← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى; وبعد: فقد خاض بعض الجاهلين في معنى كلمة الإخلاص وإعرابها، وأتى بخلط وجهل لا يسع السكوت عليه؛ فنقول: اعلم أن لا إله إلا الله هي كلمة التقوى، والعروة الوثقى، وأصل دين الإسلام، ومفتاح دار السلام; قد دلت بمنطوقها وموضوعها على نفي استحقاق الإلهية عن غيره تعالى، والبراءة من كل معبود سواه، قولا وفعلا، وإثبات استحقاق الإلهية على وجه الكمال لله تعالى. فالأول: وهو النفي، يستفاد من: لا واسمها وخبرها المقدر؛ والإثبات: يستفاد من الاستثناء، لأن الإثبات بعد النفي المتقدم أبلغ من الإثبات بدونه؛ وهذه طريقة القرآن، يقرن بين النفي والإثبات غالبا، كما في هذا الموضع، لأن المقصود لا يحصل إلا بهما، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، وقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ١"٢] ، وقال عن نبيه يوسف: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله.

стр. 912

قال ابن القيم ﵀: وطريقة القرآن في مثل هذا، أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى الله، ويثبت عبادته: وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي؛ فلا يكون التوحيد، إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة لا إله إلا الله. انتهى. ولذلك أفادت هذه الكلمة، الحصر والاختصاص؛ وقرر بعض المحققين لهذه الكلمة الطيبة، وما شابهها من الآيات التي ابتدأت بنفي الإلهية والعبادة عن غير الله، أن ذلك أبلغ وآكد في الإثبات والاختصاص; ومنه: لا رجل إلا زيد، أو: لا كريم إلا زيد، فإنه مع إفادته نفي الصفة عن غير المستثنى، أفاد إثباتها له على وجه الكمال الذي لا يتأتى بمجرد الإثبات، من غير نفي، فلا تقيده: زيد رجل; أو زيد كريم; ولأن بين النفي والإثبات هنا تلازم من كل وجه، فلا براءة من الشرك وعبادة غير الله إلا بتوحيده، ولا توحيد إلا بالبراءة من كل معبود سوى الله؛ وكما تضمنت العلم، فهي تتضمن العمل؛ ولا يتصور وجود شهادة، وإذعان وإتيان بمدلولها إلا مع العلم والعمل، وهذا الذي قررناه تدل عليه عبارات أهل العلم، من اللغويين والمفسرين وغيرهم. والإله وضع لكل معبود، حقا كان أو باطلا، لأنه مشتق من الإلهة، بمعنى: العبادة، قال في القاموس: أله، يأله، إلهة، وألوهية: عبد، يعبد، عبادة; وكل من عبد شيئا، فقد اتخذه إلها. انتهى، وقال غيره: إله، اسم

стр. 913

جنس، يقع على كل معبود; والإله، بمعنى المألوه، كالكتاب بمعنى المكتوب. قال شيخ الإسلام: الإله هو الذي تألهه القلوب، محبة، وذلا وإنابة، وتعظيما، وتوكلا، وخوفا، ورجاء. وكذا قال ابن القيم، وابن رجب، وغيرهما من أهل العلم. وبعد التعريف، والتفخيم، صار علما على ربنا جل وعلا، قال سيبويه: هو أعرف المعارف; قال تعالى متمدحا بذلك: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٦٥] ، والدليل على أنه بمعنى العبادة، قول رؤبة: لله در الغانيات المُدَّهِ ... سبحن واسترجعن من تأله يعني تعبد، وقرأ ابن عباس: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٧] ، أي: عبادتك، وزنا ومعنى) ; وأما التعبيد، فهو في الأصل: التذليل، كما قال الشاعر: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد والمور المعبد هو: الطريق المذلل. وفي الاصطلاح: هي أخص، لأنه لا بد فيها من وجود الركن الأعظم، وهو الحب، قال في الكافية:" وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان والقطب: الأس الذي عليه المدار. وبهذا يتبين أن المقصود: نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى، لا نفي وجود التأله والتعبد لسواه; فإن نفي وجوده مكابرة للحس والنص، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ

стр. 914

عِزّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨١] ، وقال: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٨٦] ، وقال عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [سورة يس آية: ٢٣] ، فسمى معبوداتهم على اختلاف أجناسها آلهة؛ وعبادة غير الله وجدت وانتشرت، واشتهرت في الأرض، من عهد قوم نوح، وقد تقدم أن من عبد شيئا، فقد اتخذه إلها؛ ويدل عليه، قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] . وقد غلط هنا بعض الأغبياء، وقدر الخبر: "موجود"، وبعضهم قدره: "ممكن"، ومعناه: أنه لا يوجد، ولا يمكن وجود إله آخر، وهذا جهل بمعنى الإله; ولو أريد بهذا الاسم الإله الحق وحده، لما صح النفي من أول وهلة؛ والصواب: أن يقدر الخبر: "حق"، لأن النزاع بين الرسل وقومهم في كون آلهتهم حقا أو باطلا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٤] ، وأما إلهية الله فلا نزاع فيها، ولم ينفها أحد ممن يعترف بالربوبية. لكن زعموا أن إلهية أندادهم وأصنامهم، حق أيضا، ولذلك قالت لهم رسلهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ؛ وبادر منهم من جحد ذلك بقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] ، لما دعي إلى هذه الكلمة، فأنكروا إبطال عبادتها المستلزم لإبطال تسميتها، وهذا مستفيض عندهم، قد ارتاضت به

стр. 915

ألسنتهم، لا يحتاجون فيه إلى موقف ومعلم، بل عرفوه بمجرد الوضع، قال أبو جهل لأبي طالب لما دعاه النبي ﷺ إلى كلمة الإخلاص: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فعرف بعربيته أنها تبطل عبادة وإلهية من عبده عبد المطلب وقومه، وهذا قصر إفراد، لا قصر قلب، لأن المقصود إفراده بالإلهية واستحقاقها. فيكون النفي على هذا منصبا على الخبر، وهو: "حق" المقدر. وتقديره: موجود، أو ممكن، لا يفيد ما تقدم، إلا إذا وصف الاسم بحق; وقيل: لا إله حق موجود، فحينئذ يستقيم الكلام، ويرجع إلى ما قلنا. و"لا" هذه هي: النافية للجنس، واسمها يبنى معها على الفتح، على المشهور، والخبر ما مر تقريره، و"إلا" أداة استثناء، وما بعدها هو المستثنى، وهو مرفوع، والعامل فيه، هو العامل في الخبر لأنه بدل منه عند البصريين، وعند الكوفيين هو عطف نسق، قال ثعلب: كيف يكون بدلا، وهو موجب، ومتبوعه منفي يريد أن التابع والمتبوع لا بد أن يتوافقا نفيا وإثباتا، وأجيب عنه بأنه بدل منه في عمل العامل؛ وتخالفهما في النفي والإيجاب لا يمنع البدلية، وأجاب خالد الأزهري بأن محل اشتراط ذلك في غير بدل البعض. قلت: وبما قالوه، يعلم أن المستثنى مغاير للمستثنى منه معنى ولفظاً، فمن أجهل خلق الله وأضلهم من

стр. 916

فهم دخول المثبت في المنفي، والمستثنى في المستثنى منه; فكيف يتوهم من يعقل ما يقول دخول الإله الحق في اسم: "لا" المنفي؟! وهل بعد هذا التوهم من الضلال، أمد ينتهي إليه؟ وقد ترد "إلا" بمعنى: غير، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٢] ، وذلك إذا كان الموصوف جمعا أو شبهه، ويؤيده حديث الاستفتاح: "سبحانك اللهم وبحمدك.... ولا إله غيرك" وعاقبت "غير" "إلا" في هذا المحل، وهي تفيد مغايرة ما قبلها لما بعدها بالذات، كما إذا قلت: جاءني رجل غير زيد، وفي الصفات، كقولك: خرجت بوجه غير الذي دخلت. إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه رفع إلي رسالة لرجل فارسي تكلم فيها على معنى: لا إله إلا الله، وأتى بخلط وضلال، يخالف ما عليه أهل العلم في هذا المقام، من ذلك: أنه افتتح رسالته بقوله: الحمد لله المتوحد بجميع الجهات، وهذه العبارة دائرة بين أمرين: إما سوء المعتقد، والقول بأنه تعالى في كل مكان، كما هو قول أهل الحلول، وإما الجهل بالعربية ومعاني الحروف، ولا يقال إن "الباء" بمعنى "من" لأنها لا تنوب إلا عن "من" التبعيضية، ويشترط في نيابتها أن تشرب معنى لا يستفاد من "من"، وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [سورة الإنسان آية: ٦] ، وقول الشاعر:

стр. 917

شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج ثم قال في رسالته: وبالله التمسك والاعتصام; والتمسك إنما يكون بدينه، وكتابه، وأمره، ولا يقال: تمسكت بالله، لأن التمسك بمعنى: الالتزام والأخذ والثبات; ولا تليق هذه المعاني هاهنا، وقال في رسالته: إن الإله وضع في اللغة للمعبود فقط، لا بقيد الحقيقة أو البطلان; وهذه العبارة كذب على اللغة، فإن كتب اللغة بأجمعها، دلت وقررت أن الإله موضوع لكل معبود، وأدلة ذلك تعرف في مواضعها، فلا نطيل بذكرها. وأيضا هذه العبارة فاسدة، من جهة المعنى، فإنه لا يتصور، ولا يوجد إله غير مقيد، ولا موصوف بحق أو باطل، هذا كلام لا يعقل، فكيف ينسب إلى اللغة، أو ينقل، فإن القسمة في مسمى الإله ثنائية، إما حق أو باطل؟ وتجويز الثالث مستحيل عقلا وشرعا، ولا يقول هذه العبارة إلا مخبول في عقله، جاهل في حكايته ونقله. وقال في رسالته: إن الإله في "لا إله إلا الله" واقع على الإله الحق، وسميت آلهة، باعتبار زعم من عبدها، وهذا منه جهل عريض، وظلمات مركبة، كيف يقع في ذهن من له أدنى تعقل وتفهم تجويز ذلك، وأن الله ورسوله يسميها آلهة، باعتبار زعمهم، ويجاريهم في هذا الزعم والتسمية، ثم يكفرهم بهذا، ويبيح دماءهم وأموالهم،

стр. 918

ونساءهم، لعباده المؤمنين؟ ويرتب على تركه والبراءة منه، ما رتبه من الإسلام والإيمان، والأحكام الدنيوية والأخروية. ولو جارى قريشا، وسماها أسماء تختص بالحق، لما حصل التوحيد والإيمان، من مدلول هذه الكلمة، ولما قالوا له: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] ؛ لأن المثبت عين المنفي، على زعم هذا، وهو الإله الحق; وهذا تغيير لدين الإسلام، وإلحاد في معنى كلمة الإخلاص، وتأييد لما زعمه عباد الأصنام، من أنها حق لا باطل ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠ والروم آية ٣٠] . ولذلك راج بهرجه على جهلة المدعين للطلب، أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق في المعتقد، فأي ريح هبت مالت بهم، وأي غرض عرض عصفهم؛ فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشاد. ويرده قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣٣] . وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية [سورة النمل آية: ١٤] ؛ فإن فيها أنهم يعرفون بطلانها، ولا يعتقدون في الباطن أنها حق، وهذا يبطل قوله: سميت آلهة باعتبار اعتقاد من عبدها، ويبطل قوله: وأن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع اعتقاد العابد أنها حق.

стр. 919

وقال في رسالته: إن إله وضع للمفهوم الكلي، يريد به تقرير ما مر من الباطل، والكلي هو الذي لا يتقيد بذات، ولا بصفة. وهذه قضية كاذبة خاطئة، لم يوضع إلا للجنس الشايع في أفراده، والمعاني الكلية لا توجد إلا ذهنية، لا خارجية؛ ولذلك ضل من ضل من المتكلمين في إثبات وجود الرب، ووجود ذاته، وقال بنفي الصفات؛ بناء على أن الكلي لا يتقيد، ولا يتخصص بصفة من الصفات؛ وهذا من أكبر قواعدهم، وإفكهم الذي جر إليهم الكفر الجلي، وجحد ما في الكتاب والسنة من الصفات. وكلام السلف: في تكفيرهم وتضليلهم موجود مشهور، لا نطيل بذكره، فمن أقل ما قيل فيهم، قول محمد بن إدريس الشافعي: حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على علم الكلام. وأصل ضلال: جهم، أنه لقي قوما من السمنية، فجادلهم بالكلام والمنطق، فقالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال: نعم. قالوا: فهل رأيته؟ هل سمعته؟ أو لمسته؟ أو ذقته؟ قال: لا; فتحير الخبيث أريعين يوما، لا يدري من يعبد. ثم استدرك حجة من جنس حجج النصارى، وقال لهم: أنتم تقولون بوجود الروح، هل رأيتموها؟ أو سمعتموها؟ أو لمستموها؟ أو ذقتموها؟ قالوا:

стр. 920

لا، قال: فكذلك، هو، روح غائب عن الأبصار. وهذا الكلام الذي أورده السمنية على جهم، باطل مموه؛ وهؤلاء يقال لهم: السفسطائية، وأصل هذه الكلمة ومعناها: الحكمة المموهة. وحق الكلام أن يقال: ما لا يحس، ولا يمكن الإحساس به، لا يكون موجودا، فموهوا بأن ما لا يحسه هو، ويدركه بحواسه، لا يكون موجودا. فارتبك الغبي، ولم يفرق بين ما لا يمكن إحساسه، وما لا يدركه هو بحاسته، فأجاب بجوابه الفاسد المتقدم. ولو هدي للعقل والنقل، لفرق بين العبارتين، وقال لهم: الله تعالى يمكن الإحساس به، فيرى يوم القيامة، ويسمع كلامه، وقد أدرك موسى كلامه بحاسة سمعه، وسمعته ملائكته وما شاء من خلقه؛ والإنسان يقر ضرورة بوجود أشياء لا يحس بها هو، مما يعرف بضرورة العقل، كوجود بعض الأماكن والأمم، بل وأصله الذي تكون منه، وهو مادته، لا يحس به هو، ولا ينكره عاقل، لكنه يمكن أن يحس به غيره. فإحساس الإنسان نوع; وإمكان الإحساس نوع آخر؛ وبسبب عدم التفرقة، ضل جهم وشيعته; وجره الكلام المموه إلى الكفر البواح، والانسلاخ من الدين; فكيف يقول عاقل بقول لم يسبق إليه؟ ولا يصح له معنى، عند أهل العلم والإيمان؟ ويعتمد عبارة منطقية في مثل هذا

стр. 921

الشأن، هذا لو سلم أن المناطقة أوردوها هنا. والصواب أنها مختلقة، لا محكية. مع أن عبارة صاحب هذه الرسالة فاسدة من جهة أخرى، وهو أنه زعم في أول رسالته أن المراد باسم الإله هو: الإله الحق، وأن آلهة المشركين سميت بذلك باعتبار اعتقادهم فيها، وقد تقدم هذا عنه، ولكن سيق هنا لبيان تناقضه؛ فإن التقييد ينافي المعنى الكلي. فكلامه تخريف، وظلمات بعضها فوق بعض ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] . وفي آخر كلامه اضطرب: وقال: وضع للمفهوم الكلي، وإن لم يوجد منه إلا فرد، كالشمس; وهذا مع مخالفته ما تقدم، فهو غلط قبيح، من وجوه: منها: أنه يلزم عليه أن المنفي عين المثبت، وأنه مساو لاسم الله في معناه، ومدلوله. وهذا ضلال مبين، ولا يستقيم معه نفي إلهية ما سوى الله، ولا تدل الكلمة الطيبة على التوحيد على زعم هذا، لأن المنفي هو المثبت، فأي نفي وأي توحيد يبقى مع اتحادهما معنى. وقد تقدم إبطال هذا، ورده، وأن الله سمى معبودات المشركين آلهة، وأبطل عبادتها، وإلهيتها. وقد تقدم قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨١] ، وقوله عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [سورة يس آية: ٢٣] ، فسماها آلهة مع الحكم بأنها لا تغني

стр. 922

عنهم شيئا، ولا ينقذونهم، وقال منكرا على من عبد سواه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة يس آية: ٧٤] . وحكى عن خليله: إبراهيم، أنه قال لقومه: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٨٦] ، جعلها إفكا، مع تسميتها آلهة، فأي شبهة تبقى مع هذا؟ وكيف يقول من يسمع هذه الآيات ويفهمهما: أن الله سماها آلهة باعتبار اعتقاد المشركين، وأن "إله" وضع للإله الحق، ولا يقال لغيره إله، فنعوذ بالله من الجهل والعمى. وقول المناطقة: إن الشمس وضعت لكل كوكب نهاري، مردود، لأن الله هو الذي وضع الأسماء، وعلمها آدم، وحين التعليم والوضع، لم يكن في الخارج إلا هذا الكوكب المعروف، فدعوى: دخول غيره، لو فرض وجوده، باطل. وقال في رسالته: إن الاستثناء وقع من الإخراج المنوي، يريد به الجواب عن الاعتراض، الذي مر، وهو: أن كلمة التوحيد، على تقريره، لا تفيد النفي والإبطال لآلهة المشركين، ولكل ما عبد من دون الله، وأن المثبت عين هذا المنفي، والمستثنى نفس المستثنى منه. وحاصل جوابه: أن الإخراج والإبطال وقع بالنية، فاستثني من المنوي، وهذا تصريح منه بأن لا إله إلا الله ما نفت، ولا أخرجت، ولا أبطلت شيئا، إلا بالنية; وأنها لم تدل على التوحيد باللفظ، وهذا الجهل العريض

стр. 923

الأكبر لم يسبقه إليه سابق، ولم يقل به من يعرف معنى الكلام؛ حتى المشركون يعرفون ويفهمون من هذه الكلمة إبطال آلهتهم، ونفي استحقاقها للعبادة، ولذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] ، فعرفوا النفي، أنه من اللفظ، وعرفوا المعنى المقصود من الإله، وعرفوا المراد من الاستثناء، وكل هذا عرفوه بمجرد اللغة، وكونهم عربا؛ فجاء هذا الفارسي الذي لا يعرف لغتهم، ولا يحسن شيئا منها، فخبط خبط عشواء، وهرول ولكنه في ظلماء؛ شعرا: ما كل داع بأهل أن يصاخ له ... كم قد أصم بنعي بعض من ناحا وهذا القول: لم يسبقه إليه عاقل، يفهم ما يقول. والنحاة مجمعون على أن الاستثناء من المذكور، لفظه وحكمه، إلا أن السهيلي قال: لم يدخل المستثنى في المستثنى منه، بل الاستثناء أثبت حكما مستقلا مغايرا لما قبله، وقال بعضهم: الاستثناء أخرج من الحكم المذكور، لا من اللفظ. ومذهب الجمهور: أن الاستثناء من اللفظ والحكم معا، الاسم من الاسم، والحكم من الحكم، ومن الممتنع: إخراج الاسم المستثنى منه، مع دخوله تحته في الحكم، فإنه لا يعقل الإخراج حينئذ البتة، فإنه لو شاركه في حكمه، لدخل معه في الحكم والاسم جميعا، فكان استثناؤه غير معقول. ورد أهل هذا القول: زعم من زعم أن المستثنى مسكوت عن حكمه قبل الاستثناء، نفيا وإثباتا، وأبطلوا ذلك

стр. 924

من وجوه؛ منها: أنك إذا قلت: ما قام إلا زيد، وما ضربت إلا عمرا، ونحو ذلك من الاستثناءات المفرغة، لم يشك السامع أن الأحكام المذكورة أثبتت لما بعد "إلا" كما سلبت عن غيره؛ ولو قيل إنه مسكوت عنه، لما أفهم إثبات هذه الأفعال لما بعد "إلا". ومنها: أنه لو كان مسكوتا عنه لم يدخل الرجل في الإسلام بقول: لا إله إلا الله، لأنه على هذا التقدير الباطل، لم يثبت الإلهية لله. فهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله بوصف الاختصاص؛ فدلالتها على إثبات الإلهية أعظم من دلالة قولنا: الله إله، ولا يستريب أحد في هذا البتة انتهى ملخصا. وهو يبطل كلام الفارسي، ويبين جهله من وجوه: فالأول: إجماعهم على أن الاستثناء باللفظ، والإخراج باللفظ، خلافا له. والثاني: أنهم متفقون على مغايرة إلا لما قبلها في الحكم واللفظ. ومنها: اتفاقهم على سلب الحكم عما قبل "إلا" وإثباته لما بعدها، فتأمل؛ ثم أتى بطامة أخرى، كأخواتها، فقال: إنه لا حاجة إلى تقدير في الخبر، بل يقدر من الأفعال العامة، كالوجود، والإمكان، وهذا مبني على أساسه الفاسد، الواهي، وهو قوله: إن "إله" يستعمل ويراد به: الإله الحق، في الكلمة الطيبة، فكونه حقا، يستفاد عنده من اسم "لا" وهو: إله، فلا حاجة إلى أن يجعل الخبر حقا، وكل من تصور المعنى المراد أي تصور، يعرف أن

стр. 925

المنفي كون هذه الآلهة التي عبدت من دون الله حقا، ويعرف فساد هذا القول، وقد مر تقريره في كلامنا. والنّزاع بين الرسل ومن خالفهم، في حقيقة معبوداتهم مع الله، لا في وجودها، فإن الوجود أمر محسوس لا ينكر، ولكن أهل الكلام يكذبون بالحسيات والبديهيات، ويزعمون أنهم أهل العلم والعقليات، ويسمون نصوص الكتاب والسنة ظنيات، وقواعد المناطقة قطعيات، فلا عجب من ضلالهم في معنى هذه الكلمة. وما أحسن ما حكى الله عن رسله من قولهم، لمن كذب بتوحيده، وشك فيما جاءت به رسله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ١٠] ، لأن هذا من أظهر الظاهرات، وأوضح الواضحات، وأبين البينات. وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل وأما قوله: إن المشتق يتحد مع المشتق منه في المعنى، فهي عبارة جاهلية تدل على إفلاس قائلها من العلم، لا سيما علم الصرف واللغة، كفى بالجهل قائلا: الله مشتق من: إله، أو من الآلهة، وهو لا يوافقه، ولا يتحد معه في المعنى، وضرب من الضرب، وشرف من الشرف، هذا في الاشتقاق الأصغر، والاشتقاق الأكبر مثل ذلك وأظهر، كما في خلق، وخرق، وأمثالهما؛ فإن المدار في ذلك على الاتفاق في معظم الحروف. واشتق عمرو" وهو دال على الذات" من التعمير، وهو المصدر، واشتق محمد

стр. 926

من الحمد، وبينهما تفاوت في اللفظ والمعنى، ولو قيل: إنه يتضمنه وزيادة، لصح الكلام، واستقام. وبالجملة: فلا يقول هذا إلا من لا يعرف ما يتكلم به؛ وقال بعد ما سبق من الهذيان: وحاصل المعنى: سلب مفهوم الإله لما سوى الله، كأنه أراد عما سوى الله، فقال: لما; فلم يفرق بين معنى اللام، وعن ; ومن بلغت به الجهالة، إلى هذه الغاية والحالة، سقط معه البحث والمقالة. وذكر لي أنه يزعم، أو بعض تلامذته: أن هذا التخليط مأخوذ من كلام شيخ الإسلام، وهذا من أعجب العجب، كيف ينسب إليه هذا الجهل والضلال، مع وفور عقله وعلمه، ومتانة دينه وجودة بحثه، وامتيازه في العلوم. ولكن إن صح هذا، فله فيه سلف، نقل لنا عن داود بن جرجيس العراقي، أنه يزعم أنه يرد على شيخنا بكلام ابن تيمية، وابن القيم، فلما وقفنا على كلامه، إذا هو من أجهل خلق الله بكلامه ودينه، وبكلام نبيه، وبكلام أولي العلم من خلقه. وأبلغ من قول هذين وأعجب، قول اليهود: إن إبراهيم كان يهوديا، وقول النصارى: بل كان نصرانيا، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٧] . وأما قوله: هذا ما ظهر لي، فصدق في هذه، وهل يظهر الحق والصواب إلا لمن اعتصم بالسنة والكتاب; وأما من

стр. 927

أعرض عن ذلك، فقد سد على نفسه الباب، وكشف حجابه عن فهم المراد والخطاب. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٦٠] . خاتمة، تتضمن النصيحة لله، ولرسوله، وكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، لا سيما جهال الطلبة، الذين لا بصيرة لهم بدين الله، ولا معرفة لهم بحدود ما أنزل الله على رسوله، فاعلم أن أمر المسلمين ما زال مستقيما في القرن الأول، والقرن الثاني، على ما كان عليه السلف الصالح، في أفضل أبواب العلم، وأشرفها، وأوجبها، وهو: باب معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وفي: باب عبادته وحده لا شريك له. ثم دخل في أمور المسلمين، مع ولاة الأمور، من قصر في باب العلم باعه، وقل في شرع نبيه نظره واطلاعه، قوم أعيتهم السنن أن يحفظوها، وأبت عليهم الأحكام أن يعرفوها، فطلبوا علوم الأوائل من أهل منطق اليونان واستحسنوها؛ وتركوا السنة والقرآن وما فيهما من الأحكام، ولم يعظموها؛ منهم: بشر المريسي، وابن أبي دؤاد، وكانا قد تمكنا من عبد الله: المأمون، أمير المؤمنين الخليفة العباسي، وزينا لديه المنطق وحسناه، وأنه ميزان العقول والأفكار. فلهج به المأمون واشتغل، واعتقد أنه امتاز على من

стр. 928

سبقه في باب معرفة الله، وما يجب له وما يستحيل عليه; وما زال به ذلك حتى ألزم الناس برأيه، ورفع شأن من وافقه وكان على طريقه، وولاهم الولايات، وعزل من خالفه وأهانه، وحبس وشرد وابتلي المؤمنون به، وجرى على الإسلام أعظم محنة، وأكبر بلية; وكتب إلى وزيره ببغداد يذم أهل السنة ويعيبهم، ويصفهم بالجهالة والضلالة، وأنهم حشو وسفلة، ولا نظر لهم ولا علم، ولا نور ولا فهم، يعني بذلك الإمام أحمد، ومن كان على طريقه المثبتين للصفات، القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق. ويقول في كتابه: إن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر، من حشو الرعية، وسفلة العامة، ممن لا نظر لهم ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله تعالى، وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه، وأنهم انتسبوا إلى السنة والجماعة، وأنهم أهل الحق، وأن من سواهم أهل الباطل، والكفر، وإنما هم أوعية الجهالة وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه، من أهل دين الله. وأطال الكلام، وأمر وزيره بامتحانهم على موافقته على ما اعتقد من أن القرآن مخلوق، وأمره أن يحبس، ويفعل، ويفعل، بمن امتنع عن هذا القول. ولما بلغه أن أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وأحمد بن نصر، امتنعوا من الإجابة إلى رأيه، أمر بحملهم

стр. 929

إليه في القيود. وكان بطوس في بعض غزواته، فدعا الله أحمد بن حنبل أن لا يريه إياه، فمات المأمون قبل وصولهم، فردوا إلى بغداد. ثم امتحنهم أخوه المعتصم وابنه الواثق، وجرى على الإسلام والقرآن أعظم محنة من العناية بمنطق اليونان، حتى ضرب أحمد بن حنبل بالسياط، وقتل أحمد بن نصر، وبعض العلماء شرد، وهاجر. فلما تولى أمير المؤمنين أبو جعفر المتوكل رفع المحنة، ونشر السنة، وأمر بلعن الجهمية على المنابر، وقرب الإمام أحمد وأكرمه، وأخذ برأيه، ورفع شأن السنة والقرآن، فهو الذي هدم مشهد الحسين، وما عليه من البناء الذي أحدثه الناس، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا. فتأمل ما جرّ المنطق على أهله من البلايا والمحن، وما أوقعهم فيه من التعطيل والريب والفتن; فكيف يستجيز من له أدنى عقل أو دين، أن يقرأ كتب المنطق وعلوم اليونان؟! ويدع الاشتغال بعلوم السنة والقرآن؟! وهل هذا إلا زيغ في القلوب؛ ومثل هذا لا يوفق لطلب العلم، من كتاب الله وفهمه؛ قال ابن عيينة، في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٦] أي: عن فهم القرآن. فأي ذريعة وأي وسيلة إلى ترك كتاب الله، وسنة نبيه، ومعرفته وتوحيده، أضر وأقرب من المنطق، والأخذ عن أهله، وخلط دين الله به; فنسأل الله الثبات على دينه،

стр. 930

وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يجعلنا من أوليائه وحزبه الذين ينصرونه ويذبون عن دينه وكتابه، وينفون عنه تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، وزيغ الزائغين، إنه ولي ذلك وهو على كل شيء قدير. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. [رسالة للشيخ سليمان بن سمحان في التحذير من البدع] قال الشيخ: سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله الذي أوضح المحجة للسالكين، وأقام الحجة على جميع المكلفين، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله، الصادق الأمين، الذي علم الله به من الجهالة، وهدى به من الضلالة، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وعبد الله حتى أتاه اليقين; فصلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن الله ، قد أكمل لنا الدين، وبلغ رسوله ﷺ البلاغ المبين، فليس لأحد من الناس أن يشرع في دين الله ما لم يأذن به الله، ولا أن يزيد فيه بعد أن أكمله الله، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، وقال ﷺ :

стр. 931

" تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " ١، وقال ﷺ : " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة ". وقال ﷺ : " ما تركت من شيء يقربكم من الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم من النار إلا وقد حدثتكم به " وقال ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ٢ رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ٣. وقال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله ﷺ ، وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علما"، وفي صحيح مسلم: أن بعض المشركين، قالوا لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل) . فإذا تحققت هذا وعلمته، فالواجب على المسلم أن يقتدي ولا يبتدي وأن يتبع، ولايبتدع; كما قيل: فخير الأمور السالفات على الهدى ... وشر الأمور المحدثات البدائع فقد حذر ﷺ أصحابه عن البدع، ومحدثات الأمور، وأمرهم بالاتباع الذي فيه النجاة من كل محذور، ونهاهم عن الغلو في الدين، واتباع غير سبيل المؤمنين; قال ﷺ : " إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ٤، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المعنى،

стр. 932

وقال ﷺ : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ". فعلى من نصح نفسه، وأراد نجاتها أن يعتصم بكتاب الله وسنة رسوله، وأن يتمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم القدوة، وبهم الأسوة، وما من خير إلا وقد سبقونا إليه، قال عبد الله بن مسعود ﵁: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه; فخذوا بهديهم، واعرفوا لهم فضلهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم". وقال الإمام: محمد بن وضاح، في كتاب البدع والنهي عنها: أخبرنا الحكم بن المبارك، أخبرنا عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه، قال: "كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج عليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج: قمنا إليه جميعا، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر

стр. 933

والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة؛ فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة؛ فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة؛ قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً، أنتظر رأيك، وأنتظر أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى، نعد به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تنكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير؛ قال: وكم من مريد للخير لم يصبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم." وأيم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك، يطاعنونا يوم النهروان، مع الخوارج" انتهى. فإذا كان هذا حال هؤلاء القوم، وهم إنما يكبرون الله،

стр. 934

ويحمدونه، ويسبحونه، قد كانوا مفتتحين باب ضلالة لأنهم عملوا عملا لم يكن عليه رسول الله ﷺ ولا أصحابه، فأفضى بهم إلى الغلو في الدين، والمجاوزة للحد، أن مرقوا من الإسلام، فصار أكثرهم يطاعنون الصحابة مع الخوارج، يوم النهروان. فإذا تبين هذا، وما ذكرته قبل ذلك، مما تقدم بيانه، فاعلم أنه قد حدث في هذه الأزمان من بعض الإخوان، من الغلو والمجاوزة للحد، في بعض المسائل الدينية، والأوامر الشرعية، ما يجب على كل مسلم إنكاره، وبيان خطأ من أحدثه في الدين، من غير بينة ولا برهان ولا حجة يجب المصير إليها، من السنة والقرآن، ولا قال بها أحد من أئمة الإسلام الذين هم معالم الهدى، ومصابيح الدجى، وهم القدوة، وبهم الأسوة في بيان مراتب الدين والأحكام، إلى أن قال: وأذكر قبل الشروع في الكلام على هذه المسائل والجواب عنها، معنى لا إله إلا الله، وما ذكره العلماء في ذلك، وما ذكره شيخنا: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، مفتي الديار النجدية، رحمه الله تعالى، من شروطها التي لا يصح إسلام أحد من الناس إلا إذا اجتمعت له هذه الشروط، وقال بها، علما، وعملا، واعتقادا، وكذلك نواقض الإسلام العشرة، التي ذكرها شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، لأن هذا هو الأصل الذي

стр. 935

تتفرع عليه هذه المسائل، وتنبني عليه أحكامها. فأقول، وبالله التوفيق، وبه العصمة والثقة: اعلم رحمك الله أن كلمة الإخلاص، لا إله إلا الله، هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وبها أمر الله جميع العباد؛ فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسن رسله إليها، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن لا إله إلا الله لا تنفع قائلها إلا بعد معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، وأنها لا تنفعه إلا بعد الصدق، والإخلاص، واليقين، لأن كثيرا ممن يقولها في الدرك الأسفل من النار. فلا بدّ في شهادة ألا إله إلا الله من اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فإن اختل نوع من هذه الأنواع لم يكن الرجل مسلما؟ فإذا كان الرجل مسلما. وعاملا بالأركان، ثم حدث منه قول، أو فعل أو اعتقاد يناقض ذلك، لم ينفعه قول: لا إله إلا الله؛ وأدلة ذلك في الكتاب والسنة، وكلام أئمة الإسلام، أكثر من أن تحصر. وقد أخرج البخاري في صحيحه، بسنده عن قتادة، قال

стр. 936

حدثنا: أنس بن مالك أن النبي ﷺ " ومعاذ، ﵁ رديفه على الرحل" قال: "يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله، وسعديك، قال: يا معاذ. قال لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا، قال: ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، إلا حرم الله تعالى عليه النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا " فأخبر بها معاذ عند موته تأثما. قال شيح الإسلام، وغيره، في هذا الحديث ونحوه: أنه فيمن قالها، ومات عليها كما جاءت مقيدة، لقوله: " خالصا من قلبه " غير شاك فيها، بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص، هو انجذاب القلب إلى الله تعالى، بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحالة نال ذلك. فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة؛ وتواترت بأن كثيرا ممن يقول لا إله إلا الله، يدخل النار، ثم يخرج منها؛ وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون، ويسجدون لله؛ وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً

стр. 937

رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال. وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص، وأكثر من يقولها تقليدا وعادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت، وفي القبور، أمثال هؤلاء، كما في الحديث: " سمعت الناس يقولون شيئا فقلته " ١. وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم، وهم من أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٣] . وحينئذٍ: فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذا الحال مصرا على ذنب أصلا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذا الإخلاص، وهذه التوبة، وهذه المحبة، وهذا اليقين لا تترك له ذنبا إلا محي عنه، كما يمحوا الليل النهار. فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له، ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار، ولكن تنقص

стр. 938

درجته في الجنة بقدر ذنوبه. وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته، ومات مصرا على ذلك، فإنه يستوجب النار، وإن قال لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا، لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص، فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك؛ بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرا على سيئات، فإن مات على ذلك دخل الجنة. وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة راجحة، فيضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر؛ فإن سلم من الأكبر، بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات؛ فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص بالقلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن، من غير ذوق طعم وحلاوة. فهؤلاء، لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك، بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك، ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول

стр. 939

الجنة، فإذا كثرت الذنوب، ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل، واستحلى الرفث. ومخالطة أهل الباطل، وكره مخالطة أهل الحق. فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدقه عمله، قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال، فمن قال خيرا قبل منه، ومن قال خيرا وعمل شرا لم يقبل منه. وقال أبو بكر بن عبد الله المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام، ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه. فمن قال لا إله إلا الله، ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا، وكان صادقا في قولها، موقنا بها، لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، فرجحت هذه السيئات على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب؛ بخلاف من يقولها بيقين، وصدق ثابت، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب; إما ألا يكون مصرا على سيئة أصلا، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته. والذي يدخل النار ممن يقولها، إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات، أو لرجحانها، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك

стр. 940

بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات، فترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصاً. وقال الوزير، أبو المظفر، في الإفصاح: قوله "شهادة أن لا إله إلا الله" يقتضي: أن يكون الشاهد عالما بلا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] . قال: واسم (اللَّهِ) مرتفع بعد (إِلَّا) من حيث أنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه، قال: وجملة الفائدة في ذلك، أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ فإنك لما نفيت الإلهية، وأثبت الإيجاب لله سبحانه، كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله. وقال في البدائع، ردا لقول من قال: إن المستثنى مخرج من المنفي، قال: بل هو مخرج من النفي وحكمه، فلا يكون داخلا في المنفي، إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: "لا إله إلا الله" لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمنت لنفي الإلهية عما سوى الله تعالى، إثباتها له بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات الإلهية أعظم من دلالة قولنا: الله إله؛ ولا يستريب أحد في هذا البتة. انتهى بمعناه. وقال أبو عبد الله القرطبي، في تفسير " لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 941

اللَّهُ ": أي: لا معبود إلا هو. وقال الزمخشرى: الإله من أسماء الأجناس، كالرجل، والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. قال شيخ الإسلام: الإله هو: المعبود المطاع؛ فإن الإله هو: المألوه، والمألوه هو: الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد، هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو: المحبوب المعبود، الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له، وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته؛ فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال، وذوق، فإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله. وقال ابن القيم: الإله الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا، وإنابة وإكراما وتعظيما، وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء، وتوكلاً. وقال ابن رجب: الإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ورجاء، وتوكلا عليه وسؤالا منه،

стр. 942

ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله . فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبودا بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف. وقال الطيبي: الإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، عن أله إلهة، أي: عبد عبادة، قال: الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء، وإجماع منهم؛ فدلت: "لا إله إلا الله" على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، كائنا من كان، وإثبات الإلهية لله وحده، دون كل ما سواه؛ وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره، كما قال تعالى عن الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١"٢] . فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا، واعتقد ذلك وقبله، وعمل به. وأما من قالها من

стр. 943

غير علم، واعتقاد، وعمل، فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب؛ فقوله في الحديث: "وحده لا شريك له" تأكيد، وبيان لمضمون معناها، وقد أوضح عن ذلك وبينه في قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه المبين. فما أجهل عباد القبور بحالهم! وما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك، المنافي لكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله! فإن مشركي العرب ونحوهم، جحدوا لا إله إلا الله لفظا ومعنى، وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظا، وجحدوها معنى: فتجد أحدهم يقولها، وهو يأله غير الله بأنواع العبادة، كالحب، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والتوكل، والدعاء، وغير ذلك، من أنواع العبادة. بل زاد شركهم على شرك العرب، بمراتب فإن أحدهم إذا وقع في شدة، أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ويعتقدون أنه أسرع فرجا لهم من الله؛ بخلاف حال المشركين الأولين، فإنهم يشركون في الرخاء، وأما في الشدائد، فإنهم يخلصون لله وحده، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ الآية [سورة العنكبوت آية: ٦٥] . فبهذا تبين أن مشركي هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم. انتهى من فتح المجيد، فهذا بعض ما ذكره بعض العلماء، في معنى لا

стр. 944

إله إلا الله، وفيه كفاية: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق آية: ٣٧] . فصل: وأما شروطها التي ذكر شيخنا: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، أنه لا بد منها في شهادة أن لا إله إلا الله، فقال ﵀: لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط، لا تنفع قائلها إلا باجتماعها. الأول: العلم المنافي للجهل؛ فمن لم يعرف المعنى، فهو جاهل بمدلولها. الثاني: اليقين المنافي للشك، لأن من الناس من يقولها، وهو شاك فيما دلت عليه من معناها. الثالث: الإخلاص المنافي للشرك؛ فإن لم يخلص أعماله كلها لله، فهو مشرك شركا ينافي الإخلاص. الرابع: الصدق المنافي للنفاق، لأن المنافقين يقولونها، ولكنه لم يطابق ما قالوه، لما يعتقدونه، فصار قولهم كذبا، لمخالفة الظاهر للباطن. الخامس: القبول المنافي للرد، لأن من الناس من يقولها، مع معرفته معناها، لكن لا يقبل ممن دعاه إليه، إما كبرا، أو حسدا، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من القول، فتجده يعادي أهل الإخلاص، ويوالي أهل الشرك ويحبهم. السادس: الانقياد المنافي للشرك، لأن من الناس من يقولها وهو يعرف معناها لكنه لا ينقاد للإتيان بحقوقها،

стр. 945

ولوازمها من الولاء، والبراء، والعمل بشرائع الإسلام، ولا يلائمه إلا ما وافق هواه، أو تحصيل دنياه; وهذه حال كثير من الناس. السابع: المحبة المنافية لضدها. انتهى ما ذكره الشيخ. فإذا تبين لك هذا وعرفته، وتحققت أن لا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص، وهي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى; وهي العروة الوثقى، فاعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات: نفي الإلهية عما سوى الله من المخلوقات، وإثباتها لله وحده لا شريك له، وأنها لا تنفع قائلها إلا باجتماع هذه الشروط التي تقدم ذكرها. فمن عرف معناها، وعمل بمقتضاها، وتحقق بها علما وعملا واعتقادا، فقد استمسك بالإسلام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] . فإذا علمت هذا، فقد ذكر أهل العلم نواقض الإسلام، وذكر بعضهم أنها قريب من أربعمائة ناقض، ولكن الذي أجمع عليه العلماء هو ما ذكره شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، من نواقض الإسلام، وأنها عشرة.

стр. 946

فقال ﵀: اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض: الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، ومنه: الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كفر إجماعا. الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر. الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت، على حكمه، فهو كافر. الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر. السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٥] . السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف. فمن فعله أو رضي به، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] . الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا

стр. 947

يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] . التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇، فهو كافر. العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٢٢] . ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه. انتهى. [جواب الشيخ سليمان عن الفرق بين التوحيد العلمي والإرادي] وسئل الشيخ سليمان بن سحمان ﵀: عن الفرق بين التوحيد العلمي الخبري، والتوحيد الإرادي الطلبي؟ فأجاب: الفرق بينهما "الأول: هو توحيد الأسماء والصفات والثاني: هو توحيد الإلهية. ثم وجدت لابن القيم ﵀ ما لفظه: وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب، فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد. فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وعلوه فوق سماواته على عرشه وتكلمه. وتكليمه، لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع حد الإفصاح، كما

стр. 948

في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص، بكمالها، وغير ذلك. النوع الثاني: ما تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] ، و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة يونس، ووسطها، وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن، فهي متضمنة لنوعي التوحيد. بل نقول قولا كليا: إن كل آية في القرآن، فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري؛ وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم آخر الجزء الثاني، ويليه: الجزء الثالث، كتاب الأسماء والصفات.

стр. 949

المجلد الثالث: (كتاب الأسماء والصفات) كتاب الأسماء والصفات ... قال الحبر الحجة الثقة، الإمام الأعظم، شيخ الإسلام والمسلمين، محيي السنة في العالمين، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الثواب. بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الله بن سحيم حفظه الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فقد وصل كتابك تطلب شيئا من معنى كتاب المويس، الذي أرسل لأهل الوشم، وأنا أجيبك عن الكتاب جملة، فإن كان الصواب فيه، فنبهني وأرجع إلى الحق، وإن كان الأمر كما ذكرت لك، من غير مجازفة، بل أنا مقتصر، فالواجب على المؤمن أن يدور مع الحق حيث دار؛ وذلك أن كتابه مشتمل على الكلام، في ثلاثة أنواع من العلوم: الأول: علم الأسماء والصفات الذي يسمى: علم أصول الدين ; ويسمى أيضا: العقائد، والثاني: الكلام على التوحيد والشرك، والثالث: الاقتداء بأهل العلم، واتباع الأدلة، وترك ذلك.

стр. 950

أما الأول: فإنه أنكر على أهل الوشم إنكارهم على من قال: ليس بجوهر، ولا جسم، ولا عرض ; وهذا الإنكار جمع فيه بين اثنتين، إحداهما: أنه لم يفهم كلام ابن عيدان وصاحبه الثانية: أنه لم يفهم صورة المسألة، وذلك أن مذهب الإمام أحمد وغيره من السلف، أنهم لا يتكلمون في هذا النوع، إلا بما تكلم الله به ورسوله، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله، أثبتوه، مثل: الفوقية، والاستواء، والكلام، والمجيء، وغير ذلك، وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله، نفوه، مثل: المثل، والند، والسمي، وغير ذلك. وأما ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ولا نفيه، مثل: الجوهر، والجسم، والعرض، والجهة، وغير ذلك، لا يثبتونه؛ فمن نفاه، مثل صاحب الخطبة التي أنكرها ابن عيدان وصاحبه، فهو عند أحمد والسلف مبتدع؛ ومن أثبته مثل هشام بن الحكم وغيره، فهو عندهم مبتدع ; والواجب عندهم: السكوت عن هذا النوع، اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه؛ هذا معنى كلام الإمام أحمد الذي في رسالة المويس، أنه قال: لا أرى الكلام إلا ما ورد عن النبي ﷺ فمن العجب استدلاله بكلام الإمام أحمد على ضده؛ ومثله في ذلك كمثل حنفي، يقول: الماء الكثير، ولو بلغ قلتين، ينجس بمجرد الملاقاة من غير تغير، فإذا سئل عن الدليل، قال قوله ﷺ " الماء طهور لا ينجسه شيء "١، فيستدل
следующие страницы →