طريقته، وسارت الركبان بنشر فضيلته؛ كان في العبادة والزهادة فردا، محافظا على أوراده متأهبا لمعاده.
قاضيه في الدرعية شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، وهو المدرس والمفتي; وأميره على عرقة إبراهيم الهلالي، وعلى منفوحة إبراهيم بن سعيد، والوشم عبد الله بن حمد بن غيهب، وفي الخرج إبراهيم بن عفيصان، وفي ضرمى علي بن سلطان، وفي المحمل ساري بن يحيى.
توفي ﵀، وأسكنه النعيم، سنة ١١٧٩?، في بلد الدرعية، وضج الناس لفقده، وشيعوه إلى لحده، وعجوا بالدعاء له وحمده.
الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀
هو الخليفة الراشد، والملك الهمام القائد، سلالة الأماجد، الألمعي المهذب، الصارم المجرب، أسد الأسود، مورد الجود، مؤيد السنة، نجل الأكابر، بحر الندى، إمام الهدى: عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود.
ولد سنة ١١٣٣?، في بلد الدرعية، وأخذ العلم عن الشيخ محمد وغيره، وشب شجاعا شهما، فاتكا ماجدا، سائقا للجنود وقائدا. اجتمعت له المكارم والفضائل، وزانت به المجالس والمحافل، طلعت بشائر سعوده مشهودة، وفاق عشائره وجدوده.
стр. 7702
ولي الملك بعد أبيه فبايعه الناس، ورئيسهم في تلك البيعة شيخ الإسلام. وفتح الله على يديه البلدان والأقطار، وأرعب به ملوك الأمصار؛ وظهر صيته وشاع، وأثنى عليه القريب والبعيد، والتابع والمطاع.
قال الشيخ محمد بن أحمد الحفظي اليمني:
مجدد دين الله بالمرهف الحد ... فيا حبذا التشمير في ذلك القصد
بتلك ارتقى أعلى المراتب والمجد ... وأمواله قطعا يصدق بالوعد
صفوة التوحيد من كدر الضد ... ونزهه عن قول طاغ ومرتد
سلام على من حل نجدا موحدا ... ويدعو إلى التوحيد ذلك قصده
له همة في نصرة الدين والهدى ... وجاهد في ذات الإله بنفسه
إمام الهدى عبد العزيز الذي حما ... وأوضح منهاج الهدى وأبانه
وقال أيضا في أرجوزة له:
عبد العزيز من ومن ومن ... ودوخ البر وخاض للثبج
على طريق العدل والإحسان ... مجاهد بالأربع المراتب
والصدق للقلوب مغناطيس ... وقام فاروق الزمان المؤتمن
فسار في الناس كسيرة الأشج ... يسوس بالآثار والقرآن
يدعو إلى الله بحزب غالب ... ونفسه لله والنفيس
وقال الشيخ أحمد بن عبد القادر الحفظي، بعد ثنائه على الشيخ:
فقام وقاموا واستقاموا بحجة ... بحجة قرآن وضرب المواضيا
стр. 7703
هو القائم الفاروق بالعدل قاضيا ... وأجرى إلى برك الغماد العواديا
وفي شن غارات وتجهيز غازيا ... وكل نفيس والأسود الضواريا
وشيبته داع وراع وساعيا ... وجدد توحيدا وقد كان باليا
ورد إلى الدين الحنيفي غاويا ... ولا سيما عبد العزيز فإنه
حما بيضة الإسلام بالبيض والقنا ... وما زال في بعث الجيوش مجاهدا
بنفس وأولاد وأهل وإخوة ... وأنفق في ذات الإله شبابه
وبدد جيش الشرك في كل بلدة ... ودوخ بالتهليل شرقا ومغربا
وقال الشيخ حسن بن محمد بن حسن الحفظي: هو غرة الزمان، وبهجة المكان والأوان، وخدين المعالي والفضائل والإحسان، الداعي إلى توحيد الله الملك الديان، بالصوافن والهواجن، والكتائب والهندوان، وارث السطوات والعدوات، خالفا عن سالف بلا توان، الباذل لله همته وماله ورجاله والفرسان، أمير المؤمنين، وحامي شريعة سيد المرسلين، بالضرب والطعان، حتى بحمد الله ابلولج، وانهار غسق البهتان:
وتظاهرت من فيض فتح الباري ... بسماع تلك لطائف الأخبار
فتسابك المعطار بالعطار ... بشر الهواتف في قرى الأمصار
لله في الإعلان والإسرار ... طلعت بدور النور بالأنوار
وبشائر وافت فطاب سرورنا ... فاحت نفائح مسكها بعواطر
نطقت بنصر إمامنا وتبادرت ... أعنيك يا عبد العزيز المنتدب
стр. 7704
باب الإله بحكمة الغفار ... فلقد هزمت عساكر الكفار
فتراهم صرعى بلا مقدار ... الجهبذ النحرير والداعي إلى
هنيت بالظفر المبين على العدىبصوارم الأسياف تلمع بينهم
* * *
وضياعه في سائر الأقطار ... يا ابن الكرام وبضعة الأبرار
في دار أخرانا وهذي الدار ... في حوز دعوتكم بلا إنكار
واستأنست في السهل والأغوار ... ريع والتدريس والتذكار
بدع الجهالة بضيا الأنوار ... والوحش والأنعام والأطيار
فلقد نصرت الشرع بعد مماته ... أضحت بلاد المسلمين جميعهم
وبك الجهات استبشرت وتنورت ... وتدوخت بالأمن والإيمان والتشـ
وتحولت وتغيرت وتبدلت ... واهتزت الغبراء من فرح بكم
وقال الشيخ حسين بن غنام الأحسائي، ﵀:
كان الإمام عبد العزيز، ﵀، كثير الخوف من الله والذكر له، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، كثير الرأفة والرحمة بالرعية، شديدا على من جنى جناية أو قطع سبيلا، أو سرق شيئا، ثم قال:
وأبناء أسد بل بأسهم أسطى ... وزال ظلام الشرك من بعد مالطا
وأهل المعالي والفخار بهم ينطى ... لقد رفعت أعلامهم بأميرهم
بهم أسفرت شمس الدجى بعد دجنها ... ذوو العزم والتسديد والعلم والنهى
стр. 7705
ويسخون في نيل المزايا بها سفطا ... يذودون عن ورد الدنايا نفوسهم
وقال الشيخ أحمد بن مشرف الأحسائي، ﵀ بعد ثنائه على الشيخ:
على قلة منهم وعيش منكد ... ولم يثنه صولات باغ ومعتد
إلى حين ووري في الصفيح الملحد ... فما وهنوا للحرب أو للتهدد
وكم طارف حووه ومتلد ... وكم هدموا بنيان شرك مشيد
وإن تسأل السمار عن ذاك ترشد ... بها أيد الرحمن سنة أحمد
فوازره عبد العزيز ورهطه ... فما خاف في الرحمن لومة لائم
وقفى سعود أثره طول عمره ... وقد جاهدوا في الله أعداء دينه
وكم غارة شعواء شنوا على العدى ... وكم سنة أحيوا وكم بدعه نفوا
وقائعهم لا يحصر النظم عدها ... وكم لهم من وقعة شاع صيتها
* * *
ودانت لهم بدو، وسكان أبلد ... وما بين جعلان إلى جنب مزبد
قلوصك من مبدي سهيل إلى الجد ... ذوي الشرك والإفساد كل مطرد
وبالصلوات الخمس للمتعبد ... كما عمرت أيديهمو كل مسجد
وناد به في كل ناد ومشهد ... وأسكنهم روض النعيم المخلد
وكم فتحوا من قرية ومدينة ... وكم ملكوا ما بين ينبع بالقنا
ومن عدن حتى تنيخ بأيلة ... وقد طهروا تلك الديار وطردوا
بأمر بمعروف ونهي عن الردى ... وقد هدموا الأوثان في كل قرية
فكن ذاكرا فوق المنابر فخرهم ... تغمدهم رب العباد برحمة
стр. 7706
وقال عبد الجليل:
مطارف أمن شاملات المعالم ... أتاه به من غاب ضاري الضراغم
إلى الخط ١ لا يخشى مكائد غاشم ... وفي العهد تلقى خير واف ملازم
وباني المعالي بالقنا والصوارم ... طوارق شر فهو أمنع عاصم
وأيامه بالخير خير المواسم ... ويبغض ذا الفحشاء رب الجرائم
إمام كسا ظهر البسيطة عدله ... فلو ضاع حلس في الفلا من مسالم
فيرحل من أقصى تهامة راكب ... عزيز جوار لم ينل جاره الردى
حليف التقى والعلم والفضل والندى ... يغار على الإسلام عن أن يصيبه
لياليه بالبر العميم بواسم ... ويحب أخا التقى ويرفع قدره
* * * *
ففاز بكلتا الضرتين البواسم ... بإظهار دين الأبطحي ابن هاشم
لها لجب كالرعد إثر الغمائم ... بأسر وقتل واكتساب الغنائم
ومزق شمل الباطل المتراكم ... وما قد نالوا غير شر الهزائم
ودانوا به من بعد كفر مفاقم ... وطاطأ له رأس الكفور المراغم
لقد عمر الدنيا وآثر غيرها ... حريص على إعلاء أمر إلهنا
ورب جيوش كالسيول يقودها ... فألبس أهل الشرك أثواب ذلة
إلى أن أباد الله كل معاند ... ورد جموع المشركين بغيظهم
فآبوا لدين الله من بعدما أبوا ... وأعلن بالتوحيد كل موحد
стр. 7707
وشجاعته، وكرمه، وفتوحاته، وسائر محاسنه، أشهر من أن تذكر. وكان كثير الخوف من الله والذكر له، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم؛ ينفذ الحق ولو في أهل بيته وعشيرته، لا يتعاظم عظيما إذا ظلم، فيقمعه عن الظلم، وينفذ الحق فيه؛ ولا يتصاغر حقيرا ظلم، فيأخذ له الحق ولو كان بعيد الوطن.
وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، ويصلي فيه صلاة الضحى، كثير الرأفة والرحمة بالرعية، خصوصا أهل البلدان بإعطائهم الأموال من الفيء والزكاة، وبثها في فقرائهم، والدعاء لهم، والفحص عن أحوالهم، ويكثر لهم الدعاء في ورده. ويقول: اللهم أبق فيهم كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله"، حتى يستقيموا عليها، ولا يحيدوا عنها؛ فاستقاموا عليها ولله الحمد والمنة.
وكانت الأقطار والرعية في زمنه آمنة مطمئنة؛ فكان الشخص يسافر بالأموال العظيمة أي وقت يمنا وشاما، شرقا وغربا، في نجد والحجاز، واليمن، وتهامة. وعمان، وغير ذلك؛ لا يخشى أحدا إلا الله، لا سارقا ولا مكابرا.
وكان ﵀، مع رأفته بالرعية، شديدا على من جنى جناية، من الأعراب وغيرهم، أو قطع سبلا، أو
стр. 7708
سرق شيئا من مسافر أو غيره، أخذ ماله نكالا أو بعضه أو شيئا، وعزره على حسب جنايته، وأدبه أدبا بليغا. وكانت الحواج والقوافل وجميع أهل الأسفار، يأتون من البصرة وعمان، وبلاد العجم، وغير ذلك، إلى الدرعية، ويرجعون إلى أوطانهم، لا يخشون إلا الله.
وكان أكثر أهل الأقطار يمرون ببلد الدرعية، في مسيرهم إلى الحج. وكانت ضوال الإبل، من وجد منها شيئا أتى بها إلى بلد الدرعية؛ وجعل الإمام عليها رجلا يحفظها، ومن له شيء أتى وأخذه.
وهذا الأمن في هذه المملكة، شيء وضعه الله في قلوب العباد، من البادي والحاضر، مع الرعب العظيم في قلوب من عادى أهلها؛ ولم يكن يوجد هذا إلا في زمن عمر ﵁.
وكان ما يحمل في زمنه وزمن ابنه سعود، بل وفي زمن فيصل، وإمامنا عبد العزيز، من الفيء، والأخماس، والزكوات، وغير ذلك، من السلاح، والخيل العتاق، والإبل، غير ما يفرق على أهل النواحي والبلدان، وضعفائهم، وضعفاء البوادي، ما يخرج عن الحد، ولا يحصيه العد.
وكانوا يوصون عمالهم بتقوى الله، وأخذ الزكاة على الوجه المشروع، وإعطاء الضعفاء والمساكين، ويزجرونهم
стр. 7709
عن الظلم، وأخذ كرائم الأموال؛ وكانوا مع ذلك كثيري العطاء، والصدقات للرعية، والوفود والأمراء، والقضاة وأهل العلم والطلبة، ومعلمي القرآن والمؤذنين وأئمة المساجد.
وكان إذا مات الرجل من جميع نواحي نجد، يأتي أولاده إليهم، فيستخلفونه، فيعطيهم عطاء جزيلا، وربما كتبوا لهم راتبا في الديوان.
وكانوا كثيرا ما يفرقون على أهل النواحي والبلدان، كثيرا من الصدقات في كل وقت، كل سنة يعطى أهل كل بلد، وأهل كل ناحية الوفا; ويسألون عن الضعفاء والأيتام، في الدرعية والرياض وغيرها، ويأمرون بإعطائهم.
وكثيرا ما يكتبون لأهل النواحي، لتعلم القرآن وتعليمه، والعلم وتعليمه، ويجعلون لهم راتبا في الديوان؛ ومن كان منهم ضعيفا، يأمرونهم بالرحلة إلى الدرعية والرياض، ويقومون بجميع ما ينوبه؛ وهكذا كان يفعل أبوه الإمام محمد..
وبالجملة: فمحاسنهم، وفضائلهم، أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر; ولو بسطت القول في وقائعهم، وغزواتهم، وسعوداتهم، وما مدحوا به من الأشعار، ومن قصد أبوابهم، من الرؤساء والعظماء من
стр. 7710
أقصى الأقطار، وما حمل إليهم من الأموال، والسلاح، والخيل الجياد، لبلغ أسفارا.
وكان قضاته في الدرعية بعد الشيخ، ﵀، بنيه: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، والشيخ علي، والشيخ ابن غريب، وعلى ناحية الوشم: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين، وعلى ناحية سدير: الشيخ حمد بن راشد العريني، وعلى منيخ وما يليه: الشيخ محمد بن عثمان بن شبانة، وعلى ناحية القصيم: الشيخ عبد العزيز بن سويلم من أهل الدرعية، وعلى ناحية الخرج: الشيخ محمد بن سويلم، وعلى ناحية الجنوب: الشيخ سعيد بن حجي في الحوطة، وغيرهم.
وكان أميره على المحمل ساري بن يحيى بن سويلم، وعلى ناحية الوشم: عبد الله بن حمد بن غيهب، في شقراء، وعلى ناحية سدير: عبد الله بن جلاجل، وعلى ناحية القصيم: حجيلان بن حمد في بريدة.
وعلى جبل شمر: محمد بن فائز، في بلد حائل، وعلى ناحية الخرج: إبراهيم بن عفيصان، وعلى وادي الدواسر: ربيع بن زيد، وعلى الحجاز وما يليه من النواحي: عثمان المضايفي.
وعلى تهامة وما يليها من اليمن: عبد الوهاب أبو
стр. 7711
نقطة، وعلى الأحساء ونواحيه: سليمان بن محمد بن ماجد، وعلى القطيف ونواحيه: أحمد بن غانم، وعلى الزبارة والبحرين: سليمان بن خليفة، وعلى عمان صقر بن راشد; وتحت كل أمير عدة أمراء.
توفي ﵀ وأسكنه رفيع الدرجات سنه ١٢١٨?، في العشر الأخير من رجب، طعنه رافضي في أثناء صلاة العصر، من أهل مشهد الحسين؛ فاضطرب أهل المسجد، ثم حمل ﵀، إلى قصره وقد غاب ذهنه فلم يلبث أن توفي، وقتل الرافضي، واشتد الأمر بالمسلمين وبهتوا.
وكان ابنه سعود في نخله، فلما بلغه الخبر أقبل واجتمع الناس عنده، ووعظهم وعزاهم وبايعوه، وبعث إليه بالمرائي والتعزيات.
الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد ﵏
هو الملك الشجاع، الهمام الباسل العادل، المؤيد الموفق المسدد، فخر الشجرة الزكية; فاتح الأقطار، مرجف الجنود والأمصار، مبيد الطغاة والبغاة والكفار، مؤمن الحرمين الشريفين.
جامع كلمة المؤمنين، ناشر لواء العدل والإحسان، إمام الهدى بحر الندى، نافي الردى: أبو عبد الله، إمام المسلمين سعود بن الإمام عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود، شب سعيدا، وعاش حميدا، وولي الخلافة رشيدا.
стр. 7712
كان في نخله، فلما بلغه وفاة أبيه، رحمه الله تعالى، أقبل واجتمع الناس عنده، وقام فيهم خطيبا، فوعظهم موعظة بليغة، وعزاهم؛ فقام المسلمون فبايعوه، خاصتهم، وعامتهم، وعزوه بأبيه، وكتب إلى أهل النواحي، يعظهم ويخبرهم، ويعزيهم.
ويأمرهم يبايعون أمراءهم له فبايع جميع أهل النواحي والبلدان، وجميع قبائل العربان، ولم يختلف منهم اثنان وبعثوا إليه بالتهاني والثناء، وشاع ذكره في الأقطار، وأرعب منه أهل الأمصار، وفتح على يديه الفتوحات، وشهد له بالخلافة والفضل العلماء والرؤساء.
قال الشيخ: أحمد بن عبد القادر الحفظي:
سعود وفي لطف جلي وخافيا ... فناصحه والصدق أمضى المواضيا
وينصر مظلوما ويقمع عاصيا ... ويأمر بالتوحيد قاص ودانيا
وفعلا فطابت للرعايا المراعيا ... أسانيدها في الخافقين عواليا
تخلف عنه لاكعا والمعاديا ... لأمر رسول الله في المدح كافيا
وإن سعودا من مساعيه دام في ... خليفة صدق ناصح الله جهرة
على محكم التنْزيل يهدي ويهتدي ... وينهى عن الشرك الذي طم بحره
تحقق بالأصلين قولا ونية ... أحاديثه في الهجرتين صحيحة
فحدث عن البحر المحيط وقل لمن ... سياسته شرعية واتباعه
стр. 7713
سواه فقد حاز العلا والمعاليا ... فذلك ظل الله في الأرض ساريا
وللحرم المكي إماما وحاميا ... إليه أمور الحج بالقسط وافيا
عطاء حلالا، لا مكوس المجابيا ... وللكعبة البيت المحرم كاسيا
وأصبح شيطان التفرق خاسيا ... ومن حكم المختار في نفسه وفي
ويا سعد من أضحى سعود إمامه ... وأصبح في أكناف طيبة نازلا
وقام بإحياء المناسك وانتهت ... وجيران بيت الله مد عليهم
وطهر بيت الله من كل مشرك ... وصلى الصلاة الخمس جمعا بواحد
وقال الشيخ محمد بن أحمد الحفظي:
يجاهد لم يردعه باد وحاضر ... ويقظتهم هم والندامى السوامر
على صهوات الصافنات يسامر ... وإن الجياد المشبعات ضوامر
وعاد غريبا والغريب يسافر ... وألقى العصا والعسر منه مياسر
وهذا سعود، ذو السعادة ساعيا ... ولم يلهه نوم الملوك استراحة
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... ويعدو على الكمت العناجيج ضامر
يجدد دينا قد بدا في غرابة ... فألفه حتى استقر به النوى
* * *
ودالت على الأمصار منه عساكر ... وقرر توحيدا وقرت نواظر
عراها الأذى وهي الطهور الطواهر ... فجوزي بالحسنى فنعم التجائر
عدول رماح أو سيوف شواهر ... ودانت له الأعراب بعد جفائها
وأقرى وفادا وأقرأ طالبا ... وطهر ساحات المحجة بعدما
فجددها حسنا ونورا ومنهجا ... له ظفر بالحرب قد شهدت به
стр. 7714
تجبك البوادي عنهمو والبنادر ... سجايا كرام في الندى لا تناظر
فسل عنه أهل الشط والشام سلهم ... تحاكي سجاياه الكرام وجندا
وقال:
مقدم جيش الحق وارية الزند ... ويعسوبهم في كل معترك يعدي
فحاز فنون الفضل بالجد والحد ... هو البحر في الإحسان والجود والمد
يطوف به العطشان في كل ذي ورد ... على كل ذي جبار وذى عمل مرد
سلامي على الندب الكبير ومن غدا ... سعود كمي للسراة أميرهم
وذلك في التوحيد ليس كغيره ... هو الشمس لكن لا أفول لمجده
هو المورد العذب الذي طاب ورده ... هو الحق والسيف الصقيل مهند
وقال: لما طلب منه إمام صنعاء المتوكل، ليخبره عنه:
العالم العلامة العمال ... من يحمل الأسياف والأسنة
عندهم البعيد كالحميم ... والنصر معقود بتلك الهمة
وهادما مشاعر الأصنام ... ذاك الإمام الفارس المفضال
وعنده من علماء السنة ... من خلق مستحسن كريم
وقد أجابته الجموع الجمة ... معظما شعائر الإسلام
وقال في أرجوزة له بعد ثنائه على والده:
بأمر رب العالمين الوازع ... سعود مخ الراس قلب الهيكل
من فارس والروم والزنجان ... وبعده قام الإمام البارع
وهو الهزبر الضيغم العدل الولي ... كم زع بالقرآن والسلطان
стр. 7715
ومصر من صولته مرعود ... دوخها بالقهر والمغازي
قد أصبحت بعدله مطهره ... ومن أبى يطره بالمشرفي
وفي العراقين له رعود ... واليمن الميمون كالحجاز
والحرمين وهي المطهرة ... بالرفق يدعوهم وبالتعطف
* * * *
وشاهد الواقع فيه يكفي ... فريه من أمراء العصر
مجاهدا في يومه وأمسه ... في خارج بيعا بلا إقالة
ليظهر الحق وتعلو الكلمة ... ببيضة الإسلام أن ترضا
في الأرض والعلو والعنادا ... وإنما مطلوبه التوحيد
ولم يكن في نزعه من ضعف ... فلم أر من عبقري يفري
وهكذا من يبتدي بنفسه ... فإنه يطاع لا محاله
ونغمات أمره مترجمة ... وهو الغيور الشهم ليس يرضى
لا يطلب الدنيا ولا الفسادا ... أو مذهبا أو ذهبا يريد
وقال عبد الجليل، بعد أن ذكر إعلانه التوحيد:
وتأييده تاج الملوك القماقم ... وكان له الإقبال خير ملازم
كؤوس الردى حتى اهتدى كل راغم ... وتعلو على هام السهى والنعائم
نهوضا بأعباه بهمة حازم ... بعون إله العرش جل ثناؤه
سعود أدام الله أيام سعده ... إمام الهدى بحر الندى من سقى العدى
أخو همة يستصغر الخطب عندها ... إذا نزل الأمر الفظيع رأيته
стр. 7716
بها الله عنا زاح هول العظائم ... فليس له في فضله من مزاحم
تدفق بالدر النفيس لناظم ... إذا أخلفت أيدي السحاب الرواكم
إذا عم أمر المعضلات الكوالم ... أليس محاكي الراسيات بواهم
وإنا لنرجو الله طوع الأعاجم ... له عزمات تنقي الأسد بأسها
إمام حوى مجدا وعز مناقب ... إذا رمت علما فهو في العلم لجة
وإن رمت جودا فهو كالغيث للورى ... ورأي سديد يستضاء بنوره
وحلم رزين لا يجاري ببعضه ... وطاع له عرب القبائل كلها
ولو ذهبنا نذكر فضائله ومحاسنه، وفتوحاته، وما أثني به عليه، لخرج بنا عن المقصود.
وقد قال الشيخ: عثمان بن بشر، في تاريخه: كان ذا رأي باهر وعقل وافر، ثبتا شجاعا، محببا إليه الجهاد في صغره وكبره؛ فأمنت به البلاد، وطابت قلوب العباد، وانتظمت مصالح المسلمين بحسن مساعيه، وانضبطت الحوادث بين مراعيه. فبلغ من الشرف منتهاه، ومن سنام المعالي أعلاه، وكان متيقظا، بعيد الهمة، وذكر شيئا من محاسنه ومآثره، ثم قال: ولو تتبعت فضائله، ونائله، وغزواته وفتوحاته، وما مدح به من الأشعار، من أقاصي الأقطار في حياته، وما رثي به من الشعر بعد وفاته، لم يسعه كتاب كبير.
стр. 7717
وقد كان، ﵀، شجاعا في الحروب، محببا إليه الجهاد في صغره وكبره، بحيث إنه لم يتخلف في جميع المغازي، والحج، ويغزو معه بجملة من العلماء من أهل الدرعية، وأهل النواحي، ويستخلف في الدرعية أحد بنيه.
وكثيرا ما يستخلف ابنه عبد الله، ويغزو معه بنوه، وإخوته وبنو عمه عبد الله؛ وكل واحد من هؤلاء، معه دولة عظيمة من الخيل والركاب، والخيام والرجال، في الجهاد وبذل الاجتهاد. وفتح أكثر البلاد في أيام أبيه وبعد موته، وأعطي السعادة في مغازيه، ولا يعلم أنه هزم له راية، بل نصر بالرعب الذي ليس له نهاية، وكل أيامه مواسم، ومغازيه مغانم. وقد قذف الله الرعب في قلوب أعدائه؛ فإذا سمعوا بمغزاه ومعداه، هرب كل منهم، وترك أباه وأخاه، وما حواه.
رفع رايات التوحيد، فيما وراء الحرة وعمان، وشيد قصرا على حدود مسقط، ألف قدم فوق البحر، واجتاز إلى حوران والكرك، فوصل إلى أبواب الشام وفلسطين، وأرسل إلى الولاة هناك يدعوهم إلى توحيد الله.
ويأمر جنوده بالصبر في مواطن اللقاء ويزجرهم عن العجب بالكثرة، والزيادة في النفوس، الذي هو سبب الفشل والهزيمة، ويزجرهم عن الغلول.
стр. 7718
وإذا صلى الصبح ركب بالمسلمين، وضجوا بالتكبير، وأغاروا؛ فتظلم الأرض والسماء من إثارة النقع؛ فيغيب الذهن في تلك الساعة، ويوقن المسلمون بالنصر. فيوقع الله بأسه فيمن قصدته تلك الجنود؛ فلا يرفع السيف إلا عمن لم يبلغه الحلم، أو امرأة أو شيخ كبير، وتؤخذ جميع الأموال. ثم يرحل عن مغارة القوم، بجميع تلك الغنائم، مع البادي والحاضر، وينْزل قريبا منها على بعض الموارد، فتعزل الأخماس، وتباع الغنائم بدراهم، وتقسم على جميع الغزو، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه.
وأما جنوده، ومماليكه، وخيله ومدافعه، فلا يحصيها العد، ولا يبلغها الحصر والحد. وكان يرسل لقبض زكاة السائمة من بوادي جزيرة العرب، مما وراء الحرمين، وعمان واليمن، والعراق والشام، وما بين ذلك من بوادي نجد، بضعا وسبعين عاملا، مع كل عامل طائفة. فما تجبيه تلك العوامل، ويجبى إلى الدرعية من أموال البحرين والقطيف، وعمان واليمن، والحجاز وتهامة، وغير ذلك، وزكاة ثمار نجد وعروضها، لا يستطيع أحد عده; وما ينقل من الأخماس والغنائم أضعاف ذلك، وما يدفع للوفود وفقراء البلدان من الصدقات، ألوف مؤلفة.
стр. 7719
وكان ﵀ آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، كثير الحض على ذلك في مجالسه ومراسلاته، ناصرا لأهله، محببا إليه أهل العلم، ويعظهم ويكرمهم، ويجزل عطاياهم، ويلزم أهل البلدان بإكرامهم، وتعظيمهم وتوقيرهم. وإذا أراد إنفاذ أمر، أرسل إلى خواصه من رؤساء البوادي، واستشارهم، ثم يرسل إلى خواصه وأهل الرأي من أهل الدرعية، ثم يرسل إلى أبناء الشيخ وأهل العلم من أهل الدرعية، ومال إلى رأيهم وأظهر لهم رأيه. وفضائله ومحاسنه، ونائله، وغزواته، وفتوحاته، وما مدح به من الأشعار، من أهل نجد والأمصار أشهر من أن تذكر.
وبالجملة: فمحاسن هؤلاء الأمجاد، وفضائلهم، ومحامدهم، ومآثرهم، طبق الأرض. أزال الله بهم عن الناس الجهل، والمحن والظلم والجور والبغي والفتن. كان قضاته على الدرعية بني الشيخ: حسين، وعبد الله، وعلي، وابني ابنيه: عبد الرحمن بن حسين، وعلي بن حسين ابني الشيخ، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وقاضيه على الرياض الشيخ: عبد الوهاب بن صالح، ثم ابنه محمد.
وقاضيه على الأحساء الشيخ: محمد بن سلطان
стр. 7720
العوسجي، ثم الشيخ عبد الرحمن بن نامي، وعلى القطيف الشيخ: محمود الفارسي، وعلى جبل شمر وما يليه الشيخ: عبد الله بن سليمان بن عبيد، وعلى ناحية القصيم الشيخ: غنيم بن سيف، وعلى ناحية الوشم الشيخ: عبد العزيز الحصين، وعلى ناحية سدير الشيخ: علي بن يحيى بن ساعد، وعلى ناحية منيخ الشيخ: عثمان بن عبد الجبار، وعلى حريملاء والمحمل الشيخ: عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين، وعلى ناحية الخرج الشيخ: حمد بن راشد العريني، وعلى اليمن الشيخ: حسين بن خالد الشريف، وعلى الطائف وناحية الحجاز الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وعلى تهامة الشيخ: أحمد الحفظي؛ وأما مكة فأقر فيها قضاتها، ثم أرسل إليها الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، وفي جدة الشيخ: سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ; وعلى المدينة الشيخ: حمد إلياس الحنفي، والشيخ أحمد بن رشيد الحنبلي؛ وأما غير ذلك من النواحي، فكان يبعث إليها القاضي نحو سنة، ثم يرجع، ويبعث غيره، وأميره على الرياض: عبد الله بن حسن الفضلي، وأميره على الأحساء إبراهيم بن عفيصان، وعلى القطيف
стр. 7721
أحمد بن غانم، وعلى البحرين سليمان بن خليفة، وعلى عمان سلطان بن صقر بن راشد، وعلى الجيوش في عماد: مطلق المطيرى.
وعلى جبل شمر والجوف: محمد بن عبد المحسن بن فائز بن علي، وعلى ناحية القصيم: حجيلان بن حمد، وعلى ناحية سدير حمد بن سالم، ثم عبد الكريم بن معيقل، وعلى ناحية الوشم: محمد بن غيهب، وعلى المحمل ساري بن يحيى، وعلى ناحية الخرج: عبد الله بن عفيصان، وعلى وادي الدواسر: ربيع بن زيد، وعلى بيشة ونواحيها: مسلط بن قطنان، وعلى الطور وتهامة: عبد الوهاب أبو نقطة، ثم طامي بن شعيب، وعلى الطائف والحجاز: عثمان المضائفي، وعلى مكة: غالب بن مساعد الشريف، وعلى المدينة: حسن قلعي، وعلى ينبع: جابر بن جبارة الشريف. توفي ﵀ وأسكنه جنات النعيم، سنة ١٢٢٩?، في بلد الدرعية، ورثاه جم غفير من جهابذة العلماء.
الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى
هو الإمام الحبر الهمام، بدر الأعلام مفتي الأنام، حجة الإسلام قمر الدجى، شمس الضحى، الثقة الثبت، العلم البارع، التقي النقي، الورع الفارس في العلوم، والسيف الصارم المسلول على المبتدعين، والحبر القائم بأمور الدين،
стр. 7722
ذو الهمة والشجاعة والإقدام، فائق علماء زمانه، مجتهد زمانه فلك هو قطبه، يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، إذا ذكر المسألة بهت الناس من كثرة محفوظه، وجودة إيراده، وإعطائه كل قول ما يستحقه. يقول الحق الذي أدى إليه اجتهاده، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرماته. لم ير تحت أديم السماء بعد والده مثله علما وعملا، وحالا ومقالا، وحلما وخلقا، واتباعا وكرما، وقياما في حق الله. هو عالم نجد ومفتيها بعد والده، ولد في بلد الدرعية، وأخذ العلم عن أبيه وخلق. وتفقه في المذاهب، وأدرك في الأصول والفنون أعلاها، وتفنن في علوم الإسلام، حتى بلغ علاها. كان عارفا بالتفسير لا يجارى، وبأصول الدين وإليه فيها المنتهى، وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية.
وبالجملة له اليد الطولى في كل فن من فنون العلم; له المصنفات المشهورة المقبولة، والفتاوى القاطعة غير المعلومة، والرسائل والنصائح السامقة المبرورة; منها:
١- الرد على الزيدية أسماه "جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية" مجلد.
стр. 7723
٢- مختصر السيرة "مجلدان"، وله مشاركة في كتاب التوضيح.
٣- الفصول النافعة في المكفرات الواقعه.
٤- منسك في الحج.
٥- رسائل وفتاوى تبلغ مجلدا، فرقناها في مواضعها على حسب الترتيب. وله مجالسة في التدريس مشهورة، بإحياء علوم أصول الدين معمورة، يأتي إليه العلماء من الأمصار، والسؤالات من جميع النواحي، والأقطار؛ فيفهم أحسن إفهام، ويجيب أصوب إيقاع بإيجاز، وانتظام. أثنت عليه أهل نجد بأسرها، وأهل الخبرة في برها وبحرها.
قال الشيخ: حسين بن غنام يثني عليه، وعلى إخوانه علماء الدرعية:
وما ثبطوا عن نشر أحكامهم ثبطا ... وعلما وتحديثا بذا تسمع اللغطا
وتنكيل من قارف الذنب والسخطا ... وتوبيخ من عنها تخلف أو أبطا
مدارسهم معمورة بعلومهم ... فلست ترى إلا مفيدا وهاديا
وأمرا بمعروف وتنكير منكر ... وحثا على فعل الصلاة جماعة
وقال الشيخ أحمد بن علي بن مشرف، بعد ثنائه على الشيح:
محجته المثلى وفي نصرها جدوا ... فكم قد أفادوا من يروح ومن يغدو
وكم شبهة جلوا وأبوابها سدوا ... وأبناؤه الغر الكرام قد اقتفوا
فكانوا إلى التوحيد يدعون دأبهم ... وكم سنة أحيوا وكم بدعة نفوا
стр. 7724
وقال الشيخ: أحمد بن عبد القادر الحفظي:
على حلقات الذكر حق إلهيا ... لهم طالما عفت عليها العوافيا
على الأرض والشرك المحرم خازيا ... وأحمد خريت الطريق وهاديا
عليهم من المولى السلام يوافيا ... عليها خصوصا تابعا وصحابيا
وحف بآل الشيخ أعلام مكة ... مدارس في التوحيد تصنيف والد
فأصبح توحيد العبادات ظاهرا ... أئمة حق والنصوص طريقهم
على مذهب الحبر الإمام ابن حنبل ... عقائدهم سنية أجمع الملا
أخذ عنه العلم الخلق الكثير، والجم الغفير، الجهابذة النبلاء، منهم بنوه: الشيخ سليمان، وعلي وعبد الرحمن، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حسن بن حسين، والشيخ عبد الرحمن بن حسين، وحمد وعلي ابنا الشيخ حسين بن الشيخ، والشيخ محمد بن سلطان، والشيخ محمد بن عبد العزيز، والشيخ أحمد الوهيبي، وعبد الله الوهيبي، والشيخ عبد العزيز بن معمر، والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ جمعان، ومسفر بن عبد الرحمن، والشيخ أبا بطين، والشيخ محمد بن مقرن، والشيخ عثمان بن عبد الجبار، والشيخ إبراهيم بن سيف، وغيرهم.
كان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول قيام، ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة، والافتقار إلى الله،
стр. 7725
والانكسار، والانطراح بين يديه، على عتبة عبوديته؛ لم ير في معناه مثله. نقل إلى مصر سنة ١٢٣٣ هـ، وتوفي فيها سنة ١٢٤٢?، ورحمه الله وعفا عنه، وأسكنه الفردوس الأعلى.
الشيخ حسين بن الشيخ محمد رحمهما الله
هو العالم الفاضل، مفيد الطالبين، قامع المشبهين، الشيخ القدوة: حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى. كانت له المعرفة في الأصول والفروع، والتفسير وغيره. انتفع الناس بعلمه. وله همة وشجاعة، وشهامة مشهورة، وسمعة دائرة في السنن والأقوال، وكمال فكر وتصور من ربه، وزهد وعبادة، وتعظيم لحرمات الله.
أخذ العلم عن أبيه الشيخ محمد وغيره، وكان متواضعا عند الخاصة والعامة، ذا أناة وحلم ووقار، مجالسه عامرة بالفقهاء والمحدثين، وأهل الخير، كثير الإفادة، فضائله مشهورة، وأوقاته، بالخير والنفع معمورة. قال الشيخ محمد بن أحمد الحفظي يذكر فضله وإخوته:
أئمة دين الحق موضحة الرشد ... كذاك عبد الله واسطة العقد
فبان لنا وجه الصواب بلا رد ... وكل غلو أو فساد لذي حقد
سلام على الأحباب من كل جهبذ ... حسين وإبراهيم نجلي محمد
وقد وضحوا في ديننا كل مشكل
... وقد هدموا في الدين كل ضلالة
стр. 7726
بهم يهتدي من حار في الغور أو نجد ... وهم في ظلام الجهل أشرف أنجم
وهو أشهر من أن يذكر، له فتاوي. وكان هو القاضي في بلد الدرعية بعد والده، والإمام في الجمعة في مسجد الجامع، مسجد الطريف الكبير في الدرعية، الذي تحت قصر آل سعود في المنازل الغربية، وإماما في مسجد البجيري. وله مجالس في التدريس، أخذ عنه العلم جماعة من العلماء، من القضاة وغيرهم.
منهم أبناؤه: الشيخ علي، والشيخ حسين وابنه عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه، وعلي بن عبد الله، والشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر، والشيخ أحمد الوهيبي، والشيخ سعيد بن حجي، وخلق ممن تأهل وغيرهم. توفي ﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى سنة ١٢٢٤?، في ربيع الآخر، في بلد الدرعية؛ وبكته تلك المجالس وسائر الرعية، ورثاه بعض معاصريه، فرحمه الله وعفا عنه.
الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى
هو الثقة العابد الورع، حسنة الأيام، فخر الأنام، لم ير أزهد ولا أورع، ولا أعبد منه، متواضعا لينا كيسا، حسن الأخلاق، كأن النور يخرج من وجهه، كثير العبادة، كثير الزهادة، أخذ العلم عن أبيه وغيره.
стр. 7727
أدرك حظا من العلوم وأفاد، وانتفع به فئام من العباد، له مشاركة كثيرة في رسائل وأجوبة، ولم أقف له على وفاة ولكنه موجود سنه ١٢٥١?، فى مصر، وتوفي فيها رحمه الله تعالى وعفا عنه.
الشيخ علي بن الشيخ محمد رحمهما الله تعالى
هو الإمام العالم العلامة، الثقة الثبت الزاهد الورع، كان شهما هماما، فقيها صدوقا، حسن الطريقة، كيسا متواضعا، مع غزارة العلم، عذب العبارة، مكرما للطلبة.
أخذ العلم عن أبية وغيره، ورزق علما وفهما، حتى صار يتكلم في المسائل مع الفقهاء. وله مجالس مشهورة، وأياد مذكورة، وأخلاق حسنة مشكورة، وأجوبة ونصائح، قال محمد الحفظي بعد ثنائه على الشيخ محمد: أولاده مشائخ التحقيق، وسدرة في منتهى الطريق. توفي ﵀ وعفا عنه بمصر.
الشيخ حمد بن معمر، رحمه الله تعالى
هو الإمام العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، المحقق المجتهد، الحافظ المتقن الورع، الفارس في العلوم، والسيف الصارم المسلول، قامع المشبهين، بقية السلف، قدوة الخلف.
стр. 7728
الشيخ الجليل: حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر
كان فقيها محدثا، زاهدا عابدا كثير الخير، له قدم راسخ في الفتوى، ذا جلالة ومهابة، وذكاء وكيس، ومروءة، نبيها شهما حسن السمت، حسن الخلق.
آخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ سليمان بن عبد الوهاب، وأخذ العربية عن الشيخ حسين بن غنام وغيرهم.
بلغ في العلوم العقلية والنقلية مبلغا، له اليد الطولى في الأصول، والفروع، والحديث واللغة العربية وغيرها، قليل المثل في الديانة والعبادة. جمع أنواع المحاسن والمعالي، قرن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والتدريس والتصنيف، والفتاوي والنصائح.
أوحد العصر في أنواع الفضائل، مجالسه بالعلم معمورة، وبالفقهاء مشحونة، وأوقاته بالخير مقرونة، وأخلاقه بالزكاء مشهورة. أخذ عنه العلم ابنه الشيخ عبد العزيز، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ علي بن الحسن اليماني، وخلق.
وله رسائل وأجوبة تبلغ مجلدا، فرقناها في مواضعها على حسب الترتيب. وكان قاضيا في الدرعية وغيرها؛
стр. 7729
وأرسله الإمام سعود قاضيا ومعلما في مكة المكرمة، وأقام فيها مدة، وتوفي فيها رحمه الله تعالى، وأسكنة الفردوس الأعلى، سنة ١٢٢٥?، في العشر الأخير من ذي الحجة. وصلى عليه المسلمون تحت الكعبة المشرفة، ثم خرجوا به إلى البياضية، وخرج الإمام سعود، وصلى عليه عدد كثير من المسلمين، ودفن بمكة، فرحمه الله وعفا عنه.
الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ، ﵀
هو: الحافظ المحدث الفقيه المجتهد، الثقة أوحد الحفاظ، تاج عصره جمال الزمان، الشيخ: سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد سنة ١٢٠٠ هـ.
كان آية في العلم والحلم، والحفظ والذكاء، له المعرفة التامة في الحديث ورجاله، وصحيحه وحسنه وضعيفه، والفقه والتفسير والنحو. وكان في معرفة رجال الحديث يسامي أكابر الحفاظ، وضرب به المثل في زمنه بالذكاء، وكان حسن الخط، ليس في زمنه من يكتب بالقلم مثله.
أخذ العلم عن أبيه، والشيخ حمد بن معمر، وعن عميه الشيخ حسين، والشيخ علي، والشيخ حسين بن
стр. 7730
غنام، والشيخ عبد الله بن فاضل، والشيخ عبد الرحمن بن خميس، والشيخ عبد الله الغريب، وأجازه الشيخ: محمد بن علي الشوكاني.
برع في الفنون، كانت له اليد الطولى في الحديث ورجاله؛ يروى عنه أنه كان يقول: أنا برجال الحديث أعرف مني برجال الدرعية. لم ير شخص حصل له من الكمال والعلوم، والصفات الحميدة، التي لم يحصل بها الكمال لسواه، على صغر سنه.
صنف شرح كتاب التوحيد لجده، فمن بعده عيال عليه؛ ولكنه لم يكمله، وله حاشية على شرحه، والدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك، كان طلبة العلم يحفظونها عن ظهر قلب، ورسالة في عدد الجمعة لم ينسج على منوالها، وأجوبة فرقناها على حسب الترتيب، ومن وقف على كلامه، شهد له بالشهامة والجودة، والذكاء والحفظ، وحسن الفهم.
أخذ عنه العلم عدد كثير من أهل الدرعية وغيرهم، منهم الشيخ محمد بن سلطان وغيره. وكان ﵀ آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم؛ فلا يتعاظم رئيسا في الأمر والنهي، ولا يتصاغر ضعيفا أتى إليه يطلب فائدة.
стр. 7731
اخترته المنية في عنفوان شبابه، بكت عليه العيون بأسرها، فيا له من خطب ما أعظمه! وعاجل أجل ما أوجعه! ومصاب ما أكبره وأهوله! نمي به ﵀ عند إبراهيم باشا فقتله، أكرمه الله بالشهادة، سنة ١٢٣٣?، ﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى.
الإمام عبد الله بن سعود رحمهما الله
هو الإمام الهمام، فرع شجرة الفخار، سلالة الأطهار: عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، رحمهم الله تعالى. كان ذا سيرة حسنة، مقيما للشرائع، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، كثير الصمت حسن السمت، باذلا العطاء، صالح التدابير في مغازيه، شجاعا فى مواطن اللقاء، ثبتا في مصابرة الأعداء، وكانت سيرته في مغازيه، وفي الدرعية، وترتيب الدروس، وقضاء حوائج المسلمين، وغير ذلك على سيرة آبائه. وكان قضاته ومدرسوه على الدرعية: الشيخ عبد الله بن الشيخ، وابنه الشيخ سليمان، والشيخ علي بن حسين، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد الله الوهيبي، وعلى الأحساء ونواحيه: الشيخ عبد الرحمن بن ناصي، وعلى عمان: الشيخ على بن حمد العريني.
وعلى الحوطة والحريق: رشيد السردي، وعلى ناحية سدير: الشيخ إبراهيم بن سيف، وعلى منيخ: الشيخ
стр. 7732
عثمان بن عبد الجبار، وعلى الوشم: عبد العزيز الحصين، وعلى حريملاء والمحمل: الشيخ محمد بن مقرن، وعلى ناحية القصيم: عبد العزيز بن سويلم، وعلى جبل شمر: الشيخ عبد الله بن عبيد.
وكان أميره على ناحية الأحساء: فهد بن سليمان بن عفيصان، وعلى القطيف: إبراهيم بن غانم، وعلى عمان: حسن بن رحمة، وأمير الجيش في عمان: بتال المطيري، وعلى وادي الدواسر: قاعد بن ربيع، وعلى الوشم: حمد بن يحيى بن غيهب، وعلى الخرج: عبد الله بن سليمان بن عفيصان، وعلى بلدان المحمل: ساري بن يحيى، وعلى سدير ومنيخ: عبد الله بن معيقل، ثم إبراهيم أبا الغنيم، وعلى ناحية القصيم: حجيلان بن حمد، وعلى جبل شمر: محمد بن عبد المحسن بن علي. وباقي النواحي عليها قضاة أبيه وأمراؤه الذين تقدم ذكرهم. نقل سنة ١٢٣٣?، إلى مصر، ثم إلى قسطنطينية، وقتل هناك، ﵀ وعفا عنه.
الشيخ عبد العزيز الحصين، رحمه الله تعالى
هو الإمام العلامة، الفقيه الزاهد الورع، الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصين الناصري الحنبلي، رحمه الله تعالى. كان عالما عاملا زاهدا ورعا، حليما
стр. 7733
فاضلا، مهيبا فقيها; وجعل الله في علمه البركة للناس وانتفع به أناس كثير من أهل النواحي.
أخذ الفقه في صغره عن الشيخ: إبراهيم بن محمد بن إسماعيل. ثم أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وابنه الشيخ عبد الله، والشيخ حسين، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وخلق غيرهم.
له مجالس في التدريس مشهورة، وأوقاته بالعبادة معمورة، وله رسالة في معنى التوحيد، وفتاوي.
ولي القضاء في الوشم، في ولاية الإمام عبد العزيز بن محمد، وأول ولاية الإمام سعود.
وأخذ عنه عدة من العلماء، منهم: الشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ إبراهيم بن سيف، والشيخ غنيم بن مسفر والشيخ عبد الله بن سيف، والشيخ محمد بن عبد الله الحصين، والشيخ علي بن يحيى بن مساعد، والشيخ عبد الله بن سليمان بن عبيد، والشيخ محمد بن سيف، والشيخ إبراهيم بن حجي، والشيخ عثمان بن عبد المحسن أبا حسين، والشيخ محمد بن نشوان، والشيخ عبد الله القضيبي، والشيح عبد الكريم بن معيقل، وغيرهم ممن لم يل القضاء الجم الغفير.
توفي رحمه الله تعالى، في ١٣ من رجب، سنة ١٢٣٧هـ.
стр. 7734
الشيخ عبد العزيز بن معمر رحمه الله تعالى
هو الإمام العالم العلامة، الحبر الفهامة، المجتهد المتقن، بحر العلوم، الشيخ: عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر. ولد في بلد الدرعية، وأخذ العلم عن أبيه، والشيخ عبد الله، والشيخ علي ابني الشيخ، والشيخ حسين بن غنام، والشيخ أحمد بن رشيد الحنبلي، وغيرهم. وبرع في جميع الفنون؛ فكان أديبا محققا مدققا، فائقا في الأصول والفروع، شهما هماما، يتوقد ذكاء، زاهدا ورعا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر.
اختصر النظم المعروف لابن عبد القوي، وله كتاب فتح القريب المجيب في الرد على عباد الصليب في مجلد، وله أجوبة ورسائل، توفي ﵀ في البحرين سنة ١٢٤٤?، ورثاه الشيخ أحمد بن علي بن مشرف فقال:
أم النجم أمسى لونه وهو حائل ... أم العلم قد أوهت بناه الزلازل
لدن غيبت حبر الزمان الجنادل ... فكم نصر الإسلام منه رسائل
فأنجمها تبكي عليه أوافل ... وتندبه للمشكلات مسائل
وكانت له فيها تشد الرواحل ... أشمس الهدى غابت أم البدر آفل
أم الدين هد الخطب جانب طوده ... نعم أفلت شمس العلوم وبدرها
إمام الهدى عبد العزيز بن ناصر ... رثته علوم الدين أن غاب نجمه
وظلت ربوع العلم تهتف باسمه ... فمن بعده للمعضلات وحلها
стр. 7735
ومن للهدى يحمي وعنه يناضل ... وكلم فمن ذا بالعلاج يحاول
إذا نزلت بالمسلمين النوازل ... وكل لنيل المعالي رسائل
سوى أنه للبحر يوجد ساحل ... جواب من التحقيق شاف ونائل
وعاش زمانا ذكره فيه خامل ... وهذا زمان تسمو منه الأسافل
ومن للعدا يرمي بشهب علومه ... لقد صار في الإسلام ثلم بموته
وقد كان للإسلام حصنا ومفزعا ... فأصبح مقصودا لمن طلب الهدى
هوا البحر إن رمت العلوم وبحثها ... إذا ما أتاه السائلون عنده
وقد جهل الأقوام مقدار فضله ... فلا عجب فالكنْز يجهل غالبا
* * * *
إلا أنه بالجزم للحق نائل ... بأحرف علم هن فيه عوامل
إلى كل خير فهو بالعلم عامل ... كما يستحق الرفع في النحو فاعل
وليس له في عقله من يعادل ... وما طال من شيء فما فيه طائل
لقد جد في علم الشريعة ناصبا ... وقد كان مخفوض الجناح تواضعا
أضيف إليه العلم النفيس فجره ... وفعل المعالي أوجبت رفع قدره
ولكنه في الفضل ما عنه نائب ... فحسبك من حسن الثنا ما ذكرته
* * * *
لدن فقدت عبد العزيز المحافل ... وعم الرضى من غيبته الجنادل
فحكم المنايا للبرية عادل ... لقد فقد العلم العزيز ونشره
سقى روحه الرحمن هطال رحمة ... فأوصيك بالصبر الجميل وبالرضى
стр. 7736
لعاش الهداة الأكرمون الأفاضل ... وخطب عميم للبرية شامل
فلو كان سهم الموت يخطئ واحدا ... لكنه حكم من الله نافذ
الإمام تركي بن عبد الله، رحمهما الله تعالى
هو الإمام الشجاع، الفارس المجيد، والشهم اللوذعي الوحيد، لا يماثل في الشجاعة والبراعة، ولا نظير له في الحلم والعفو والأناة، الخليفة حقا، الشجاع صدقا، بل أوحد الشجعان: تركي بن الأمير عبد الله بن الإمام محمد بن سعود.
افتتح قرى نجد، واستولى عليها حربا وصلحا، بعد أن كان بعضهم يضرب رقاب بعض، ورفضوا أكثر شعائر الإسلام؛ فجاهد حق الجهاد، حتى دانت له البلاد والعباد، وصاروا كلهم جماعة، وبايعوه على السمع والطاعة. كان ذا رأي وفطنة وبراعة، وله من الشهامة والشجاعة ما ليس لغيره من الملوك، بل له الحظ الأوفر، خصوصا الشجاعة والديانة؛ حتى إنه لا يقاس به في زمانه قرين، مع تواضع للأرامل واليتامى والمساكين، في هيبة جعلها الله عليه، ومحبة في القلوب معروفة إليه. وأعاد الله به أبهة هذا الملك، فعمر أبنية المجد والكرم، ورفع شرف آبائه وأعمامه.
стр. 7737
قال الشيخ عثمان بن بشر: هو الإمام الشهير الفارس، المجيد الذي لا يماثله أحد في الشجاعة والبراعة، ولا يعرف له نظير في العفو والحلم والأناة. وقال: كان شجاعا مقداما، مجاهدا في سبيل الله.
أطفأ الله به نار الفتنة بعد اشتعال ضرامها، وتعذرت بين البلدان الأسفار، فحاصر البلدان وقاتل العربان; ودعاهم إلى الجماعة، والسمع والطاعة؛ حتى ضرب الإسلام بجرانه، وسكنت الأمة في أمنه وأمانه.
قدمت الوفود إليه من البلدان والعربان، وأكرمهم وأحسن جوائزهم، وكان يخرج كل خميس واثنين لحضور الدرس، واجتماع المسلمين. وكان الجالس المعلم في ذلك الدرس، الشيخ: عبد الرحمن بن حسن؛ وكان آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، ويرسل النصائح إلى البلدان، ويحضهم على القيام بشرائع الإسلام.
وبالجملة: فمناقبه ومكارمه مأثورة، وفضائله ووقائعه مشهورة، ولو تتبعنا ما مدح به من الشعر والنثر، لطال غاية، وفيما نبهنا عليه كفاية.
وكان قاضيه على الرياض: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ علي وحسن ابنا الشيخ حسين، وعلى الحوطة: الشيخ سعد العجيري، ثم الشيخ علي بن حسين، ثم الشيخ عبد الملك بن حسين; وعلى ناحية الخرج:
стр. 7738
الشيخ: عبد الرحمن بن حسين، وعلى وادي الدواسر: الشيخ جمعان بن ناصر، وعلى المحمل ونواحيه: الشيخ محمد بن مقرن، وعلى الأحساء ونواحيه: الشيخ عبد الله الوهيبي، وعلى سدير: الشيخ عبد الله بن عبيد، ثم الشيخ عبد الرحمن الثميري، وعلى منيخ والغاط والزلفي: الشيخ عثمان بن عبد الجبار، ثم ابنه الشيخ عبد العزيز، وعلى ناحية الوشم: عبد الله أبا بطين، وعلى القطيف: محمود الفارسي، وعلى القصيم: الشيخ قرناس. وكان يبعث إلى جبل شمر وعمان والقطيف وغيرها قضاة من عنده ثم يرجعون ويرسل غيرهم كل سنة.
وكان أميره على الأحساء ونواحيه: عمر بن محمد بن عفيصان، وعلى القطيف ونواحيه: عبد الله بن غانم، وعلى وادي الدواسر: عبد الله بن إبراهيم الحصين، ثم محمد بن عبد الله بن جلاجل، وعلى ناحية سدير: محمد بن الأمير، ثم محمد بن عبدان، وعلى ناحية الخرج وما يليه: علي بن محمد بن عفيصان، وعلى المحمل وبلدانه: يحيى بن ساري، وعلى الوشم: حمد بن يحيى بن غيهب، ثم محمد بن عبد الكريم البواردي، وعلى بلد بريدة: عبد العزيز بن محمد بن حسن; وعلى بلد عنيزة: يحيى بن سليمان بن زامل، ثم محمد بن ناهض، وعلى
стр. 7739
جبل شمر: صالح بن عبد المحسن بن علي.
قتل ﵀ وعفا عنه، سنة ١٢٤٩?، يوم الجمعة آخر ذي الحجة، بعد صلاة العصر، وذلك أن مشاري بن عبد الرحمن، قدم عليه فأكرمه، وزاد في إكرامه، واستعمله أميرا على منفوحة؛ ثم وشى به عند خاله تركي، فعزله عن الإمارة، فعزم على إثارة الفتنة، بمساعدة أسافل من الخدام والأراذل. فاعترض الإمام تركي ﵀، خادم لهم فقتله. فإذا مشاري قد خرج من المسجد، فشهر سيفه وتهدد الناسك وتوعدهم، وشهر أناس، سيوفهم معه، فبهت الناس وعلموا أن الأمر قد تشوور فيه، وقضي بليل. ثم جلس للمبايعة، وأرسل إلى آل الشيخ فبايعوه، وبايعه الناس، ولكن البغي مصرعة الرجال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٣] ثم بلغ الأمير فيصل الخبر وهو في القطيف، فرحل قافلا، فلما قدم الأحساء فشا ذلك في الناس، وكان مع الأمير فيصل رؤساء المسلمين، من الأمراء والأعمار. فأرسل إليهم وأخبرهم بالأمر، وأبدى لهم أنه لا بد أن يأخذ بالثأر، ويضرم عليهم نار الحرب، لا يقر له عن ذلك قرار.
وذاكرهم وذكرهم، فقاموا كلهم وبايعوه، ثم رحل
стр. 7740
وساعدته الأقدار، حتى قتل مشاري وسط القصر، والقصاص يكفر الله به عن الجاني، فلم يلبث مشاري بعد قتل الإمام تركي إلا أربعين يوما، وقتل ليلة الخميس من صفر، سنة ١٢٥٠?.
الإمام فيصل بن تركي رحمهما الله تعالى
هو الخليفة العادل، الزاهد العابد، فخر الإسلام والمسلمين، ناصر شريعة سيد المرسلين، محيي العدل في العالمين، نصرة المظلومين، قامع المعتدين والمسرفين، منبع الكرم والإحسان، مؤيد السنة والقرآن، الذاب عن حوزة الدين، القائم في مصالح المسلمين، الملتجئ إلى الله، المستضاء بداره، المطروق مورد فنائه، المصدوق في مورد ثنائه، المحقوق من كل ولي بولائه، نجل السادة الغر، القادة الزهر.
أبو عبد الله الإمام فيصل بن الإمام تركي بن الأمير عبد الله بن الإمام محمد بن سعود،
ولد سنة ١٢١٣?، وطلعت بشائر سعوده، وهو ملتف في مهوده، فحاز مفاخر الأوائل والأواخر، وصلحت منه البواطن والظواهر، واجتمعت فيه المكارم، والفضائل، وزانت به المجالس والمحافل، واقتحم عظائم لم يقتحمها عشائره، وجدوده. وجيش الجيوش برا وبحرا، وأخذ الممالك طوعا وقهرا، وتوفرت بحسن سيرته مصالح المسلمين، وجمع في