← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

وتأصيلا وتفريعا، وتشكيلا وتنويعا، وحكما وإلزاما، ومراجع مستمدات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام، مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا؟ وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟ وذكر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط، معلومة معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع. فيا معشر العقلاء، ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى، كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطؤهم أكثر من صوابهم، بل لا صواب في حكمهم، إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله نصا أو استنباطا؟

стр. 7562

تدعونهم يحكمون في أنفسكم، ودمائكم وأبشاركم وأعراضكم، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنْزيل من حكيم حميد. وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم، خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا، ولا يخضعوا، أو ينقادوا، إلا لحكم الحكيم، العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة، والظلمات. فيجب على العقلاء أن يربؤوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] . السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل، من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم

стр. 7563

وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم" يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويحصلون على التحاكم إليه عند النّزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضا ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس ﵄، لقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله ﵁ في الآية: "كفر دون كفر"، وقوله أيضا: "ليست بالكفر الذي تذهبون إليه".ا?. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس وغيرها؛ فإن معصية سماها الله في كتابه كفرا، أعظم من معصية لم يسمها كفرا. نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقيادا ورضاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 7564

[الوصية بتقوى الله والتمسك بدينه وتعظيم كتاب الله وسنة نبيه] وله أيضا وغيره من المشائخ، ﵏ ١. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم، وعبد العزيز الشثري، وعبد اللطيف بن ابراهيم، وعمر بن حسن، وعبد العزيز بن باز، وعبد الله بن حميد، وعبد الله بن عقيل، وعبد العزيز بن رشيد، وعبد اللطيف بن محمد، ومحمد بن عودة، ومحمد بن مهيزع. إلى من يراه من المسلمين، سلك الله بنا وبهم سبيل عباده المؤمنين، وأعاذنا وإياهم من طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فالموجب لهذا هو نصيحتكم، ووصيتكم بتقوى الله، وترغيبكم فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة، وتحذيركم مما يضركم من الدنيا والآخرة، عملا بقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . وقوله (بسم الله الرحمن الر حيم) ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 7565

الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر آية: ٣-١] . فأمر سبحانه بالتعاون على البر والتقوى، وحذر من التعاون على الإثم والعدوان، وتوعد من خالف ذلك بشديد العقاب. وأخبر في هذه السورة القصيرة العظيمة أن الناس قسمان، خاسرين، ورابحين. وبين أن الرابحين هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر؛ فمن اكتمل هذه الصفات الأربع، فهو من الفائزين بالربح الكامل، والسعادة الأبدية، والعز والنجاة في الدنيا والآخرة؛ ومن فاته شيء من هذه الصفات، فاته من الربح بقدر ما فاته منها؛ وأصابه من الغبن والفساد، بقدر ما معه من التقصير والغفلة والإعراض عن ما يجب عليه. فاتقوا الله عباد الله، وتخلقوا بأخلاق الرابحين، وتواصوا بها بينكم، واحذروا صفات الخاسرين، وأعمال المفسدين، وتعاونوا على تركها وتحذير الناس منها، تفوزوا بالنجاة، والسلامة والعاقبة الحميدة. وقد قال النبي ﷺ "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" ١. فمن أهم الأمور التي يجب فيها التناصح والتواصي، تعظيم كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام

стр. 7566

والتمسك بهما ودعوة الناس إلى ذلك في جميع الأحوال; لأنه لا سعادة للعباد ولا هداية، ولا نجاة في الدنيا والآخرة، إلا بتعظيم كتاب الله وسنة نبيه الأمين ﷺ اعتقادا وقولا وعملا، والاستقامة على ذلك والصبر عليه حتى الوفاة؛ لأن الله سبحانه أمر عباده بطاعته وطاعة رسوله، وعلق كل خير بذلك، وتهدد من عصى الله ورسوله بأنواع العذاب، والخزي في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور آية: ٥٤] ، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٥] ، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] ، وقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة النساء آية: ١٤-١٣] . ففي هذه الآيات المحكمات: الأمر بطاعة الله

стр. 7567

ورسوله، والحث على اتباع كتابه، وتعليق الهداية والرحمة ودخول الجنات، بطاعة الله واتباع كتابه العظيم، وتعليق الفتنة والعذاب المهين بمعصية الله ورسوله. فاحذروا أيها المسلمون ما حذركم الله منه، وبادروا إلى ما أمركم به، بإخلاص وصدق، ورغبة ورهبة، تفوزوا بكل خير، وتسلموا من كل شر في الدنيا والآخرة. ومن أعظم طاعة الله ورسوله ﵊: التحاكم إلى شريعته، والرضى بحكمها، والتواصي بذلك، والحذر كل الحذر مما خالفها، عملا بقول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] : أقسم الله سبحانه في هذه الآية الكريمة أن العباد لا يؤمنون، حتى يحكموا الرسول ﷺ فيما شجر بينهم، وينقادوا لحكمه راغبين مسلمين، من غير كراهية ولا حرج؛ وهذا يعم مشاكل الدين والدنيا. فهو ﷺ هو الذي يحكم فيها بنفسه في حياته، وبسنته بعد وفاته، ولا إيمان لمن أعرض عن ذلك أو لم يرض به. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٠] ، فهو سبحانه الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في هذه الدار، وذلك بما أوحى إلى

стр. 7568

رسوله ﷺ من القرآن والسنة؛ وفي يوم القيامة يحكم بين الناس بنفسه . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . يأمر الله سبحانه في هذه الآية بطاعته وطاعة رسوله ﷺ لأن في ذلك خير الدنيا والآخرة، وعز الدنيا والآخرة، والنجاة من عذاب الله يوم القيامة؛ ويأمر بطاعة أولي الأمر، عطفا على طاعة الرسول ﷺ من غير أن يعيد العامل، لأن أولي الأمر إنما تجب طاعتهم فيما هو طاعة لله ولرسوله؛ وأما ما كان معصية لله ورسوله، فلا تجوز طاعة أحد من الناس فيه كائنا من كان، لقول النبي ﷺ : "إنما الطاعة في المعروف" ١، وقال ﷺ "لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق" ٢. ثم أمر الله سبحانه عباده أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته ﵊، وإلى سنته بعد وفاته.

стр. 7569

ثم قال : ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] يرشد عباده إلى أن رد مشاكلهم كلها إلى الله والرسول، خير لهم وأحسن عاقبة في العاجل والآجل. فانتبهوا رحمكم الله، واعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، تفوزوا بالحياة الطيبة، والسعادة الأبدية، كما قال الله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٩٧] . وإن من أقبح السيئات وأعظم المنكرات: التحاكم إلى غير شريعة الله، من القوانين الوضعية، والنظم البشرية وعادات الأسلاف والأجداد، التي قد وقع فيها الكثير من الناس اليوم، وارتضاها بدلا من شريعة الله التي بعث بها رسوله محمد ﷺ . ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق، وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن، وحذر عنها الرسول ﷺ . قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء آية: ٦١-٦٠] .

стр. 7570

وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠-٤٩] ، وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٧] : وهذا تحذير شديد من الله سبحانه لجميع العباد، من الإعراض عن كتابه وسنة رسوله ﷺ ، والتحاكم إلى غيرهما، وحكم صريح من الرب على من حكم بغير شريعته، بأنه كافر وظالم وفاسق، ومتخلق بأخلاق المنافقين وأهل الجاهلية. فاحذروا أيها المسلمون ما حذركم الله منه، وحكموا شريعته في كل شيء، واحذروا ما خالفها، وتواصوا بذلك فيما بينكم، وعادوا، وأبغضوا من أعرض عن شريعة الله أو تنقصها، أو استهزأ بها، أو سهل في التحاكم إلى غيرها، لتفوزوا بكرامة الله، وتسلموا من عقاب الله؛ وتؤدوا بذلك ما أوجب الله عليكم، من موالاة أوليائه الحاكمين بشريعته، الراضين بكتابه وسنة رسوله ﷺ .

стр. 7571

والله المسؤول أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يعيذنا وإياكم من مشابهة الكفار، والمنافقين، وأن ينصر دينه ويخذل أعداءه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا إلى يوم الدين، حرر في ١٢/١١/١٣٨٠ هـ. وقال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀: ١ فصل [اطراح الأحكام الشرعية والاعتياض عنها بحكم الطاغوت من القوانين والنظامات الإفرنجية] النوع الثاني من المشابهة، وهو من أعظمها شرا، وأسوئها عاقبة: ما ابتلي به كثيرون، من اطراح الأحكام الشرعية، والاعتياض عنها بحكم الطاغوت، من القوانين، والنظامات الإفرنجية، أو الشبيهة بالإفرنجية، المخالف كل منها للشريعة المحمدية. وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] ، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] . وقد انحرف عن الدين بسبب هذه المشابهة فئام من

стр. 7572

الناس، فمستقل من الانحراف ومستكثر؛ وآل بكثير منهم إلى الردة، والخروج من دين الإسلام بالكلية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والتحاكم إلى غير الشريعة المحمدية من الضلال البعيد، والنفاق الأكبر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء آية: ٦١-٦٠] ، ثم نفى ﵎ الإيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ عند التنازع، ويرضى بحكمه ويطمئن إليه قلبه، ولا يبقى لديه شك أن ما حكم به هو الحق الذي يجب المصير إليه؛ فيذعن لذلك وينقاد له ظاهرا وباطنا. وأقسم على هذا النفي بنفسه الكريمة المقدسة، فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] . وما أكثر المعرضين عن أحكام الشريعة المحمدية من أهل زماننا! ولا سيما أهل الأمصار، الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية، وهان لديهم ما أنزل الله على رسوله

стр. 7573

محمد ﷺ من الكتاب والحكمة؛ فاعتاضوا عن التحاكم إليهما بالتحاكم إلى القوانين والسياسات، والنظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي متلقاة عن الدول الكافرة بالله ورسوله، أو ممن يتشبه بهم ويحذو حذوهم، من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام، وهم عنه بمعزل. وأقبح من فعل المنافقين ما يذكر عن بعض أهل زماننا أنهم قالوا. إن العمل بالشريعة المحمدية يؤخرهم عن اللحاق بأمم الإفرنج، وأضرابهم من أعداء الله تعالى: وهذه ردة صريحة. والله المسؤول أن يقيض لأهلها، ولكل من لم يرض بأحكام الشريعة المحمدية، من يعاملهم معاملة أبي بكر الصديق، ﵁ لإخوانهم من قبل. وقال أيضا، ﵀: فصل [إبدال الحدود والتعزيرات بالحبس] ومن اطراح الأحكام الشرعية: ما يفعله كثير من المنتسبين إلى الإسلام، من إبداله الحدود والتعزيرات بالحبس، موافقة للإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى. وهذا مصداق ما في حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتنتقض عرى الإسلام عروة عروة، وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها؛ فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة" رواه الإمام أحمد

стр. 7574

وابنه عبد الله، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركة. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر، في رسالته في سبيل الحق: ولما سبق، فأنا أقول لكم، يا دعاة الحق: أبشروا فأنتم الأعلون، فاعملوا الخير في أنفسكم، وانشروا الإسلام في الآفاق، فأنتم المستحفظون عليه والوارثون له. وأزيلوا المنكرات من مجتمعكم، في صبر وحكمة وإلحاح وعدم يأس، ولا تعبؤوا بلغو اللاغين. واعلموا أنهم الزبد، وأنتم الماكثون في الأرض، وكونوا عودا طيبا كلما أحرق زاده الإحراق طيبا. يا دعاة الحق، إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، ولا بد لكل إنسان من بلوى، فمبتلى في سبيل الشيطان، ومبتلى في سبيل الله ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [سورة النساء آية: ١٠٤] . أجل، ترجون من الله ما لا يرجوه هؤلاء، الذين يتكلمون بلسان الشيطان، من تلامذة الغربيين وأفراخهم، ممن يرون عبادة الله تخلفا ورجعية، ويرون السفور والعهارة رقيا وسموا. ويرون كتاب الله العظيم، وهدى رسوله الكريم

стр. 7575

قاصرين عن تنظيم الحياة، فينادون باستبدالهما بالقوانين الوضعية، وبالقانون الفلاني، وهم في الوقت نفسه لا يرون أنهم أخسر الناس صفقة في هذا المجال. فقد خسروا دينهم ودنياهم، ذلك لأنهم خالفوا قول رسول الله ﷺ : "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه" ١ ولكن: إن تأس يا أخي المجاهد على هؤلاء الذين يدعون المعرفة، ممن يتشدقون بأنهم يحملون الشهادات القانونية، وشهادات السياسة، والآداب، والتجارة وغيرها، وممن جهلوا منازلهم، وظنوا أنهم تسنموا أفراد المجتمع إلى الفكر والفهم، وأن كلمة الفصل هي كلمتهم فحسب، فلأنهم ممن حسبوا في عداد المسلمين، وصار بعض من يشاهد أفعالهم، ويسمع مقالهم من غير المسلمين، يمقت الإسلام والمسلمين، ويكره الإسلام الذي هذه أخلاق أهله؛ فصاروا أداة هدم وتخريب وتنفير عن دين الله الذي أوجب الله عليهم أن يتخلقوا بأخلاقه، وينقادوا لتعاليمه، ويدعوا الناس إليه. وصار من يشاهد أفعالهم، ويسمع مقالهم من جهال المسلمين، يقلدهم وينحرف بانحرافهم، وخاصة الذين يجلسون ويعملون معهم، فجمعوا بين الجريمتين: جريمة تشويه الإسلام بأفعالهم والانحراف عن مبادئه، وجريمة

стр. 7576

تضليل جهلة المسلمين وإدخال الزيغ إلى نفوسهم. إن تأس يا أخي، فمأساتك عليهم، لأنهم مسلمون فسقوا عن الإسلام، في الداخل والخارج. أما تأسفنا عليهم لأنهم من أقطاب الدين، فالحمد لله أنهم أبعد من كثير من اليهود والنصارى معرفة بكتاب الله وسنة رسوله. ولا أدل على جهلهم هذا، من رميهم الدين الإسلامي بالعجز عن تنظيم الحياة، ومطالبتهم باستبداله بالقوانين، والأنظمة، ولو لم يبق من مطالبتهم إلا تشجيعهم ورضاهم به لكفى. والدافع الذي دفع أولئك، إلى إقرار بعض القوانين والنظم في بلادهم، والتي أخذوا يشتركون في وضع مخططاتها، متحدين بذلك فاطر السماوات والأرض الذي لا حكم لأحد سواه، في الأرض ولا في السماء، الدافع لهم على ذلك، هو أنهم في الواقع لا يعرفون عن كتاب الله، وسنة رسوله شيئا، ويظنون أن القصور فيهما، ولا يدرون أن القصور في الحقيقة كامن في عقولهم، ومداركهم السخيفة؛ لأنها لا تعرف غير قوانين الغرب، وقوانين الاشتراكية والشيوعية الملحدة فقط. ولو أن هؤلاء المارقين عن دين الله رجعوا إلى أهل العلم، العارفين بكتاب الله وسنة نبيه، وما فيهما من أحكام ومقاصد سامية وشاملة لما ظهر من الأحداث وما لم يظهر بعد،

стр. 7577

لو رجعوا إليهم واستشاروهم، لوجدوا منهم فتح المجالات الرحبة، في تنظيم شؤون الحياة، والسياسة والحرب، على ضوء الكتاب والسنة، ولوجدوا صورا حية من صور البطولة المعنوية، وتنظيما ساميا في الاقتصاد والتجارة، والعلم، على اختلاف أشكاله، تنظيما محكما صالحا لكل عصر، لا يتطرق إليه الفشل، لأنه مستمد من وحي الله الذي يعلم ما كان وما سيكون، وليس مستمدا من رأي مخلوق، لأن رأي البشر قاصر، ومعرض للخطأ. وكان الصحابة ﵃ يناقشون الآراء، لأنهم يعرفون أنها قد تصيب وقد تكون خاطئة، ولكنهم لا يناقشون الوحي الذي يأتي من السماء، كما لا يناقشون حديث رسول الله ﷺ ؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم آية: ٤-٣] ؛ وكانوا: لا يناقشون الوحي، لأنهم يعرفون يقينا إصابته ولا بد، وإن لم يوافق ما يرون، لأن العقول لا تدرك إلا ما تراه، وإدراكها لما ترى إدراك ناقص أيضا. وبفضل تمسك الصحابة بكتاب الله وسنة رسوله، تمت لهم ولمن سار على هديهم السيادة على العالم، وبلوغ الذروة في العلم والمجد

стр. 7578

الفصل الثالث: [ما يسمى بالنظم وبالقانون لم يكن يعرف في عهد سلفنا] ما يسمونه بالنظم، وقد يسمى بالقانون، وغير ذلك، ولكل دولة فيه اصطلاح، وقد يختم كل نظام بوجوب الحكم به، وللدولة نظم عديدة، كنظام الوزراء، والمحاكم، وكنظام البنوك، ونظام العمل والعمال، وسائر الدوائر، ولم تكن تلك تعرف في عهد سلفنا، ولا في عهد السلف الصالح، وعسى الله أن يوفق أئمة المسلمين أن يؤلفوا نبذا مختصرة مصحوبة بالنصوص الشرعية، كافلة بما تحتاجه ولاة الأمر في جميع أمور الرعية. وإليك: ما كتبه الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ﵀، لبيان ما في نظام العمل والعمال، من الأخطاء، والتناقض والضلال، فأجاد وأفاد. قال الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀: [رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد إلى رئيس مجلس الوزراء وما كتبه الشيخ في نظام العمل والعمال] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن محمد بن حميد، إلى حضرة المكرم الأحشم، رئيس مجلس الوزراء أدام الباري توفيقه، ومتع بحياته، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأرجو الله أن يحفظكم ويمتع بحياتكم، سلمك الله: نظام العمل

стр. 7579

والعمال، طالما كنت أسمع عنه، وما فيه من الأحكام الباطلة، المخالفة للشريعة الكاملة، في مصادرها ومواردها. وأنا لا أصدق، ولا أكذب. ولعلمي أنكم- ولله الحمد- من أشد الناس حرصا على هذه الشريعة الإسلامية، والذود عنها، وحمايتها بكل ما أوتيتموه من حول وقوة، كما جاء ذلك في خطابات سموكم المتعددة، في بعض المناسبات، فقد قلتم: إن شريعة الإسلام كفيلة لكل مصلحة، وقامت هذه الدولة على أسسه، أولها الأساس الإسلامي، وتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقلتم: إننا لسنا في حاجة إلى نظام مستورد من الخارج. وقلتم: سنكون في خدمة هذا الدين إلى أن يتوفانا الله، جاهدين مجاهدين عن شريعة الإسلام، ومكافحة كل ما يعترض هذا الدين. وقلتم: كل ما لا يوافق الشريعة الإسلامية فهو رد، ولا قضاء غير الشرع، ولا نوافذ على نظام لا يكون له أساس من ديننا الذي استوعب كل ما فى الحياة. والحقيقة أنكم تشكرون على هذا، ونرجو الله أن يثبتكم ويحفظكم، ويجعلكم دائما محافظين على هذه الشريعة، مجاهدين دونها، كما نرجوه أن يتولى جزاءكم في الدارين، ويجزل لكم المثوبة.

стр. 7580

وبناء على هذا، قرأت نظام العمل والعمال، فوجدته أفظع مما قيل فيه، وأعظم مما كنت أسمع عنه ; فمما جاء منه: أن الأجر يدفع للعامل في حالة الإقعاد الجزئي الدائم، مبلغ ١٨٠٠٠ للعامل درجة أولى، و١٢٠٠٠ للعامل درجة ثانية، و ٨٠٠٠ للعامل درجة ثالثة، وذلك مقابل فقدان البصر كليا، أو فقدان العينين معا. وهكذا درج على هذا المنوال، في حين أن هذا باطل، لعدة وجوه منها: أن الأجر لا يلزمه شيء لم يلتزم به، ولم يقع بسببه، ولا بإهماله، والرسول ﷺ يقول: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" ١. ثانيا: تدل هذه المادة أنه لو تعدى على العامل أحد من العمال، لزم المؤجر تلك الغرامة، في حين أن الشرع والعقل يلزم بذلك الجاني، فهو الذي يلزمه بذل أرش تلك الجناية الصادرة منه. ثالثا: هذه التفرقة، وتقسيم العمال إلى ثلاث درجات، تقسيم في غير محله، فمن هو المبين أن هذا العامل من الدرجة الأولى، والآخر من الثانية، أو الثالثة، فقد يكون عند هذا من العمل ما ليس عند الآخر; وبكل حال هذا التفريق باطل، تأباه الشريعة السمحة، وينكره العقل السليم. كما جاء أيضا في النظام نفسه: أن العامل إذا أصيب

стр. 7581

بإصابة أقعدته عن عمله، يدفع له أجرة ٧٥% من أجرته، وذلك بعد مضي سبعة أيام من تاريخ الإصابة، التي يجب أن يستوفي فيها أجره كاملا، ويستمر دفع ٧٥% إلى حين شفاء المصاب، وانتهاء مدة الإقعاد المؤقت ... إلخ، والنظام على هذا المنوال. والشريعة حرمت أموال المسلمين، كما حرمت دماءهم، فقد قال رسول الله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة البيت الحرام، في الشهر الحرام، في البلد الحرام" ١ فكيف يلزم المؤجر بدفع ثلاثة أرباع أجور عماله، المصابين عنده، بدون مقابل؟ فالشريعة أمرت العامل إذا مرض أن يقيم مكانه من يقوم بعمله، وإلا فللمؤجر الفسخ. والحقيقة أن هذا النظام باطل من أساسه، إذ لم يستند في أحكامه على نص، لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول أحد من أهل العلم، والعقل السليم يعرف بطلانه؛ بل تصوره كاف في قبحه. ولكن بكل حال: أنتم معذورون، لتقدم وضعه. وأعتقد كما يعتقد غيري أنكم لم تطلعوا عليه، لسبب وضعه، فقد وضع بتاريخ ٢٥/١١/١٣٦٦? ولهذا كتبت عليه هذه الملاحظات المشفوعة بكتابنا هذا.

стр. 7582

إذا، أرجو الاطلاع عليه، والأمر بما ترون نحو هذا النظام الفاسد، الذي سيعتبر قدحا في تاريخ هذه الدولة السعودية المسلمة، التي لم يعرف عنها سوى تحكيم الكتاب والسنة فيما لها وعليها، وبين رعاياها، والله يثبتها عليه، ويحفظها من القوانين الوضعية المجانبة للكتاب والسنة. ولعل يد الإصلاح في عهد سموكم، تمتد إلى إماطة هذا الأذى عن طريق المسلمين، تولاكم الله ورعاكم: والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في ٧/٦/ ١٣٨٤?. وقال ﵀ في ملاحظاته: بسم الله الرحمن الرحيم بيان ما في نظام العمل والعمال من الأخطاء والتناقض والضلال الحمد لله الذي جعلنا من خير الأمم، ونجانا بنور الوحيين من حوالك الظلم، وخصنا بمحمد الذي أوتي جوامع الكلم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حازوا بمتابعته العز في الدنيا وفي الآخرة، وسلم تسليما. أما بعد: فقد قرئ علي بعض من نظام العمل والعمال، الذي صدر الأمر والعمل به بتاريخ ٢٥/ ١١/ ١٣٦٦?، والذي لم يزل العمل به مستمرا إلى هذا الوقت. ولما سمعت بعض مواده وفقراته، طال تعجبي من وجود مثل هذه الأنظمة يحكم بها بين ظهراني المسلمين، وتقررها وتنفذها دولة إسلامية، تحكم القرآن وتفخر به،

стр. 7583

ويحق الفخر لمن تمسك به، وعمل بأحكامه، وكنت قبل اطلاعي عليه أسمع شيئا مما يتناقله الناس عنه، غير أني لا أصدق ولا أكذب بكل ما أسمع عنه. ولما اطلعت عليه وجدته فوقع ما أسمع، وأفظع مما يقال فيه، ورأيت أنه متحتم علي أن أبين ما علمته فيه من الأخطاء، على وجه النصيحة وبراءة الذمة، ورتبته على مقدمة، فملاحظة عامة، فبيان ما في كل فقرة من الأخطاء على وجه التفصيل. والله المسؤول أن يمن علينا بحسن القصد، والاتباع لهدى نبينا ﷺ ، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع مجيب. المقدمة قد بعث الله نبيه محمدا ﷺ إلى البشر، رحمة منه وإحسانا، ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم. وكانت العرب قبل بعثته ﷺ في جاهلية جهلاء، وشقاء لا بعده شقاء؛ يعبدون الأصنام، ويئدون البنات، ويسفكون الدماء بأدنى سبب، وبلا سبب، في ضيق من العيش، وفي نكد وجهد من الحياة، يعيشون عيشة الوحوش، ومع الوحوش، يتحاكمون إلى الكهان والطواغيت.

стр. 7584

فلما جاء الله بهذا النبي الكريم، أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، أخرجهم من ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد، ومن ظلمة الجهل والطيش إلى نور العلم والحلم، ومن ظلمة الجور والبغي إلى نور العدل والإحسان. ومن ظلمة التفرق والاختلاف إلى نور الاتفاق والوئام، ومن ظلمة الأنانية والاستبداد إلى نور التواضع والتشاور، ومن ظلمة الفقر والجهد إلى نور الغنى والرخاء؛ بل أخرجهم من ظلمة الموت إلى نور الحياة السعيدة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢٢] . أكمل الله به الدين، وتمم به مكارم الأخلاق. أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وأمر ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء والمعوزين، حتى قال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" ١. وأمر بالتحاكم فيما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، لا خير إلا ودل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، أخبر بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، كما قال حذيفة ﵁: "قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه"،

стр. 7585

وقال أبو ذر ﵁ "لقد توفي رسول الله ﷺ ، أو قال: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما". رسم لأمته طرق السعادة في الدنيا والآخرة، في سياسته الشرعية، التي يعجز كل أحد أن يأتي بناحية من نواحيها، فرسم لهم طرق السياسة مع الأعداء، فبين لهم ما تعامل به الأمم الأجنبية، من الحرب ووجوبه، والسلم ووجوبه، والمعاهدات والصلح، وحفظ العهود. وأوجب عليهم الاستعداد بكل قوة يستطيعونها، ونهاهم عن الإخلاد إلى الكسل والعجز والدعة والراحة، وأخبرهم أن هذا سبب للذل ; بل أمرهم أن يكونوا أقوياء أشداء أعزاء، لا تلين قناتهم لأحد سوى الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وأوضح لهم جميع الشؤون الاجتماعية أتم إيضاح؛ بين ما للحاكم، وما للمحكوم وما عليه؛ فأوجب للحاكم السمع والطاعة، وحرم الخروج عليه، وأوجب على المسلمين مناصرته وموالاته عندما يخرج عليه خارج؛ وأمرهم بقتال الباغين عليه؛ وأمرهم بالصبر على ما يأتيهم من ولاتهم، وأنهم مهما عملوا لا يجوز الخروج عليهم، ما أقاموا فينا الصلاة، إلا أن نرى كفرا بواحا، فقال ﷺ "عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم

стр. 7586

عبد حبشي" ١، وقال ﷺ "اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك" ٢. وهذا يدل على كمال هذه الشريعة وتمام نضوجها في السياسة وغيرها؛ لأنه متى حصل منابذة للحاكم، لا بد أن ينجم عن ذلك القتل، وخلل في الأمن، وعدم الاستقرار، فيذهب بسبب ذلك الألوف من الأنفس، كما قيل: ملك ظلوم غشوم، خير من فتنة تدوم. وهذا شيء يشهد له التاريخ والواقع. وهناك أنفس شريرة لا يناسبها إلا هذا الوضع، ما لم يضرب عليها بيد من حديد. أما الأنفس الخيرية التي زكت عقولها، وتنورت بنور الوحي المحمدي، فهذا أشق عليها، كما قال الإمام أحمد: لو كان لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان، لأن بصلاحه صلاحا للرعية، وبفساده فسادا للرعية. ويروى عن سفيان والفضيل، ﵄ مثل ذلك. وكلما عظم قدر الدين في النفس، عظم عندها قدر الحاكم واحترامه وتوقيره؛ ولكن لا يكون هذا التوقير مانعا عن مناصحته، وتبيين أخطائه ليتلافاها، وإنكار ما يرتكبه من المنكر، والصدع بكلمة الحق بين يديه، بل يعد هذا من كمال محبته والشفقة عليه، كما قيل: من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك، وقال الشاعر: ما ناصحتك خبايا الود من أحد ... ما لم ينلك بمكروه من العذل

стр. 7587

مودتي لك تأبى أن تسامحني بأن أراك على شيء من الزلل فأوجبت الشريعة على الحاكم للمحكومين النصح لهم، وأن لا يدخر وسعا في الشفقة عليهم وحفظ مصالحهم، وحماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وحماية جميع ما لهم من الحقوق، وقمع المعتدين عليهم، وإنفاذ الحدود التي أوجبها الله على المخالفين، والجد كل الجد في حفظ دينهم، وتعزيزه بكل ممكن، وتطبيق أحكامه عليهم بكل دقة، وأن لا يشاب بشيء من الآراء والاستحسانات، وأن يكون ذلك التطبيق جاريا على كل أحد، من شريف ووضيع، وحاكم ومحكوم، وغني وفقير لأن الولاية إنما شرعت لهذا وأمثاله. ثم إن هذه الشريعة لكمالها، لم تقتصر على هذا، بل أمرت بالضرب في الأرض، لطلب الكسب، وأمرت بحرث الأرض للمعاش، وأمرت بالبيع والشراء، وبينت أحكام الدين والاستدانة، ونهت عن البطالة والكسل في طلب المعاش. وعلمت كيفية الاقتصاد، فنهت عن التبذير، وعن التقتير، وأمرت بالقوام بينهما، ورسمت أحكاما لكل من التجارة والزراعة والصناعة، وأوجبت حفظ الحقوق، فأمرت

стр. 7588

بالكتابة والإشهاد، وحرمت كتمان الشهادة أشد تحريم، حماية للأموال، وسلامة للصدور عن التقاطع والتباغض. كما نهت أيضا عن الغش والخداع في المعاملات والربا بأنواعه، وبيع البعض على بيع البعض، وعن التدليس وبيغ الغرر؛ كل هذا حفظا للحقوق، وحرصا على تمام الروابط بين المسلمين. نعم إنها لم تكتف بهذا، بل دخلت على الأسرة الواحدة في بيتها، فبينت ما لكل منهم وما عليه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، وجميع الأقارب كل بحسبه. ولم يمر بالإنسان طور من أطوار حياته، إلا بينت مشاكله، وجميع ما قد يعرض له في حياته، من حين رضاعه إلى إبان وفاته، بل إلى ما بعد ذلك. فبينت الأولى بتغسيله وتكفينه، وحمله والصلاة عليه ودفنه، وميراثه ووصيته، وحقوقه من قضاء دين وتنفيذ وصية وإنفاذ عهد. فلله ما أعظم هذه الشريعة، وأجلها وأسماها! وكلما ازداد المرء معرفة بها، ازداد لها احتراما وتعظيما وتوقيرا. فلذلك كان الصحابة ﵃ لكماله معرفتهم بها- أشد الناس تمسكا بها، وتمشيا مع تعاليمها بكل جليل ودقيق.

стр. 7589

وإنه لمن العجب إعراض أكثر الناس في هذه الأزمنة عن تعاليم هذه الشريعة السامية الكاملة، واستبدالها أو شوبها بقوانين وضعية، ظاهرة التناقض، واضحة الجور، فاسدة المعنى. فلذا كثيرا ما يطرأ عليها التغيير والتبديل، كل يرى أنه أحسن ممن تقدمه، وأدرى بالمصالح والمفاسد ممن سبقه، ثم يجري فيها تغييرا وتبديلا، بحسب رأيه؛ وهكذا دواليك ما بقيت هذه النظم، المستمدة من نحاتة الأفكار وزبالة الأذهان. أما الشريعة الإسلامية، فهي صالحة لكل زمان ومكان مضى عليها أربعة عشر قرنا وهي هي في كمالها ومناسبتها، وحفظها لكافة أنواع الحقوق لجميع الطبقات. وأهدأ الناس حالا، وأنعمهم بالا، وأقرهم عيشا، أشدهم تمسكا بها، سواء في ذلك الأفراد أو الشعوب، أو الحكومات؛ وهذا شيء يعرفه كل أحد إذا كان عاقلا منصفا، وإن لم يكن من أهلها، بل وإن كان من المناوئين لها. وقد سمعنا وقرأنا كثيرا مما يدل على ذلك؛ فقد ذكر بعض عقلاء المستشرقين الذين يكتبون لبيان الحقيقة والواقع - لا للسياسة- أن نشأة أوربا الحديثة، إنما كانت رشاشا من نور الإسلام، فاض عليها من الأندلس، ومن صفحات

стр. 7590

الكتب التي أخذوها في حروبهم مع المسلمين، في الشرق والغرب. وقال القس "طيلر": إن الإسلام ليمتد في أفريقيا، وتسير الفضائل معه حيث سار؛ فالكرم والعفاف والنجدة، من آثاره، والشجاعة والإقدام من نتائجه. وقال "كونتنس": يمتاز المسلمون على غيرهم برفعة في السجايا، وشرف في الأخلاق؛ قد طبعته في نفوسهم ونفوس آبائهم وصايا القرآن؛ بخلاف غيرهم، فإنهم في سقوط تام من حيث ذلك. وقال أيضا: إن من أهم النعوت التي يمتاز بها المسلم: عزة في النفس، فهو- سواء في حالة بؤسه ونعيمه- لا يرى العزة إلا لله ولرسوله وله، وهذه الصفة التي غرسها الإسلام في نفوسهم، إذا توفرت معها الوسائل، كانت أعظم دافع إلى التسابق إلى غايات المدنية الصحيحة ورقيات الكمال. وقال "هانوتو" وزير خارجية فرنسا في وقته: إن هذا الدين الإسلامي قائم الدعائم، ثابت الأركان، وهو الدين الوحيد الذي أمكن اعتناق الناس له زمرا وأفواجا. وهو الدين الإسلامي العظيم، الذي تفوق شدة الميل إلى التدين به كل ميل إلى اعتناق أي دين سواه؛ فلا يوجد مكان على سطح المعمورة إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده، فانتشر في الآفاق.

стр. 7591

وقال بعضهم: لما رغب المسلمون عن تعاليم دينهم، وجهلوا حكمه وأحكامه، وعدلوا إلى القوانين الوضعية المتناقضة، المستمدة من آراء الرجال، فشا فيهم فساد الأخلاق، فكثر الكذب والنفاق، والتحاقد والتباغض، فتفرقت كلمتهم، وجهلوا أحوالهم الحاضرة، والمستقبلة. وغفلوا عما يضرهم وما ينفعهم، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون، وينامون، ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة، ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضر أخاه، لا يقصر في إلحاقه الضرر. وأقوالهم في هذا الموضوع كثيرة جدا. يعترفون فيها بعظمة الإسلام، وشموله لعموم المصالح ودرء المفاسد، وأن المسلمين لو تمسكوا بإسلامهم حقا، لصاروا أرقى الأمم وأسعد الناس، ولكن ضيعوا فضاعوا، واكتفوا منه بمجرد التسمي بأنهم مسلمون. مناقب شهد العدو بفضلها وأفضل ما شهدت به الأعداء ولسنا- والحمد لله- في حاجة إلى شهادة هؤلاء وأمثالهم، بفضل الإسلام وعلو مكانته، ولكن ذكرنا هذا لما قصر أهله في فهمه والعمل به، وعرف منه أعداؤه ما لم يعرفه بنوه؛ إذ جهلوا مصالحه، وتطلعوا إلى غيره من النظم الفاسدة المتناقضة، وأعداؤه يفضلونه ويشهدون له بالكمال وأنه فوق كل نظام.

стр. 7592

ولا شك أنه الدين الصحيح، الكفيل بكل ما يحتاجه البشر على وجه يكفل لهم المصالح، ويدرأ عنهم المفاسد، دين الفطرة السليمة، دين الرقي الحقيقي، دين العدالة بأسمى معانيها، دين المدنية والحرية بمعناها الصحيح، دين العمل، دين الاجتماع، دين التوادد والتناصح والتحابب، دين رفع ألوية العلم والصنائع والحرف. لم يقتصر على أحكام العبادات، أو المعاملات، بل شمل جميع منافع العباد ومصالحهم، على ممر السنين وتعاقب الدهور، إلى أن تقوم الساعة. ولكن يا للأسف ويا للمصيبة! أن أبناء هذا الدين جهلوا قدره، وجهلوا حقيقته؛ بل كثير منهم عادوه وأصبحوا يدسون عليه معاولهم ليهدموه، وليفرقوا أهله، ويفضلون أهل الغرب على المسلمين، ظنا منهم بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة أن الدين هو الذي أخرهم، وهيهات هيهات أن يكون هو الذي أخرهم، ولكنهم أخروا أنفسهم بالإعراض عن تعاليم دينهم، وأخلدوا إلى الكسل، وقنعوا بالجهل، فأصبحوا في حيرة من أمرهم. إنهم لو عرفوا دينهم، وطبقوا تعاليمه لوصلوا فوق ما وصل إليه غيرهم، من التقدم الصناعي؛ ولكنهم تركوا دينهم، واقتنعوا بالترف والنعيم، وأهملوا العناية به. فوالله لو أن أهله قاموا بما يجب عليهم، لحازوا

стр. 7593

شرف الدنيا والآخرة. وإن الواجب على أهل الإسلام، خصوصا العلماء منهم، وولاة الأمور، أن يبثوا الدعوة له، وينشروا محاسنه لنشئهم، ليرغبوهم فيه، ويرشدوا الأمة لأحكامه وحكمه، كما فعل أوائلهم الأماجد. فإنهم قاموا بالدعوة، فبينوا للأمم محاسنه وسماحته، شارحين لهم حِكمه، موضحين مزاياه، وبذلك امتد سلطانهم، واتسعت ممالكهم، وأخضعوا من سواهم لتعاليمه. ولكن ما لبث أبناؤهم أن حرفوا فانحرفوا، وتمزقوا بعدما اجتمعوا، واشتبه الحق عليهم والباطل، فتفرقت بهم السبل، وأصبحوا شيعا، متفرقين في آرائهم، متباينين في مقاصدهم. وكيف يحصل لهم الرقي، وأنى يتسنى لهم التقدم، وقد رضوا بقوانين وضعية، استمدوها من أعدائهم، يجرون وراءهم، وينهجون نهجهم تقليدا لهم، ومصادمة للشريعة الإسلامية، التي هي عزهم وفخرهم، وفيها راحتهم وطمأنينتهم. والله يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] ، ويقول جل شأنه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 7594

فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٧] ، وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . وقد تكفلت بحل جميع المشاكل وتبيينها وإيضاحها، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣٨] ، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة النحل آية: ٨٩] : ففي هذه الآية: أن القرآن فيه البيان لكل شيء، وأن فيه الاهتداء التام، وأن فيه الرحمة الشاملة، وأن فيه البشارة الصادقة للمتمسكين به، الخاضعين لأحكامه. وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٤٤] ، وقال ﷺ : "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ١، وقال ﷺ "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، فيه

стр. 7595

نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم؛ هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله....." ١ الحديث. وقد قال الإمام ابن كثير ﵀، على قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] الآية: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن "جنكيزخان" الذي وضع لهم: "الياسق" وهو: عبارة عن كتاب أحكام، اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام، أخذها عن مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا، يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة؛ فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير، ا?. وقال ابن القيم: رحمه الله تعالى، على قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ

стр. 7596

رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء آية: ٦١] : هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى، أنه من المنافقين، ا?. وقد قتل عمر ﵁ رجلا طلب التحاكم إليه، ولم يرض بحكم رسول الله ﷺ ، والنبي حي ولم ينكر على عمر قتله للرجل؛ فكيف يجترئ من يدعي الإيمان مع هذا البيان الواضح، والآيات البينات، والأحاديث الصحيحة، على الرضى بالتحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن شريعة الله؟ والله قد نفى الإيمان عمن لم يحكم الرسول فيما وقع بينهم من التشاجر، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] . وإنه لمن أعظم الضلال، أن يعتقد من يدعي الإسلام، أن الشريعة لم تأت بما يكفل مصلحة الجميع، وأن الناس محتاجون إلى غيرها في شيء من شؤونهم ومشاكل حياتهم. أليس ذلك ظنا وتكذيبا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، وإنكارا وردا لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة النحل آية: ٨٩] ؟

стр. 7597

وإننا لنربأ بحكومتنا السنية، ورجالها المصلحين أن يفسدوا ما تمسكوا به من تعاليم هذا الدين الحنيف، بإدخال بعض هذه النظم، والقوانين المخالفة للشريعة على المسلمين، أو يلزموهم بها، فيبوؤوا بالإثم، وتتناولهم هذه الآية الكريمة: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٥] . فلما تقدم من الأدلة الشرعية على وجوب التمسك بحكم الله ورسوله، وأن لا يلتفت إلى ما سواهما، وبراءة للذمة، ورجاء للمثوبة من عند الله، رأيت أن أبين ما قد لاحظته على هذا النظام المهين. ملاحظات عامة: تضمن هذا النظام أمورا كثيرة مما يخالف الشريعة المطهرة، ويلاحظ عليه على سبيل الإجمال: أن هذا النظام الذي وضعته الحكومة ضمنته أشياء غير سائغة شرعا، وشروطا في صالح المستأجر، وأخرى ليست في صالحه، بل هي ضرر عليه، ومثلها للعامل. والواقع أن كلا يؤجر ويستأجر، وهو لا يعلم بوجود هذا النظام أصلا، ولم يعرف شيئا مما تضمنه من الشروط، سواء كانت له أو عليه، ثم إنه لو حدث تشاجر بينهما، أو خلاف وتكايس أحد الطرفين، وسمع بهذا

стр. 7598

النظام، ثم بحث عنه ووجد أن له فيه مصلحة، أو قيل له: إن هناك نظاما يرى الحق لك، طالب به، وألزم الطرف الآخر بحسب ما يقضيه به هذا النظام؛ فهل هذا يقره عقل، أو عرف، فضلا عن الشريعة؟ !. كلا، بل هذا يعتبر من أظلم الظلم، وكيف يتحصل أو يقضى له بشيء لم يشترطه قبل إبرام العقد، ولم يلتزم الطرف الآخر به، ولم يعلم به أصلا؟ !. هذا شيء مناقض للشريعة، ومصادم للنصوص، فإنه ﷺ يقول: "المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا" ١: فهذا الحديث ينص على أنه لا يلزم أحد، إلا بما التزم به هو بنفسه، لا باشتراط غيره عليه، وهو لا يعلم. وقال عمر ﵁: "مقاطع الحقوق عند الشروط". ثم إن المتعاقدين لو اشترطا فيما بينهما ما يخالف الشريعة أيضا، لم يقرا عليه، وبطل الشرط وحده، أو أبطل العقد من أصله، بحسب ما هو مقرر في كتب أهل العلم، المستمدة من القرآن والسنة، لقوله ﷺ : "من شرط شرطا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط" ٢. وكثير من مواد هذا النظام مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ مع ما اشتمل عليه من الظلم والتناقض، ومع

стр. 7599

أن المتعاقدين لم يتفقا عليه، ولم يعلما بمضمونه، ولا ما دل عليه. ثم إنه لو قيل: إن النظام وضعته الحكومة، وهو خاص بأعمالها الحكومية، فهي التي التزمت بهذه الشروط على نفسها لعمالها، لقلنا: هذا ليس صحيحا من وجهين. أحدهما: أن جميع ما فيه من الشروط، سواء كانت للعامل أو عليه، يجب أن تفهم له قبل دخوله في العمل، حتى يفهمها جيدا، بمنطوقها ومفهومها، ليكون على بصيرة من أمره، في كل ما له وما عليه. الثاني: أن لا يتضمن شيئا مما يخالف الشرع؛ فإن تضمن شيئا مما يخالف الشريعة فهو باطل ولو رضي كلا الطرفين. وقد يقال أيضا: إن هذا النظام وضع بين شركة كافرة وبين المسلمين، وغالبه في صالح العامل، والمقصود منه الاستيلاء على أموال هؤلاء الكفار، بأي وسيلة حصلت لنفع المسلمين وتقويتهم. فالجواب: أن هذا من التعليلات، غير مجدية شيئا في جواز تطبيقه، لأمور، منها: أنه ليس كله في صالح العامل، ثم لو فرض ثبوت هذا، فالشرع لا ينظر إلى مصلحة طرف دون الآخر؛ بل كل يرى ما له وما عليه من الحقوق، سواء كان الحق لمسلم أو لكافر، ما لم يكن الكافر حربيا، فليس له أي حق سوى دعوته للإسلام.

стр. 7600

ومنها: أن أموال الكفار الذين دخلوا البلاد بأمان من المسلمين، ولم يكونوا حربيين، ولم يحصل منهم ما يخالف التعاليم الصحيحة التي أخذها المسلمون عليهم، لا يجوز الاستيلاء عليها بطريق الغصب، ولا بطريق الحيلة الممنوعة شرعا. فإن الله يقول في حق أهل الكتاب: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩] ، فأمر الله نبيه ﷺ بالحكم بينهم بما تقتضيه الشريعة الإسلامية؛ هذا بين الكفار بعضهم مع بعض، فكيف إذا كان بينهم وبين المسلمين؟ فيكون إذاً من باب أولى. ثم حصل التفريق في هذا النظام بين المسلمين في المواد الجنائية، ولم يرد في الشرع فرق بين المسلمين، إذا كانوا ذكورا أحرارا في الجنايات، سواء في ذلك الصغير والكبير، والغني والفقير، والعالم والجاهل؛ لأنه لا فرق بينهم إلا بالتقوى، والتقوى لا يعلمها إلا الله، ويظهر تفاوت الناس بها في الآخرة، أما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن ظهر إسلامه عومل معاملة المسلمين كائنا من كان، ماهرا فنيا أو عكسه، فديتهما على السواء. أما ما ذكر في هذا النظام، فهو تحكيم ما أنزل الله
следующие страницы →