← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

بكر وضي الله عنه، جامعا بين السلطة الدينية والسياسية، فكان يحكم بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﷺ ، ويتوقف في بعض القضايا، فيجمع لها المهاجرين والأنصار، ﵃، فيستشيرهم في حكمها. وجرى على هذا من بعده، الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ فلما اتسعت الفتوحات الإسلامية، واشتغل بالأعمال السياسية، ولّى أبا الدرداء قضاء المدينة; وكان أكابر الصحابة وحفاظ القرآن، يقومون بهذا المنصب، فأبو موسى تولى قضاء الكوفة، وشريح في البصرة، وغيرهما، فساروا وأمثالهم في القضاء، سيرة بهرت العقول. هذا صعلوك من صعاليك اليهود، ادعى عليه علي ﵁ في رمح كان بيد اليهودي، على أنه رمحه، فطلب شريح من علي البينة بأنه رمحه، فشهد ابنه الحسن، فقال: ائتني بشاهد غيره، لأنه ابنك، ولا تقبل شهادة الابن لأبيه، فقضى به شريح لليهودي، فسبح اليهودي، وهلل، وحمد وكبر، فأسلم، وقال: الرمح لعلي، وإني لكاذب عليه، فقال علي: الرمح لك، وأعطاه فرسا لتكمل عنده آلة الجهاد. فالشريعة الإسلامية عنت بالعدل في القضاء عنايتها بكل ما من شأنه دعامة لسعادة الحياة، فأتت فيه بالعظات

стр. 7527

البالغة، تبشر من أقامه وعدل فيه، بعلو المنْزلة، وحسن العاقبة؛ وتنذر من قصر أو جار، بسوء المنقلب، وعذاب الهون. فمن الآيات المنبهة لما في العدل والاستقامة من الكرامة والفضل، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٢] أي: بالعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٢] . فدلت الآية الكريمة على الأمر بالعدل، وأن خيرا عظيما يحصل للحاكم بالقسط، هو محبة الله له؛ وناهيك بها من محبة، فما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة في الدنيا، والعيشة الراضية في الآخرة. ومن الأحاديث الدالة على ما يورثه العدل، من المنْزلة، وعلو المكانة ما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" ١ وشدة قربهم من الله جل شأنه، وفوزهم برضوانه، حاصل لهم بسبب عدالتهم. وإن ترد مثلا من آيات الوعيد، فتأمل قوله وتعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [سورة ص آية: ٢٦] .

стр. 7528

تجد الآية تنادي بأن الفصل في القضاء جريا مع الأهواء، ضلال عن سبيل الله الذى هو صراطه المستقيم، والضلال عن سبيل الله، ملق صاحبه في العذاب الشديد؛ فما ظنك بعذاب وصفه الكبير المتعال بالشدة، ويشتريه بمتاع في هذه الدنيا؟ إن هذا لسفه، ودلالة على عدم نفوذ الإيمان إلى سويداء قلبه؛ فلهذه الآية أثر عظيم في النفوس المطمئنة بالإيمان، البعيدة عن الأهواء. يحدثنا التاريخ أن أحمد بن سهل، جار لقاضي مصر، بكار بن قتيبة، فاتفق أنه مر على بيت بكار أول الليل، فسمعه يقرأ هذه الآية، ويرددها ويبكى ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [سورة ص آية: ٢٦] ثم قمت آخر الليل، فإذا هو يقرؤها مرددا لها، وإن بكارا هذا من أعدل القضاة حكما، وأشرفهم أمام أولي الأمر موقفا. والأحاديث الواردة في الوعيد على الجور كثيرة جدا، كحديث بريدة: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وقضى بخلافه، فهو في النار" ١. فإن كان حظه من القضاء بخسا، أو يكون خلُق العفاف في نفسه واهيا، كمن كان متبعا لهواه، جاريا على غير السنن، فهذا جزاؤه.

стр. 7529

وصف الإسلام ما في العدل، من فوز، ورضى، وخير، واستقامة وما في الحيف من شقاء، وبلاء وشر؛ فإن رسول الله ﷺ رسم العدل في القضاء رسما مستقيما ليس بذي عوج، وزاده بسيرته العملية بيانا واستنارة. انظر إلى قصة المخزومية التي سرقت، وأمر بقطع يدها، وشفاعة أسامة بذلك; وقول رسول الله ﷺ : "إن من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله: لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ١. فاستبانت قضيته ﵊ لأصحابه في أجلى مظهر، فاقتدوا بهديه الحكيم، وأيدوا للناس القضاء، الذي يزن بالقسطاس المستقيم، كما في كتاب عمر لأبي موسى الأشعري ﵁؛ فإن للإسلام في سيرة رجاله الذين أوتوا العلم، والإيمان أثرا كبيرا في إصلاح القضاء، والسير به على المنهج القويم. والمحاكم لا تشرق بنور العدل، إلا أن يمسك بأزمتها رشيد العقل، وقوي الإيمان بيوم المعاد؛ فالخوف من الله ومراقبته تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعة، بحيث يتطلب معرفة الحق، ويبلغ في تطلبه منتهى استطاعته. ولا يتعجل بما يلوح له من أول فهم يبدو له، بل

стр. 7530

يتأنى، ويبحث عما تستدعيه مجريات القضية، حتى ولو علم أن قضاءه نافذ المفعول، وما له فيه معقبا. فمن ملوك الأندلس من يعزل القاضي إذا رأى منه التعجل في فصل الأحكام التي تستدعي بطبيعتها شيئا من التروي والتعقل، إذ يبدو من تعجله عدم تحرجه، من إثم الخطأ في الحكم. فإن التقوى هي التي توقف القاضي عند حدود العدل، لا يخرج عنها قيد شعرة؛ وانظر إلى خبر عقبة بن يزيد، قاضي بغداد، وتخوفه على دينه، حيث قدمت له هدية فردها، واستقال من أجلها. فقد روي أن عقبة بن يزيد، قاضي بغداد في أيام الخليفة المهدي، جاء إليه في بعض الأيام وقت الظهيرة، وهو منفرد، فلما دخل عليه استأذنه فيمن يسلم إليه القمطر الذي فيه قضايا مجلس الحكم، واستعفاه من القضاء، وطلب منه أن يقيله من ولايته. فظن الخليفة المهدي أن بعض الأمراء من البيت المالك قد عارضه في حكمه; فقال له في ذلك: إن كان عارضك أحد لننكرنّ عليه; فقال القاضي: لم يكن شيء من ذلك; قال: فما سبب استعفائك من القضاء؟ قال يا أمير المؤمنين، كان قد تقدم إلي خصمان منذ شهر في قضية مشكلة، وكل يدعي بينة وشهودا، ويدلي

стр. 7531

بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت، فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا، وأن يظهروا الفصل بينهما; فسمع أحد الخصوم أني أحب الرطب، فعمد في وقتنا هذا، وهو أول أوقات الرطب، لا يتهيأ في وقتنا هذا جمع مثله لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا خادمي بدراهم، على أن يدخل الطبق، ولا يبالي عاقبة ذلك. فلما أدخله علي أنكرت ذلك، وطردت خادمي، وأمرت برد الطبق إليه. فلما كان اليوم، تقدم الخصمان إلي فما تساويا في عيني، ولا في قلبي، فهذا يا أمير المؤمنين وأنا لم أقبل الهدية، فكيف يكون حالي لو قبلت؟ ولا آمن أن تقع علي حيلة في ديني فأهلك، وقد فسد الناس؛ فأقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله، وأعفني أعفاك الله. فشدد في هذا الطلب، فلم يسع الخليفة إلا إقالته من القضاء، إجابة لطلبه وإلحاحه في ذلك. ويروى أن منذر بن سعيد البلوطي، كان قاضيا بقرطبة، في أيام زهرة الإسلام، في تلك البلاد التي أخنى عليها الدهر، وأصبحت أثرا بعد عين. وفي عصره احتاج الخليفة الناصر إلى شراء دار في قرطبة، فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد أيتام، قصّر؛ وكانت قريبة لبعض أملاكه، وهذه الدار يتصل بها حمام له غلة واسعة. وكان الأولاد الأيتام القصّر في حجر القاضي، فأرسل

стр. 7532

الخليفة من قوّم الدار بقدر ما طابت نفسه به، وأرسل أناسا أمرهم بمداخلة وصي الأيتام في بيعها عليهم; فقال: إنه لا يجوز ذلك إلا بأمر القاضي. وأرسل الخليفة إلى القاضي منذر، ليبيع هذه الدار، فقال القاضي لرسوله: البيع على الأيتام لا يصح إلا بوجوه; منها: الحاجة، ومنها: الوهي الشديد; ومنها: الغبطة. فأما الحاجة بهذه الأيتام إلى البيع فلا; وأما الوهي فليس فيها؛ وأما الغبطة فهذا مكانها، فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستديم به الغبطة فأمر وصيهم بالبيع، وإلا فلا. فنقل جوابه إلى الخليفة، فأظهر الزهد في شراء الدار، طمعا في أن يتوخى رغبته فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأيتام ثورتها، فأمر وصي الأيتام بنقض الدار، وبيع أنقاضها. ففعل ذلك، وباع الأنقاض، فكانت لها قيمة أكسب مما قومت به للخليفة الناصر، فاتصل الخبر بالخليفة، فعز عليه خرابها، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها، فأحال الوصي على القاضي أنه أمر بذلك. فأرسل عند ذلك إلى القاضي منذر، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نجدة؟ فقال له: نعم. فقال: وما دعاك إلى ذلك؟ قال: أخذت فيها بقوله تعالى: ﴿أَمَّا

стр. 7533

السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [سورة الكهف آية: ٧٩] . مقوموك لم يقوموها إلا بكذا، وبذلك تعلق وهمك، فقد قبض في أنقاضها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمام، فضل، وقد نظر الله تعالى للأيتام القصّر، فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أوتي من ذلك، وقال: نحن أولى من أنفذ الحق، فجزاك الله عنا وعن أمانتك خيرا. ونقل بعضهم أنه لما تولى الشيخ عز الدين بن عبد السلام القضاء في مصر، تصدى لبيع أمراء الدولة من الأتراك، وذكر أنه لم يثبت عنده أنهم أحرارا، وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك، وعظم الخطب عندهم؛ والشيخ مصمم على فكرته، لا يصحح لهم بيعا، ولا شراء، ولا نكاحا، وتعطلت مصالحهم لذلك. وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاشتاط غضبا، فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلسا، وننادي عليكم لبيت مال المسلمين، فرفع الأمراء إلى السلطان، فبعث إليه فلم يرجع، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه. فانزعج النائب، وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ

стр. 7534

ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟! والله لأضربنه بسيفي هذا، فركب بنفسه في جماعة، وجاء إلى بيت الشيخ، والسيف مسلول في يده. فخرج ولد الشيخ فرأى من نائب السلطنة ما رأى، وشرح لوالده الحالة، فما اكترث لذلك، وقال: يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله، ثم خرج. فحين أن وقع بصره على النائب يبست يد النائب، وسقط السيف منها، وارتعدت مفاصله، فبكى، وسأل أن يدعو له. وقال: يا سيدي: ماذا تعمل؟! قال: أنادي عليكم، وأبيعكم، وقال: فيما تصرفون ثمننا؟! قال: في مصالح المسلمين، قال: من يقبضه؟ قال: أنا; فتم ما أراد، ونادى على الأمراء واحدا واحدا، وغالى في ثمنهم، ولم يبعهم إلا بالثمن الوافي، وقبضه، وصرفه في وجوه الخير التي يعود نفعها على الأمة الإسلامية. ويروى: أن القاضي بكار بن قتيبة، كان عالما، ورعا، محدثا، ثقة، ويبتعد عن الشبهات، خوفا من الوقوع في المحرمات، وقد تولى القضاء في مصر في زمن الملك بن طولون، وكان أحمد بن طولون يعظمه ويحترمه. ويظهر أن ابن طولون لما رأى نفسه ملكا مستقلا في مصر، أراد أن يضيف إلى ذلك الخلافة الإسلامية،

стр. 7535

فأرسل للقاضي بكار رسولا، وطلب منه خلع الخليفة الموفق بن المتوكل، فامتنع القاضي بكار من ذلك، وقال: هذا مخالف لكتاب الله وسنة رسوله. فغضب أحمد بن طولون على القاضي بكار; ويقال إنه أحضره أمامه، ومزق ثيابه، وبعد ذلك أصر بسجنه. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حرض عليه بعض بطانته، فادعى عليه بمظالم كذبا وزورا، وكان يحضره أمامه من السجن في حالة لا تناسب الأدب، حتى إذا انتهى التحقيق من المظالم المزعومة، أعاده إلى السجن مرة ثانية، وقد منعه من أداء صلاة الجمعة. فيقول القاضي بكار: اللهم اشهد. فأرسل إليه ابن طولون من يقول له: كيف رأيت المغلوب المقهور، لا أمر له ولا نهي، ولا تصرف له في نفسه؟! ومع كل هذه المحن التي رآها القاضي بكار، لم يمنعه من قراءته الحديث الشريف، وهو في السجن، على تلاميذه الذين يستمعون من خارج السجن. ومكث القاضي بكار في السجن على هذه الحالة، حتى مرض ابن طولون مرض الموت، فأرسل إليه يستسمحه، فقال للرسول: قل له: أنا شيخ كبير، وأنت عليل مدنف، والملتقى قريب، والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. ولم تمض أيام حتى مات ابن طولون، وخرج

стр. 7536

القاضي بكار من السجن، وقد رأى ما رأى من البلايا والمحن، ولم يغير عقيدته ويوافق ابن طولون. فهذا شيء يسير من سير بعض قضاة الإسلام؛ وأخبارهم كثيرة جدا، كما في كتب التراجم والتواريخ، ساروا فيها سيرا يمثل العدل، في أجلى مظهر وأسمى منْزلة، فقارن بين القضاء في العصور الخالية، وبين القضاء في هذا الزمان، واحكم بما ترى، فأنت العاقل اللبيب; والله الموفق، الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد. [الحث على العناية بالقضاء] وله أيضا ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن محمد بن حميد، إلى حضرة المكرم الأحشم، سماحة الشيخ: محمد بن إبراهيم، رئيس القضاة؛ أدام الباري عليه إحسانه، وأجرى بالصواب قلمه ولسانه، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأرجو الله أن يحفظكم ويوفقكم لما فيه رضاه، وأن يسدد خطاكم، ويجعلكم من صالح عبيده وأوليائه. سلمك الله، بما أني أعتبر نفسي كواحد من أبنائكم، وأن الواجب علينا جميعا التناصح، والتساعد على ما فيه الخير والصلاح العام، والتعاون على البر والتقوى، والمؤمن مرآة أخيه المؤمن.

стр. 7537

لذا أحب أن أبدي لكم ما في نفسي، نصحا ومحبة، وحرصا على هذه الشريعة الكاملة في مصادرها ومواردها، أن تنتهك حرمتها، أو تنال بسوء، أو أن يخفف وقعها في النفوس، وذلك بما هو معلوم لديكم، ولدى الناس عامة، وهو ما أصيب القضاء من ضعف، وما حصل به من خلل. وغير خاف عليكم حفظكم الله، مكانة القضاء من الإسلام وما عليه الناس اليوم، فإعطاؤه العناية الكاملة من كل الوجوه، وبذل النفس والنفيس في تركيزه على الطريقة المثلى التي ركزها الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، والتناصح في ذلك من أوجب الواجبات. فتحكيم الشريعة الإسلامية مفقود من جميع نواحي المعمورة، سوى هذه المملكة الإسلامية أيدها الله، وأدام تمسكها بهذا الدين الحنيف. لذا ولما تقدم: رأيت من المتعين علي أن أبين لسماحتكم بعض ما لاحظته على القضاء في هذه المملكة، والله يعلم أني لا أريد إلا النصح، والسعي فيما فيه حفظ حقوق المسلمين، واحترام الشريعة الإسلامية بأن لا تكون في نفوس بعض العامة وغيرهم غير كافلة لمصالحهم، بحيث يرون أن غيرها أحفظ لحقوقهم منها، وأعوذ بالله أن يكون ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 7538

سبق أن شافهتكم كثيرا، وكاتبتكم مرارا في هذا الموضوع; وهو: أن الحالة القضائية انحط شأنها، وضعف في نفوس الكثيرين مكانتها، وذلك لأمور: منها تولية غير الأكفاء، كبعض الطلاب المتخرجين من الكليات وغيرهم، ممن لا يعرف دينه وعقله وعلمه وأمانته، فيما ولي مثل هذه الأعمال الهامة؛ والتحقق عن جميع ما ذكر واجب. والأولى أن تتولى ذلك بنفسك، ولا تعتمد على أحد، لأهمية هذا العمل؛ وذلك بأن يكون القاضي ممن اشتهر بالعلم والورع والديانة والأخلاق الفاضلة، وإن كان ممن مارس هذا العمل فهو أولى. ثانيا: تهاون بعض القضاة بالأخلاق الفاضلة، وبشعائر الإسلام الظاهرة، وعدم تخلقهم بها، مما يسقط مكانة القضاء والقضاة من نفوس العامة. ثالثا: إدخال بعض الأنظمة على القضاء التي من شأنها تعقيد المسائل، وتطويل المعاملات، بكثرة السؤال والجواب، وطول الأخذ والرد، وتكليف الخصوم بما يحصل المقصود بدونه، مما يجعل أحدهم يسب القضاء والقضاة والحكومة، بسبب ما تحمله من التكاليف في بدنه وماله. رابعا: قصور علم بعض القضاة، وفقد غالب الشروط التي ذكرها العلماء في القاضي، كما لا يخفى وكما هو

стр. 7539

مشاهد، فإن بعضا من القضاة لم يعرفوا أحكام صلاتهم، فضلا عن أن يحكموا بين الناس باسم الشريعة الإسلامية، وقد بلغنا كثيرا من فتاويهم وأحكامهم، ومع هذا يحكم في الأموال والحدود، والفروج، والأوقاف وغيرها بلا خجل ولا حياء. خامسا: تكثير المحاكم في كل هجرة وقرية، من غير تحقق في كثرة السكان وبعد المسافة، بل بمجرد الطلب يوافق على ذلك، والأولى التقليل من ذلك لقلة وجود الأهل لهذا العمل الهام. سادسا: إلزام بعض أهل البلاد على قضاتهم، إذا كان بينهم وبينه خلاف واقعي صحيح، وهذا يخالف المصلحة. فالمستحسن، نقل كل من تظلم أهل بلده منه، أو رمي بتهم لا تليق به، حفظا لكرامته، وصونا لسمعته، ونقله- والحالة هذه- أولى من إلزامهم به، لما يترتب على ذلك من الأمور التي هي غير محمودة. ولما تقدم يترتب عليه أمور: منها: أن في وجود ما ذكر في القضاء والقضاة، تكثيرا للمشاكل، وإتعابا للناس وللحكومة ولكم، في كثرة المراجعات، وإبداء التظلمات، وإطلاق ألسنتهم في المنتسبين، مما يجعل القاضي كأقل موظف، بل وأحط رتبة منه في نفوس الناس؛ في حين أن القاضي يجب

стр. 7540

احترامه وتوقيره وتقديره، لأجل المنصب الذي يشغله، لا لشخصيته. ثانيا: إن كثيرا ممن يحكم عليه يرى أنه مظلوم، وأن الحكم ليس بصحيح، لعدم ثقته بقاضيه وارتياحه منه; لأنه يرى ويسمع منه، ما يصيره معتقدا أن قاضيه ليس على حق في حكمه، فيعتقد أن الحكومة ظلمته بتولية مثل هذا، ولم تراع له حقا. ثالثا: إن في ترك الناس على هذه الحالة، سببا إلى ميول العامة إلى القوانين الوضعية، وأنها هي التي تضمن لهم حقوقهم؛ ولا شك أن هذه بلية عظمى، متى رأى الناس هذا الرأي، وإن لم يتفوهوا به. هذا بعض ما دار في النفس، أحببت أن أكتب لكم به، نصحا وبراءة للذمة، وحرصا على هذه الشريعة الإسلامية، ومحبة لهذه الحكومة ولكم، وثقة بعقلكم وبعد نظركم، ولعل الله أن يقدر الاجتماع بكم، فأبين لكم جميع ما في نفسي حول ذلك مما لا تنبغي كتابته. والله أسأل أن يوفقكم ويكلل أعمالكم بالنجاح، ويبارك في علومكم ومساعيكم والإسلام، في ٣٠ / ١٢ / ١٣٨٢?.

стр. 7541

[رسالة الشيخ صالح بن أحمد إلى القضاة يذكرهم بالله ويرشدهم إلى ما يستعان به في أداء هذه الأمانة] وقال الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من صالح بن أحمد الخريصي، إلى من يراه من إخواننا القضاة، وفقني الله وإياهم لأسباب النجاة، وعصمني وإياهم من سلوك طرق الغي والضلالات، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: تعلمون أيها الإخوان، أنكم قد حملتم حملا ثقيلا، وطوقت برقابكم أمانة عظيمة، وإنكم موقوفون بين يدي الله سبحانه، ومسؤولون عن أدائها، فأعدوا للسؤال جوابا، وللجواب صوابا. ومن أعظم ما يستعان به، على أداء هذه الأمانة أسباب; أولها: تقوى الله ومراقبته في السر والعلانية، فإن بتقوى الله يتبين وجه الصواب، قال الله : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [سورة الطلاق آية: ٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [سورة الطلاق آية: ٤] ، وقال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٨] . والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولهذا لما قيل للإمام أحمد، ﵀: من نسأل بعدك؟ قال: سلوا

стр. 7542

عبد الوهاب الوراق، فإنه رجل صالح مثله يوفق للصواب. واستدل الإمام أحمد، ﵀ بقول عمر ﵁: "اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنهم تجلى لهم أمور صادقة، وذلك لقرب قلوبهم من الله" وكلما قرب القلب من الله، زالت عنه معارضات السوء، وكان كشفه للحق أتم وأقوى، وكلما بعد عن الله كثرت عليه المعاوضات، وضعف نور كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله بالقلب، يفرق به العبد بين الخطأ والصواب. ومن ذلك: أن يتأدب بالآداب التي ذكر العلماء، ﵏ في هذا الباب، منها: أن يكون قويا على حمل ما كلف به، ومن غير عنف يمنع صاحب الحق من استيفاء حقه، ومن غير ضعف يجترئ به صاحب الباطل عليه وعلى خصمه. قال عمر بن عبد العزيز، ﵀: "لا يصلح القاضي إلا أن تكون فيه خصال; أن يكون صليبا نزها عفيفا حليما، عليما بما كان قبله من القضاء والسنن" ومن ذلك: أن يكون ذا بصيرة، وبصر بأهل زمانه، لا سيما أهل هذه الأزمان؛ فإن أكثرهم أروغ من الثعالب، وليحذر حلاوة ألسن أكثرهم، فإن لهم في ذلك أهدافا

стр. 7543

وأغراضا، وحوائج يحومون حول تحصيلها بكل ممكن. ومنها: أن يكون ذا أناة، يتثبت، وفطنة فيما يحكم به. ومنها: أن لا يعجل في البت بالحكم، حتى يتبين له وجه الصواب، من غير تأخير يخل بالمقصود، ويوجب للضعيف ترك حقه. كما قال عمر ﵁ في كتابه لمعاوية: "وتعاهد الغريب، فإنه إن طال حبسه ترك حقه، وانطلق إلى أهله، وإنما أبطل حقه من لم يرفع به رأسا" ومنها: الحرص على لزوم العمل، والمبادرة إليه في أوقاته، لإنجاز مهمات المسلمين، وقضاء حوائجهم، فإن كثيرا من إخواننا- هداهم الله- يرددون الخصوم أكثر من الحاجة، من غير سبب يدعو إلى ذلك. ومنها: ما ينبغي للقاضي أن يتخلق ويتأدب ويتزيّا به، من الآداب الشرعية التي لا ينبغي له أن يخل بتركها، لأنه منظور إليه، ترمقه العيون بلحظاتها، وتقتدي به الأرواح والنفوس في صفاتها. فإذا أكمل نفسه وأصلحها، فينبغي له، بل يتعين عليه أن يكمل غيره، بالدعوة إلى الله، والإرشاد، والأمر والنهي، والتعليم؛ ويكون قدوة في ذلك، يقتدى به ويؤتم به، وهذا من أجلّ المقاصد في نصب القضاة. وبعض إخواننا من القضاة، قد أهمل هذا المقام

стр. 7544

العظيم، ولم يرفع به رأسا، فتجده في أخلاقه وأعماله وآدابه، إلى الانحراف أقرب، عافانا الله وإياهم، وألهمنا وإياهم رشده. ومنها: أن يعلم القاضي أن الخصومات ستعاد يوم القيامة، ويحكم فيها العدل الذي لا يجور، وإنما القضاء في الدنيا للفصل بين الناس، فليتَّئِد عند ذلك. وليتلمّح وجه الصواب في القضية مهما أمكنه، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين لهم بإحسان، وعلماء الأمة الذين لهم لسان صدق في الأمة. فإذا اجتهد وبذل وسعه وطاقته حسب الإمكان، رجي له أن يوفق لإصابة الحق، وأن لا يفوته أجران مع الصواب، أو أجر مع الخطأ. ولا ينظر إلى كثرة الأساليب التي استعملها بعض القضاة، خشية أن يقال في حكمه، أو يعترض عليه; بل إذا تبين له الحق، حكم به ولا يبالي بمن اعترض عليه، أو قال في حكمه، كما قيل: إذا رضي الحبيب فلا أبالي ... أقام الحي أم جد الرحيل ومنها: أنه ينبغي منه إذا خفي عليه وجه الصواب، وأعيته الأمور بإغلاق الأبواب، أن يستغيث بمعلم

стр. 7545

إبراهيم؛ فإن هذا من أنجح الأسباب الموصلة إلى المقصود، كما ذكر الأصحاب، أنه ينبغي للقاضي أن يدعو بدعاء الاستفتاح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ١. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه، كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل، يقول: يا معلم إبراهيم علمني; وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وكان مالك ﵀ يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم; وكان بعضهم يقول: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. وكان بعضهم يقول: اللهم وفقني واهدني وسددني، واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان; وكان بعضهم يقرأ الفاتحة; قال العلامة ابن القيم، ﵀: جربنا ذلك فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة.

стр. 7546

وقال النبي ﷺ لعلي ﵁:"قل: اللهم إني أسالك الهدى والسداد" ١. والمعول في ذلك كله على حسن النية وخلوص المقصد، وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول، معلم الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإنه لا يرد من صدق في التوجه إليه، لتبليغ دينه وإرشاد عبيده، ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم. ومما ينبغي لمن عين للقضاء: أن يعرض نفسه على الأمور المتقدم ذكرها، ويحاسبها ويبحث معها بحثا دقيقا، هل هذه الخصال موجودة فيها أم لا؟ وهل هو أهل لذلك أم لا؟. وقد كتب سلمان ﵁ إلى أبي الدرداء، لما ولي القضاء، وقال: "بلغني أنك جعلت طبيبا، فإن كنت تبرئ فنعماء، وإن كنت متطببا، فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار" فكان أبو الدرداء ﵁ إذا قضى بين اثنين وأدبرا عنه نظر إليهما، وقال: "متطبب والله، ارجعا أعيد قضيتكما"، فهذه حال أهل المعرفة بالله. كما أنه ينبغي للجهات المختصة- المسؤولين- أن لا يعينوا إلا من يصلح، وتكون فيه كفاءة لذلك، وأخلاق دينية على حسب الطاقة، لأن الولاية أمانة. وإذا كان تقديم

стр. 7547

الرجل في الجماعة، وفيهم من هو أفضل منه، يوجب أن لا يزالوا في سفال، فكيف بالقاضي الذي يقتدي به فئات من الناس؟ !. فيجب عليهم: أن يولوا أفضل من يجدوا، علما وورعا، لأنهم ناظرون للمسلمين، فيجب أن يختاروا الأصلح لهم، واختيار الأفضل علما من لازم القضاء، لأنه إنما يمكنه القضاء بين المترافعين بالعلم، لأن القضاء بالشيء فرع العلم به. والأفضل أولى من المفضول، لأنه أثبت وأمكن، وكذا كل من كان ورعه أكثر، كان سكون النفس فيما يحكم به أعظم، وكان من ترك التجري والميل في جانب أبعد. قال الإمام أحمد ﵀: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه، حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن يكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن له نور، ولا على كلامه نور. الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه، وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس، فإنه إن لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس، وإلى الأخذ مما في أيديهم. الخامسة: معرفة الناس. فهذه نبذة ينبغي للعاقل تأملها، لأنها تطلع على ما

стр. 7548

وراءها. وقد ذكر العلماء، ﵏ ما يكفي ويشفي، ولكن لعلك لا تجد كلاما مجموعا لهذه الكلمات اليسيرات. وأسأل الله الكريم أن ينفع بها كل طالب للحق، ومستفيد، ومراقب لله فيما يبدي ويعيد، والله يوفق الجميع للقول السديد، والأمر الرشيد، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. حرر في ١١ / ٤ / ١٣٨٢ ?.

стр. 7549

الفصل الثاني: [الحكم الوضعي التشريعي ويسمى بالدستور وبالحقوق والقانون] الحكم الوضعي التشريعي ويسمى بالدستور، وبالحقوق، والقانون، وغير ذلك، ولكل دوله قانون، وقد يغير كل عام، ورغّب في تعليمه، فلمتوليه أضعاف ما للشرعي، فرغب فيه، ومن سنين وهو يدرس في الخارج، في الجامعات والمعاهد، باسم الحقوق. وأملنا عظيم في ولاة أمورنا، في الحذر منه، أيدهم الله بروح منه، وجعلهم هداة مهتدين، ناصرين لشرع الله القويم، ولم يزالوا في محافلهم وخطبهم، يعتزون بتحكيم الكتاب والسنة، وينفذونها على الرعية. ١. ومما قالوه على رؤوس وفود حجاج بيت الله الحرام، ونشر في الصحف والمجلات: حيث كنا مسلمين حقا، فيجب أن نتبع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ونحق الحق، فإن كتاب الله بين أيدينا، ولم يحرف ولم يبدل، وإن سنة رسوله ﷺ بين أيدينا، ولم يدخلها تغيير ولا تبديل. فحيث كنا مسلمين حقا، فيجب أن نعود إليهما ونحكمهما

стр. 7550

في أمورنا، ونخضع للحكم بطواعية وبنفوس طيبة: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] . ومما قالوه أيضا: القرآن هو دستورنا، ولا دستور لنا سواه، الإسلام هو الذي شرف العرب وهداهم لرفع شأنهم، كما رفع شأن كل من اهتدى بهديه. الشريعة الإسلامية هي مصدر تشريعنا في العبادات والمعاملات. الإسلام هو الذي جاءنا بأعلى وأرفع أنواع العدل، وأرقى النظم الاجتماعية. مبادئنا الاجتماعية نستمدها من القرآن، ومن سنة نبينا، وما كان عليه السلف الصالح؛ ولا يمكن أن نستورد هذه المبادئ من أي نظام في العالم. نحن سننفذ نظمنا الدينية، والقضائية، والاجتماعية، طبقا لأحكام ديننا، في بلادنا بكل شدة وحزم، وندعو لذلك في خارج بلادنا، بالحكمة والموعظة الحسنة. فلو ذهبنا نتتبع خطاباتهم البليغة، وغيرها، لخرج بنا عن المقصود. وتقدم في الجزء التاسع فتوى المشائخ بهدم مسجد حمزة، وأبا رشيد على الفور. وأما القوانين؛ فإن كان شيء منها موجودا في الحجاز، فيزال فورا، ولا يحكم إلا بالشرع المطهر.

стр. 7551

[تحكيم القوانين] وللشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رسالة في تحكيم القوانين وهذا نصها: ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن من الكفر الأكبر المستبين، تنْزيل القانون اللعين منْزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم بين العالمين؛ والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . وقد نفى الله الإيمان عمن لم يحكموا النبي ﷺ فيما شجر بينهم، نفيا مؤكدا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] . ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول ﷺ ، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من

стр. 7552

الحرج في نفوسهم، وبقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] والحرج: الضيق، بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك، وسلامتها من القلق والاضطراب. ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم، وهو: كمال الانقياد لحكمه ﷺ ، بحيث يتخلون ها هنا من أي تسليم للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم؛ ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل جل شأنه: ﴿تسليما﴾ المبين أنه لا يكتفي ها هنا بالتسليم، بل لا بد من التسليم المطلق. وتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، كيف ذكر النكرة، وهي قوله: ﴿شيء﴾ في سياق الشرط، وهو قوله جل شأنه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ المفيد العموم فيما يتصور التنازع فيه، جنسا وقدرا. ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . ثم قال جل شأنه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ، فشيء يطلق الله عليه أنه خير، لا يتطرق إليه شر أبدا، بل هو خير محض، عاجلا وآجلا.

стр. 7553

ثم قال سبحانه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي: عاقبة في الدنيا والآخرة، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول ﷺ عند التنازع شر محض، وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة، عكس ما يقوله المنافقون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٢] ، وقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١١] ؛ ولهذا رد الله قائلا: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢] ، وعكس ما عليه القانونيون، من حكمهم على القانون بحاجة العالم، بل ضرورتهم إلى التحاكم إليه، وهذا سوء ظن صرف، بما جاء به الرسول ﷺ ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، إن هذا لازم لهم. وتأمل أيضا ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فإن اسم الموصول مع صلته، من صيغ العموم، عند الأصوليين وغيرهم؛ وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القدر، فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير. وقد نفى الله الإيمان عمن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ من المنافقين، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ

стр. 7554

تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] . فإن قوله : ﴿يزعمون﴾ تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل أحدهما ينافي الآخر. والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ﷺ أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه. وذلك أنه من حق كل أحد، أن يكون حاكما بما جاء به النبي ﷺ فقط، لا بخلافه؛ كما أن من حق كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي ﷺ . فمن حكم بخلافه، أو حاكم إلى خلافه، فقد طغى وجاوز حده، حكما، أو تحكيما؛ فصار بذلك طاغوتا لتجاوزه حده. وتأمل قوله : ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] تعرف منه معاندة القانونيين، وإرادتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد؛ فالمراد منهم شرعا، والذي تعبدوا به، هو: الكفر بالطاغوت، لا تحكيمه ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٥٩] .

стр. 7555

ثم تأمل قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] كيف دل على أن ذلك ضلال؛ وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيون، من بعدهم من الشيطان، وأنه مصلحة الإنسان. فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن وما بعث به سيد ولد عدنان معزولا من هذا الوصف، ومنحى عن هذا الشان؛ وقد قال تعالى منكرا على هذا الضرب من الناس، ومقررا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحا أنه لا حكم أحسن من حكمه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] . فتأمل هذه الآية الكريمة، وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية، وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية، الموضح أن القانونيين من زمرة أهل الجاهلية، شاؤوا أم أبوا؛ بل هم أسوأ منهم حالا، وأكذب منهم مقالا، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد. وأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [سورة النساء آية: ١٥١] .

стр. 7556

ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] . قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم "جنكيزخان" الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام، قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ؛ فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. فال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ

стр. 7557

يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] . أي: ومن أعدل من الله في حكمه؟ لمن عقل من الله شرعا وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم من الوالدة بولدها؛ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. وقد قال عز شأنه- قبل ذلك- مخاطبا نبيه محمدا ﷺ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩] . وقال تعالى مخيرا نبيه محمدا ﷺ بين الحكم بين اليهود والإعراض عنهم، إن جاؤوه لذلك: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٢] ، والقسط هو: العدل، ولا عدل حقا إلا حكم الله ورسوله. والحكم بخلافه هو الجور والظلم والضلال والكفر والفسوق، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا

стр. 7558

أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٧] . فانظر كيف سجل تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله، بالكفر والظلم والفسوق؛ ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا ولا يكون كافرا، بل هو كافر مطلقا، إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد. وما جاء عن ابن عباس ﵄، في تفسير هذه الآية، من رواية طاووس وغيره، يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل، لا ينقل عن الملة. أما الأول: وهو كفر الاعتقاد، فهو أنواع: أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير، أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم. فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلا من أصول الدين، أو فرعا مجمعا عليه، أو أنكر حرفا مما جاء به الرسول ﷺ قطعيا، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة. الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون

стр. 7559

حكم الله ورسوله حقا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه وأتم وأشمل، لما يحتاجه الناس، من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقا، أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان، وتغير الأحوال؛ وهذا أيضا لا ريب أنه كفر، لتفضيله أحكام المخلوقين، التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد. وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ نصا أو ظاهرا أو استنباطا، أو غير ذلك، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله. وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال، ما ظنه من قل نصيبهم أو عدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية. ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها مهما أمكنهم؛ فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه؛ وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان، مراد العلماء منه ما كان مستصحبه فيه الأصول

стр. 7560

الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ورسوله ﷺ . ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم كائنة ما كانت؛ والواقع أصدق شاهد. الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله؛ فهذا كالنوعين اللذين قبله، في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ونحوها من الآيات الكريمة، الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنْزيهه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه. الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلا لحكم الله ورسوله، فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه؛ لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله؛ فهذا كالذي قبله، يصدق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه. الخامس: وهو أعظمهما وأشملهما وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا وإمدادا، وإرصادا

стр. 7561

وتأصيلا وتفريعا، وتشكيلا وتنويعا، وحكما وإلزاما، ومراجع مستمدات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام، مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا؟ وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟ وذكر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط، معلومة معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع. فيا معشر العقلاء، ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى، كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطؤهم أكثر من صوابهم، بل لا صواب في حكمهم، إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله نصا أو استنباطا؟

стр. 7562

تدعونهم يحكمون في أنفسكم، ودمائكم وأبشاركم وأعراضكم، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنْزيل من حكيم حميد. وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم، خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا، ولا يخضعوا، أو ينقادوا، إلا لحكم الحكيم، العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة، والظلمات. فيجب على العقلاء أن يربؤوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] . السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل، من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم

стр. 7563

وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم" يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويحصلون على التحاكم إليه عند النّزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضا ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس ﵄، لقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله ﵁ في الآية: "كفر دون كفر"، وقوله أيضا: "ليست بالكفر الذي تذهبون إليه".ا?. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس وغيرها؛ فإن معصية سماها الله في كتابه كفرا، أعظم من معصية لم يسمها كفرا. نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقيادا ورضاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 7564

[الوصية بتقوى الله والتمسك بدينه وتعظيم كتاب الله وسنة نبيه] وله أيضا وغيره من المشائخ، ﵏ ١. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم، وعبد العزيز الشثري، وعبد اللطيف بن ابراهيم، وعمر بن حسن، وعبد العزيز بن باز، وعبد الله بن حميد، وعبد الله بن عقيل، وعبد العزيز بن رشيد، وعبد اللطيف بن محمد، ومحمد بن عودة، ومحمد بن مهيزع. إلى من يراه من المسلمين، سلك الله بنا وبهم سبيل عباده المؤمنين، وأعاذنا وإياهم من طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فالموجب لهذا هو نصيحتكم، ووصيتكم بتقوى الله، وترغيبكم فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة، وتحذيركم مما يضركم من الدنيا والآخرة، عملا بقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . وقوله (بسم الله الرحمن الر حيم) ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 7565

الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر آية: ٣-١] . فأمر سبحانه بالتعاون على البر والتقوى، وحذر من التعاون على الإثم والعدوان، وتوعد من خالف ذلك بشديد العقاب. وأخبر في هذه السورة القصيرة العظيمة أن الناس قسمان، خاسرين، ورابحين. وبين أن الرابحين هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر؛ فمن اكتمل هذه الصفات الأربع، فهو من الفائزين بالربح الكامل، والسعادة الأبدية، والعز والنجاة في الدنيا والآخرة؛ ومن فاته شيء من هذه الصفات، فاته من الربح بقدر ما فاته منها؛ وأصابه من الغبن والفساد، بقدر ما معه من التقصير والغفلة والإعراض عن ما يجب عليه. فاتقوا الله عباد الله، وتخلقوا بأخلاق الرابحين، وتواصوا بها بينكم، واحذروا صفات الخاسرين، وأعمال المفسدين، وتعاونوا على تركها وتحذير الناس منها، تفوزوا بالنجاة، والسلامة والعاقبة الحميدة. وقد قال النبي ﷺ "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" ١. فمن أهم الأمور التي يجب فيها التناصح والتواصي، تعظيم كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام
следующие страницы →