لعاش الهداة الأكرمون الأفاضل ... وخطب عميم للبرية شامل
فلو كان سهم الموت يخطئ واحدا ... لكنه حكم من الله نافذ
الإمام تركي بن عبد الله، رحمهما الله تعالى
هو الإمام الشجاع، الفارس المجيد، والشهم اللوذعي الوحيد، لا يماثل في الشجاعة والبراعة، ولا نظير له في الحلم والعفو والأناة، الخليفة حقا، الشجاع صدقا، بل أوحد الشجعان: تركي بن الأمير عبد الله بن الإمام محمد بن سعود.
افتتح قرى نجد، واستولى عليها حربا وصلحا، بعد أن كان بعضهم يضرب رقاب بعض، ورفضوا أكثر شعائر الإسلام؛ فجاهد حق الجهاد، حتى دانت له البلاد والعباد، وصاروا كلهم جماعة، وبايعوه على السمع والطاعة. كان ذا رأي وفطنة وبراعة، وله من الشهامة والشجاعة ما ليس لغيره من الملوك، بل له الحظ الأوفر، خصوصا الشجاعة والديانة؛ حتى إنه لا يقاس به في زمانه قرين، مع تواضع للأرامل واليتامى والمساكين، في هيبة جعلها الله عليه، ومحبة في القلوب معروفة إليه. وأعاد الله به أبهة هذا الملك، فعمر أبنية المجد والكرم، ورفع شرف آبائه وأعمامه.
стр. 7737
قال الشيخ عثمان بن بشر: هو الإمام الشهير الفارس، المجيد الذي لا يماثله أحد في الشجاعة والبراعة، ولا يعرف له نظير في العفو والحلم والأناة. وقال: كان شجاعا مقداما، مجاهدا في سبيل الله.
أطفأ الله به نار الفتنة بعد اشتعال ضرامها، وتعذرت بين البلدان الأسفار، فحاصر البلدان وقاتل العربان; ودعاهم إلى الجماعة، والسمع والطاعة؛ حتى ضرب الإسلام بجرانه، وسكنت الأمة في أمنه وأمانه.
قدمت الوفود إليه من البلدان والعربان، وأكرمهم وأحسن جوائزهم، وكان يخرج كل خميس واثنين لحضور الدرس، واجتماع المسلمين. وكان الجالس المعلم في ذلك الدرس، الشيخ: عبد الرحمن بن حسن؛ وكان آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، ويرسل النصائح إلى البلدان، ويحضهم على القيام بشرائع الإسلام.
وبالجملة: فمناقبه ومكارمه مأثورة، وفضائله ووقائعه مشهورة، ولو تتبعنا ما مدح به من الشعر والنثر، لطال غاية، وفيما نبهنا عليه كفاية.
وكان قاضيه على الرياض: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ علي وحسن ابنا الشيخ حسين، وعلى الحوطة: الشيخ سعد العجيري، ثم الشيخ علي بن حسين، ثم الشيخ عبد الملك بن حسين; وعلى ناحية الخرج:
стр. 7738
الشيخ: عبد الرحمن بن حسين، وعلى وادي الدواسر: الشيخ جمعان بن ناصر، وعلى المحمل ونواحيه: الشيخ محمد بن مقرن، وعلى الأحساء ونواحيه: الشيخ عبد الله الوهيبي، وعلى سدير: الشيخ عبد الله بن عبيد، ثم الشيخ عبد الرحمن الثميري، وعلى منيخ والغاط والزلفي: الشيخ عثمان بن عبد الجبار، ثم ابنه الشيخ عبد العزيز، وعلى ناحية الوشم: عبد الله أبا بطين، وعلى القطيف: محمود الفارسي، وعلى القصيم: الشيخ قرناس. وكان يبعث إلى جبل شمر وعمان والقطيف وغيرها قضاة من عنده ثم يرجعون ويرسل غيرهم كل سنة.
وكان أميره على الأحساء ونواحيه: عمر بن محمد بن عفيصان، وعلى القطيف ونواحيه: عبد الله بن غانم، وعلى وادي الدواسر: عبد الله بن إبراهيم الحصين، ثم محمد بن عبد الله بن جلاجل، وعلى ناحية سدير: محمد بن الأمير، ثم محمد بن عبدان، وعلى ناحية الخرج وما يليه: علي بن محمد بن عفيصان، وعلى المحمل وبلدانه: يحيى بن ساري، وعلى الوشم: حمد بن يحيى بن غيهب، ثم محمد بن عبد الكريم البواردي، وعلى بلد بريدة: عبد العزيز بن محمد بن حسن; وعلى بلد عنيزة: يحيى بن سليمان بن زامل، ثم محمد بن ناهض، وعلى
стр. 7739
جبل شمر: صالح بن عبد المحسن بن علي.
قتل ﵀ وعفا عنه، سنة ١٢٤٩?، يوم الجمعة آخر ذي الحجة، بعد صلاة العصر، وذلك أن مشاري بن عبد الرحمن، قدم عليه فأكرمه، وزاد في إكرامه، واستعمله أميرا على منفوحة؛ ثم وشى به عند خاله تركي، فعزله عن الإمارة، فعزم على إثارة الفتنة، بمساعدة أسافل من الخدام والأراذل. فاعترض الإمام تركي ﵀، خادم لهم فقتله. فإذا مشاري قد خرج من المسجد، فشهر سيفه وتهدد الناسك وتوعدهم، وشهر أناس، سيوفهم معه، فبهت الناس وعلموا أن الأمر قد تشوور فيه، وقضي بليل. ثم جلس للمبايعة، وأرسل إلى آل الشيخ فبايعوه، وبايعه الناس، ولكن البغي مصرعة الرجال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٣] ثم بلغ الأمير فيصل الخبر وهو في القطيف، فرحل قافلا، فلما قدم الأحساء فشا ذلك في الناس، وكان مع الأمير فيصل رؤساء المسلمين، من الأمراء والأعمار. فأرسل إليهم وأخبرهم بالأمر، وأبدى لهم أنه لا بد أن يأخذ بالثأر، ويضرم عليهم نار الحرب، لا يقر له عن ذلك قرار.
وذاكرهم وذكرهم، فقاموا كلهم وبايعوه، ثم رحل
стр. 7740
وساعدته الأقدار، حتى قتل مشاري وسط القصر، والقصاص يكفر الله به عن الجاني، فلم يلبث مشاري بعد قتل الإمام تركي إلا أربعين يوما، وقتل ليلة الخميس من صفر، سنة ١٢٥٠?.
الإمام فيصل بن تركي رحمهما الله تعالى
هو الخليفة العادل، الزاهد العابد، فخر الإسلام والمسلمين، ناصر شريعة سيد المرسلين، محيي العدل في العالمين، نصرة المظلومين، قامع المعتدين والمسرفين، منبع الكرم والإحسان، مؤيد السنة والقرآن، الذاب عن حوزة الدين، القائم في مصالح المسلمين، الملتجئ إلى الله، المستضاء بداره، المطروق مورد فنائه، المصدوق في مورد ثنائه، المحقوق من كل ولي بولائه، نجل السادة الغر، القادة الزهر.
أبو عبد الله الإمام فيصل بن الإمام تركي بن الأمير عبد الله بن الإمام محمد بن سعود،
ولد سنة ١٢١٣?، وطلعت بشائر سعوده، وهو ملتف في مهوده، فحاز مفاخر الأوائل والأواخر، وصلحت منه البواطن والظواهر، واجتمعت فيه المكارم، والفضائل، وزانت به المجالس والمحافل، واقتحم عظائم لم يقتحمها عشائره، وجدوده. وجيش الجيوش برا وبحرا، وأخذ الممالك طوعا وقهرا، وتوفرت بحسن سيرته مصالح المسلمين، وجمع في
стр. 7741
سياسته بين الشدة واللين. سياسة تعجز عنها الملوك وأعوانها، وصلحت بها الممالك وسكانها، لم يكن سفاكا للدم الحرام، ولا غاصبا للمال الحرام من أيدي الأنام، معرضا عن جميع الحطام، مستغيثا بربه في دياجي الظلام له من السيرة المحمودة وتقديم الشرع، وترك الظلم والجور، وإقامة العدل، الحظ الأوفى.
عفيف، شريف النفس، للفضل عارف، حليم كريم، سالم القلب منصف، استبشرت الأرض بطلعته، وأمنت الطيور فى حوزته، وحفت الملائكة برياض جنته; وسوت بولايته الأوطان والأوطار، وأنفذ الله به أمره ونهيه في الأقطار.
ولي الخلافة بعد مقتل مشاري، وقارنه العز والتمكين، وجلس على سرير الملك والشرف، وأعلن بالحمد والشكر واعترف. وأطلع الله شمس سعادته مشرقة الأنوار، ولبست الدنيا ملابس الافتخار. أخذ الولاية لا عن كلالة، وأتاه الملك مستبشرا يجر أذياله، فلم يكن يصلح إلا له.
إليه تجر أذيالها ... ولم يك يصلح إلا لها
لزلزلت الأرض زلزالها ... لا زال ظلا دائما ممدودا
أتته الإمامة منقادة ... فلم تك تصلح إلا له
ولو رامها أحد غيره ... ورث الإمامة كابرا عن كابر
стр. 7742
فرحا به وتأودت تأويدا ... فكأنهن جعلن له مهودا
تعب الجلاد وكم تشق جلودا ... أعني بها التكبير والتحميدا
هزت بمظهره الولاية عطفها ... ملك رقى المعالي وهو مرعرع
ملك براحته الصوارم تشتكي ... ملك له عند الكفاح علامة
أثنت عليه الأقاليم والأمصار، وفرح به الإسلام واستنار، وشاع صيته وطار في الأقطار، وأثنت عليه جهابذة العلماء، في المحافل والأسطار، وما أحسن ما قيل فيه:
وبالعز والعدل العميم وبالرشد ... عراه وقام الحق في شده العضد
معاهدها مأهولة في حمى صهد ... بهدي ابن تركي ذا الأعاريب تشهد
قرير سرير القلب والعيش في رغد ... وبالرأي إدراك الفتى قبل ذي جد
ويرتاض من أعمالها كل مشتد ... ففي الحرب يسطو سطوة الأسد الوردي
وأخلاقه الأزهار مطلولة البرد ... إذا بخلت أيدي الكرام عن الرفد
إمام أتانا بالمسرة والهنا ... به شد أزر الدين واستوثقت به
وعادت قضايا الشرع مخضرة الربى ... هو النوربين الرشد والغي فيصل
به الجار من كل الحوادث آمن ... بآرائه سود الفوادح تنجلي
أخو همة تدنى له كل شاسع ... يهاب ويرجى حاربا ومسالما
وفي السلم برأي يحيى مهذب ... له راحة في الجود تغني عن الحيا
стр. 7743
وقال الشيخ أحمد بن مشرف الأحسائي:
لدن جمعتنا بالإمام المسدد ... مناقبه فوق الثريا وفرقد
من الحسب السامي إلى خير محتد ... بنوا في المعالي كل فخر وسؤدد
يقصر عن إدراكها كل سيد ... ومردي العدى بالمشرفي المهند
وأمنها من كل باغ ومعتد ... وغيث اليتامى والفقير المضهد
ببذل العطايا هاطل كفه ندي ... بكل نفيس من لجين وعسجد
ليالي المنى جادت علينا بالسعد ... حليف المعاني فيصل من سمت به
تفرع عن روح المكارم وانتمى ... كريم السجايا ماجد من أماجد
ولكنه أضحى بأعلى أرومة ... إمام الهدى جالي الصدى منهل الندى
حمى أرض نجد بالصوارم والقنا ... هو البطل المقدام كالليث في الوغى
رفيق شفيق بالورى متواضع ... له نفس حر تشتري المجد والثنا
وقال:
فقد زانت الدنيا بوجهك والعصر ... لئن لبست نجد بملكك مفخرا
وقال:
فمن مثله في الفضل والبأس والندى ... حليف العلا من كان في الفضل أوحدا
له بسطتا فضل وفصل على العدى
... وآباؤه الغر الكرام أولو الهدى
من السنة الغراء ما قد تأودا ... إذا ريم خسفا وجهه يتربدا
أخو همة في شامخ العز قد علت
... أبو المجد وابن المجد والمجد أصله
إمام همام باسل باذخ العلا
... فأكرم به فرعا سلالة مقرن
لقد نصروا دين الإله وقوموا ... هو الأسد الضرغام والضيغم الذي
стр. 7744
بوطأته الأعدا ومن كان ملحدا ... لقد أمن الله البلاد وأهلها
وقال:
من آلة للحرب أو متمول ... جعل الخلافة في الإمام الأعدل
كل النفوس على إمامة فيصل ... لا تحسب الملك القصور وما حوت
بل مالك الملك الإله وإنه ... جمع الإله له القلوب فأجمعت
وقال:
وطاب له في العالمين أروم ... نماه إلى أعلى الفخار صميم
لهم مكرمات جمة وحلوم ... له بين سكان البلاد رسوم
إمام حوى كل المكارم والعلا ... له نسب في وائل بن ربيعة
تفرع من صيد الملوك الذين هم ... هم نصروا دين الهدى بعد أن عفت
لخير الورى منها العظام رميم ... فعاد كريم الأصل وهو كريم
إذا شب من نار الحروب جحيم ... وأحيوا بأطراف الأسنة سنة
وقد ورثوا المجد الأثيل لفيصل ... هو الضيغم الضرغام في كل معرك
وما أحسن ما قيل:
تلقاه عن أسلافه السادة الغر ... وفيصل في ذا العقد واسطة الدر
وترفل في ثوب الجلالة والفخر ... له في سرير الملك أصل مؤثل
هم العقد من أعلى اللآلئ منظما ... غدت أرض نجد منه تزهو ملاحة
وهو أشهر من أن يذكر. وكان له رحمه الله تعالى سر مع ربه، يلتجئ به إليه في الشدائد، وثقة به في كل نازلة يرجوه ويعول عليه. وكان قد حفظ القرآن عن ظهر قلبه
стр. 7745
صغيرا، وحافظ على تلاوته والتهجد به شابا وكبيرا.
وله الحظ الأوفى من الليل والقيام فيه، وكثرة التضرع والابتهال بين يدي بارئه; وكم حامت عليه الحوائم، وجلت الخطوب، فيعجل الله له بالفرج القريب، ويجعل له المخرج العجيب.
كان قضاته على الرياض ومدرسوه: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف، والشيخ علي بن حسين، وابنه الشيخ حسين، والشيخ إبراهيم بن سيف، والشيخ عبد العزيز بن شلوان، والشيخ عبد الرحمن بن عدوان، والشيخ عبد العزيز بن صالح المرشدي، وعبد الرحمن بن بشر.
وقاضيه على بلد عرقة: الشيخ محمد بن سلطان، وعلى منفوحة: الشيخ عبد الله بن جبر، وعلي ضرمى: الشيخ عبد الله بن نصير، ثم الشيخ عبد الله بن مرخان، وعلى المحمل: الشيخ محمد بن مقرن، ثم الشيخ عبد العزيز بن يحيى، وعلى سدير: الشيخ عبد العزيز بن عبد الجبار، ثم عثمان بن منصور، ثم الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشدي.
وعلى الوشم: الشيخ إبراهيم بن عيسى، وعلى الحوطة: الشيخ علي بن حسين ثم الشيخ عبد الملك بن حسين، وعلى الحريق: الشيخ حسين بن حمد، وعلى نعام: الشيخ محمد بن عجلان، وعلى الحلوة: الشيخ ناصر بن
стр. 7746
عيد، وعلى الخرج: الشيخ عبد الرحمن بن حسين، ثم الشيخ حمد بن عتيق، ثم الشيخ محمد بن عجلان.
وعلى الإفلاج: الشيخ حسين بن فرج، ثم رشيد بن عوين، ثم الشيخ حمد بن عتيق، وعلى وادي الدواسر: جمعان بن ناصر، ثم ناصر بن عيد، ثم الشيخ حمد بن عبد العزيز، ثم الشيخ محمد بن محمود، وعلى القويعية: علي بن فراج، ثم الشيخ سعود بن محمد.
وعلى بريدة: سليمان آل مقبل، وعلى عنيزة: الشيخ عبد الله أبا بطين، ثم الشيخ علي بن محمد، وعلى حائل: الشيخ محمد بن إبراهيم بن سيف، ثم الشيخ علي بن سليم، ثم الشيخ الغنيمي، وعلى الأحساء: الشيخ محمد بن عبد القادر، ثم الشيخ عبد الله الوهيبي، ثم الشيخ عبد الرحمن الوهيبي، ثم عبد اللطيف آل مبارك.
وكان يخلف في الرياض أميرا: سعد بن خير الله، وأميره على عرقة: محمد الهلالي، ثم ابنه عبد العزيز، وعلى الدرعية: إبراهيم بن رواف ثم إبراهيم الطويل، وعلى ضرمى: محمد بن عبد العزيز، ثم علي بن عبد الله بن عبد العزيز، وعلى الخرج: سليمان بن منديل، ثم ابنه الأمير سعود بن الإمام فيصل، ثم محمد بن سنبل.
وعلى الحوطة: محمد الجبر، ثم أخوه عثمان، وعلى آل حسين: ناصر بن عبد الله، ثم رشيد بن حمد، وعلى
стр. 7747
الحريق: تركي الهزاني، ثم ابنه سعد، وعلى الحلوة: إبراهيم بن خريف، وعلى الإفلاج: ابن عبيد الله، ثم عبد الرحمن بن إبراهيم، وعلى وادي الدواسر: ناصر بن عيد، ثم عبد الرحمن بن إبراهيم، وعلى القويعية: ناصر بن سعود، ثم حمد بن جبرين، وعلى الشعيب والمحمل: فيصل بن مبارك في حريملاء، وسعد بن محمد في ثادق، وعلى سدير: إبراهيم العسكر، وعلى الوشم: محمد الجميح، وعلى الشعراء: سعد بن سعود، وعلى بريدة: عبد العزيز آل محمد، ثم مهنا بن عرفج.
وعلى عنيزة: جلوي بن تركي، ثم يحيى بن زامل آل سليم، وعلى حائل: عبد الله الرشيد، ثم طلال الرشيد، وعلى الأحساء: أحمد السديري، ثم ابنه محمد، وعلى عمان: سعد المطيري، ثم أحمد السديري، ثم ابنه تركي، وعلى القطيف: عبد الله المداوي، ثم محمد بن مرشد، ثم محمد بن عبد العزيز صاحب ضرمى.
وكان ﵀ آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، محبا للعلماء، ومجالستهم، وكان على طريقة آبائه في تعاهد الرعية بالنصائح.
توفي ﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى، في رجب سنة ١٢٨٢?، في بلد الرياض، ورثاه جمع منهم الشيخ أحمد بن مشرف:
стр. 7748
بكينا بدمع مثل صوب الغمائم ... بسمر القنا والمرهفات الصوارم
وأفنى رؤوسا منهم في الملاحم ... ويرميهم في حربه بالقواصم
تغير بنجد خيله والتهائم ... وأصبح عرش الملك عالي الدعائم
وما زال ينهى عن ركوب المحارم ... سماحا ويعفو عن كثير الجرائم
فحاز الثنا من عربها والأعاجم ... وأسكنه الفردوس مع كل ناعم
على فيصل بحر الندى والمكارم ... إمام نفى أهل الضلالة والخنى
فكم فل من جمع لهم جاء صائلا ... يجر عليهم جحفلا بعد جحفل
فما زال هذا دأبه في جهادهم ... إلى أن أقيم الدين في كل قرية
وأخلى القرى من كل شرك وبدعة ... ويعطي جزيل المال محتقرا له
مناقب جود قد حواها جبلة ... تغمده المولى الكريم برحمة
الشيخ محمد بن مقرن رحمه الله تعالى
هو العلامة الشهم الفقيه النبيه، ذو العقل الفائق، والرأي الصائب الرائق، الشيخ الفاضل: محمد بن مقرن بن سند بن علي بن عبد الله بن فطاي الودعاني، الدوسري القحطاني.
نشأ في بلد القرينة; وأخذ العلم عن الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، وغيره من علماء الدرعية وغيرهم وحصَّل; وكان فطنا مستيقظا، له عقل راجح، ورأي وشهامة وسماحة، وحسن خلق؛ استعمله الإمام سعود قاضيا في بلدان المحمل.
وفي بعض الأوقات يرسله في نواحي مملكته؛ فأرسله
стр. 7749
مرة قاضيا في عمان، فنفع الله به، وأصلح الله عمان على يديه، ثم أرسله قاضيا لجهة اليمن وغير ذلك. ثم في ولاية الإمام تركي أرسل إليه وأقامه عنده، ثم جعله قاضيا في ناحية المحمل؛ ثم لما ولي عبد الله بن ثنيان إمارة نجد مضى عنده، فلا يسلك جهة إلا وهو معه.
فلما قدم الإمام فيصل، وذهب الشقاق عن المسلمين، أكرمه، وأرسله قاضيا في الأحساء في وقت الموسم، فمرض بحمى، ولم يزل محموما سقيم البدن، حتى توفي ﵀.
أخذ عنه العلم جماعة من أهل النواحي، وأهل المحمل، منهم الشيخ: عبد الرحمن بن عدوان، والشيخ عبد الرحمن بن عزاز، والشيخ عبد العزيز بن يحيى، وغيرهم؛ وله أجوبة، توفي ﵀ سنة ٢٦٧?.
الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀
هو الإمام العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، مفيد الطالبين، مرجع الفقهاء والمتكلمين، المحفوف بعناية رب العالمين، العالم الرباني والمجدد الثاني، جامع أنواع العلوم الشرعية، ومحقق العلوم الدينية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية، وارث العلم كابرا عن كابر.
رجع العلم به غضا بعد أن كان دابرا، وظاهرا بعد أن كان غابرا، مفتي فرق الأنام،
стр. 7750
ناصر شريعة سيد الأنام، الموفق للصواب في الجواب، شيخ الإسلام، الشيخ: عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ولد سنة ١١٩٦?، في بلد الدرعية، وشب بها، وأخذ العلم عن جده الشيخ: محمد، وعمومته، الشيخ: عبد الله، والشيخ علي، والشيخ حسين; وعن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ عبد الله بن فاضل; وقرأ على الشيخ: عبد الرحمن بن خميس، في الفرائض، وفي الجزرية على أحمد بن حسن الحنبلي، وشرح الفاكهي على المتممة في النحو على الشيخ حسين بن غنام.
وأخذ العلم أيضا عن علماء مصر، إذ كان ثم مع أعمامه، ومن فضلائهم الشيخ حسن القويسيني، والشيخ عبد الله سويدان، والشيخ عبد الرحمن الجبرتي; وأخذ العلم عن مفتي الجزائر: محمد بن محمود الجزائري الحنفي، وقرأ على الشيخ إبراهيم العبدي، شيخ مصر في القراءات، قرأ عليه أول القرآن.
وقرأ على الشيخ أحمد سلمونه كثيرا من الشاطبية وشرح الجزرية، وقرأ على الشيخ يوسف الصاوي والشيخ إبراهيم البيجوري شرح الخلاصة؛ وأجازه جماعة من المحدثين. وأخذ العلم أيضا عن جماعات سوى هؤلاء المذكورين.
وكان ﵀: له اليد الطولى في الأصول
стр. 7751
والفروع، حتى لم يكن في زمانه أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أتبع للسنة منه. وكان من الجبال التي لا ترتقى ذروتها، ولا ينال سنامها، ومن أكابر السلف وأعلامها، غزير الفضل، كامل العقل، شديد التثبت، حسن السمت، إماما في جميع الفنون الدينية، معرضا عن الدنيا وأهلها، هينا لينا شجاعا مهيبا، متواضعا محبا للطلبة والمساكين، حسن الخلق والخلق، جوادا سخيا كثير العبادة والتضرع والدعاء، كان النور يخرج من وجهه. عن الدنيا ما كان أصبره، وبالسلف ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه; اختصه الله بنصر دينه، والقيام بحفظ سنته، ورضيه لإقامة حجته، قام مقام نبوة، واشتهر ذكره وانتشر، وأجمع على إمامته في الدين أهل نجد والأمصار، وشاع صيته في الأقطار وشمائله.
وما قال الأئمة في مدحه كثير، قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع ﵀:
بعيد عن الأدناس ناء عن الكبر ... أشد لدى هتك الحدود من النمر
وأسقى غراس العلم في سائرالعمر ... وفي بحثه التوحيد نادرة العصر
وكل فنون العلم أربى على البحر ... فلا يبعدنك الله من شيخ طاعة
قوي بأمر الله شهم مهذب ... تجرد للتدريس والحفظ دائبا
ففي الفقه والتفسير بحر غطمطم ... وفي النحو والتأصيل قد صار آية
стр. 7752
يزيح به الإشكال عن مرتج الفكر ... بتحقيق أبحاث أدق من الشعر
غدابين تلك الكتب كالكوكب الدر ... من الملحدين المعتدين أولي الغدر
يجيب على الفتيا جوابا مسددا ... فيضحى عويص المشكلات موضحا
فسل عنه في التوحيد تهذيبه الذي ... وفي رده تشبيه كل مشبه
****
جلاها كما يجلى دجى اللبل بالفجر ... تصانيفه في كل مصر وفي كل قصر
وغرره ما لفقوه من الهذر ... فراح ابن جرجيس على الذل والصغر
ودحض فولى بالبوار وبالخسر ... وفضل إله العرش يسمو على الحصر
ولكن ذا نزر يدل على الغمر ... إذا مبطل يأتي بتزويق شبهة
ففي كل إقليم له الرد فانتهت ... ولما طغى علج العراق بجهله
رماه كما يرمى الرجيم بثاقب ... وباء ابن منصور بإرغام حجة
وفي كل معنى وفي الله قسمة ... ولست بمحص بعض تعداد فضله
وقال الشيخ أحمد بن علي بن مشرف بعد ثنائه على الشيخ محمد:
بنور الهدى يهدي فمن ذا يعادله ... فيبطل تمويهاته ويناضله
كذا عابد الرحمن أعني حفيده ... ينافح عن دين الهدى كل مبطل
وقال:
أكرم به من عالم وإمام ... زين لأهل العلم والحكام
ندت وقاد صعابها بزمام ... ونحا طريقة الإمام حفيده
أعني بذلك شيخنا علم الهدى ... قد رد من كل العلوم شواردا
стр. 7753
وأذل من أضحى ألد خصام ... كم أيقظوا من معشر نوام
فلقد كفى وشفى بتصنيفاته ... فهم دعاة الدين بل أنصاره
وقال:
أتاه بتيار من العلم كالبحر ... بنور هدى يجلي الغياهب كالفجر
فعالمنا بين الكواكب كالبدر ... إذا مبطل أجرى من الجهل جدولا
فجلى ظلام الجهل والشك والعمى
... لئن كان أهل العلم كالشهب في السما
وقال الشيخ عثمان بن بشر: هو العالم النحرير، والبحر الزاخر الغزير، مفيد الطالبين، وافتخار العلماء الراسخين، ومرجع الفقهاء والمتكلمين، المحفوظ بعناية رب العالمين، عمدة السلف وبقية الخلف، جامع أنواع العلوم الشرعية، ومحقق العلوم الدينية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية، مفتي فرق الأنام، ومؤيد شريعة سيد الأنام.
[مصنفاته ومكانته وتلاميذه]
وقال الشيخ إبراهيم بن عيسى: هو الإمام العالم الفاضل القدوة، رئيس الموحدين، وقامع الملحدين، كان إماما بارعا محدثا فقيها، ورعا تقيا نقيا صالحا، له اليد الطولى في جميع العلوم الدينية؛ وكان ملازما للتدريس، مرغبا في العلم، معينا عليه، كثير الإحسان للطلبة، لين الجانب، كريما سخيا، ساكنا وقورا، كثير العبادة.
ولو تتبعنا محاسنه وفضائله لطال المقام، وله مصنفات شهيرة مقبولة، منها:
стр. 7754
١- كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
٢- قرة عيون الموحدين حاشية على التوحيد.
٣- كشف ما ألقاه إبليس، على داود بن جرجيس ١ مجلد; ورد عليه أيضا غيره.
٤- كتاب في الرد على عثمان بن منصور مجلد.
٥- وله الرد والودع على داود أيضا.
٦- مشاركة مع عمه الشيخ عبد الله، في رده على الزيدية.
٧- اختصر قطعة من العقل والنقل.
٨- تفسير الفاتحة.
٩- مختصر تفسير قل هو الله أحد. وله ردود مختصرات على ابن منصور وغيره، وأجوبة مفيدة، ورسائل ونصائح عديدة، أكثر من مجلد، فرقناها في مواضعها على حسب الترتيب. وبالجملة: فهو رئيس قضاة المسلمين، وانتفع بعلمه الفئام.
فممن أخذ عنه العلم من القضاة والعلماء، من ذريته وذرية أعمامه: ابناه الشيخ عبد اللطيف، وإسماعيل، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ حسن بن حسين بن الشيخ، والشيخ عبد الرحمن بن حسين، وابنه عبد العزيز، والشيخ عبد الملك وابنه إبراهيم
стр. 7755
والشيخ حسين بن حمد بن حسين، والشيخ حسين وحسن ابنا علي بن حسين، والشيخ عبد الله بن حسن بن حسين، والشيخ عبد الله بن محمد بن علي، وأبناء الشيخ علي بن الشيخ، وغيرهم ممن لم يل القضاء خلق. وأخذ عنه من القضاة والفقهاء: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن بشر، والشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ صالح بن محمد الشثري، والشيخ زيد بن محمد آل سليمان، والشيخ عبد العزيز بن شلوان، والشيخ علي بن عبد العزيز بن سليم; والشيخ إبراهيم بن عيسى وابنه أحمد، والشيخ علي بن عبد الله بن عيسى، والشيخ عمر بن محمد بن يوسف، والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع، والشيخ عبد الله الخرجي، والشيخ عبد الله المخضوب، والشيخ مرشد، والشيخ محمد بن علي بن موسى، والشيخ عبد العزيز بن فرحان، والشيخ عيسى بن إبراهيم الشثري، والشيخ عيسى الزير، والشيخ الصيرامي، والشيخ حمد بن فارس، والشيخ عثمان بن عبد الجبار، والشيخ عبد الله بن نصير، والشيخ ناصر بن عيد، والشيخ محمد بن سلطان، والشيخ عبد الرحمن بن حمد الثميري، والشيخ حمد بن عتيق، والشيخ عبد الله بن
стр. 7756
جبر، والشيخ محمد بن إبراهيم بن سيف، والشيخ عبد العزيز بن حسن بن يحيى، والشيخ محمد بن إبراهيم بن عجلان، والشيخ عبد الله بن علي بن مرخان، والشيخ حمد بن عبد العزيز، والشيخ عبد الرحمن بن عدوان، وغيرهم ممن ولي القضاء.
وأما من أخذ عنه ممن تأهل ولم يل القضاء فخلق كثير لا يحصى، نفع الله الطالب بحسن تعليمه، بحيث لا يلبث إلا يسيرا حتى يكون فائقا. ضربت إليه آباط الإبل من جميع نواحي نجد والأمصار، وظهرت آثار البركة من تعليمه، وبذل نصحه للأئمة، ولسائر الأمة، وكان مشهورا بالكرم، وحسن الخلق، وحسن الدعوة، والغيرة لله ولدينه، والقيام بذلك علما، وعملا. وكان يتفقد طلبة العلم والفقراء، ويبذل لهم مما خوله الله مع تعفف مشهور.
وفضائلة ومحاسنه ومناقبه أشهر من نار على علم; فرحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء; فلقد بذل نفسه لله، وفي ذات الله، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، ولا عذل عاذل; وألقي عليه من المهابة والجلالة والبهاء، ما لا يعرف لغيره.
توفي رحمه الله تعالى وقدس روحه ونور ضريحه، في ٨ من ذي الحجة، سنة ١٢٨٥?، وصلى عليه بعد طلوع
стр. 7757
الشمس في مسجد العيد، وحضر جنازته خلائق لا يحصون، وأصاب المسلمين بموته من الحزن والبكاء والتوجع، حتى ربات الخدور، حصل لهن من الفزع والحزن ما يعز وصفه; ولم يصب المسلمون بمصيبة أعظم من مصيبته، وجاءت التعازي من جميع النواحي.
قال الشيخ: عبد الرحمن بن محمد بن مانع:
وفوض بتسليم مع الحمد والشكر ... ونعم الدرع الصبر في العسر واليسر
مشيع بما يهدي إلى المسمع الوقر ... بماذا ينادي والفؤاد على جمر
بأن إمام الدين أوفى على العمر ... لفيه الحصى ماذا يقول من الشر
وهيل عليه الترب من جانب القبر ... وحرك أشواقا بها عيل من صبري
تردّ رداء الصبر في حادث الأمر ... فنعم احتساب المرء في حال رزئه
لقد ساءنا ما جاءنا من مبلغ ... فصخت له سمعا وألححت سائلا
فقيل ينادي أخطأ الله شره ... فقلت نعي جاء من نحو داره
فقال سراج الدين أصبح ثاويا ... فأزعج من ألبابنا كل ساكن
* * *
وأن الفضا مما بنا صار كالشبر ... حيارى كأيتام أصيبوا على صغر
ويا عبرتي خلي غروب الأسى تجري ... سعير حريق القلب أو أنة الصدر
بعيد عن الأدناس ناء عن الكبر ... وأيقنت أن الأرض مادت بأهلها
لقد ظل أهل الحق من بعد موته ... فيا مهجتي حقا عليه تفتتي
ويا أضلعي لا تسأمي إن تصدعت ... فلا يبعدنك الله من شيخ طاعة
стр. 7758
رفيق لدى الإفتا لطيف لدى النجا ... رقيق لدى النجوى إلى عالم السر
وأطال في الثناء عليه ثم قال:
ويثني به القاري ويدعو له المقري ... لخلد نحرير الهدى سائر الدهر
لزدناه من وقت به منتهى العمر ... لسمنا نفوسا تحت راياتها الخضر
بأعناقنا لا تفديها من الأسر ... وموت أهيل العلم قاصمة الظهر
فلهفي على أهل النهى الجلة الطهر ... ونقل خيار الناس من جملة النذر
ويجبر منا ما تصدع من كسر ... رحيم ودود قد تفرد بالأمر
عسى يحيى ذكراه لنا بعد فقده ... فلو كان يبقى بالفضائل فاضل
أو الأجل المحتوم يدفع برهة ... أو الحتف تدفعه جنود وجحفل
ولكن أطواق المنايا قلائد ... لقد بان فينا النقص من بعد موته
فكان كسلك قد وهى من نظامه ... فهذي علامات القيامة قد بدت
فنرجو إله العالمين يثيبنا ... ويسكنهم في جنة الخلد إنه
الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله
هو الإمام العالم العامل، الحبر العلم الكامل، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، أوحد البلغاء، بدر الفصحاء، خصه الله بالفضل والشهامة والشجاعة، طنت بذكره الأعصار، وضنت بمثله الأمصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية، سيف السنة المسلول، حاوي المعقول والمنقول، البليغ المصقع، واللوذعي البلتع، الفاضل الفصيح، المجاهد النصيح، أبو
стр. 7759
عبد الله الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ولد في بلد الدرعية سنة ١٢٢٥? ونشأ بها وقرأ القرآن فيها إلى أن بلغ ثماني سنين، ونقل مع والده وأعمامه وحمولته لمصر، وأخذ العلم فيها عن والده وعميه، الشيخ عبد الله والشيخ إبراهيم، وهم إذ ذاك بمصر، وأخذ عن عمه الشيخ علي بن الشيخ، وخاله الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله، والشيخ أحمد بن رشيد الحنبلي.
وأخذ عن علماء مصر، منهم: الشيخ مفتي الجزائر، محمد بن محمود بن محمد الجزائري; والشيخ إبراهيم البيجوري شيخ الأزهر، والشيخ مصطفى الأزهري، والشيخ حمد الصعيدي وغيرهم من العلماء، وأجازه جماعة، وبرع حتى صار إماما في جميع الفنون؛ لم ير شخص له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي لم يحصل بها الكمال لسواه.
فإنه ﵀: كان كاملا في صورته ومعناه، من الحسن والإحسان، والحكم والسؤدد، والعلوم المتنوعة، والأخلاق الجميلة، والأمور المستحسنة، التي لم تكمل من غيره، وقد علم من كرم أخلاقه، وحسن عشرته، وهيبته وجلالته، ووفور حلمه، وكثرة علمه، وغزير فطنته، وكمال مروءته ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدنيا
стр. 7760
وأهلها، والمناصب لأربابها، ما قد عجز عنه كبار الأكياس، ولا يظن أن يدركه أحد من الناس.
أدرك مقام الأئمة الكبار، وناسب قيامه من بعض الأمور مقام الصديقين. وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه الأكابر الأبطال؛ فلقد أقامه الله في نصرة دينه، والتقاء أعباء الأمر بنفسه; وقام وقعد، وعزل ونصب، واجتمع بالملك وشجعه، ومرة أخافه وأرعبه، وله حدة قوية، وإقدام وشهامة، وقوة نفس، يضرب بها المثل، وفيه مروءة، وقيام مع الناس، وسعي في مصالحهم. لم ير أزهد منه عن الدنيا، والدرهم لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه، وكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:
وهو المؤمل في الضراء والباس ... فلا تكلني إلى خلق من الناس
وجهي المصون ولا تخضع لهم راسي ... رزقي وصني عمن قلبه قاسي
بحسن صنعك مقطوعا عن الناس ... يا من له الفضل محضا في بريته
عودتني عادة أنت الكفيل بها ... ولا تذل لهم من بعد عزته
وابعث على يد من ترضاه من بشر ... فإن حبل رجاثي فيك متصل
قد شاعت مناقبه ومحاسنه في الورى، وأثنى عليه علماء نجد والأمصار، ودار في ساثر الأقطار، فقال ابنه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: لما رأيت أهل الفهم
стр. 7761
والذكاء لم يتعرضوا لرثي شيخ الإسلام، وقدوة العلماء الأعلام، علامة دهره ووحيد عصره، الوالد الشيخ عبد اللطيف، ثبت الله حجته، أحببت أن أبذل وسعي في ذلك، وإن كنت لست من رجال ذلك الميدان، ولكن يستأنس بالمثل: كم ترك الأول للآخر، وكم زل من ذكي ماهر، وقلت مستعينا بالله شعرا:
وقد كان لي في عهدها بالهدى عهد ... وأنوار هذا الدين من أفقها تبدو
ولاح لنا من وجهها القمر الفرد ... فكل مقال لا تقرره رد
فإن كل ما يبني من الأمر منهد ... وحصباؤها در وأمواهها شهد
به ارتفع الإسلام وانهزم الضد ... وقد مس أهل الزيغ في بأسهم حد
لدن غاب من آفاقها الطالع السعد ... لقد أظلمت من كل أرجائها نجد
وكنا وأهلوها على خير حالة ... وقد ساعدت ليلى وطاب وصالها
بها قام سوق للشريعة عامر ... وكل إمام لا ينفذ أمرها
فصحراؤها روض تفتق زهره ... فلله عصر قد مضى في حمائها
صحبناهم والدهر مسترخ رواقه ... لقد حل بالسمحا من الخطب فاظع
*****
عبد اللطيف العالم الأوحد الفرد ... لما قاله في السالف العالم المجد
أم الفتنة الظلماء قد أقبلت تعدو ... فأظلمت الآفاق إذ أظلمت نجد
إمام التقى بحر الندى علم الهدى ... فمذ غاب عن عيني تمثلت منشدا
الليل غشى الدنيا أم الأفق مسود ... أم السرج النجدية الزهر أطفئت
стр. 7762
وضعضع ركن للهدى فهو منهد ... ومن دونها النسران والنجم والسعد
وأحمد والنعمان والليث والمجد ... مليك جليل القدر تعفو له الأسد
طوالعها لا يستطاع لها جحد ... وكم من هدى أبداه إذ أشكل الرد
نعم كورت شمس الهدى وبدا الردى ... حليف المعاني قد رقى ذروة الهدى
وعلامة ما الشافعي ومالك ... يرى في ثياب النسك حبرا كأنه
فسائل به آيات مجد شواهدا ... فكم من ضلال تصدى لرده
* * *
عليك سلام الله ما سبح الرعد ... به من قبلك الأب والجد
أناس رعاهم قبلك الذيب والفهد ... وكيف يقادالجيش والجرد والجند
يرام له إرث وإن عظم الجد ... إمام سما في العلم ليس له ند
وقد عز من دهر تقادم أن يبدو ... وأن إله الحق في حكمه فرد
وكادت إلى فوق السماكين تعتد ... يفوح به من طيبه المسك والورد
إلى شرف العليا فحق له المجد ... فيا أيها الحبر الذي كان حجة
بنيت بناء للشريعة قد سما ... وأسست هذا الدين حتى سما به
وأنبأتهم كيف السياسة والعلا ... فأورثتهم مجدا وما كان مثله
حظوظ بميراث النبي أشادها ... أعاد لنا نهج الشريعة واضحا
وجلى لنا أسرار شرعة أحمد ... فجرت به نجد ذيول افتخارها
حديث رسول الله إن جاء درسه ... محاسن من دنيا ودين سما بها
стр. 7763
وقال الشيخ عبد القادر البغدادي الحنفي:
يوم الجزاء بأجر غير ممنون ... في الشرق والغرب من نجد إلى الصين
بديع در عزيز القدر مكنون ... عبد اللطيف جزاه الله خالقنا
هو الهمام الذي شاعت فضائله ... بحر من العلم يبدي من معارفه
حما طريق رسول الله عن شبه ... إلخ..
وقال الفاضل علي أفندي المدرس بمدينة البصرة:
ودها الشرك والعناد زوال ... بعد ما كان دونها ظلال
من سما الحق عارض هطال ... الإمام المهذب المفضال
من عنده تنتهي الآمال ... هو بحر للعلم بحر زلال
لاح نور الهدى وزال الضلال ... وتجلت شمس الكمال عيانا
ورياض التوحيد جاد رباها ... وبدا الجهبذ المحقق للحق
والهزبر الهمام والعالم النحرير ... ذاك عبد اللطيف كنْز المعالي
وقال الشيخ أحمد بن مشرف الأحسائي:
إمام هدى بالعلم تزهو محافله ... وعبد اللطيف الحبر لا تنس فضله
وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع:
سواه ولم يبلغ سناها ذوو الصدر ... فأضحت بعيد الطي توصف بالنشر
إذا ما انتدى للقوم في محفل الذكر ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر
فتشفي أوام الصدرعن مغلق الحصر ... سما رتبة في العلم لم يتصل بها
فأنعش بعد الدرس بالدرس ميتها ... فكان أحق الناس في قول من مضى
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... وأقلامه تجري على متن طرسه
стр. 7764
أزاح له الإشكال بالسبر والخبر ... فراح بها يدري وقد كان لا يدري
ويمنح أهل العلم من سيبه الغمر ... لدين الهدى فانضاح في البر والبحر
وإن طالب يأتيه يبغي إفادة ... وأنهله من بحره الجم نهلة
فلا زال يولي الطالبين من الهدى ... يجدد منهاج الأئمة جددوا
وقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن طوق:
قوي جليد لم يروعه غاشمه ... جلت ليله أقلامه وعزائمه
يقصر عنها تبع وصوارمه ... حسام الهدى ممن يعاديه قاصمه
ومن ذا هزبر هيبة فيكالمه ... يكاد جهول قال للغيب عالمه
ولا كرم إلا حوته مكارمه ... من الناس إلا فوق تلك عزائمه
هزبر إذا ما قام لله داعيا ... فكم ليل أشكال بتلبيس مبطل
له فتكات بالحديث على العدى ... وتروى به جرد الشريعة منتضى
فلا تنطق العوراء يوما بناده ... له حدس من دونه حدس أكثم
فما الجود إلا صورة في أكفه ... ولا فتكة أو عزمة لابن حرة
وقال الشيخ سليمان بن سحمان:
إمام هدى قد كان لله داعيا ... وثقلا على الأعداء عضبا يمانيا
وحل رواق المجد إذ كان عاليا ... بنته عداة الدين من كان طاغيا
ويحمي حماها من شرور الأعاديا ... بما فاق أبناء الزمان تساميا
فعبد اللطيف الحبر أوحد عصره ... لقد كان فخرا للأنام وحجة
إماما سما مجدا إلى المجد وارتقى ... تصدى لرد المنكرات وهد ما
فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... حباه إله العرش في العلم والنهى
стр. 7765
ولم يأل في رأب اللثا والمناهيا ... وقد جد في ذات الإله بجهده
وقال:
وسد ينابيع الغواة الأخاسر ... وتأسيس أصل الدين سامي الشعائر
وقمع لمن ناواه من كل غادر ... وتحذيره عنهم بكل الزواجر
تؤول إلى رفض الهدى من مقامر ... أولي العلم والحلم الهداة الأكابر
إلى الله من قد ند من كل نافر ... قلوبا لعمري مقفلات البصائر
لقد جد في نصر الشريعة والهدى ... وإعلاء دين الله جل ثناؤه
وإحيائه بعد الدروس ونشره ... وإبعاد أعداء الهدى وجهادهم
وقد رد بل قد سد كل ذريعة ... قفا إثر آباء كرام أئمة
ببذلهمو للجد والجهد في الدعا ... فكم فتحوا بالعلم والدين والهدى
وقال في أثناء قصيدة له ذكر فيها وثبته على ابن جرجيس:
وجهبذ ألمعي فاضل فطن ... غربا وشرقا ومن بصرى إلى عدن
في العلم فيما علمنا من بني الزمن ... من العراق أتت عن خانع عشن
وقاد ذهن ذكي ليس باللكن ... ملفقات لأهل الغي والدرن
يسمو بها حيث يحمي حوزة السنن ... من ضيغم باسل حبرا أخي ثقة
عبد اللطيف الذي شاعت مناقبه ... ما مصقع بلتع حاذاه أو علم
فانظر صواعق علم أحرقت شبها ... جواب حبر هزبر حازم يقظ
أوهى به ما بنى داود من شبه ... فالله يعليه في الفردوس منْزلة
[مصنفاته]
ولو تتبعنا سيرته ومحاسنه، وما أثني به عليه لبلغ مجلدا; وله ﵀ مصنفات عديدة منها:
стр. 7766
١- كتاب مصباح الظلام، في الرد على عثمان بن منصور، مجلد.
٢- كتاب منهاج التأسيس، في كشف شبهات داود بن جرجيس، مجلد.
٣- كتاب البراهين الإسلامية في الرد على شبهات الفارسية.
٤- كتاب تحفة الطالب والجليس في الرد على داود بن جرجيس.
٥- رسائل عديدة وأجوبة مفيدة تبلغ مجلدا، جمع أكثرها الشيخ سليمان بن سحمان، وقال: لقد اشتملت على أصول أصيلة ومباحث جليلة، لا تكاد تجدها في كثير من الكتب المصنفة، والدواوين المشهورة المؤلفة، إذا سرح العالم نظره فيها علم أن هذا الإمام قد حاز قصب السبق في الفروع والأصول، واحتوى منه على ما سمق وسبق به الأئمة الفحول. وشرع في شرح كتاب الكبائر، وشرح النونية، فاخترمته المنية.
فرحمه الله من إمام بلتع، وفاضل فصيح مصقع؛ فلقد تبحر في جميع فنون العلم، وهذه رسائله تطلعك على ما هنالك، وثواقب علومه يهتدي بها السائر عن سلوك معاطب المهالك.
стр. 7767
ولم يأل جهدا في ارتفاع ذراها ... عن السنة الغرا ورام خفاها
رسائله اللاتي أضاء ضياها ... وأعشى عيون الملحدين سناها
لأسئلة قد أشكلت فجلاها ... نبوق عبير المسك طيب شذاها
بفيح ١ معانيها وشاو ذراها ... وإن قد تسامى للعلا فعلاها
فقد قام في نصر الشريعة جاهدا ... ورد على من ند من كل ملحد
وقد شيدت أركان سنة أحمد ... فأشرق منها الحق للخلق ناصعا
وأجوبة تسمو وتسمق بالهدى ... يضوع لأهل الحق منها نواشر
إذا أرسل النحرير ثاقب فكره ... أقر له بالفضل والعلم والحجى
وجميع رسائله وأجوبته، ومختصرات ردوده، فرقناها في مواضعها، على حسب الترتيب.
[تلاميذه]
أخذ عنه العلم خلائق لا يحصون، منهم أبناؤه: الشيخ عبد الله، والشيخ إبراهيم، والشيخ محمد وعبد العزيز، وأخوه إسحاق، والشيخ حسن بن حسين بن علي، والشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي، والشيخ حسن بن علي، والشيخ إبراهيم بن عبد الملك، والشيخ عبد الله بن حسن بن حسين بن علي، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين، والشيخ ناصر بن حسين، والشيخ إسماعيل بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حسين، والشيخ حمد بن عتيق، والشيخ سليمان بن سحمان،
стр. 7768
والشيخ علي بن عيسى، والشيخ أحمد بن عيسى، والشيخ إبراهيم بن عيسى، والشيخ عثمان بن عيسى، والشيخ عبد العزيز بن حسن، والشيخ حمد بن عبد العزيز; والشيخ محمد بن محمود، وحمد بن فارس، والشيخ عبد الرحمن بن عدوان، والشيخ عبد الرحمن بن مانع، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ علي بن سليم، والشيخ عبد الله بن محمد بن مفدى، والشيخ صالح الشثري، والشيخ عبد العزيز بن صالح المرشدي.
والشيخ صالح بن قرناس، والشيخ محمد بن إبراهيم بن سيف، والشيخ عمر بن يوسف، والشبخ عبد العزيز الصيرامي، والشيخ عبد الله بن حسين المخضوب، والشيخ محمد بن خميس، والشيخ عبد العزيز بن عبد الجبار، والشيخ عبد الله بن جريس، والشيخ عبد العزيز بن شلوان، والشيخ عبد الرحمن الوهيبي، والشيخ عبد الله بن محمد الخرجي، والشيخ حسين بن تميم، والشيخ أحمد الرجباني، والشيخ أحمد بن عبيد، والشيخ محمد بن حسن بن جريبة; والشيخ عبد الرحمن بن بشر، والشيخ علي بن نفيسة، والشيخ عبد الرزاق، وخلائق من أهل نجد ومصر والأحساء وغيرها.
[وفاته وما قيل في رثائه]
توفي ﵀ وأسكنه النعيم المقيم، في ٤ من ذي
стр. 7769
الحجة سنة ١٢٩٢? وأصيب المسلمون بفقده، ولم تسد ثلمته من بعده; وبكته المجالس والقبائل، وفقدته الرؤساء والمحافل، وقد رثي بقصائد منها ما رثاه به الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن طوق، مطلعها:
وإن عظمت هماته وعزائمه ... وأيتمه للعلم إذ مات عالمه
بأوحش أنباء بريد يكاتمه ... فأظلم كل الكون وارتج عالمه
وجاد بماء الجفن سحا غمائمه ... وهد بسور العلم أوهاه ثالمه
وكنْزا أبى مضروبها أن يقاومه ... تلقاه فرع أصلته أكارمه
فإني وأيم الله للفضل ظالمه ... فما هو إلا دارسات معالمه
أبي خلق الأيام حيا تسالمه ... فما أوحش الدنيا ويا حزن نجدها
فما مر يوم مر يوم أتى به ... وجدنا كأن الأرض حتما تزلزلت
وهاجت رياح من زفير تنفس ... فيا لك من رزء فظيع على الورى
فقد كان للدنيا وللدين عدة ... بقية أهل العلم والعلم الذي
فإن لم يكن دمعي جرى فيه عن دم ... فإن تبكه فالعلم نبكهما معا
إلى أن قال:
من الدهر قد دبت إليه أراقمه ... يشرعه جفن لها وسواجمه
فزاد برزء منك مرا علاقمه ... فلي بعده من رزئه قلب ثاكل
وعين لها حرم الكرى صح ملة ... وما زال هذا العصر مرا وعلقما
ثم قال:
على المبلغ المنجي طريق ملازمه ... سواه ولا بد المنون تزاحمه
وعاش سعيدا ثم مات موحدا ... فلا حي إلا الحي والكل هالك
стр. 7770
وللدهر يوما سوف يدركك صارمه ... وجافته عن دار الغرور عزائمه
إذا ما خلا حبر به قام قائمه ... وماذا وإن أعطيت عمرا كآدم
فطوبى لعبد أيقظته عناية ... وما زال هذا النور فيكم شامخا
ومنها مرثية الشيخ سليمان بن سحمان:
وتظهر مكنونا من الحزن ثاويا ... وبالعلم يزهو ربع تلك الروابيا
وأطواد شرع الله فيها رواسيا ... جناها ينلها والقطوف دوانيا
مناهلها كالشهد فعم صوافيا ... يرجعن ألحان الغواني تهانيا
وأنوار هذا الدين تعلو سواميا ... علينا بأنواع الهموم الروازيا
وننبأو عنها في القرون الخواليا ... وأوجعها فقدان تلك المعاليا
فحق لنا إهراق دمع المآقيا ... مصابيح داجيها لخطب وداهيا
مذيق العدى كاسات سم الأفاعيا ... تذكرت والذكرى تهيج البواكيا
معاهد كانت بالهدى مستنيرة ... وأراضها بالعلم والدين قد زهت
وقد أينعت منها الثمار فمن يرد ... وأنهارها للواردين شريعة
وقد غردت أطيارها برياضها ... وكنا على هذا زمانا بغبطة
فما كان إلا برهة ثم أطبقت ... فكنا أحاديث كأخبار من مضى
لعمري لئن كانت أصيبت قلوبنا ... لقد زادت البلوى اضطراما وحرقة
فقد أظلمت أرجاء نجد وأطفئت ... لموت إمام الدين والعلم والتقى
إلى أن قال:
وأصبح ناعي الدين فينا مناديا ... وحل بها من موجعات التآسيا
ولما نمى الركبان إخبار موته ... رثيناه جبرا للقلوب لما بها
стр. 7771
وغيظ العدى فليبك من كان باكيا ... وحل بنا خطب من الرزء شاجيا
يضيء سناها للورى متساميا ... وهطال سحب العفو من كل غاديا
على قبره ذا ديمة ثم هاميا ... وألحقه بالصالحين المهاديا
وأضحى دفينا في المقابر ثاويا ... ويبهر ضوء الشمس أزكى سلاميا
لشمس الهدى بدر الدجى علم الهدى ... لئن ظهرت منا عليه كآبة
فقد كسفت للدين شمس منيرة ... سقى الله رمسا حله وابل الرضى
ولا زال إحسان الإله وبره ... وأسكنه الفردوس فضلا ورحمة
عليه تحيات السلام وإن نأى ... يفوق عبير المسك عرف عبيرها
* * *
مضى لسبيل كلنا فيه ماضيا ... ربوع ذوي الإسلام منه خواليا
بآثار آباء كرام المساعيا ... وأحيوا من الأعلام ما كان عافيا
يقصر عن تعدادهن نظاميا ... وليس يواريها غطاء المعاديا
وبالعفو عنهم يا مجيب المناديا ... إلى الخير يا من ليس عنا بلاهيا
فيا معشر الإخوان صبرا فإنما ... فإن أفل البدر الفريد وأصبحت
فقد شاد أعلام الشريعة واقتفى ... همو جددوا الإسلام بعد اندراسه
وكم لهمو من منحة وفضيلة ... مناقبهم لا يحصيها النظم عدة
فيا رب جد بالفضل منك تكرما ... وأبق بنيهم سادة يقتدى بهم
стр. 7772
الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀
هو الإمام العالم العلامة، الفقيه البحر الفهامة، المدقق النبيه، المحقق الموفق، مفيد الطالبين وقامع المشبهين، شيخ الإسلام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان بن خميس أبا بطين العائذي، ولد في بلد الروضة سنة ١١٩٤ من الهجرة، ونشأ بها نشأة حسنة، في الديانة والصيانة، والعفاف، وطلب العلم.
أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، والشيخ محمد بن عبد الله بن طراد الدوسري الحنبلي؛ فمهر في الفقه، وفاق أهل عصره في إبان نشاته، ثم ارتحل إلى شقراء، وأخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الحصين، في التفسير والحديث والفقه، وأصوله، وأصول الدين، حتى برع، وأخذ عن الشيخ أحمد بن حمزة بن رشيد العفالقي الأحسائي ثم المدني، وعن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، واجتهد حتى صار منارا يهتدى به، وإماما يقتدى به.
ولي القضاء زمن الإمام سعود في بلد الطائف، ودرس فيه؛ وأخذ عنه جماعة في الحديث والتفسير، وعقائد السلف، ثم رجع إلى بلده قاضيا عليها وبلدان الوشم.
стр. 7773
قال الشيخ إبراهيم بن عيسى: هو الإمام، والحبر الهمام، العالم العلامة، القدوة الفهامة، حسن السيرة والورع، والديانة، والصيانة، والعفاف، جلدا على التدريس، لا يمل ولا يضجر، ولا يرد طالبا، كريما سخيا، وقورا دائم الصمت قليل الكلام، كثير التهجد والعبادة، حسن الصوت بالقراءة، قراءته مرتلة مجودة، معرضا عن القال والقيل، ماشيا على أهدى سبيل، وأثنى عليه هو وغيره، وهو أشهر من أن يذكر.
وله:
١- حاشية على شرح المنتهى مجلد.
٢- حواش وتعليقات على شرح الزاد وغيره.
٣- رسالة في تجويد القرآن.
٤- كتاب كشف تلبيس داود بن جرجيس.
٥- الانتصار، رد عليه أيضا.
٦- فتاوى تبلغ مجلدا، فرقناها في مواضعها. وكتب كثيرا من الكتب الجليلة بخطه الحسن المتقن، ونقل على كثير منها كثيرا من الفوائد.
وصار قاضيا أيام الإمام تركي، في عنيزة وبلدان القصيم.
أخذ عنه العلم جماعة منهم: ابنه عبد الرحمن، والشيخ محمد بن عبد الله بن مانع، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم،
стр. 7774
والشيخ علي بن محمد بن راشد، والشيخ إبراهيم بن حمد بن عيسى، وابنه الشيخ أحمد، والشيخ علي بن عبد الله بن عيسى، والشيخ حسن بن علي، والشيخ عبد العزيز بن محمد، والشيخ محمد بن إبراهيم بن سيف، والشيخ محمد بن عبد الله بن حميد، والشيخ علي بن محمد، والشيخ علي البناني، والشيخ علي بن محمد آل مقبل، والشيخ إبراهيم بن عجلان، والشيخ سليمان بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الله بن عبد الكريم، والشيخ صالح بن حمد بن نصر الله، وغيرهم جم غفير.
توفي رحمه الله تعالى في شقراء، سنة ١٢٨٢?.
الشيخ عبد العزيز بن حسن رحمه الله تعالى
هو العالم العلامة، الأريب الأديب، ذو العنصر الزكي، والبيت التقي، الشيخ الفاضل: عبد العزيز بن حسين بن عبد الله بن محمد بن يحيى، من جرثومة بني لام، الذين لهم سابقة مشهورة قديمة في الإسلام، ولأهل الإسلام.
ولد في بلدة ملهم وشب بين أبويه وعمومته.
وأخذ العلم عن الشيخ محمد بن مقرن، ثم رحل إلى الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فأخذ عنه الفقه والتفسير، والتجويد والعربية وغيرها، وعن ابنه الشيخ عبد اللطيف وغيرهم.
وكان ﵀ شهما، هماما تقيا، آمرا بالمعروف
стр. 7775
ناهيا عن المنكر، مفيدا للطالبين واعظا للراغبين، قامعا للمفسدين، لا تأخذه في الله لومة لائم، سخيا حسن الخلق، ذا عفاف وسمت، وفصاحة وكرم وسماحة.
وكان يلقب بـ "حصام".
ولي القضاء في ولاية الإمام فيصل، وله فتاوي.
أخذ عنه العلم ابنه الشيخ ناصر، وعبد الرحمن وسعد.
وقرأ عليه ابنه عبد الله، وأخذ عنه الشيخ حمد بن عبد العزيز، والشيخ عبد الله بن حمد الحجازي، والشيخ محمد القصير وعلي القصير، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد المحسن ومحمد آل يحيى، وعبد الله بن مفدى، وناصر بن ناصر وغيرهم.
توفي رحمه الله تعالى سنة ١٢٩٨?.
الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى
هو الإمام العلامة، الورع الفهامة، الثقة الفارس في العلوم، ذو الهمة والشجاعة، الشيخ: حمد بن علي بن محمد بن عتيق بن راشد بن حميضة، ولد في الأفلاج ١، وأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ