم بالقسط، هو محبة الله له؛ وناهيك بها من محبة، فما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة في الدنيا، والعيشة الراضية في الآخرة.
ومن الأحاديث الدالة على ما يورثه العدل، من المنْزلة، وعلو المكانة ما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" ١ وشدة قربهم من الله جل شأنه، وفوزهم برضوانه، حاصل لهم بسبب عدالتهم.
وإن ترد مثلا من آيات الوعيد، فتأمل قوله وتعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [سورة ص آية: ٢٦] .
стр. 7528
تجد الآية تنادي بأن الفصل في القضاء جريا مع الأهواء، ضلال عن سبيل الله الذى هو صراطه المستقيم، والضلال عن سبيل الله، ملق صاحبه في العذاب الشديد؛ فما ظنك بعذاب وصفه الكبير المتعال بالشدة، ويشتريه بمتاع في هذه الدنيا؟ إن هذا لسفه، ودلالة على عدم نفوذ الإيمان إلى سويداء قلبه؛ فلهذه الآية أثر عظيم في النفوس المطمئنة بالإيمان، البعيدة عن الأهواء.
يحدثنا التاريخ أن أحمد بن سهل، جار لقاضي مصر، بكار بن قتيبة، فاتفق أنه مر على بيت بكار أول الليل، فسمعه يقرأ هذه الآية، ويرددها ويبكى ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [سورة ص آية: ٢٦] ثم قمت آخر الليل، فإذا هو يقرؤها مرددا لها، وإن بكارا هذا من أعدل القضاة حكما، وأشرفهم أمام أولي الأمر موقفا.
والأحاديث الواردة في الوعيد على الجور كثيرة جدا، كحديث بريدة: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وقضى بخلافه، فهو في النار" ١.
فإن كان حظه من القضاء بخسا، أو يكون خلُق العفاف في نفسه واهيا، كمن كان متبعا لهواه، جاريا على غير السنن، فهذا جزاؤه.
стр. 7529
وصف الإسلام ما في العدل، من فوز، ورضى، وخير، واستقامة وما في الحيف من شقاء، وبلاء وشر؛ فإن رسول الله ﷺ رسم العدل في القضاء رسما مستقيما ليس بذي عوج، وزاده بسيرته العملية بيانا واستنارة.
انظر إلى قصة المخزومية التي سرقت، وأمر بقطع يدها، وشفاعة أسامة بذلك; وقول رسول الله ﷺ : "إن من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله: لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ١.
فاستبانت قضيته ﵊ لأصحابه في أجلى مظهر، فاقتدوا بهديه الحكيم، وأيدوا للناس القضاء، الذي يزن بالقسطاس المستقيم، كما في كتاب عمر لأبي موسى الأشعري ﵁؛ فإن للإسلام في سيرة رجاله الذين أوتوا العلم، والإيمان أثرا كبيرا في إصلاح القضاء، والسير به على المنهج القويم.
والمحاكم لا تشرق بنور العدل، إلا أن يمسك بأزمتها رشيد العقل، وقوي الإيمان بيوم المعاد؛ فالخوف من الله ومراقبته تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعة، بحيث يتطلب معرفة الحق، ويبلغ في تطلبه منتهى استطاعته.
ولا يتعجل بما يلوح له من أول فهم يبدو له، بل
стр. 7530
يتأنى، ويبحث عما تستدعيه مجريات القضية، حتى ولو علم أن قضاءه نافذ المفعول، وما له فيه معقبا. فمن ملوك الأندلس من يعزل القاضي إذا رأى منه التعجل في فصل الأحكام التي تستدعي بطبيعتها شيئا من التروي والتعقل، إذ يبدو من تعجله عدم تحرجه، من إثم الخطأ في الحكم.
فإن التقوى هي التي توقف القاضي عند حدود العدل، لا يخرج عنها قيد شعرة؛ وانظر إلى خبر عقبة بن يزيد، قاضي بغداد، وتخوفه على دينه، حيث قدمت له هدية فردها، واستقال من أجلها.
فقد روي أن عقبة بن يزيد، قاضي بغداد في أيام الخليفة المهدي، جاء إليه في بعض الأيام وقت الظهيرة، وهو منفرد، فلما دخل عليه استأذنه فيمن يسلم إليه القمطر الذي فيه قضايا مجلس الحكم، واستعفاه من القضاء، وطلب منه أن يقيله من ولايته.
فظن الخليفة المهدي أن بعض الأمراء من البيت المالك قد عارضه في حكمه; فقال له في ذلك: إن كان عارضك أحد لننكرنّ عليه; فقال القاضي: لم يكن شيء من ذلك; قال: فما سبب استعفائك من القضاء؟
قال يا أمير المؤمنين، كان قد تقدم إلي خصمان منذ شهر في قضية مشكلة، وكل يدعي بينة وشهودا، ويدلي