← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

من الأحكام الشرعية، بل هو ظلم وجور. ٤٨- نصت هذه المادة على أن للعامل استحقاق السبعة أيام التي قعد فيها عن العمل؛ وهذا أيضا لا يستحقه العامل، ولا يجب على المؤجر، ولا تجوز مطالبته بذلك، كما سبق نظيره أكثر من مرة. ٤٩- إلزام الأجر بدفع ٧٥% من الأجرة ظلم وتعد، فلو كثر المصابون من العمال، فهل يلزم الأجر الدفع لهم ٧٥% من أجورهم بدون مقابل، ولو أدى إلى ضرره ونفاد ماله، ويلزم بالاستدانة لهم مهما كثر عدد المصابين عنده؟ ! حاشا الشريعة الإسلامية، التي هي أساس في العدل والكمال، أن تأتي بمثل هذا، صدق الله العظيم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] . ٥٠- تحديد دفع هذا المبلغ إلى مدة شفاء المريض، هو تحديد مجهول، فقد يبرأ لمدة شهر أو أقل أو أكثر، غاية الأمر: أنه جعل نهايته لسنة، وهذا لا يجعله معلوما، لأنه إما أن تكون المدة بضعة أيام، أو شهور، أو سنة كاملة. ٥١- ما ذكر من التعريف المشار إليه بمقتضى المادة (٢٥) سيأتي الكلام عليه عند الكلام على المادة نفسها. وبالجملة: ما تضمنته هذه المادة، كله باطل لا أصل له؛ والشريعة الإسلامية تعطي العامل أجره المتفق عليه

стр. 7632

بينه وبين المؤجر، ما دام قائما بعمله، وإذا تخلف عن العمل فلا شيء له، ما لم يكن يمنع من المؤجر مع بقاء مدة الإجارة، بدون سبب يقتضي ذلك. ٥٢- جاء في المادة (٢٤) يدفع الآجر إلى العامل في حالة الإقعاد الجزئي الدائم المبلغ المندرج في الكشف المربوط; ويلاحظ على هذه المادة ما يلي: ٥٣- منهما: أن إلزام الآجر بشيء لم يلتزم به، جور وتعد، يتنافى مع العدل المأمور به في الكتاب والسنة. ٥٤- أنه لو التزم بما تضمنته هذه المادة لفسد العقد، للجهالة؛ ومن شرط صحة الإجارة العلم بالأجرة. ٥٥- إنه قد أطلق الكلام فيها ولم يفصل فيه أي تفصيل، مع أن الإصابة التي تكون حال العمل لا تخلو من حالات: إما أن تكون بسبب من المؤجر أو إهماله، أو بسبب غيره كأحد العمال، أو بدون سبب. ففي هذه الحالات، لا يلزم المؤجر شيء إلا ما حصل منه مباشرة أو تسببا. والمفهوم من هذه المادة: أنه لو حصل اعتداء من أحد العمال على عامل آخر، فإن جميع ما يترتب أو ينتج من هذا الاعتداء، فغرامته على المؤجر؛ ولا شك أن هذا

стр. 7633

خطأ، لا يقره الشرع الشريف، ولا العقل السليم، وتصوره كاف في قبحه. ٥٦- فرق هذا النظام بين المصابين، فجعلهم ثلاث درجات، لكل درجة حكم خاص، من حيث الدية للنفس، والمنافع، والأعضاء كما فصل ذلك في المادة الأولى، قسم ثلاثة، في فقرة (أ) و (ب) و (ج) حديث جاء التفريق فيها بين العامل بالشهر، والعامل باليومية، والعامل تحت التمرين، والعامل الفني، وغيره. إذ نوع الدية، فجعل دية عيني العامل درجة أولى (١٨.٠٠٠) ودرجة ثانية (١٢.٠٠٠) ودرجة ثالثة (٨.٠٠٠) كما جعل دية اللسان، أو الإصابة بالبكم الدائم، درجة أولى (١٢.٠٠٠) وثانية (٦.٠٠٠) وثالثة (٥٣٣٠) ، وقس على هذا باقي الأعضاء، والمنافع. وهذا التفريق غير سائغ في الشريعة الإسلامية، بل هو مضاد لها أي مضادة، ومعارض أقبح معارضة; وكيف يتجرأ من يدعي الانتساب إليها، في وضعه أو إقراره أو الرضى به، وقد علم من له أدنى معرفة بالشريعة أنه لم يحصل بين المسلمين أي تفريق من حيث الدية؟ قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] ، وصح أن النبي ﷺ قال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" ١؛ وهذا النظام المفرق بين المسلمين في الديات مضاد

стр. 7634

لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومخالف لما أجمعت عليه الأمة، فلا فرق بين الصغير والكبير، والغني والفقير، والسيد والمسود، في الدية، لما تقدم. ومن تأمل أسرار الشريعة في مساواة المسلمين بتكافؤ دمائهم، على بطلان هذا النظام الخاطئ، لكن يستثنى من ذلك الفرق بين الحر والعبد، وبين الذكر والأنثى، والمسلم والكافر. ٥٧- فرق هذا النظام بين دية اليد اليمنى واليد اليسرى فجعل لليمين دية أكثر من اليسرى، ثم عكس عندما تكون اليسرى تعمل عمل اليمين. ثم جرى التفريق كذلك بين دية سلامى كل منهما، بناء على التفريق السابق في اليد؛ وهذا كما سبق تحكم، وخرص ما أنزل الله به من سلطان. بل بمجرد التصور الخاطئ، والرأي العازب عن الرشد؛ فإن هذا مع ما جمع من الجور والظلم، والتفريط الذي لم يبن على أساس من الشرع والعقل، فهو مباين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن الشرع لم يفرق بينهما، لا جملة ولا تفصيلا. ولا شك أن حكمة الله بالغة، وأن العقول قاصرة عن إدراك حكمة الله في شرعه؛ ولكن هؤلاء الذين استبدلوا بالشريعة النظم والقوانين، لما انحرفوا عن أصل الدين،

стр. 7635

حسن الشيطان والهوى كل ما يخالف الشريعة، وتنقصوها، واستهزؤوا بأهلها، فبقوا متحيرين عقوبة لهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥] فلا ينبغي للمسلم الركون إليهم، ولا العمل بشيء من نظمهم لحل المشاكل؛ فالله قد أغناهم بكتابه وهدى رسوله ﷺ عن سواهما، بل فيهما ما ليس عند أحد من العالمين، من حل المشاكل، ودرء المفاسد، وحفظ المصالح. ٥٨- جعل دية اليدين المقطوعتين من مفصل الكتفين، أكثر من دية النفس وهذا أيضا خطأ؛ فإن الشارع لم يجعل فيها سوى دية واحدة، بدون زيادة، وفي الواحدة نصف الدية. ٥٩- فرق بين فقدان البصر من ذي العينين وذي العين الواحدة؛ فجعل لذي العين الواحدة مثل ما لإحدى العينين، مع سلامة الأخرى، ولم يفرق بين عين الأعور، وبين من بقيت إحدى عينيه، بأن جعل ديتهما درجة أولى (٨٠٠٠) ودرجة ثانية (٥٤٠٠) ودرجة ثالثة (٣٦٠٠) وهذا باطل شرعا وعقلا. فالشريعة سوت بينهما، لقيام العين الواحدة في النفع مقام العينين. ٦٠- إنهم لم يفرقوا بين العامل المسلم، والحر

стр. 7636

والذكر، وضدهم؛ والواجب فيه التفريق، فإن الشرع فرق بينهم، في دية النفس والأعضاء، والمنافع وسائر الجراحات. ٦١- إنه لم يفرق بين الإصابة إذا كانت عمدا، أو خطأ؛ والقرآن صريح في التفريق بينهما. ٦٢- إن ما ذكر في هذا الجدول، على سبيل العموم مخالف للشريعة، ومضاد للنصوص؛ فلا يحتاج مناقشة تفصيلية، بل هو باطل من أساسه؛ فلا يجوز العمل به، لأنه متناقض من أصله، حيث فرق بين متماثلين، وماثل بين المتفاوتين. فنجده فرق بين الأسنان والأنياب والأضراس، وما قطع من الكوع أو المرفق، كما فرق بين الأصابع كالسبابة والوسطى، والخنصر والبنصر، ونحو ذلك مما هو كثير. وهذا شأن كل ما لم يستمد من نصوص الكتاب والسنة، تجده متناقضا، بعيدا عن المصلحة، بعيدا عن العدل، بعيدا عن الصواب، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٨٢] . ٦٣- جاء في المادة (٢٥) : أنه يدفع الآجر إلى العامل درجة أولى في حال الإقعاد الكلي (٢٧.٠٠٠) ريال، وللعامل درجة ثانية (١٨.٠٠٠) ، وللعامل درجة ثالثة (١٢.٠٠٠) ا?. ويلاحظ ما يلي:

стр. 7637

٦٤- إن هذا التفريق بين العمال تفريق ما أنزل الله به من سلطان؛ فيحرم العمل به، لأنه لا يستند على نص، بل هو محض الجور والظلم والتعدي، فيجب احترام أموال المسلمين. ثم لو أن هذا العامل لم يعمل عند الآجر إلا مدة يسيرة، لا تزيد أجرته على مائة ريال مثلا، فما المسوغ لإلزام الأجر بدفع (٢٧.٠٠٠) ؟ اللهم غفراً!. ٦٥- إن المؤجر لا يلزمه شيء، إلا ما ثبت عليه شرعا، بأنه هو المباشر، أو المتسبب. ثم إن الواجب عليه هو ما أوجبه الشرع، لا ما نص عليه هذا النظام الجائر. ٦٦- نصت المادة (٢٦) على أن الآجر يقوم بمعالجة ومداواة المصابين، ونقلهم إلى المستشفيات، على نفقته مهما كان نوع الإصابة، ولو لم تحدث لهم أثناء العمل. ونصت المادة (٢٧) أيضا: أن الأجر يقدم لعماله المعالجة الطبية، حتى في الأوقات التي لا تمنعهم إصاباتهم الجراحية عن مواصلة العمل. وقد سبق بيان أن هذا غير لازم، كما لوحظ على نظيرتهما، في الملاحظة رقم (٤٥) ، وهو أنه لا يجوز إلزام الآجر بهذا إلا بشرط بينهما، فيما يمكن ضبطه؛ وما لا يمكن ضبطه لا يجوز ولو شرط.

стр. 7638

٦٧- نصت المادة (٢٨) على أن العامل إذا مات، بإصابة لحقته أثناء العمل، دفعت لورثته المبالغ المدرجة في المادة (٢٥) وقد سبق أن بينا أن ذلك باطل شرعا، وأنه من التحاكم إلى الطاغوت، ولا يجوز مراعاة ما دلت عليه هذه المادة، لمخالفتها نصوص الكتاب والسنة. ٦٨- جاء في المادة (٢٩) أن العامل المصاب بعجز سابق، أو بمرض جسماني سابق، إذا أصيب بإصابة من النوع المؤدي للعجز الدائم، لا يأخذ تعويضا عن الإصابة الأخيرة ... إلخ. وهذه المادة قد تقدم الكلام على مثيلتها، في الملاحظتين رقم (٥٢) و (٦٣) وبيان أن الأجر لا يلزمه شيء، إلا ما كان منه مباشرة أو تسببا. ٦٩- نصت المادة رقم (٣٣) على أن يعتبر تقدير تعويض الإصابات بهذا النظام، جزءا متمما له، ا?. وقد سبق الكلام على ذلك الجدول، وبيان تناقضه، ومباينته للشريعة بما يغني عن إعادته هنا، وذلك في الملاحظة رقم (٦٣) . ٧٠- جاء في فقرة (أ) من المادة (٣٤) : يجوز حرمان العامل من التعويض عن إصابته، إذا ثبت ثبوتا قطعيا: أن العامل كان متعديا في مشاجرة أو عراك.. ويلاحظ على هذه الفقرة أنه لا يجوز حرمان العامل لما يستحقه شرعا على من تشاجر معه، ولو

стр. 7639

ثبت تعديه؛ غير أنه يؤاخذ بما عليه، ويعطى ما له من الحق، لأنه قد يتعدى، ثم المعتدى عليه يأخذ أكثر من حقه، وهذا لا يجوز. لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٦] ؛ فإذا زاد المعتدى عليه بالأخذ من حقه، وجب أخذ الحق منه بمقدار ما زاد عما يستحق. ٧١- جاء فى الفقرة (٢) من المادة نفسها: يجوز حرمان العامل من التعويض إذا قصر في إبلاغ الإصابة وظروفها، في مدة ثلاثين يوما من تأريخ الإصابة أو الحادث. ويلاحظ على هذه الفقرة أن تأخر إبلاغ المصاب بالإصابة، لا يضيع حقه على الجاني، متى ثبت شرعا؛ بل إذا كان مستحقا للتعويض، فإن تأخره لا يكون سببا في حرمانه من حقه. ومتى وجد هذا التحديد في كتاب أو سنة، أو كلام لأحد من العلماء؟ ! إن هذا تحديد ما أنزل الله به من سلطان، وجراءة على الله في أحكامه ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النحل آية: ١١٧-١١٦] . ٧٢- جاء في الفقرة الثالثة من المادة نفسها، فيما

стр. 7640

يجوز به حرمان العامل، من التعويض إذا ألحق العامل الإصابة بنفسه عمدا، بشرط ألا يتسبب عن الإصابة وفاة، أو عاهة مستديمة. ويلاحظ على هذه الفقرة ما يلي: ٧٣- قوله: إذا ألحق العامل بنفسه عمدا، والمفهوم من قوله: عمدا، أن الحكم يتغير إذا أخطأ، وأنه يرجع الضمان على المؤجر في حالة الخطأ؛ وهذا كسابقه، من القول على الله بلا علم، ومناقضة لقول رسول الله ﷺ "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" ١. ٧٤- قوله: ألا يتسبب عن الإصابة وفاة، أو عاهة مستديمة، فظاهرها أنه إن حصل شيء من ذلك، فضمان الإصابة أيضا على المؤجر، وهذه كسابقتها، في جانب بعيد عن الصواب. فكيف يلزم المؤجر جناية العامل على نفسه، كما لو ضر العامل يد نفسه، فعابت وتعطل العمل بها؟! سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل! فالعقل السليم يأبى هذا وينكره، وقد تقدمت الإشارة إلى مثل هذا. ٧٥- جاء في الفقرة الخامسة من المادة (٣٤) فيما يجوز فيه حرمان العامل من التعويض، ما نصه: إذا امتنع العامل عن عرض نفسه على الطبيب، أو امتنع من قبول معالجة الطبيب المكلف بالمعالجة من قبل الآجر ... إلخ. وهذا كما سبق ليست مسقطا لحقه، إن كان له حق

стр. 7641

شرعي على من جنى عليه؛ فيجب بذل ما وجب له من حق، وإن امتنع، لأن امتناعه ذلك، لا يسقط حقه الواجب له شرعا، ولا يلزمه الشرع بالمعالجة من غير اختياره، لعدم وجوب التداوي. بل ربما كان تركه للمعالجة توكلا على الله، ورضى بأقداره، أو لعدم ثقته بالطبيب. ثم إنه ليس من المتيقن زوال الخطر عنه بالعلاج، هذا شيء مشكوك فيه، وإن كان الغالب فيه النجاح، فإنه أيضا ربما كان سببا للوفاة. ٧٦- جاء في المادة (٣٨) يجوز للعامل، أو الآجر، أن يطلب إجراء التحكيم إذا قام نزاع بينهما؛ وذلك بتقديم طلب إلى الحكومة، وتتولى هيئة من عضوين، يعين أحدهما الآجر والآخر الحكومة. فإذا اختلف العضوان، عين وزير المالية حكما ثالثا في الفصل في النّزاع؟ ويلاحظ عليها أمور منها: ٧٧- أن طلب التحكيم إلى شخص ممن يعرف الأحكام الشرعية، لا يتوقف جواز التحكيم إليه إلى تقديم طلب للحكومة؛ بل متى رضيه الخصمان، وكان أهلا لذلك، فإنه ينفذ حكمه بدون تقديم طلب، أو علم من الحكومة، لأن "عمر وأبيا تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم، ولم يكن أحد منهما قاضيا".

стр. 7642

٧٨- أنه لا يشترط كون التحاكم إلى هيئة مؤلفة من عضوين، يكفي واحد إذا رضيه الكل وهو أهل. ٧٩- أنه إذا اشتبه الحكم على الهيئة إن كانت، أو الواحد مثلا، ولم يحكم كل منهما، فالواجب الرجوع إلى المحكمة الشرعية، من قبل الحكومة، وليس من حق وزير المالية تعيين حكم بينهما بغير رضاهما، إلا إن كان ولي الأمر جعل له ذلك. ٨٠- إن هذه الفقرة فرقت بين الآجر والعامل، فجعلت الحق للآجر أن يختار حكما، ولم تجعل للعامل مثله، بل جعلت ذلك للحكومة؛ والعدل أن كلا منهما يختار لنفسه من يكون أهلا، وإلا فمرجعهما إلى المحكمة الشرعية. ٨١- جاء في المادة (٤٠) أن المحاكم المحلية أو الهيئات القضائية التي تنشأ خصيصا لذلك هي المرجع المختص لحل عموم القضايا المتنازع فيها، والتي لا يمكن حلها على مقتضى التحكيم المدرج في المادة (٣٨) ا?. ويلاحظ عليها: أن هذه المحاكم المشار إليها في هذه المادة، إن كان يقصد بها المحاكم الشرعية التي تحكم بنصوص الكتاب والسنة، فنعم يلزم الرجوع إليها؛ وإن كان يقصد بها أي محكمة غير شرعية، فالرجوع إليها من التحاكم إلى الطاغوت المأمور بالكفر به في قوله

стр. 7643

تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] . ثم إنه قال: التي لا يمكن حلها على مقتضى المادة (٣٨) ، وقد مر بيان فساد ما تضمنته تلك المادة المشار إليها في هذه، والله المستعان. ٨٢- جاء في المادة (٤١) مما نصه: يجري فصل الحوادث للإصابات التي وقعت سابقا على العامل على اختلاف درجاتهم، لدى شركات الاستثمار في المملكة، التي لم تفصل إلى تأريخ تصديق هذا النظام ونشره، بمقتضى مواد هذا النظام؛ كما يسري مفعوله على كل ما يقع بعد ذلك من حوادث وإصابات في المشاريع الاستثمارية الحالية والمقبلة، ا?. ويلاحظ عليها: أنه لا يجوز لأحد أن يتحاكم إلى غير ما أنزل الله، سواء هذا النظام أو غيره من النظم المستمدة من غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لأن هذه القوانين الوضعية من جملة الحكم الطاغوتي، الذي نهى الله ورسوله عن التحاكم إليه؛ وإنما الواجب التحاكم إلى ما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] ، لا سيما وقد لوحظ على

стр. 7644

هذا النظام مباينته للشريعة، ومصادمته لها؛ فكيف يسوغ لأحد أن يدعو الناس إلى التحاكم إليه، ونبذ الأحكام الشرعية، وهو يدعي الإسلام؟ وقد سبق بيان بطلان هذه المواد التي تشير إليها هذه المادة، وأنها لم تبن على أساس من الشرع، ولا أساس من العقل الصحيح. واعتماد هذا النظام في دماء المسلمين، وأموالهم، هو من الفساد في الأرض. كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢-١١] . ٨٣- جاء في المادة (٤٣) ما نصه: كل شرط يخالف أحكام هذا النظام يعتبر باطلا ولا يعمل به، ولو كان سابقا على صدور هذا النظام. ا?. حسبنا الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، يا للمصيبة!! ويا للإسلام! أتنسب العداوة هكذا علنا للقرآن، والسنة، ويضرب بأحكامها عرض الحائط بكل جراءة ووقاحة؟ !! إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء أليس هذا مشاقة لله ورسوله؟ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ

стр. 7645

وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال آية: ١٣] . أليس هذا تضليلا للأمة الإسلامية، وحملا لها على التحاكم إلى الطاغوت؟ ألم يخشوا الوقوع في معنى قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٥] . ويلاحظ: على هذه المادة الشنيعة ملاحظات، منها: ٨٤- أنها جعلت أحكام هذا النظام فوق كل نظام، حتى الأحكام الشرعية، كما هو صريح المادة؛ فنعوذ بالله من مخالفة شرعه ودينة ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] . ٨٥- قوله: كل شرط يخالف أحكام هذا النظام، يعتبر باطلا، هذا رد صريح لقوله ﷺ "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" ١. وهذا النظام يرد على الحديث ردا قبيحا صريحا، لا يحتمل التأويل، فيقول: كل ما يخالف هذا النظام، فهو باطل، ولو كان شرطا صحيحاً جرى على وفق قول الرسول ﷺ :"المسلمون على شروطهم" ٢ كما لو اشترط أحد المتعاقدين على الآخر نفعا معلوما، لم يذكر في هذا

стр. 7646

النظام، يكون باطلا، ما أجرأهم على الشريعة، وعلى القول على الله بلا علم! ٨٦- إن هذه المادة أكدت بطلان ما سوى هذا النظام بستة تأكيدات. أولا: قوله: كل شرط، ومن المعلوم أن لفظ: "كل" يدل على العموم والشمول. ثانيا: أنه أكد بالإشارة إليه، بقوله: هذا النظام، خوفا من توهم غيره. ثالثا: توكيده بلفظة: باطل، لأن التعبير بالبطلان من أعلى الألفاظ التي تدل على فساد العقود. رابعا: توكيده بقوله: لا يعمل به، لأنها تأكيد لقوله: يعتبر باطلا، فإن هذه الجملة كافية في عدم اعتبار غيره. خامسا: توكيده بقوله: ولو كان سابقا عليه. سادسا: تأكيده بالإتيان بالظاهر محل الضمير؛ لأن قوله: على صدور هذا النظام يقوم مقامه لو قيل فيه: على صدوره، وهو أليق بالقواعد العربية في مثل هذا، إلا إذا قصد به التأكيد، فأتى به هنا لهذا الغرض. فلأي شيء يحتاط لهذا النظام كل هذا الاحتياط، مع مصادمته بالشريعة، فلو كانت هذه الاحتياطات في الأمر بالتمسك بالأحكام الشرعية لكان هو الألزم والأوجب، كما هو المتعين فرضا.

стр. 7647

٨٧- إن هذه المادة تدل بجملتها، على أنها ناسخة للأحكام الشرعية ومبطلة لها; لأنها ألغت جميع ما تقدم على أحكام هذا النظام، ومن المعلوم: أن الشريعة الإسلامية قبله بقرون، فاعتبر أنه ناسخ لها. فيا عجبا! يصبح هذا النظام المحتقر، المستمد من زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، يحكم نفسه على الشريعة المطهرة الغراء، المنزلة من حكيم حميد، حكيم في أحكامه، عليم بما يصلح عباده، سار عليها المسلمون أربعة عشر قرنا في غاية من الطمأنينة، وحفظ الحقوق. وكلما كمل تطبيقها كمل الأمن والراحة للبشر، وبحسب ما يهمل منها يحصل القلق والخلل؛ أضف إلى هذا كله: كونها أوضحت جميع ما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣٨] ، وقال تعالى في ذم من ابتغى التحاكم إلى غيرها: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٠] . وكل ما خالف القرآن والسنة، فهو حكم جاهلي، بعيد عن العدل والإنصاف، مبني على الجور والميل عن طريق الصواب، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ

стр. 7648

يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [سورة النساء آية: ٦٠] . وكل ما خالف القرآن والسنة فهو حكم طاغوتي. ٨٨- جاء في المادة (٤٤) ما نصه: يكون للموظفين الذين تنتدبهم وزارة المالية حق التفتيش، على محال العمال المختلفة، والتحقق من اتباع هذا النظام، وتنفيذه، وإثبات ما يقع من مخالفات لأحكامه ... إلخ. وحيث أنه قد علم أن هذا النظام لم يبن على أساس من الشرع، فلا يجوز العمل به ولا تنفيذه، فضلا عن المطالبة باتباعه وتنفيذ مواده؛ فالواجب أن يتبع في جميع ذلك أحكام القرآن والسنة، ويطرح ما سواهما من النظم والقوانين المخالفة لهما، كهذا النظام. ٨٩- جاء في المادة (٤٦) ما نصه: يستحق العامل استراحة أسبوعية قدرها يوم واحد، بأجرة كاملة بعد اشتغاله ستة أيام ... إلخ. ويلاحظ على هذه المادة: أن إلزام الأجر بدفع أجرة يوم واحد للعامل بدون عمل، أن ذلك غير سائغ في الشرع، ولا يجوز للعامل مطالبة المؤجر بذلك، وهذا يعتبر في الحقيقة من أكل المال بالباطل، والله يقول: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٨] . ٩٠- جاء في المادة (٤٧) إن للعامل أن يتمتع بإجازة

стр. 7649

اعتبارية، بأجرته الكاملة عن كل سنة عشرة أيام، على أن يتعين مواعيدها، بموافقة صاحب المشروع ... الخ. ويلاحظ عليها: أن هذه الإجازة ليست لازمة على المؤجر، إلا بشرط بينهما عند العقد، مع بيان عدد أيامها، وتعيينها من الشهر؛ وأما بدون ذلك فهو غير لازم. أما الإجازة المرضية، فقد تقدم الكلام على حكمها في الملاحظة رقم (٣٩) على المادة (١٨) وبينا عدم لزومهما للآجر. ٩١- جاء في المادة (٥٧) ما نصه: الإصابات التي تعتبر إقعادا جزيئا دائما، أو إقعادا مؤقتا، أو إقعادا كليا، أو تشويه منظر في الجسم أو إخلالا في الحواس، أو ارتجاجا فيها، تجري التعويضات عنها بمقتضى الجدول المربوط ا?. وقد سبق أن أوضحنا الملاحظات على ذلك الجدول، وبيان بطلانه، وأنه في معزل بعيد عن الصواب مخالف للكتاب والسنة، ومخالف للعقل السليم، كما قال الإمام ابن القيم ﵀: ما صادق الحكم المحل ولا هو اسـ ... توفى الشروط فصار ذا بطلان ٩٢- جاء في المادة الأولى من المواد الملحقة بجدول التعويضات ما نصه: الشلل العام الدائمي، والإصابة في

стр. 7650

المخ التي ينتج عنها عته أو جنون، لا تمكن معالجتها، يعتبران في التعويض كالإقعاد الكلي; ويلاحظ عليها ما يلي: ٩٣- التسوية بين الشلل والعته والجنون مع الفارق الكبير بين هذه الثلاثة، وهذا خطأ؛ فإن الشرع جعل في ذهاب العقل كله الدية كاملة، وفي ذهاب بعض العقل بالنسبة إلى ما ذهب منه بقدره. وأما الشلل: فإن كان العضو المشلول قد تعطل نفعه كليا، ففيه ما في ذلك العضو لو قطع، لأن بقاءه بدون فائدة كذهابه من حيث النفع. وأما إن لم يتعطل ذلك العضو، ولكن نقص نفعه، ففيه حكومة، وكذلك في العقل، إذا لم يمكن معرفة مقدار ما ذهب منه. والحكومة حيث جاءت في هذا الباب، فالمراد منها: أن المجني عليه يقوم عبدا؛ فيقوم سليما من تلك الجناية؛ ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من قيمته سليما فله مثل نسبته من ديته الشرعية. ٩٤- يلاحظ عليها ما لوحظ على المادة (٢٥) منه، وهو أن التفريق بين المصابين إذا كانوا رجالا مسلمين أحرارا، فهو تفريق باطل، ما أنزل الله به من سلطان؛ فالواجب المساواة في الدية الشرعية حسب ما نصت عليه النصوص الشرعية وأجمعت عليه الأمة ٩٥- لم يوافق الجدول المشار إليه الشرع، بتقدير

стр. 7651

الدية في أحد، من المشلول، والمعتوه، والمجنون؛ بل إما زادت أو نقصت. والحق أنه لا يوضع تقدير للدية، ولا لسائر الأعضاء والمنافع، إلا من أحكام الشريعة الإسلامية، التي أوضحت ذلك أتم إيضاح، على وجه العدل والإنصاف. فإن من له ذوق في الشريعة الكاملة في مصادرها ومواردها، وله أدنى اطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها، علم يقينا أن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة، وعلم أيضا بطلان هذا النظام الحقير، من أوله إلى آخره. ٩٦- جاء في المادة ثلاثة من الملحق بجدول الإصابات: إذا كان المصاب أعسر، تعتبر تعويضات الإصابات التي تلحق بيده اليسرى كيمنى غيره، وبالعكس، ا?. وبناء على ما علم من الشريعة الإسلامية أنه لا فرق بين دية اليمنى واليسرى، من الأعسر وغيره، فيعتبر هذا التفريق مخالفاً لها؛ ولا يجوز العمل بموجبه. وقد سبق بيان بطلان ذلك، في الملاحظة رقم (٥٧) ، على جدول الإصابات. ٩٧- جاء في المادة (٤) من الملحق، ما نصه: فقدان بعض السلامى يعتبر كفقدان السلامى كلها، وفقدان

стр. 7652

السلامى الثلاثة من أصبع من أصابع اليد عند انفرادها، يعوض بالفرق الواقع بين السلامتين والأصبع كاملا، ا?. ويلاحظ عليه ما يلي: ٩٨- أنها مخالفة لما قرره علماء الشريعة، وكون فقدان بعض السلامى كفقدانها كلها خطأ، بل الواجب في بعض السلامى يكون بقدر نسبة ذلك البعض، من دية تلك السلامى كاملة. ٩٩- أنه لا فرق بين دية السلامى الثلاثة، فإن الواجب في كل واحدة منها ثلث عشر الدية، ما عدا الإبهام، ففيها نصف عشر الدية، لكونها لا تحتوي على أكثر من سلامتين. وقد مر في الملاحظة رقم (٥٢) بيان خطأ ما قرر نحو الأصابع وغيرها مما هو مخالف للشريعة. ١٠٠- نصت المادة الخامسة من الملحق: أن الإصابة التي لم يرد ذكرها في جدول التعويضات من تشويه، أو اختلال، أو تغير في الوضع الطبيعي لأي عضو، أو لأي جزء من الجسم أو الحواس، إذا كانت تتصل بعضو من الأعضاء التي ذكرت في الجدول، يقدر تعويضها منسوبا إلى تعويض كامل ذلك العضو، بنسبة مئوية. وإذا كانت لا تتصل بأي عضو منها، يقدر تعويضها من قبل لجنة ... إلخ، ويلاحظ على هذه المادة ما يلي: ١٠١- أن المنصوص عليه في الجدول المشار إليه،

стр. 7653

لم يسلك فيه مسلك العدل، الذي جاءت به الشريعة الكاملة، بل هو مشاقة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين، فالواجب على المسلمين نبذه، وعدم الالتفات إليه. ١٠٢- أن النسبة المئوية غير معتبرة في كل ما ذكر، بل فيه تفصيل: فمنها ما هو مقدر استحقاقه شرعا، ومنها ما هو مقدر فيه النسبة المئوية، وهى الجناية إذا كانت بالحواس، أو المنافع إذا لم تذهب كلها بل ذهب جزء معلوم المقدار، ومنها ما فيه حكومة، وقد سبق بيانها. ١٠٣- إن الذي يحتاج إلى لجنة، هو الذي يكون فيه وجه حكومة، لأجل التقدير السابق بيانه؛ لكن لا يشترط في أعضاء اللجنة ما ذكر في هذه المادة، بل تبعثهم المحكمة الشرعية للتأكد من معرفتهم بالشيء المطلوب؛ ثم المحكمة بدورها تحكم بذلك، وتلزم به. وليس لأحد حق الاعتراض، إذا توفرت شروط الحكم، وانتفت موانعه، وكان جاريا على الأصول الفقهية المستمدة من الشريعة الإسلامية. ١٠٤- جاء في ملحق نظام العمل والعمال، ما نصه: صدر الأمر السامي الكريم، رقم ٧٢١٨ وتأريخ ١/١١/٦٧? باعتماد قرار مجلس الشورى الآتي رقم ٢١٢ وتأريخ ٢٩/٨/٦٧? كتشريع قانوني، يلحق بنظام العمل والعمال.

стр. 7654

وقد جاء فيه: أن يقصد بجملة "أثناء العمل" الواردة في نظام العمل والعمال، من الناحية القضائية، استحقاق الموظف العامل لعمل من الأعمال المنوطة به، لكافة الحقوق الممنوحة بموجب نظام العمل والعمال، مقابل الواجبات المطلوب منه أداؤها، سواء كان ذلك في مقر عمله الرسمي، أو في طريقه إلى عمله الرسمي. وكل إصابة يتعرض لها موظف خلال ذلك، وضمن نطاق الأراضي والتشكيلات التي تتمتع الشركة بامتيازها، يعوض عنه بمقتضى نظام التعويض. إلخ، ويلاحظ على هذا الملحق ملاحظات: ١٠٥- منها: أن هذا النظام لما كان غير متمشيا فيه مع الشرع، بل هو ضد للشريعة، كان مفتقرا في كل حين وآخر إلى زيادة، وتصحيح، وملاحظات، وتصويب أخطاء، وإيضاح مجهول، وتعديل متناقض، وإكمال ناقص؛ فهذا مما يبين ضعفه وفساده، وأنه دائما ناقص متناقض؛ مما يؤدي إلى اشمئزاز نفس كل من رآه أو سمعه. ١٠٦- أن ما ذكر في هذا الملحق مخالف للشريعة؛ وتلك الالتزامات المذكورة غير لازمة للمؤجر، لأنها مبنية على الجهالة والغرر، وعلى الظلم والجور، مع أنه لم يحصل عليها الاتفاق من جانب المؤجر والمستأجر، فصار فيها جملة محاذير: مخالفتها للشريعة، والجهل، والغرر،

стр. 7655

وعدم الاتفاق عليها وقت العقد، وقد سبق الكلام على مثل ذلك. ١٠٧- أنه صدر الأمر باعتماد هذا الملحق، كتشريع قانوني، سبحان الله! ياللأسف! يا للمصيبة! هل هناك مشرع غير الله؟ ! أيجترئ مجترئ فيحاد الله في أمره وشرعه، ويقر على هذا الفعل؟ ! أنحن في حاجة إلى تشريع أحد؟ والله تعالى يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] الآية. أنحن في حاجة إلى تشريع لأحد، وكتاب الله بين أيدينا، وسنة رسوله ﷺ بين أظهرنا؟ ! هل الشريعة قاصرة على حل مشاكلنا؟ ! كلا والله ثم كلا، إنها والله الكاملة الوافية، التي لم تدع شيئا مما يحتاج إليه البشر في ماضي الزمان وحاضره ومستقبله، إلا أتت به على الوجه الأكمل وأوضحه وأعدله. أليس قد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا نعمه، ورضي لنا الإسلام دينا، كما قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ؟ أيكفي أن نتسمى بالاسلام بدون أن نطبق أحكامه علينا؟ ! لا والله لا يكفي حتى نتمسك به عقيدة وعملا واتباعا لأحكامه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] هل هناك مشكلة من مشاكل الحياة، لم تحلها الشريعة

стр. 7656

وتوضحها غاية الإيضاح؟ ألم نصدق بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾ [سورة النحل آية: ٨٩] ؟ ألم يؤكد لنا ﷺ هذا بقوله: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها؛ لا يزيغ عنها إلا هالك" ١. ويا عجبا! أترمى شريعتنا بالتقصير في حل مشاكلنا، ونمد يد الفقر والحاجة إلى أعدائنا، ليعلمونا حل مشاكلنا؟! أيشهد أعداؤنا بكمال الشريعة ونضوجها، وصلاحها لكل زمان ومكان، ونكذبهم بأفعالنا؟! أليس من الواجب علينا أن ننشر محاسنها لمن لا يعلمها، ونبلغها إليهم بكل ممكن؟ ما بالنا عكسنا هذه القضية، وأصبحنا نبث مساويا لها لا تعرفها الشريعة التي هي في غاية البعد عنها، ونقف دون تعلم الناس لها، بتقليدنا لهم، واتباعنا سواها؟ !. أيعدل عن الشريعة الكاملة العدل، إلى نظم في غاية من التناقض والظلم والجور، يشهد بعضها على بعض بعدم ملاءمتها، ووضوح تناقضها؟ ! وليس بأدل على ذلك من كونها في كل زمن يطرأ عليها التعديل والتبديل، والملحقات، كما في هذا الملحق. وكل حاكم يتجدد يجدد نظما وقوانين لم تكن لمن قبله; صدق الله العظيم ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا﴾ [سورة النساء آية: ٨٢] .

стр. 7657

لو سبرت أحوال العالم لوجدت أقر الناس عيشا، وأنعمهم بالا، وأوفرهم طمأنينة، وأعظمهم استقرارا، وأكملهم راحة، من تمسك بها؛ وبحسب تمسك هذه الدولة بالدين يحصل لها ولشعبها الأمن والطمأنينة والاستقرار والراحة. ولذا نرى سائر البلاد تكثر فيها السرقة، والقتل، وهتك الأعراض، وضيق العيش على الأكثر منهم؛ ونرى- ولله الحمد- في هذه البلاد السعودية، لم يحصل فيها ما حصل في غيرها، وما ذاك إلا بسبب ما تمسكوا به، من هذه الشريعة. وإنا نخشى أن يتسرب إليها ما تسرب إلى غيرها، من هذه النظم المخالفة لما شرعه الله في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله ﷺ . وإنا نبتهل إلى الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يوفق حكومتنا الرشيدة إلى ما فيه صلاحها، وصلاح دينها، وأمرها، ومجتمعها، وشعبها عموما، وأن يجعلنا وإياهم من المتمسكين بدينه عند فساد الزمان، وتغير الأحوال، لتنال بذلك الأجر الوافر، وتتصف بوصف عباده الذين وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤١] ، وأن يهدينا الصراط المستقيم، صراط ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ

стр. 7658

عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٩] . إلى آخر ما دعا به وأمل من الحكومة الرشيدة بأن تكون حصنا منيعا لحفظ هذه الشريعة الحكيمة، وأن تذود عنها بالسيف والسنان، وكل ما أوتيته من حول وقوة، وغير ذلك مما سأل ربه أن يحققه، وأثنى به عليه، وصلى على خاتم النبيين، كعادته ﵀ في ختام رسائله، مع ذكر اسمه وتاريخ التحرير. فجزاه الله أحسن الجزاء، ونفع بعلمه النافع، وعمله الصالح. فالقضيه إذا وقعت وبينت بيانا شافيا، تنفع في نظائرها وأشباهها؛ ولعل هذا من أهم أسباب وضعها هنا، لمسيس الحاجة إليها، وكشف حقائق أشباهها، وما تبقى منها، مما هو قائم وموجود الآن، ولكي يعرف موقف العلماء والمسؤولين إزاءها وقت وقوعها، وكيف يعالجونها، ولما يحصل من براءة ودفاع عنهم وعن غيرهم، وغير ذلك مما يتعطش إليه المسترشد، ويطمئن به البصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر القسم الثاني من البيان الواضح وأنبل النصائح; ويليه: تراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة.

стр. 7659

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب تراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة ترجمة إمام الدعوة قدس الله روحه هو الإمام العالم العامل، الحبر العلم، إمام الأئمة، مفتي الأمة، محي السنة، قامع البدعة، المجتهد الحافظ، الثقة النبيل، الأصولي المحدث الجليل، مجدد الدعوة الإسلامية، والملة الحنيفية، العالم الرباني والصديق الثاني، بدر العلوم، وحيد الزمان، شرف الإسلام وفريده، علما وعملا، ومعرفة وشجاعة، وذكاء، وتنويرا إلهيا، وكرما ونصحا للأمة. أشرقت شمس فضائله في الأقطار، وعلت مكارمه على كل منار، أجمع أئمة الدين في زمانه، وبعد زمانه، على تقدمه في شأنه، ونبله وعلو مقامه، ومكانه، خاتمة المجتهدين، وبقية أكابر السلف الماضين. أصدق الناس وأصحهم علما وعزما، وأنفذهم وأعلاهم، في الانتصار للحق والقيام به، وأكملهم اتباعا لسنة النبي ﷺ ، سيف الله على المبتدعين والمرتدين، وكاشف عورات المشبهين المضلين، مشيد أعلام الملة والدين،

стр. 7660

أبو علي، شيخ الإسلام، قدوة الأنام الشيخ: محمد بن عبد الوهاب بن الشيخ العالم مفتي نجد سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. ولد رحمه الله تعالى، سنة ١١١٥ من الهجرة، في بلد العيينة من أرض نجد، ونشأ بها، وقرأ القرآن بها قبل بلوغه العشر. وكان حاد الفهم، سريع الإدراك، يتعجب أهله من فطنته وذكائه. ثم اشتغل بالعلم وجد في الطلب، وكان سريع الكتابة ربما كتب الكراسة في المجلس. وبعد بلوغه سن الاحتلام، قدمه والده إماما في الصلاة. ثم حج فقضى فريضة الإسلام، ثم قصد المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام بها شهرين؛ ثم رجع إلى وطنه واشتغل بالقراءة على مذهب الإمام أحمد ﵀. ثم رحل لطلب العلم، وزاحم العلماء الكبار. ورحل إلى البصرة والحجاز مرارا، واجتمع بمن فيها من العلماء والمشائخ الأحبار. وأتى الأحساء وهي إذ ذاك آهلة

стр. 7661

بالمشائخ والعلماء، فسمع وناظر، وبحث واستفاد، وساعدته الأقدار الربانية بالتوفيق والإمداد. أخذ العلم عن عدة مشائخ أجلاء، وعلماء فضلاء؛ ففي نجد عن أبيه وغيره، وفي المدينة عن الشيخ العالم محمد حياة السندي المدني، وعن الشيخ إسماعيل العجلوني، وغيرهما. وأخذ عن الشيخ علي أفندي الداغستاني وغيره؛ وأجازه محدثو العصر بكتب الحديث وغيرها. وأخذ أيضا العلم، وروى عن جماعة، منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني، وأجازه من طريقين، وأول ما سمع منه الحديث المسلسل بالأولية. كتب السماع بالسند المتصل، إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ١. وسمع منه مسلسل الحنابلة بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله. قالوا: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته" ٢ وهذا الحديث من ثلاثيات أحمد رحمه الله تعالى. ٣

стр. 7662

وقد سمع رحمه الله تعالى الحديث والفقه، من جماعة بالبصرة كثيرين، وطالت إقامته بها. وقرأ بها كثيرا من كتب الحديث والفقه والعربية، وكتب من الحديث والفقه واللغة ما شاء الله في تلك الأوقات. بلغ في العلوم العقلية والنقلية مبلغا صار بذلك أعجوبة العالم. وكان يدعو إلى التوحيد ويظهره لكثير ممن يخالطه ويجالسه، ويستدل عليه بالكتاب والسنة، ويقول: الدعوة كلها لله، لا يجوز صرف شيء منها لسواه. وربما ذكروا بمجلسه إشارات الطواغيت، أو شيئا من كرامات الصالحين الذين كانوا يدعونهم، ويستغيثون بهم، ويلجؤون إليهم في الملمات فينهى عن ذلك ويزجر، ويورد الأدلة ويحذر، ويخبر أن محبة الأولياء والصالحين إنما هي متابعتهم فيما كانوا عليه من الهدى والدين القويم. ثم خرج منها إلى نجد قاصدا الحج، فحج؛ وقد تبين له بما فتح الله عليه، ضلال من ضل في كل قطر وناحية، فلما قضى الحج وقف بالملتزم، وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس. فخرج قاصدا المدينة، وحضر عند العلماء إذ ذاك، منهم حياة السندي وغيره، وكتب الهدي والبخاري، وحضر

стр. 7663

في فنون العلم. ثم ارتحل يريد الشام، فحصل له عائق لما اقتضته الحكمة الربانية، من ظهور هذا الدين في البلاد النجدية. فقصد نجدا ووجد والده قد ارتحل إلى بلدة حريملاء، فاستقر معه فيها، يدعو إلى السنة المحمديه؛ حتى رفع الله شأنه، ورفع ذكره، ووضع له القبول، وشهد له بالفضل ذووه، من أهل المعقول والمنقول. ثم ارتحل منها إلى بلد العيينة، وساعده أميرها عثمان بن معمر. وأمر الشيخ بهدم القباب والمساجد المبنية في الجبيلة على قبور الصحابة، ﵃، وقطع الأشجار التي تنتابها الخلق في كل ساعة. فبادر عثمان وخرج الشيخ معه وجماعتهم، فهدموا تلك المساجد المبنية عليها، وأزالوا تلك المشاهد المصروفة العبادة إليها، ومحق ما في العارض من المعبودات، الأشجار وغيرها، فلم يبق وثن في تلك البلدان؛ فشاع ذلك واستبان. فاستنكرته قلوب أهل الطغيان، وعجوا مطبقين بأنه ساحر كذاب، وحكموا بكفره ومن معه من الأصحاب، وجدوا في التحريش عليه، وأرسلوا بذلك إلى الحرمين الشريفين، والبصرة وغيرها. ولم يزل ﵀ مقيما في بلد العيينه، يأمر

стр. 7664

بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلم الناس دينهم، ويقيم الحدود؛ حتى أمر برجم زانية فرجمت، فكثر القيل والقال من أهل البدع والضلال. فشكوا إلى شيخهم رئيس بني خالد، فكتب إلى عثمان يأمره بقتله أو إجلائه؛ فأمر بإجلائه ولم يكن له إلى قتله من سبيل، وذلك لما اقتضته الحكمة الإلهية، والعناية الصمدانية، من إحياء دارس السنة المحمدية، والآثار السلفية. فخرج الشيخ وهاجر إلى بلد الدرعية، فنَزل إلى عبد الله بن سويلم، ثم انتقل إلى تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم. فلما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود، أسكنه الله دار الخلود، قام مسرعا إليه، فأتاه فسلم عليه، وبادره بالقبول والتقبيل، وأبدى له غاية الإكرام والتبجيل. وأخبره أنه يمنعه مما يمنع منه أولاده، من جميع من عاداه وكاده، إلا أنه طلب من الشيخ العهد والميثاق، أن لا يرحل عن بلده إلى سائر الآفاق، وهذا من عناية الله بهذا الرجل وتوفيقه، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحديد آية: ٢١] . فأعطاه الشيخ عقد المرام، وأقام عنده في تلك البلاد، يدعو الناس إلى ما خلقوا له، في وقت طرق الإسلام قد عفت آثارها، وخبت أنوارها، ووهت أركانها،

стр. 7665

وجهل مكانها؛ فشيد من معالمها ما عفا من كلمة التوحيد، وأوضح سبيل الهداية لمن أراد أن يسلكها، وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها. وقام منعه على ذلك إخوانه، ووزراؤه، وأعوانه، وأنصاره، من أهل الدرعية؛ فجردوا للدعوة أمضى سنان، وأرخوا في ذلك العنان؛ فصار الشيخ يدعو إلى التوحيد، ويقمع كل شيطان مريد، ويناظر أهل الشرك والعناد، وينكر على أهل البغي والفساد، نصره الله بالحجة واللسان، والسيف والسنان. أمر بالجهاد هو والإمام محمد بن سعود، وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد، وعدوا للجهاد ما استطاعوا من الإعتاد. وكان الشيخ هو الذي يجهز الجيوش، ويبعث السرايا على يد الإمام، ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه، والوفود إليهما، والضيوف عنده، وصدور الأوامر من عنده; حتى أذعن أهل نجد، وتتابعوا على العمل بالحق، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فعمرت نجد بعد خرابها، وصلحت بعد فسادها، واجتمعت بعد افتراقها، وحقنت الدماء، ونال الفضل والفخر والملك من نصره وآواه، وملك الحرمين الشريفين واليمن وعمان، وما دونه وما وراءه.

стр. 7666

وفيه مشابهة لنبينا ﷺ فيما ناله من الرؤساء والأحبار، في ابتداء دعوته؛ فإنه ﵀ لما أظهر الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، استصرخوا بأهل الحرمين، والنجرانيين، وبني خالد وغيرهم عليه، وألبت تلك الطوائف. فثبته الله ومن آواه ونصره، على قلة منهم وضعف، وصبروا على مخالفة الناس، وتحملوا عداوة كل من عادى هذا الدين. بل أشبه أمر الشيخ ما جرى لخاتم النبيين، حتى في مهاجره وأنصاره، وكثرة من عاداه وناوأه في حال الابتداء، كما هو حال الحق في المبادئ، يرده الكثيرون وينكرونه، ويقبله القليل وينصرونه، ثم تكون الغلبه له. فرحمه الله من إمام همام، وحبر شهم ضرغام، عمم الله ببركة علمه الأنام. قام بهذا الدين الحنيف، ولم يكن في البلاد إلا اسمه، وانتشر في الآفاق؛ وكل امرئ نال منه حظه وقسمه، وانتفع بعلمه. حتى أهل الآفاق يرسل إليهم ويدعوهم، ويسألون عما يأمر به وينهى عنه؛ فيقال لهم يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك. فانتهى أناس كثير من أهل الآفاق، وهدم المسلمون ببركة علمه جميع القباب والمشاهد، التي بنيت على القبور وغيرها، في أقاصي الجزيرة، من الحرمين، واليمن وتهامة، وعمان وغير ذلك.

стр. 7667

وبالجملة: فمحاسنه وفضائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر. ومن طالع مصنفاته، واستقرأ سيرته ومؤلفاته، عرف أنه من أغزر الناس علما، وأحدهم فهما، وأنفذهم عزما وأشجعهم؛ بل هو من أكابر السلف. وهذه كتبه وفتاواه ورسائل دعوته تشهد بذلك؛ وهو المرجع في وقته في سائر العلوم والفتاوى. وما كان يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، أن رجلا فذا يدرك هذا المركز بعينه؛ حتى صار هو بين العالم فذا، فحق له أن يتمثل: أيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه فلقد كان ﵀ من الفضل آية وحده، وفردا حتى نزل لحده، بل أمة قدوة، أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من البدع كل حديث وقديم. هو البحر من أي النواحي جئته، والبدر من أي الضواحي رأيته. ولعمري هو شيخ الإسلام، قدوة الأنام، حسنة الأيام، افتخرت به نجد على سائر الأمصار؛ بل زها به عصره على سائر متقدمي الأزمان والأعصار، لما جمع الله له من المناقب والفضائل، التي أوجبت للأواخر الافتخار على الأوائل. قام مقام نبي، ودعا وملأ اسمه الدنيا شرقا وغربا

стр. 7668

شمالا وجنوبا. وجمع بين خلتي العلم والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والخلق، مع سلامة الصدر واللطف والرفق، وحسن النية وطيب الطوية، لم ير في عصره من يستجلي النبوة المحمدية، وسننها وأقوالها وأفعالها إلا هو. اجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه، والقلوب على محبته والميل إليه. شهرته تغني عن الإطناب في ذكره، شمس فضائله شارقة في الأقطار، ومحاسنه علت على كل علم ومنار. أمده الله بكثرة الكتب، وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك، وعدم النسيان. سمع الحديث وأكثر في طلبه، وكتب، ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصل غيره. برع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ مثله، مع سرعة استحضاره له وقت إقامة الدليل. وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده. تمسك بأصول الكتاب، والسنة، وتأيد بإجماع سلف الأمة. وكان من بيت علم في

стр. 7669

آبائه وأجداده، واتصل في بنيه وبنيهم، ولا يزال إلى آخر الزمان إن شاء الله تعالى. نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية بأوضح حجج وأبين براهين. احتج بمقدمات وأمور وبراهين لم يسبق إليها، فظهرت السنة بعد أن سفت عليها السوافي. أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبت أعداءه. هدى به أمما من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له؛ فظهرت هذه الدعوة، وبلغت مشارق الأرض ومغاربها، وانتشرت؛ فلم يبق أهل وبر ومدر إلا عرفوها وأقروا بها. ودخل أكثرهم فيها، وعرفوا صحتها، وأنها ما كان عليه سيد المرسلين ﷺ . وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فقد انتشرت فضائله واشتهرت، وشاعت دعوته لله وظهرت. وذكر الشيخ: حسين بن غنام وغيره، عن أكابر أهل عصرهم، أنهم شهدوا له بالعلم والدين، وأنه من جملة المجددين لما جاء به رسول رب العالمين؛ وكذلك أهل مصر والشام والعراق والحرمين، والهند وغيرهم، تواتر عن فضلائهم وأذكيائهم مدحه والثناء عليه، والشهادة له أنه جدد هذا الدين، كما قال محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء:

стр. 7670

وقام مقامات الهدى بالدلائل ... مقام نبي في إماتة باطل لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... فما هو إلا قائم في زمانه وأثنى عليه في مرثية له، وتأتي. وقال الأمير الشهير محمد بن إسماعيل الصنعاني: وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي ... رباها وحياها بقهقهة الرعد ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجدا على وجد به يهتدي من ضل عن منهج الرشد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي سلام على نجد ومن حل في نجد ... لقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا سرت من أسير ينشد الريح أن سرت ... يذكرني مسراك نجدا وأهله قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... محمد الهادي لسنة أحمد ***** بلا صدر في الحق منهم ولا ورد ... ولا كل قول واجب الرد والطرد فذلك قول جل قدرا عن الرد ... تدور على قدر الأدلة في النقد يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي ... ومبتدع منه فوافق ما عندي مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد ... لقد أنكرت كل الطوائف قوله وما كل قول بالقبول مقابل ... سوى ما أتى عن ربنا ورسوله وأما أقاويل الرجال فإنها ... وقد جاءت الأخبار عنه بأنه وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ويعمر أركان الشريعة هادما إلى أن قال: وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي ... لقد سرني ما جاءني من طريقه
следующие страницы →