← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء آية: ٦١] : هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى، أنه من المنافقين، ا?. وقد قتل عمر ﵁ رجلا طلب التحاكم إليه، ولم يرض بحكم رسول الله ﷺ ، والنبي حي ولم ينكر على عمر قتله للرجل؛ فكيف يجترئ من يدعي الإيمان مع هذا البيان الواضح، والآيات البينات، والأحاديث الصحيحة، على الرضى بالتحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن شريعة الله؟ والله قد نفى الإيمان عمن لم يحكم الرسول فيما وقع بينهم من التشاجر، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] . وإنه لمن أعظم الضلال، أن يعتقد من يدعي الإسلام، أن الشريعة لم تأت بما يكفل مصلحة الجميع، وأن الناس محتاجون إلى غيرها في شيء من شؤونهم ومشاكل حياتهم. أليس ذلك ظنا وتكذيبا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، وإنكارا وردا لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة النحل آية: ٨٩] ؟

стр. 7597

وإننا لنربأ بحكومتنا السنية، ورجالها المصلحين أن يفسدوا ما تمسكوا به من تعاليم هذا الدين الحنيف، بإدخال بعض هذه النظم، والقوانين المخالفة للشريعة على المسلمين، أو يلزموهم بها، فيبوؤوا بالإثم، وتتناولهم هذه الآية الكريمة: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٥] . فلما تقدم من الأدلة الشرعية على وجوب التمسك بحكم الله ورسوله، وأن لا يلتفت إلى ما سواهما، وبراءة للذمة، ورجاء للمثوبة من عند الله، رأيت أن أبين ما قد لاحظته على هذا النظام المهين. ملاحظات عامة: تضمن هذا النظام أمورا كثيرة مما يخالف الشريعة المطهرة، ويلاحظ عليه على سبيل الإجمال: أن هذا النظام الذي وضعته الحكومة ضمنته أشياء غير سائغة شرعا، وشروطا في صالح المستأجر، وأخرى ليست في صالحه، بل هي ضرر عليه، ومثلها للعامل. والواقع أن كلا يؤجر ويستأجر، وهو لا يعلم بوجود هذا النظام أصلا، ولم يعرف شيئا مما تضمنه من الشروط، سواء كانت له أو عليه، ثم إنه لو حدث تشاجر بينهما، أو خلاف وتكايس أحد الطرفين، وسمع بهذا

стр. 7598

النظام، ثم بحث عنه ووجد أن له فيه مصلحة، أو قيل له: إن هناك نظاما يرى الحق لك، طالب به، وألزم الطرف الآخر بحسب ما يقضيه به هذا النظام؛ فهل هذا يقره عقل، أو عرف، فضلا عن الشريعة؟ !. كلا، بل هذا يعتبر من أظلم الظلم، وكيف يتحصل أو يقضى له بشيء لم يشترطه قبل إبرام العقد، ولم يلتزم الطرف الآخر به، ولم يعلم به أصلا؟ !. هذا شيء مناقض للشريعة، ومصادم للنصوص، فإنه ﷺ يقول: "المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا" ١: فهذا الحديث ينص على أنه لا يلزم أحد، إلا بما التزم به هو بنفسه، لا باشتراط غيره عليه، وهو لا يعلم. وقال عمر ﵁: "مقاطع الحقوق عند الشروط". ثم إن المتعاقدين لو اشترطا فيما بينهما ما يخالف الشريعة أيضا، لم يقرا عليه، وبطل الشرط وحده، أو أبطل العقد من أصله، بحسب ما هو مقرر في كتب أهل العلم، المستمدة من القرآن والسنة، لقوله ﷺ : "من شرط شرطا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط" ٢. وكثير من مواد هذا النظام مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ مع ما اشتمل عليه من الظلم والتناقض، ومع

стр. 7599

أن المتعاقدين لم يتفقا عليه، ولم يعلما بمضمونه، ولا ما دل عليه. ثم إنه لو قيل: إن النظام وضعته الحكومة، وهو خاص بأعمالها الحكومية، فهي التي التزمت بهذه الشروط على نفسها لعمالها، لقلنا: هذا ليس صحيحا من وجهين. أحدهما: أن جميع ما فيه من الشروط، سواء كانت للعامل أو عليه، يجب أن تفهم له قبل دخوله في العمل، حتى يفهمها جيدا، بمنطوقها ومفهومها، ليكون على بصيرة من أمره، في كل ما له وما عليه. الثاني: أن لا يتضمن شيئا مما يخالف الشرع؛ فإن تضمن شيئا مما يخالف الشريعة فهو باطل ولو رضي كلا الطرفين. وقد يقال أيضا: إن هذا النظام وضع بين شركة كافرة وبين المسلمين، وغالبه في صالح العامل، والمقصود منه الاستيلاء على أموال هؤلاء الكفار، بأي وسيلة حصلت لنفع المسلمين وتقويتهم. فالجواب: أن هذا من التعليلات، غير مجدية شيئا في جواز تطبيقه، لأمور، منها: أنه ليس كله في صالح العامل، ثم لو فرض ثبوت هذا، فالشرع لا ينظر إلى مصلحة طرف دون الآخر؛ بل كل يرى ما له وما عليه من الحقوق، سواء كان الحق لمسلم أو لكافر، ما لم يكن الكافر حربيا، فليس له أي حق سوى دعوته للإسلام.

стр. 7600

ومنها: أن أموال الكفار الذين دخلوا البلاد بأمان من المسلمين، ولم يكونوا حربيين، ولم يحصل منهم ما يخالف التعاليم الصحيحة التي أخذها المسلمون عليهم، لا يجوز الاستيلاء عليها بطريق الغصب، ولا بطريق الحيلة الممنوعة شرعا. فإن الله يقول في حق أهل الكتاب: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩] ، فأمر الله نبيه ﷺ بالحكم بينهم بما تقتضيه الشريعة الإسلامية؛ هذا بين الكفار بعضهم مع بعض، فكيف إذا كان بينهم وبين المسلمين؟ فيكون إذاً من باب أولى. ثم حصل التفريق في هذا النظام بين المسلمين في المواد الجنائية، ولم يرد في الشرع فرق بين المسلمين، إذا كانوا ذكورا أحرارا في الجنايات، سواء في ذلك الصغير والكبير، والغني والفقير، والعالم والجاهل؛ لأنه لا فرق بينهم إلا بالتقوى، والتقوى لا يعلمها إلا الله، ويظهر تفاوت الناس بها في الآخرة، أما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن ظهر إسلامه عومل معاملة المسلمين كائنا من كان، ماهرا فنيا أو عكسه، فديتهما على السواء. أما ما ذكر في هذا النظام، فهو تحكيم ما أنزل الله

стр. 7601

به من سلطان، بل هو رد لنصوص القرآن والسنة. هذه ملاحظة عامة. أما الملاحظات التفصيلية الخاصة لكل مادة وفقرة، فهي ما يلي: ١- جاء في هذا النظام، في المادة السادسة، ما نصه: لا يجوز استخدام عمال دون العاشرة من العمر بصفة عامة ويجوز لوزارة المالية لما يأتي ... إلخ. ويلاحظ عليها: أن عدم تجويز استخدام من بهذا السن، لم يرد به الشرع، ولا يجوز لأحد أن يبيح، أو يحرم شيئا بعقله، والله يقول: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [سورة النحل آية: ١١٦] ، فإذا بلغ الصبي سن التمييز، جاز تصرفه بإذن وليه، بكل شيء، من عمل وبيع أو شراء، إذا كان في مقدوره، وفي حدود طاقته، وعلمت المصلحة وانتفت المفسدة. ثم يلاحظ عليها أيضا: التناقض، حيث جعل هذا النظام الحق لوزارة المالية في رفع هذا السن أو تخفيضه، بناء على ما ترتئيه هذه الوزارة؛ فما الذي منعه على المسلمين ولو رأوا المصلحة؟ وما الذي أباحه لوزارة المالية دون غيرها؟ ! ٢- نصت فقرة (ب) من هذه المادة: أنه لا يجوز

стр. 7602

تشغيل العامل، تشغيلا فعليا أكثر من ثماني ساعات في اليوم ولا شك أن هذا خطأ واضح لما يأتي: أولا: أنه متى استأجره المستأجر يوما، فيجب عليه العمل كل ذلك اليوم، إلا بشرط لفظي أو عرفي، ما عدا أوقات الصلوات الفرائض، وما تدعو إليه الحاجة من أكل وشرب وغيرهما. ثانيا: أن الأعمال تتفاوت، فمنها ما هو شاق، ولا يستطيع العامل أن يعمل ثماني ساعات، ومنها: ما هو سهل، فهو يستطيع العمل يومه وليلته، أكثرها بدون تكليف؛ لأنه لا يستوي العامل الذي يضرب بمرزبته صفائح الحديد، والعامل الذي هو عبارة عن حارس أو بواب، فتحديد العمل بشيء لم يتفقا عليه، ولم يكن مستثنى شرعا، أو عرفا، مع اختلاف تنوع الأعمال، لا يجوز. ٣- نصت فقرة (ج) من المادة المذكورة: أنه لا يجوز أن يشتغل العامل أكثر من خمس ساعات متوالية، وهذه كالفقرة السابقة، بل يلزم العمل حسب ما اتفقا عليه، ما لم يكن هناك شرط لفظي أو عرفي أو مستثنى شرعا، كأداء الفرائض، أو حاجة العامل إليه، وكذا لا يجوز تحديد زمن للراحة إلا على حسب الشرط بينهما. ٤- جاء في المادة السابعة ما نصه: يجب دفع أجر

стр. 7603

العامل وكل مبلغ مستحق له في البلاد العربية السعودية، بالعملة السعودية، ويحصل الدفع للعامل نفسه ولو كان قاصرا، ما لم يكن ولي القاصر محتاجا لكده ... إلخ. والجواب عن ذلك: أنه لا يلزم ما ذكر في هذه الفقرة، بل الواجب على المؤجر أن يدفع للعامل ما اتفقا عليه من نوع الأجرة، سواء كانت نقودا، أو عروضا، أو منفعة، لكن لو أجره بعدد من العملة، ولم تختص تلك العملة بعينها وقت العقد، فينصرف ذلك إلى العملة السعودية، لاقتضاء العرف لذلك، فينْزل منْزلة الشرط اللفظي. وقوله في هذه الفقرة: وكل مبلغ مستحق له، أي: للعامل في البلاد العربية السعودية يكون الدفع بالعملة السعودية. أي: لو كان للعامل على آخر دين أو قرض بعملة أخرى، كذهب أو فضة، أو استرليني، يتعين الدفع له بالعملة السعودية، وهذا باطل، بل يندفع إليه نوع العملة التي له على غريمه أيا كانت، ولا يجبر على أخذ ما عداها، إلا برضاه، ما لم يفض إلى الربا. ومما يلاحظ على هذه المادة أيضا: أنها نصت على أنه يلزم دفع الأجرة للقاصر، ما لم يكن وليه محتاجا لكده، وهذا أيضا لا يجوز؛ فإن القاصر محجور عليه، ولا يجوز أن يسلم ماله إلا بيد وليه، سواء كان محتاجا إليه أو غير محتاج.

стр. 7604

ولو أتلف القاصر ما دفع إليه من المال، لاعتبر الدافع له ضامنا، لأنها لا تبرأ ذمته إلا بتسليمه لوليه، لأن الله خاطب الأولياء الدفع إليهم عند بلوغهم، إذا آنسوا منهم الرشد. فقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٦] وهذه الآية الكريمة، صريحة في أنه لا يجوز أن يدفع إليه ماله، إلا إذا علم رشده. ٥- جاء في فقرة (ج) من المادة السابعة، ما نصه: إذا كان العمل يؤدى بالقطعة، ويحتاج لمدة تزيد على أسبوعين فيجب أن يحصل العامل على دفعة كل أسبوع، تتناسب مع ما أتم من العمل، ويصرف الباقي كله خلال الأسبوع التالي لتسليم العمل ... إلخ. وهذا شيء لا يجب على المؤجر، وإيجابه لم يستند على شيء من نصوص الشريعة، بل هو بعيد عنها، والواجب: أن العامل متى كان عمله على شيء معين، لا يستحق تسليم شيء من الأجرة حتى ينهي ما انبرم عليه العقد بينهما، لقول رسول الله ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" ١ وهذا كناية عن وجوب تسليمه حقه فور انتهائه، أما قبل الانتهاء، فلا يلزم إلا بشرط، أو تبرع من المؤجر.

стр. 7605

وجاء أيضا في الفقرة نفسها: أنه إذا انتهت خدمة العمل وجب دفع أجره فورا، إلا إذا كان خروجه من تلقاء نفسه، فيجوز دفع أجره في خلال سبعة أيام، وهذا تفريق بلا فارق، وتحكم بلا دليل. فإن الواجب شرعا أن العامل متى أكمل عمله المتفق عليه من قبله، وقبل المؤجر، وجب على المؤجر الدفع فورا، سواء خرج العامل من تلقاء نفسه، أو برغبة من المؤجر، للحديث السابق: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" ١ ولم يفرق ﷺ بين الحالتين، فوجب اتباع الحديث، وطرح ما سواه. ٦- جاء في المادة الثامنة: إذا تسبب عامل في فقد، أو إتلاف مهمات، أو منتجات مما يملكه الآجر ويكون في عهدته بسبب رعونته، أو عدم احتياطه، أو إهماله، أو تفريطه، كان للآجر أن يقتطع المبلغ اللازم للإصلاح من أجر العامل، بشرط أن لا يزيد ما يقتطع لهذا الغرض، على أجر خمسة أيام في الشهر الواحد، على شرط أن يكون كل ذلك في حالة عجز العامل عن إثبات أن ما وقع كان نتيجة قضاء وقدر. ويلاحظ على هذه المادة عدة أمور، منها: قوله يقتطع المبلغ اللازم من العامل للآجر بشرط أن لا يزيد ما يقتطع على أجرة خمسة أيام في الشهر الواحد، وهذا

стр. 7606

الشرط فاسد، لا أصل له، فإن الواجب دفع المبلغ المستحق، كاملا فور ثبوته، إلا برضى منهما، أو في حالة إعسار المكلف بالدفع، كسائر الحقوق الثابتة في الذمم، فيكلف الملي بدفعها، وينظر المعسر حتى القدرة على الوفاء. ومنها قوله: على شرط أن يكون ذلك في حالة عجز العامل عن إثبات أن ما وقع كان نتيجة قضاء وقدر. وهذا والله موضع عجب، أيظن الكاتب: أن هناك أشياء تقع لا لنتيجة قضاء وقدر؟ ! بل تكون خارجة عن القضاء والقدر، وأن الرب لم يقدر وقوعها، ولم يقض بوجودها، وأنها خارجة عن مشيئته؟ ! وهذا مذهب باطل، أطبقت الصحابة والتابعون، وسائر أئمة الإسلام، على ذم هذا القول وبدعيته، وتضليل قائله. وأنه لم يؤمن بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٤] ، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر آية: ٤٩] أن يقع شيء لم يقدره الله ولم يقضه. بل ظن هذا الجاهل، أو المنحرف عن العقيدة الصحيحة أن الذي يقع بسبب من أحد خارج عن القضاء والقدر، وهذا مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، ومكذب لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر آية: ٤٩] .

стр. 7607

ومنها: أن العامل ليس عليه الإثبات بأن ما حصل لم يكن بسببه، بل الإثبات على المؤجر وغيره، ممن له الحق أن العامل هو الذي فرط، أو تسبب، لأن الأصل براءة الذمم، حتى تقوم البينة بإثبات الحق أن هذا عن نتيجة إهمال العامل، أو تفريطه، لقوله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" ١. ٧- جاء في المادة التاسعة: لا يجوز للآجر أن يقتطع من العامل أكثر من عشر أجره الشهري، لسداد ما يكون أقرضه إياه، وهذا خطأ بين؛ فإن الواجب على العامل دفع ما عليه من القرض، متى طلبه صاحبه، والمؤجر وغيره سواء، ما لم يكن من عليه الحق معسرا; أما لو فضل شيء من أجرة العامل عما يحتاجه، تعين عليه دفعه لغريمه. وهذه المادة نصت في الحكم على القرض خاصة، ومفهومه: أن غير القرض من الحقوق كثمن مبيع، وقيمة متلف ونحوهما ليس كالقرض، وهذا تفريق باطل، بل كل الحقوق على السواء. وهكذا سبيل النظم والقوانين الوضعية، لا بد لها من التناقض والتباين، صدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٨٢] . ٨- نصت المادة العاشرة، في الفقرة الأولى منها:

стр. 7608

أن الآجر يعيد العامل على نفقته إلى الجهة التي أبرم فيها العقد أو أخذ ورحل منها، إذا طلب العامل ذلك، في خلال خمسة عشر يوما من تأريخ انتهاء العقد إلى آخره. وهذا شيء ليس بلازم شرعا، إلا باشتراطه عند العقد، أو كان معروفا عند أهل تلك الجهة، بحيث أن المؤجر يعرف ذلك، وعالم به وبتكاليف رد العامل إلى المكان الذي أبرم فيه العقد، سلامة من الجهالة المفسدة لعقد الإجارة، والتحديد بخمسة عشر يوما، تحكم بلا دليل. ٩- ذكر في الفقرة الرابعة من المادة العاشرة: أنه يجوز للآجر بصفة استثنائية، أو مؤقتة إذا دعت ضرورة ملحة، بسبب القوة القاهرة، أو وقوع حادث مفاجئ، أو إصلاح عاجل لا يتحمل التأخير، عدم التقيد بأحكام الفقرة الثالثة. وهي: أنه لا يجوز للآجر أن يكلف العامل عملا غير ما اتفق عليه أعلاه، وبالشروط الآتية: أن لا تزيد مدة العمل عن إحدى عشرة ساعة في اليوم، وأن لا يشتغل العامل أكثر من ست ساعات متواليات، وعلى أن يصرف للعامل عن ساعة إضافية مبلغ يوازي الأجر العادي الذي يستحقه في الساعة، مضافا إليه خمسة وعشرون في المائة على الأقل.

стр. 7609

ويلاحظ: أن هذا الاستثناء غير معتبر شرعا، بل لا حق للآجر أن يلزم العامل بعمل لم يتفقا عليه، سواء كان بزيادة في الزمن المتفق عليه للعمل به، أو بنقله إلى عمل آخر ليس من جنس العمل الذي اتفقا عليه، وعلى أجرته الخاصة. لقوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم" ١، اللهم إلا إذا كان ترك العمل المفاجئ يؤدي إلى إصابة في الأنفس، أو ضرر في أبدان المعصومين، كالغرق والحرق والهدم ونحوها، فهذا يجب على العامل وجوبا استقلاليا، بدون أمر من الآجر. وهو ليس خاصا بالعامل وحده، بل يجب على كل من علم ذلك الخطر من المسلمين، وهو قادر على تخليصه. كما أن التحديد للعمل بإحدى عشرة ساعة، وأنه لا يعمل أكثر من ست ساعات متواليات، وأنه يصرف للعامل عن ساعة إضافية مثل ما صرف له في عمله المعتاد عن كل ساعة، مضافا إليه زيادة ربع على الأقل عما يستحقه: كل هذه أمور باطلة، لا أصل لها في الشريعة الإسلامية، بل يكون على حسب ما اتفق عليه المؤجر، والمستأجر، فلا يلزم أحد بما لم يلتزم به ويرضاه، إذ إن من شروط الإجارة معرفة العمل، ومعرفة مقدار الأجرة،

стр. 7610

ومقدار الزمن الذي يعمل فيه، فيكف يلزم العامل أو الآجر بما لم يعلم به أصلا، ولم يلتزم به؟ !. ١٠- جاء في الفقرة السادسة من المادة العاشرة: أن الآجر يسهل للعمال الذين يعملون في أماكن بعيدة عن العمران المساكن الملائمة، وهذا أيضا ليس بلازم بدون شرط، أما إذا شرط في العقد، أو كان ذلك عرفا مطردا عند أهل تلك الجهة، فيكون لازما؛ لكن يشترط فيه معرفة المسكن، ونوعه في البناء، وسعته، وعدد حجره، وكل وصفه تختلف فيه الأجرة. وأما وصفه بكونه ملائما، فهذا وصف غير منضبط، فقد يكون العامل لا يلائمه إلا بيت من المسلح، يحتوي على شيء كثير من المزايا، وقد يكون العامل ممن يكتفي بأكواخ، وصنادق وخيام ونحوها، فينتج عن ذلك اختلاف بين المؤجر والعامل، فلذا يجب الاحتياط عند العقد، تفاديا للخلاف وحصول الضرر الناتجين عن جهالة المسكن ونوعه، وما يشترط لمعرفته من الشروط التي يصح معها عقد الإجارة. ١١- جاء في المادة الحادية عشر، ما نصه: إذا كان العقد مبرما لمدة محدودة، وانتهت المدة المحدودة، دون أن تنقطع خدمة العامل لدى الآجر اعتبر العقد ممددا لمدة غير محدودة.

стр. 7611

ويلاحظ عليها: أن هذا الاعتبار، غير معتبر شرعا، بل متى انتهت المدة التي تم العقد عليها، فلا يبقى بينهما عقد آخر، إلا باتفاق جديد بينهما، هذا إذا آجره لمدة شهر فقط، أو أسبوع، أو يوم ونحوها. أما إذا قال: كل يوم تعمله عندي بكذا، أو كل شهر ونحوه، فإن العامل متى تلبسه بعمل اليوم، أو الشهر مثلا، يلزمه إتمامه، بمقدار الأجرة المخصصة لذلك العمل. وأما بدون ذلك، كأن استأجره لمدة شهر، ولم يقل كل شهر تعمله بكذا، فهذا لو تلبس بالعمل بدون اتفاق بينه وبين المؤجر، والمؤجر لم يكفه عن العمل، فإن ما عمله بهذه المدة، لا يستحق عليه الأجر المسمى، ولكن يستحق أجرة مثله، سواء زادت عن أجرة المتفق عليه بينهما أو نقصت، لأنه لم يحصل بينهما عقد شرعي، فيلزم كل منهما به. ١٢- جاء في المادة الثانية عشر ما نصه: إذا كانت مدة العقد غير محدودة، كان لكل من الطرفين الحق في فسخه، وإعلان الطرف الآخر بذلك على أن يكون ذلك الإعلان سابقا للفسخ بالمدة الآتية: ١- بالنسبة لعمال اليومية، يكون الإعلان سابقا للفسخ لمدة ثلاثة أيام ٢- بالنسبة للعمال ذوي الأجور

стр. 7612

الأسبوعية، يكون الإعلان سابقا للفسخ بمدة أسبوع ; بالنسبة للعمال المعينين بأجور شهرية، يكون الإعلان سابقا للفسخ بمدة ثلاثين يوما. وفي حالة مخالفة المدة المشار إليها، يلتزم الطرف الذي فسخ العقد بأن يدفع للطرف الآخر تعويضا مساويا لأجر العامل عن مدة المهلة، أو الجزء الباقي منها، ويتخذها أساسا لتقدير التعويض متوسط ما تناوله العامل إلى الثلاثة الأشهر الأخيرة من أجر ثابت ومرتبات إضافية. ويلاحظ على هذه المادة، وما تضمنته من فقرات عدة ملاحظات: ١٣- جاء في أول المادة قوله: وإعلام الطرف الآخر بذلك، على أن يكون الإعلان سابقا للفسخ بالمدة الآتية. وهذا الشرط ليس لازما، وما على لزومه أثرة من علم؛ بل هذا تحكم وإلزام بغير ما ألزم به الشرع. وليس للمؤجر حد على العامل أن يخبره، إلا وقت تركه العمل، فيما إذا كان العقد غير محدد، إلا إذا كان المؤجر شرط ذلك على العامل، فالشرط أملك. وأيضا: لا بد في الشرط من تعيين المدة من قبلهما، بحسب ما يتفقان عليه سواء زادت عن المدة المحددة في هذا النظام، أو نقصت؛ فإذا كان المؤجر قد يتضرر بترك العامل العمل بدون إشعاره، فالذي ينبغي له أن يحتاط

стр. 7613

لنفسه، ويشترط في ابتداء العقد، تعيين المدة اللازمة لإعلامه. وفي غير هذا فالعامل لا يكلف بشيء لم يلتزم به، ولم يلزمه به الشرع، بل بمجرد التحكم والخرص. وكذلك أيضا ليس للعامل حق على المؤجر، أن يعلن له ذلك الإعلان، إلا وقت إتمامه المدة التي حصل الاتفاق عليها منهما، وهل يلزم المؤجر عندما يريد أن يعمل عملا لا يحتمل أكثر من يوم واحد، أن يعمل ثلاثة أيام معه، بناء على أنه لم يشعر العامل بذلك، أو يدفع له أجرة عمل ثلاثة أيام بدون مقابل؟ وهل ورد في الشرع نظير ذلك؟ أم هو مجرد ظن وخرص وزعم منهم أن هذا يكفل مصلحة الجميع؟ ! وهذا عين الضرر عليهم معا، ولو وقع شيء منه على واضع هذا النظام وألزم به لعلم فساده بنفسه. ١٤- جاء في الفقرة من المادة نفسها قوله: بالنسبة لعمال اليومية، يكون الإعلان سابقا للفسخ لمدة ثلاثة أيام. سبحان الله! ما هذا التفريق بين العامل ذي اليوم وذي الأسبوع، وذي الشهر؟ ! وما هذا التحديد والإلزام الذي لم يشم رائحة العدل؟ متى وجد في الشرع نظيره، ومن قال به من العلماء؟ وأي مناسبة لثلاثة الأيام، مع اليوم الواحد، الذي استؤجر به العامل؟ !

стр. 7614

كيف يستأجر ليوم واحد، ويلزم بثلاثة أيام تبعا لهذا اليوم، فإن ذلك من لازم هذه المادة؟ وهذا التحكيم ينتج عنه: أن من أجر نفسه يوما واحدا، لا يجوز له أن يترك العمل من تلقاء نفسه، إلا بعد ثلاثة أيام، وإلا فيغرم ثلاثة أضعاف أجرة ذلك اليوم الذي تحصل عليها. تأبى الشريعة أن تأتي بمثل هذه التحكمات البعيدة عن العدل، أو تقرها؛ بل تنهى عن مثل ذلك أشد النهي. ١٥- جاء في فقرة من المادة نفسها، بالنسبة للعمال ذوي الأجور الأسبوعية يكون الإعلان سابقا للفسخ لمدة أسبوع ا?. وهذه الفقرة فيها من الملاحظة كما في الفقرة قبلها، ويلزم على قولهم هذا: أن العامل عندما يعقد لمدة أسبوع ليرى العمل ومناسبته له، يلزمه أحد أمرين: أما أن يعمل أسبوعا آخر من غير رضاه، وإما أن يخسر أجرة أسبوعه الذي عمله أجمع؛ وهذا غاية الجور والظلم والضرر عليه. وكذلك نفس الشيء يعود على المؤجر، هل إذا احتاج لعمل لا يدري ما يكفيه من المدة، واستأجر عمالا ليعملوا عنده أسبوعا واحدا، ثم تطلب العمل زيادة يوم أو يومين، هل يلزم أن يدفع لهم بقية الأسبوع؟ نعم على مقتضى هذه المادة، أليس هذا أكلا للمال بالباطل؟ ١٦- يلاحظ: على ما تضمنته فقرة (٣) مع نفس

стр. 7615

الشيء السابق في الفقرتين قبلها، وهل يلزم العامل بالعمل ثلاثين يوما بغير رضاه، ومن دون شرط، أو اتفقا بينهما، إذا لم يمكن الفسخ للمؤجر في المدة المعينة، وإلا فيغرم العامل جميع ما تحصل عليه من الأجرة في ذلك الشهر؟! وعلى أي أساس بنيت هذه الغرامات التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ ! وهل هي في مقابل عمل أو نفع؟ ! ثم إن هذه الغرامات لم تأت على أساس من الدين، ولا من العقل، ولا من العرف، وذلك أن العامل إذ ترك العمل، وتسبب لضرر أو نقص على المؤجر، فإن الضرر اللاحق بالمؤجر، قد يكون سهلا جزئيا، وقد يكون ضرره جسيما، وقد لا يلحقه أي ضرر. فلم لم يقل: إن العامل يلزمه غرامة بقدر ما حصل من النقص بسببه؟ لأنه قد يقصد إدخال الضرر على المؤجر، فيتلف عليه شيء كبير، أو تفوته مصلحة كبرى لا يوازيها أجرة عمله مدة طويلة. وقد لا يحصل بسبب ذلك شيء من النقص، لا قليل ولا كثير، فهل تستوي هاتان الحالتان، وهذا النظام جعلها على السواء؟! ولا شك أن هذا الإلزام هو عين الظلم على كل من الطرفين، مع ما فيه من التناقض الواضح؛ فلا يلزم واحد منهما الإعلان على حسب ما جاء في هذه الفقرات،

стр. 7616

ولا يلزم دفع هذه الغرامة المذكورة فيه أيضا، وعلى أي أساس بنيت هذه الغرامة التي تنافي المصلحة العامة لكل من الطرفين، وهذا حكم مخالف لقواعد الشريعة السمحاء. ١٧- يلاحظ ظهور التناقض لهذه الفقرات، حيث جعل للشهر ثلاثين يوما، وللأسبوع مثله، ولليوم ثلاثة أيام، أي ثلاثة أضعاف اليوم؟ لم لم يجعل لليوم يوما واحدا، نظيرا للشهر، والأسبوع، لو قدر صحة ذلك؟ !. صدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٨٢] . أما إذا كان العمل مستمرا، وتلبس به العامل، بأن استمر في اليوم الثاني، والأسبوع، والشهر، بعد انقضاء المدة المتفق عليها بينهما، ولم يحصل من جانب المؤجر إعلام بالفسخ له، حال التلبس بالعمل أو قبله، وكان دخول العامل على أنه يعمل كل يوم، أو كل أسبوع، أو كل شهر بكذا. فهذا يعتبر كعقد جديد، يلزم كلا من الطرفين إتمامه، وله من الأجرة مثل ما سبق؛ هذا قول لبعض العلماء، وطائفة منهم لا يرون صحة مثل هذا، بل يعتبرونه عقدا فاسدا، لا تلزم فيه الأخرة المعينة في العقد الأول، ولكن يستحق أجرة مثله، سواء زادت أو نقصت من المسمى.

стр. 7617

١٨- جاء في المادة (١٣) إذا كان الفسخ من جانب الآجر، وجب أن يدفع للعامل مكافأة عن مدة خدمته ... إلى آخر الفقرتين منها. ويلاحظ على هذه المادة ملاحظات، قوله: إذا كان الفسخ من جانب الآجر، فمفهومه، أن للآجر الفسخ، وقد سبق في مادة (١٢) أنه ليس لأحدهما الفسخ، إلا بعد إعلان الطرف الآخر، بالمدة الموضحة هناك، وإلا فيلزمه الغرامة المذكورة أيضا، وهنا ذكر: أن له الفسخ ولم يذكر سابق إعلان، فهذه تناقض تلك. ١٩- إن المفهوم من كلمة "فسخ" أن يفسخ عقدا مبرما، قبل تمام أجله، لأنه بعد تمامه لا يسمى فسخا، وهذا غير صحيح، لأنه ليس لأحدهما فسخ العقد إلا بعد تمام المدة، سواء في ذلك المؤجر، أو العامل؟ وإن كان المراد من ذلك عدم تجديد عقد آخر، فلا مانع من ذلك لكل من الطرفين، ولا يلحق المؤجر شيء من التعويضات عن ذلك إلا تبرعا منه بغير إلزام. ٢٠- ما ذكر في فقرة (١) من هذه المادة، بالنسبة للعمال باليومية، والعمال ذوي الأجور الأسبوعية، والعمال الذين تحدد أجورهم بالقطعة أجر خمسة عشر يوما، يعني مكافأة ... إلى آخر الفقرة. ونقول: إن إلزام الأجر بذلك غير سائغ شرعا، ولا

стр. 7618

يجوز هذا الإلزام، فإنه ظلم للمؤجر، وأخذ للمال بالباطل، وظلم للعامل، وإعانة له على الظلم. إلا إذا كان هذا عن شرط بينهما، ودخل المؤجر على بصيرة منه، أو كان ملتزما به لكل عامل عنده، وعرف ذلك منه عند معامليه. ٢١- جاء في الفقرة (٢) من المادة نفسها، وهي قوله: إلا إذا بلغت الخدمة مدة عشرين سنة، فيمكن أن تصل المكافأة إلى ما يعادل أجر سنة ونصف على الأكثر. ا?. والمفهوم من كلمة يمكن، أن هذا شيء قد يحصل للعامل، وقد لا يحصل، فهل هو حق ثابت له فيطالب به، أو لا؟ وهل هذا الإمكان سيتقرر من العامل، أو من جهة المؤجر، أو من جهة أخرى؟! ثم إنه أيضا لم يقف على حد بين، بل قال: على الأكثر، وهذا فيه إبهام، فالعامل مثلا يطالب بالأكثر، والمؤجر يمتنع من ذلك. فإذا كان هذا راجع للمؤجر، ولا حق للعامل في تحديد ما يدفع له، فلم منع من الزيادة على أجر سنة ونصف، إذا كان تبرعا منه؟ فإنه لا حجر على أحد في التبرع من ماله بشيء، إلا إن كان سفيها، أو محجورا عليه.

стр. 7619

فهذا شيء لا بد أن يوقع في الخلاف، والشريعة تنهى عن كل ما يكون سببا للخلاف بين المسلمين; والحق أن هذه المكافأة لا يجوز إلزام الآجر بها ما لم يكن شرطا بينهما كما سبق موضحا. ٢٢- ذكر في المادة الرابعة عشر: أنه ينتهي العقد بوفاة العامل، أو عجزه عن تأدية العمل عجزا كاملا، بعد إثبات ذلك بشهادة طبية أو مرضية، مرضا أدى إلى انقطاعه عن العمل، مدة لا تقل عن شهرين متتاليين، أو مدة تزيد في جملتها عن الثلاثة شهور، في خلال سنة واحدة ... إلى آخر المادة، ويلاحظ عليها عدة أشياء. ٢٣- إن قوله: لا يجوز الفسخ من المؤجر إلا بعد انقطاعه عن العمل مدة لا تقل عن شهرين متتاليين، وهذا التوقيت لم يستند إلى شيء من الشرع، ولا يجوز الحجر على المؤجر، وإلزامه بانتظار العامل هذه المدة الطويلة. بل متى انقطع العامل عن العمل لمرضه، ولو يوما واحدا، لزمه أحد أمرين: إما الفسخ برضى منهما، وإما أن يقيم العامل من يعمل مكانه حتى يبرأ، أو تتم المدة المعقود عليها، إذا لم تشترط مباشرة العامل لذلك العمل. وليس للعامل البقاء على العقد بدون عمل منه، إلى مضي شهرين، فإن هذا التحديد لا أصل له في الشريعة الإسلامية، كما أن المؤجر ليس له الفسخ إذا أقام العامل

стр. 7620

من يقوم بعمله، ما لم تشترط مباشرة العامل للعمل، ولو تجاوزت المدة الشهرين أو أكثر، ما دام العقد باقيا لم يتم. ٢٤- حصرهم اعتماد ذلك على الشهادة الطبية أو المرضية، وعدم الالتفات إلى ما سواهما، فلو أقعده المرض، أو أعجزه عن القيام بعمله قبل أن يأخذ شهادة مرضية، يعتبر متلاعبا، وكأن الإثباتات الشرعية منحصرة في تلك الشهادة المذكورة. فلو شهد رجلان مسلمان من أهل الخبرة والأمانة، بما قام بهذا العامل من العذر، لا يعبأ بهذه الشهادة ما لم تكن من طبيب، وهذا بعينه هو الظلم الذي تنهى عنه الشريعة الإسلامية؛ فإن طرق الإثباتات في الشريعة كثيرة، لا تنحصر فيما حصره هذا النظام، ويتفرع على هذا مسائل كثيرة، لا نطيل بذكرها، فالله المستعان. ٢٥- قوله: ويلزم في حال انتهاء العقد بالكيفية المبينة آنفا، بأن يدفع المكافأة المبينة بالمادة (١٣) ، وقد سبق بيان مثل هذه; وهو: أن المكافأة ليست لازمة شرعا، ما لم تشترط حال العقد، وتكون معلومة بينهما، فلا يجوز إلزام المؤجر بما لم يلتزمه، ولم يشرط عليه في العقد، والله أعلم. ٢٦- جاء في الفقرة الثالثة من المادة (١٥) على كل

стр. 7621

آجر يستخدم خمسين عاملا فأكثر أن يضع نظاما للإسعاف في المصنع، أو محل العمل، مع تخصيص طبيب لعيادة العمال، وعلاجهم مجانا، وإعداد وسائل الصرف للعلاج والأدوية بدون مقابل، سواء في ذلك وقت العمل أو غيره. ويلاحظ عليها: أن هذا الإلزام غير لازم شرعا؛ لأنه لا يمكن ضبطه؛ فالعامل قد يحتاج إليه، وقد لا يحتاج إليه؛ والمرض قد يستغرق علاجه مدة طويلة من الزمن، وكمية كثيرة من الأدوية والمصاريف، وقد يكون علاجه بسيطا في زمنه ومصاريفه. فهذه جهالة شديدة، والشريعة الإسلامية قواعدها تنهى عن كل عقد يكون فيه جهالة أو غرر، وهذا يعتبر كجزء من الأجرة المعلومة، وهذا الجزء المجهول يصير الأجرة كلها مجهولة، فيفسد العقد إذا. ٢٧- جاء في فقرة (٤) من نفس المادة (١٥) : إن على كل آجر يستخدم خمسين فأكثر: أن يضع نظاما للتوفير والادخار. ويلاحظ على هذه الفقرة عدة أمور وهي: أن المؤجر لا يلزمه شيء لم يلتزم به في ابتداء العقد، كما سبق بيانه أكثر من مرة. ٢٨- إن نظام التوفير فيه عدة محاذير، منها: أن ربحه معروف مضمون مقدر بنسبة في مقابل التصرف بهذا المال المعين، وهو الربا الصريح الذي جاء الوعيد فيه

стр. 7622

بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] ، وهذا بعينه هو ربا الجاهلية، وهو ربا النسيئة الذي هو أشد أنواع الربا تحريما؛ وقد ذكره الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٩-٢٧٨] . فإن قصد بهذا الادخار غير معناه المفهوم، وهو حفظه كأمانة تبقى في صندوق التوفير، متى طلبها صاحبها دفعت إليه، كسائر الأمانات، فهذا لا بأس به؛ غير أن العامل يكون مخيرا في ذلك، إن شاء أمن ما لديه أو بعضه لدى صندوق التوفير أو غيره، وإن شاء غير ذلك، فالأمر إليه، لأنه جائز التصرف في ماله بما يرى فيه مصلحته، ما لم يفض إلى الربا. ٢٩- لا يلزم المؤجر أن يضع لهم هذا النظام، وإلزامه بذلك يعتبر ظلما، ومخلا بالعقد، زيادة على ما فيه من المحذور السابق. ٣٠- ما ذكر في الفقرة نفسها، في حالة استخدام ما دون الخمسين عاملا، يجب أن يكون في كل مشروع صناعي صندوق للإسعافات الطبية، وهذا الواجب، غير

стр. 7623

واجب شرعا؛ ولا يجوز أن يلزم المؤجر به، ما لم يكن شرطا بينهما، أو ملتزما به المؤجر من قبل نفسه؛ مع أنه لا بد أن يكون معلوما مقدار ما التزم به من كل نوع مما يلزم لذلك. ٣١- جاء في الفقرة (٥) من المادة (١٦) أن للآجر أن يفسخ العقد إذا تغيب العامل دون سبب مشروع، أكثر من خمسة عشر يوما في خلال السنة الواحدة، أو أكثر من سبعة أيام متوالية. ويلاحظ عليها: أن هذا التحديد، لم يعتمد على شيء من قواعد الشريعة الإسلامية، بل هو تحكم لا يسوغ مثله؛ فالمؤجر له الحق في الفسخ، متى ترك العامل العمل، إلا إذا أقام العامل مكانه من يعمل مثله، أو أقامه الحاكم إذا لم يشترط فيه مباشرة العامل للعمل. وإذا لم يحصل شيء من ذلك، فإن للمؤجر الفسخ في الحال عندما يتغيب العامل. ٣٢- جاء في الفقرة الثامنة من المادة (١٦) أن للآجر أن يفسخ العقد، إذا ثبت أن العامل قد ارتكب عملا مخلا بالشرف، أو الأخلاق أو الآداب. ا?. ويلاحظ: أن هذه الأشياء، لا تكون مسوغة للفسخ، لأن المؤجر إنما استأجر العامل لعمل مخصوص، ولا حق له أن يتدخل فيما هو خارج عن العمل المستأجر العامل لأجله، اللهم إلا إذا كان العامل قد أخل بشيء يعود بضرر

стр. 7624

على المؤجر، بحيث يصير مانعا من موانع العمل، أو تكميله، أو غير ذلك من الضرر. ثم إنه يلاحظ: على هذه الفقرة، أنه ذكر فيها الإخلال بالشرف والأخلاق والآداب، ولم يذكر فيها الإخلال بالدين، وكأن الواضع لها، لا يرى أن الإخلال بالدين نقص، مع أن الإخلال به يكون موجبا للفسخ، إذا ارتكب ما يوجبه. والفاسق غير مؤتمن، فربما يخون في عمله، كما خان في دينه، وربما كان جواز الفسخ في مثل هذا له وجه. فمن العجب أن تكون تلك الأشياء مخلة، وارتكاب ما يخل بالدين ليس مخلا!!!. ٣٣- جاء في الفقرة التاسعة، من المادة (١٦) أن للآجر الفسخ إذا وقع من العامل اعتداء على الآجر، أو على أحد رؤسائه في العمل أو بسببه. ويلاحظ: على هذه الفقرة أشياء، منها: أن ما ذكر فيها ليس مسوغا لجواز الفسخ للإجارة، بل العقد باق على ما كان عليه، وللمؤجر أن يطالب بحقه الخاص، أو لمن هو متول عليه. وأما ما كان لغيره من رؤساء العمل، أو غيرهم، فإذا اعتدى عليهم أحد من العمال، فكل يطالب بحقه، ولا دخل للمؤجر، إلا بما يخصه بنفسه، إلا بوكالة شرعية ممن له الحق.

стр. 7625

٣٤- خصص في هذه المادة الاعتداء على الرئيس، أو الآجر، فإذا ما الحكم إذا كان الاعتداء على غير الرئيس في العمل؟ ! وما الفرق بين الرئيس والمرؤوس في حفظ حقوقهم وكرامتهم وحمايتهم، إن كان هذا يعتبر حماية لهم؟ ! ٣٥- جاء في الفقرة الأولى من المادة (١٧) : أنه يجوز للعامل أن يترك العمل قبل نهايته إذا كان الآجر، أو من يمثله قد أدخل الغش عليه وقت التعاقد، فيما يتعلق بشروط العمل، بشرط أن يتمسك بهذا السبب، قبل مضي شهر من تأريخ دخوله في العمل. والواقع أن هذا التحديد غير مبني على أصل شرعي، فهو تحديد باطل، بل يثبت الخيار وقت علمه بالغش، سواء مضى لذلك شهرٌ أو أكثر، غير أنه متى علم العامل بالغش ثم استمر على العمل بعد علمه به، فإنه ليس له الخيار، سواء كان ذلك بمدة طويلة أو قصيرة، لأن استمراره في العمل يدل على الرضى منه بذلك. ٣٦- جاء في الفقرة الثانية من المادة (١٧) أن للعامل أن يترك العمل إذا لم يقم الآجر بالتزاماته طبقا لأحكام هذا النظام ... ا?. وبما أن هذا النظام غالب مواده وشروطه ليست موافقة للشريعة الإسلامية، بل كثير منها قد نصت الشريعة

стр. 7626

على إبطاله، فلا ينبغي أن الآجر يلتزم به، فضلا عن أن يكون للعامل الفسخ بعد التزاماته؛ بل لو التزم به كله، بما فيه المخالف للشريعة، لكان العقد باطلا من أصله. وإنه لمن العجب أن يحتاط لهذا النظام كل هذا الاحتياط، مراعاة لأحكامه، فلو كان ذلك بالنسبة لأحكام الشريعة لكان هو الأولى، بل هو الأوجب، فالله المستعان. ٣٧- جاء في الفقرة الرابعة من المادة (١٧) : أن للعامل أن يترك العمل، إذا وقع من الآجر اعتداء عليه أو على أحد من أفراد أسرته، ا?. وقد سبق الكلام على نظيرة هذه المسألة في الملاحظة (٣٣) ، والواقع أن هذه المادة ونظيرتها تعتبران مفتاح خلاف وخيانة، فإنه متى سئم العامل من العمل، أو المؤجر من العامل، تعرض وتسبب لمنازعة الطرف الآخر، لعله يحدث منه أي اعتداء، وإن قل، ليحصل له فسخ العقد المبرم بينهما. ٣٨- جاء في الفقرة الخامسة، من المادة (١٧) إلزام الآجر بدفع مكافأة مالية للعامل، إذا ترك العمل للأسباب المبينة في فقرة (أ) و (ب) و (ج) و (د) والكلام على هذه المادة وفقراتها قد سبق مفصلا في الملاحظة رقم (٢٠) و (٢١) وبينا هناك وجه بطلانه، فليرجع إليه. ٣٩- جاء في المادة (١٨) : على صاحب العمل أن

стр. 7627

يدفع للعامل الذي يثبت مرضه أثناء العمل نصف أجر أيام مدة انقطاعه عن العمل لهذا السبب وحده، دون أن يكون ناشئا عن إصابة وقعت أثناء العمل، بشرط أن لا تزيد المدة التي يدفع عنها نصف الأجر المذكور عن شهر في السنة، ا?. ويلاحظ على هذه المادة ملاحظات، منها: أن إلزام المؤجر بدفع هذا المبلغ غير سائغ، بل هو ظلم، وتعد عليه، وقد قال النبي ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" ١؛ وأكل العامل لهذا المال، من مال المؤجر، من أكل المال بالباطل، حيث لم يرض مالكه بدفعه إليه عن طيب نفس، لأنه ليس في مقابلة عمل، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه. ٤٠- ومنها: التحديد بنصف الأجرة، وفي مدة لا تزيد على شهر في السنة، هذا كالذي قبله، لم يستند على نص من كتاب ولا سنة، ولا قول صحابي، ولا تابعي، ولا أحد من أهل العلم. والشريعة الإسلامية احترمت أموال المسلمين، وبينت ما يجوز الأخذ منها، وما لا يجوز، وفيها مقنع وكفاية لطالب الحق، فنعوذ بالله من مخالفتها. ٤١- التفريق بين ما إذا كان ناشئا عن أسباب أثناء العمل، أو كان غير ذلك، وهذا التفريق لا أصل له في الشريعة الإسلامية؛ بل هو تحكم بدون مستند، فإنه لا فرق بينهما إلا إذا كان ناشئا عن سبب من المؤجر، أو عن

стр. 7628

عدم إخباره بخطورته، مع علمه به، والعامل لا يعلم ذلك. وأما إذا لم يقع من المؤجر أي سبب، فليس للعامل حق عليه، إذا كان العامل بالغا رشيدا، أو كان صبيا وقد أذن له وليه؛ وإذا كانت الإصابة نشأت عن سبب أحد، فالمتسبب هو الغارم، سواء كان المؤجر أو غيره. ٤٢- جاء في المادة (١٩) : يدخل في احتساب الأجور التي تقدر على أساس التعويض عن الإصابات طبقا لأحكام هذا النظام، سواء كانت يومية، أو أسبوعية، أو شهرية، كل ما كان يدفع مقابل العمل الزائد، والمدة الزائدة إلى العمال المصابين، كعلاوة إضافية، أو منفعة خاصة، ا?. وسبق أن لوحظ على مماثلتها رقم (٢٠) فقرة (أ) من المادة (١٣) منه، وكذا في المادة قبل هذا، وقد بينا أن ليس للمصاب على المؤجر أي حق ما لم يكن بسببه أو تفريطه، أو عدم إشعار العامل بالخطر مع علمه، أي المؤجر بذلك. وكذلك المكافأة المشار إليها غير لازمة شرعا إلا بشرط، إلا إذا كان تبرعا من المؤجر؛ وإذا كانت تبرعا، فلا يترتب عليها ما يترتب على الأجرة من اللزوم ونحوه. ٤٣- جاء في الفقرة الرابعة من المادة (٢٠) : أن

стр. 7629

على الآجر أن يعد مساكن صحية متوفر فيها أسباب الراحة الكاملة، ويشترط على أصحاب المشاريع الصناعية أن لا يسكنوا أكثر من عاملين اثنين من العمال العرب في غرفة مساحتها ١٢ × ١٥ قدما ... إلخ. وهذه الفقرة أيضا تقدم الكلام على مماثلتها في رقم (١٠) على الفقرة السادسة من المادة (١٠) وأوضحنا فيها أن هذا لا يلزم به المؤجر إلا بشرط؛ ثم إنه لا بد من وصف المسكن وصفا لا يختلف. وقد ذكر هنا: الراحة الكاملة، وهذا شيء لا ينضبط، لأن كمال الراحة قد يحصل لبعض الناس بمجرد الوقاية من الحر والبرد، وحفظ الأمتعة فقط، وبعضهم لا تكفل راحتهم إلا بإيجاد الماء فيه والكهرباء، والهاتف، ونحوها. فلهذا لو حصل الاتفاق من المؤجر والعامل على اشتراط المسكن الكافل للراحة فلا يكفي هذا الوصف، لما فيه من الإيهام والجهالة، لذا يبطل مضمون هذه المادة من جهتين: عدم اشتراطه في العقد، وعدم ضبط المراد منه. ٤٤- جاء في المادة (٢٢) : يجب على العامل أن يقدم للآجر بيانا بأسماء وعناوين من يقوم بإعالتهم ... إلخ، وهذا الذي عبر عنه بالوجوب، غير ظاهر الوجوب،

стр. 7630

بل ليس ذلك بلازم على العامل. فإن المؤجر لا حق له على أحد سوى العامل الذي جرى بينه وبينه العقد؛ أما حقوق عائلته، فهي على العامل، ولا دخل للمؤجر في ذلك، ولا يلزم العامل الإخبار بذلك إذا امتنع منه. ٤٥- جاء في المادة (٢٣) ما نصه: إذا أصيب العامل بإصابة أقعدته عن العمل، يدفع له أجرة ٧٥% من الأجرة، وذلك بعد مضي سبعة أيام من تاريخ الإصابة التي يجب أن يستوفي فيها أجره كاملا. ويستمر الدفع للـ ٧٥% إلى حين شفاء المصاب، أو انتهاء مدة الإقعاد المؤقت في المادة (٣) ... إلخ. ويلاحظ عليها ما يلي: ٤٦- منها: أن الإصابة التي تقع على العامل بدون سبب من المؤجر أو مباشرة، أو بسبب إهماله، فليس للعامل حق في مطالبة المؤجر بشيء من ذلك، وتغريم المؤجر غير سائغ شرعا، بل هو من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ٤٧- إن التحديد بهذا المبلغ الموضح، تحديد مجانب للعدل؛ وذلك أن الإصابة تتفاوت، وهي هنا جعلت على حد سواء. ثم إنه نص على سبعة أيام، فإن زادت أو نقصت تغير الحكم؛ وهذا التحديد غير مبني على أساس من الشرع، ولا من العقل، ولا يوجد له نظير في معناه

стр. 7631

من الأحكام الشرعية، بل هو ظلم وجور. ٤٨- نصت هذه المادة على أن للعامل استحقاق السبعة أيام التي قعد فيها عن العمل؛ وهذا أيضا لا يستحقه العامل، ولا يجب على المؤجر، ولا تجوز مطالبته بذلك، كما سبق نظيره أكثر من مرة. ٤٩- إلزام الأجر بدفع ٧٥% من الأجرة ظلم وتعد، فلو كثر المصابون من العمال، فهل يلزم الأجر الدفع لهم ٧٥% من أجورهم بدون مقابل، ولو أدى إلى ضرره ونفاد ماله، ويلزم بالاستدانة لهم مهما كثر عدد المصابين عنده؟ ! حاشا الشريعة الإسلامية، التي هي أساس في العدل والكمال، أن تأتي بمثل هذا، صدق الله العظيم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] . ٥٠- تحديد دفع هذا المبلغ إلى مدة شفاء المريض، هو تحديد مجهول، فقد يبرأ لمدة شهر أو أقل أو أكثر، غاية الأمر: أنه جعل نهايته لسنة، وهذا لا يجعله معلوما، لأنه إما أن تكون المدة بضعة أيام، أو شهور، أو سنة كاملة. ٥١- ما ذكر من التعريف المشار إليه بمقتضى المادة (٢٥) سيأتي الكلام عليه عند الكلام على المادة نفسها. وبالجملة: ما تضمنته هذه المادة، كله باطل لا أصل له؛ والشريعة الإسلامية تعطي العامل أجره المتفق عليه

стр. 7632

بينه وبين المؤجر، ما دام قائما بعمله، وإذا تخلف عن العمل فلا شيء له، ما لم يكن يمنع من المؤجر مع بقاء مدة الإجارة، بدون سبب يقتضي ذلك. ٥٢- جاء في المادة (٢٤) يدفع الآجر إلى العامل في حالة الإقعاد الجزئي الدائم المبلغ المندرج في الكشف المربوط; ويلاحظ على هذه المادة ما يلي: ٥٣- منهما: أن إلزام الآجر بشيء لم يلتزم به، جور وتعد، يتنافى مع العدل المأمور به في الكتاب والسنة. ٥٤- أنه لو التزم بما تضمنته هذه المادة لفسد العقد، للجهالة؛ ومن شرط صحة الإجارة العلم بالأجرة. ٥٥- إنه قد أطلق الكلام فيها ولم يفصل فيه أي تفصيل، مع أن الإصابة التي تكون حال العمل لا تخلو من حالات: إما أن تكون بسبب من المؤجر أو إهماله، أو بسبب غيره كأحد العمال، أو بدون سبب. ففي هذه الحالات، لا يلزم المؤجر شيء إلا ما حصل منه مباشرة أو تسببا. والمفهوم من هذه المادة: أنه لو حصل اعتداء من أحد العمال على عامل آخر، فإن جميع ما يترتب أو ينتج من هذا الاعتداء، فغرامته على المؤجر؛ ولا شك أن هذا

стр. 7633

خطأ، لا يقره الشرع الشريف، ولا العقل السليم، وتصوره كاف في قبحه. ٥٦- فرق هذا النظام بين المصابين، فجعلهم ثلاث درجات، لكل درجة حكم خاص، من حيث الدية للنفس، والمنافع، والأعضاء كما فصل ذلك في المادة الأولى، قسم ثلاثة، في فقرة (أ) و (ب) و (ج) حديث جاء التفريق فيها بين العامل بالشهر، والعامل باليومية، والعامل تحت التمرين، والعامل الفني، وغيره. إذ نوع الدية، فجعل دية عيني العامل درجة أولى (١٨.٠٠٠) ودرجة ثانية (١٢.٠٠٠) ودرجة ثالثة (٨.٠٠٠) كما جعل دية اللسان، أو الإصابة بالبكم الدائم، درجة أولى (١٢.٠٠٠) وثانية (٦.٠٠٠) وثالثة (٥٣٣٠) ، وقس على هذا باقي الأعضاء، والمنافع. وهذا التفريق غير سائغ في الشريعة الإسلامية، بل هو مضاد لها أي مضادة، ومعارض أقبح معارضة; وكيف يتجرأ من يدعي الانتساب إليها، في وضعه أو إقراره أو الرضى به، وقد علم من له أدنى معرفة بالشريعة أنه لم يحصل بين المسلمين أي تفريق من حيث الدية؟ قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] ، وصح أن النبي ﷺ قال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" ١؛ وهذا النظام المفرق بين المسلمين في الديات مضاد

стр. 7634

لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومخالف لما أجمعت عليه الأمة، فلا فرق بين الصغير والكبير، والغني والفقير، والسيد والمسود، في الدية، لما تقدم. ومن تأمل أسرار الشريعة في مساواة المسلمين بتكافؤ دمائهم، على بطلان هذا النظام الخاطئ، لكن يستثنى من ذلك الفرق بين الحر والعبد، وبين الذكر والأنثى، والمسلم والكافر. ٥٧- فرق هذا النظام بين دية اليد اليمنى واليد اليسرى فجعل لليمين دية أكثر من اليسرى، ثم عكس عندما تكون اليسرى تعمل عمل اليمين. ثم جرى التفريق كذلك بين دية سلامى كل منهما، بناء على التفريق السابق في اليد؛ وهذا كما سبق تحكم، وخرص ما أنزل الله به من سلطان. بل بمجرد التصور الخاطئ، والرأي العازب عن الرشد؛ فإن هذا مع ما جمع من الجور والظلم، والتفريط الذي لم يبن على أساس من الشرع والعقل، فهو مباين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن الشرع لم يفرق بينهما، لا جملة ولا تفصيلا. ولا شك أن حكمة الله بالغة، وأن العقول قاصرة عن إدراك حكمة الله في شرعه؛ ولكن هؤلاء الذين استبدلوا بالشريعة النظم والقوانين، لما انحرفوا عن أصل الدين،

стр. 7635

حسن الشيطان والهوى كل ما يخالف الشريعة، وتنقصوها، واستهزؤوا بأهلها، فبقوا متحيرين عقوبة لهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥] فلا ينبغي للمسلم الركون إليهم، ولا العمل بشيء من نظمهم لحل المشاكل؛ فالله قد أغناهم بكتابه وهدى رسوله ﷺ عن سواهما، بل فيهما ما ليس عند أحد من العالمين، من حل المشاكل، ودرء المفاسد، وحفظ المصالح. ٥٨- جعل دية اليدين المقطوعتين من مفصل الكتفين، أكثر من دية النفس وهذا أيضا خطأ؛ فإن الشارع لم يجعل فيها سوى دية واحدة، بدون زيادة، وفي الواحدة نصف الدية. ٥٩- فرق بين فقدان البصر من ذي العينين وذي العين الواحدة؛ فجعل لذي العين الواحدة مثل ما لإحدى العينين، مع سلامة الأخرى، ولم يفرق بين عين الأعور، وبين من بقيت إحدى عينيه، بأن جعل ديتهما درجة أولى (٨٠٠٠) ودرجة ثانية (٥٤٠٠) ودرجة ثالثة (٣٦٠٠) وهذا باطل شرعا وعقلا. فالشريعة سوت بينهما، لقيام العين الواحدة في النفع مقام العينين. ٦٠- إنهم لم يفرقوا بين العامل المسلم، والحر
следующие страницы →