← Сияса и кади

Сияса и кади · id 305

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (307 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهم الذين شهدوها للقتال، قاتَلوا أو لم يقاتلوا، ويجب قَسْمُها بينهم بالعدل، فلا يُحَابَى أحدٌ لا لرياسته (١) ولا لنَسَبِه ولا لفضله، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يقسمونها. وفي «صحيح البخاري» (٢) أن سعد بن أبي وقاص رأى له فضلًا على مَن دونه، فقال النبي ﷺ : «هل تُنْصَرون وتُرْزَقون إلا بضعفائكم». وفي «مسند أحمد» (٣) عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسول الله، الرجلُ يكون حاميةَ القوم، فيكون سهمه وسهم غيره سواء؟ ! قال: «ثَكِلتك أمُّك ابن أم سعد، وهل تُرْزَقون وتُنْصرون إلا بضعفائكم؟ ». وما زالت الغنائم تُقْسَم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس، لمَّا كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، لكن يجوز للإمام أن يُنَفِّل من ظهر منه زيادة نِكاية، كسَريَّةٍ تَسَرَّت من الجيش، أو رجل صعد حصنًا عاليًا (٤) ففتحه، أو حَمَل على مُقَدَّم العدوِّ، فقتله فهُزِم (٥) العدوُّ، ونحو ذلك؛ فإن النبي ﷺ وخلفاءَه كانوا يُنَفِّلون لذلك. وكان يُنَفِّل السريةَ في البَدْأة (٦) الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد

стр. 107

الخمس (١). وهذا النفل قد قال بعض العلماء: إنه يكون من الخمس، وقال بعضهم: إنه يكون من خُمُس الخمس، لئلا يُفَضَّل بعضُ الغانمين على بعض، والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس (٢) وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية لا هوى النفس، كما فعل النبي ﷺ غير مرة. وهذا قول فقهاء الشام (٣)، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم (٤). وعلى هذا فقد قيل: إنه يُنَفِّل الربع والثلث بشرط وغير شرط، ويُنَفِّل الزيادة على ذلك بالشرط، مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ونحو ذلك. وقيل: لا يُنَفِّل زيادةً على الثلث، ولا ينفِّلُه

стр. 108

إلا بالشرط، وهذان قولان لأحمد وغيره (١). وكذلك ــ على القول الصحيح ــ للإمام أن يقول [أ/ق ١٥]: من أخذ شيئًا فهو له، كما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة بدر (٢)، إذا رأى المصلحة (٣) راجحة على المفسدة. وإذا كان الإمام يجمع الغنيمة ويقسمها، لم يَجُز لأحد أن يغلَّ منها شيئًا ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، فإن الغُلول خيانة. ولا تجوز النُّهْبَة، فإن النبي ﷺ نهى عنها (٤)، فإن (٥) ترك الإمام الجمعَ والقسمةَ وأذِنَ في الأخذ إذنًا جائزًا، فمن أخذ شيئًا بلا عُدوان حل (٦) له بعد تخميسه، وكلُّ ما دل على الإذن فهو إذن. وأما إذا لم يأذن أو أذنَ إذنًا غير جائز= جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحرِّيًا للعدل في ذلك.

стр. 109

ومن حرَّم على المسلمين جمع المغانم ــ والحال هذه ــ أو أباح للإمام أن يفعل فيها ما شاء، فقد تقابل القولان (١) تقابُلَ الطرفين، ودين الله (٢) وسط. والعدل في القسمة: أن يقسم للرَّاجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، هكذا قسم النبي ﷺ عام خيبر (٣). ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان، والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤونة نفسه وسائسه (٤)، ومنفعةُ الناس (٥) به أكثر من منفعة راجِلَين. ومنهم مَن يقول: يسوَّى بين الفرس العربي والهجين في هذا. ومنهم من يقول: بل الهجين يُسْهَم له سهم واحد، كما رُوِي عن النبي ﷺ وأصحابه (٦).

стр. 110

والفرس الهجين: الذي تكون أمه نبطية، ويسمى في هذا الزمان: التتريّ (١)، سواء كان حصانًا أو حِجرًا، ويسمى الرَّمَكة، أو خَصِيًّا ويسمى الإكديش (٢). كان السلف يعدون للقتال الحصان لشدته ولقوَّته وحِدَّته، وللإغارة والبَيات الحِجْر (٣)؛ لأنه ليس له صهيل ينذر العدو فيحترزون، وللسَّيْر الخَصِي لأنه أصبر على السير. وإذا كان المغنوم مالًا قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار أو منقول، وعَرَفَه صاحبُه قبل القسمة، فإنه يُرَدُّ إليه بإجماع المسلمين. وتفاريع الغنائم (٤) وأحكامها فيه آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في بعض ذلك، ليس هذا موضعها، وإنما الغرض ذِكْر الجمل الجامعة.

стр. 111

فصل وأما الصدقات؛ فهي لمن سمى الله في كتابه، فقد رُوي عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله من الصدقة فقال: «إن الله لم يرضَ في الصدقة بقسم نبي ولا غيره، ولكن جزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» (١). فـ (الفقراء والمساكين) يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية (٢)، فلا تحلُّ الصدقة لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسب. (والعاملون عليها) هم الذين يَجْبونها، ويحفظونها، ويكتبونها (٣)، ونحو ذلك. (والمؤلفة قلوبهم) سنذكرهم ــ إن شاء الله تعالى ــ في مال الفيء. (وفي الرقاب) يدخل فيه إعانة المُكَاتبين، وافتداء الأسرى، وعتق الرقاب، هذا أقوى الأقوال فيها. (والغارمون) هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها، فيُعْطَون وفاء

стр. 112

دينهم (١) ولو كان كثيرًا، إلا أن يكونوا غَرِموه في معصية الله تعالى (٢)، فلا يُعْطَون حتى يتوبوا. (وفي سبيل الله) هم [أ/ق ١٦] الغُزَاة الذين لا يُعْطَون (٣) من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيُعْطَون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به، من خيل وسلاح ونفقة وأجرة. والحجُّ من سبيل الله، كما قال النبي ﷺ (٤). (وابن السبيل) هو الذي يجتاز (٥) من بلد إلى بلد (٦).

стр. 113

وأما الفيء (١)، فأصله ما ذكره الله في سورة الحشر التي أنزلها في غزوة بني النضير بعد بدر في قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٦ - ١٠]. فذكر الله المهاجرين والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم على ما وصف، فدخل في الصنف الثالث كلُّ مَن جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة، كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا

стр. 114

وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وفي قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٣]. ومعنى قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ أي: ما حركتم ولا سقتم خيلًا ولا إبلًا، ولهذا قال الفقهاء: الفيء هو ما أُخِذَ من الكفار بغير قتال، لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال. وسُمِّي فيئًا لأن الله أفاءه على المؤمنين (١)، أي: رده عليهم من الكفار، فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، فالكافرون به أباحَ نفوسَهم التي لم يعبدوه بها، وأموالَهم التي لم يستعينوا بها على عبادته لعباده (٢) المؤمنين الذين يعبدونه، وأعاد عليهم (٣) ما يستحقونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِب من ميراثه، وإن لم يكن قبضه قبل ذلك. وهذا مثل الجزية التي على اليهود والنصارى، والمال الذي يُصالح عليه العدو، أو يهدونه إلى سلطان المسلمين (٤)، كالحمل الذي يُحْمَل من بلاد النصارى ونحوهم، وما يؤخذ من تجار أهل الحرب وهو العُشْر، ومن تجار

стр. 115

أهل الذمة إذا اتَّجروا في (١) غير بلادهم وهو نصف العُشْر. هكذا كان عمر بن الخطاب ﵁ (٢) يأخذ (٣). وما يؤخذ (٤) من أموال من ينقض العهد منهم، والخراج الذي كان مضروبًا في الأصل عليهم، وإن كان قد صار بعضه [أ/ق ١٧] على بعض المسلمين. ثم إنه يجتمع مع الفيء جميع الأموال السلطانية التي لبيت مال المسلمين ؛ كالأموال التي ليس لها مالك مُعَيَّن، مثل من يموت من المسلمين وليس له وراث معين، وكالغُصُوب، والعواري، والودائع (٥) التي تعذَّر معرفة أصحابها، وغير ذلك من أموال المسلمين العقار والمنقول (٦).

стр. 116

فهذا ونحوه مال المسلمين، وإنما ذكر الله في القرآن الفيءَ فقط؛ لأن النبي ﷺ ما كان يموت على عهده ميت إلا وله وارثٌ معيَّن؛ لظهور الأنساب في أصحابه. وقد مات مرةً رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى كبير (١) تلك القبيلة (٢)، أي: أقربهم نسبًا إلى جدهم. وقد قال بذلك طائفة من العلماء كالإمام أحمد في قول منصوصٍ وغيره (٣). ومات رجل ولم يُخَلِّف إلا عتيقًا له فدفع ماله لعتيقه (٤). وقال بذلك

стр. 117

طائفة من العلماء (١) من أصحاب أحمد وغيرهم. ودفعَ ميراثَ رجل إلى رجل من أهل قريته (٢). وكان النبي ﷺ هو وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه سبب (٣) كما ذكرناه. ولم يكن يأخذ من المسلمين إلا الصدقات، وكان يأمرهم بأن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، كما أمر الله تعالى به في كتابه. و لم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوانٌ جامع على عهده وعهد أبي بكر ﵁، بل كان يقسم المال شيئًا فشيئًا، فلما كان في زمان عمر ﵁ كَثُرَ المال، واتسعت البلاد، وكثر الناس، فجعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم.

стр. 118

وديوان الجيش ــ في هذا الزمان ــ مشتمل على أكثر ذلك الديوان، وهو (١) أهم دواوين المسلمين. وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء لما يُقْبَض من الأموال، وكان النبي ﷺ وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات، والفيء، وغير ذلك. فصارت الأموال في هذه الأزمان وما قبلها ثلاثة أنواع: نوع (٢) يستحقّ الإمام قبضَه بالكتاب والسنة والإجماع، كما ذكرناه. وقسم يحرم أخذه بالإجماع، كالجبايات (٣) التي تؤخذ من أهل (٤) القرية لبيت المال؛ لأجل قتيل قتل بينهم وإن كان له وارث، أو يؤخذ من الرجل على حدٍّ ارتكبه (٥)، وتسقط عنه العقوبة بذلك، وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقًا. وقسم فيه اجتهاد وتنازع (٦)، كمال من له ذو رَحِم ليس بذي فرضٍ ولا

стр. 119

عَصَبة، ونحو ذلك. و كثيرًا ما يقع الظلم من الولاة والرعية ؛ هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب، كما قد يتظالم الجندُ والفلاحون، وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة من مال الله مما لا يحل كنزه، وكذلك العقوبات على أداء الأموال؛ فإنه قد يَتْرك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل. والأصل في ذلك: أن كل مَن عليه مال يجب أداؤه؛ كرجل عنده وديعة، أو مضاربة، أو شركة، أو مال لمُوَكِّله، أو مال يتيم (١)، أو مال وقف، أو مال لبيت المال، أو عنده دينٌ هو قادر على أدائه، فإنه إذا امتنع [أ/ق ١٨] من أداء الحق الواجب من عين أو دين، وعُرِفَ أنه قادر على أدائه= فإنه يستحق العقوبة حتى يُظْهِر المال أو يدل على موضعه، فإذا عُرِفَ المال وصبر على (٢) الحبس= يُسْتوفى (٣) الحق من المال ولا حاجة إلى ضربه. وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن الإيفاء ضُرِب حتى يؤدِّي الحق أو يُمَكِّن من أدائه. وكذلك لو امتنع من أداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها؛ لما روى عمرو بن الشريد (٤) عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: «ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعقوبَتَه» رواه أهل السنن (٥). وقال ﷺ : «مَطْلُ الغنيِّ

стр. 120

ظُلْم» أخرجاه في «الصحيحين» (١)، والليُّ: هو المَطْل. و الظالم يستحق العقوبة والتعزير ، وهذا أصلٌ متفق عليه: أن كل من فعَل محرمًا أو ترك واجبًا استحقَّ العقوبة، فإن لم تكن مُقَدَّرة بالشرع كان تعزيرًا يجتهد فيه وليُّ الأمر، فيعاقب الغني الماطل (٢) بالحبس، فإن أصرَّ عُوقب بالضرب حتى يؤدِّي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا (٣). وقد روى البخاري في «صحيحه» (٤) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ

стр. 121

لما صالح أهلَ خيبر على الصفراء والبيضاء والسلاح سأل بعض اليهود ــ وهو سَعْيَه (١) عم حُيَي بن أخطب ــ عن كنز حُيَي بن أخطب؟ فقال: أذهَبَتْه النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك» فدفع رسول الله ﷺ سعية إلى الزبير، فمَسَّه بعذاب، فقال: قد رأيتُ حييًّا يطوف في خِرْبَة ههنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المَسْك في الخربة. وهذا الرجل كان ذميًّا، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق، وكذلك كل مَن كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة وغير ذلك عُوقِب (٢) على ترك الواجب. وما أخذ ولاة الأموال (٣) وغيرهم من مال (٤) المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري ﵁: هدايا العمال غلول (٥).

стр. 122

وروى إبراهيم الحربي في كتاب «الهدايا» (١) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «هدايا الأمراء غلول» (٢). وفي «الصحيحين» (٣) عن أبي حُمَيد الساعدي ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزْد يقال له: ابن اللُّتْبِية على الصدقة فلما قَدِم قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليَّ، فقال النبي ﷺ : «ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليَّ؟ ! فهلَّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة

стр. 123

تَيْعَر» ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرَة (١) إبطيه: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت» ثلاثًا. وكذلك محاباة الولاة في المعاملة؛ من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة، ونحو ذلك= هو من نوع الهديَّة، ولهذا شاطر عمر بن الخطاب ﵁ من عماله مَن كان [أ/ق ١٩] له فضل ودين لا يُتَّهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خُصُّوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمامَ عدلٍ يقسم بالسوية (٢).

стр. 124

فلما تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كلِّ إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له. وقد يُبْتَلى الناسُ من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها، ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم، فيكون من أخذَ منهم عِوضًا على كَفِّ ظلمٍ وقضاء حاجةٍ مباحة أحبَّ إليهم من هذا، فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره، وأخسرُ الناسِ صفقةً من باع آخرته بدنيا غيره. وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها؛ من تبليغ ذي السلطان حاجاتِهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذوو الأغراض من الكُتَّاب ونحوهم في أغراضهم، ففي حديث هند بن أبي هالة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «أبلغوني حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها ثَبَّتَ الله قدميه على الصراط يوم تزلُّ الأقدام» (١)

стр. 125

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في «سننه» عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له عليها هدية فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» (١). وروى إبراهيم الحربي (٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: السُّحْت أن يطلب الحاجةَ للرجل، فتُقْضى له، فيُهْدي إليه فيقبلها (٣). وروى أيضًا عن مسروق: أنه كلم ابنَ زياد في مظلمة فردها، فأهدى له صاحبُها وصيفًا فرده عليه وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من ردَّ عن مسلم مظلمة فرَزَأه (٤) عليها قليلًا أو كثيرًا فهو سُحْت. فقلت: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر (٥).

стр. 126

فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذويه (١)، فلا ينبغي إعانة واحد منهما، إذ كل منهما ظالم، كلِصٍّ سرق من لص، وكالطائفَتْين المُقْتَتِلَتَيْن على عصبية ورئاسة، ولا يحلُّ للرجل أن يكون عونًا على ظلم (٢)، فإن التعاون نوعان (٣): * تعاون على البرّ والتقوى؛ من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسكَ عنه خشيةَ أن يكون من أعوان الظلمة= فقد ترك فرضًا على الأعيان، أو على الكفاية، متوهِّمًا أنه متورِّع، وما أكثر ما يشتبه الجُبْن والبخل (٤) بالوَرَع؛ إذ كلٌّ منهما كفٌّ وإمساك. * والثاني: تعاونٌ على الإثم والعدوان، كالإعانة على دمٍ معصوم، أو أخذ مالٍ مغصوب (٥)، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك، فهذا الذي حرمه الله ورسوله. نعم، إذا كانت الأموال قد أُخِذَت بغير حق، وقد تَعَذَّر ردُّها إلى أصحابها، ككثير من الأموال السلطانية، [أ/ق ٢٠] فالإعانة على صرف هذه

стр. 127

الأموال في مصالح المسلمين (١)؛ كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى؛ إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال ــ إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم ــ أن يصرفها ــ مع التوبة إن كان هو الظالم ــ إلى مصالح المسلمين. هذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو منقول عن غير واحد من الصحابة، وعلى ذلك دلَّت الدلالة (٢) الشرعية، كما هو مبسوط في موضع آخر (٣). وإن كان غيره قد أخذها، فعليه هو أن يفعل بها كذلك (٤)، وكذلك لو امتنع السلطان من ردها، كان الإعانة على إنفاقها في مصالح أهلها (٥) أولى من تركها بيده ومن (٦) يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين (٧).

стр. 128

فإنّ مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، المفسر لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وعلى قول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في «الصحيحين» (١). وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل (٢) المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع. والمُعِين على الإثم والعدوان: من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة، فهو وكيلُ المظلوم لا (٣) وكيلُ الظالم (٤)، بمنزلة الذي يُقرضه أو الذي يتوكّل في حمل المال له إلى الظالم.

стр. 129

مثال ذلك: ولي اليتيم والوقف إذا طلب ظالمٌ منه مالًا فاجتهد في دفع ذلك بما هو (١) أقل منه إليه أو إلى غيره، بعد الاجتهاد التام في الدفع فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل. وكذلك وكيل المالك من المنادين (٢) والكُتَّاب (٣) وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يُطْلَب منهم، لا يتوكَّل للظالمين في الأخذ. وكذلك لو وُضِعَت مظلمة على أهل قرية أو دَرْب أو سوق أو مدينة، فتوسَّط رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان، وقَسَّطها عليهم (٤) قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء، بل توكَّل لهم في الدفع عنهم والإعطاء= كان محسنًا. لكنَّ الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين، محابيًا مرتشيًا مُخْفِرًا لمن يريد، وآخذًا ممن يريد، وهذا من أكبر الظلمة الذين يُحْشرون في توابيت من نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يُقذَفون في النار (٥).

стр. 130

فصل وأما المصارف؛ فالواجب أن يُبتدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة، كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة. فمنهم المقاتِلَة الذين هم أهل النُّصْرَة والجهاد، وهم أحق الناس بالفيء؛ لأنه لا يحصل إلا بهم، حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء: هل هو مختصٌّ بهم أو مشترك في جميع المصالح؟ وأما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقًا، إلا ما خُص به نوع كالصدقات والمغنم. ومن المستحقين: ذوو (١) الولايات عليهم؛ كالولاة، والقضاة، والعلماء، والسُّعاة على المال جمعًا وحفظًا وقسمةً ونحو ذلك، حتى أئمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك. وكذلك صرفه في الأثمان والأجور [أ/ق ٢١] لما يعمُّ نفعُه؛ من سداد الثغور بالكُراع (٢) والسلاح، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس، كالجسور والقناطر، وطرقات المياه كالأنهار. ومن المستحقين: ذوو الحاجات, فإن الفقهاء قد اختلفوا: هل يقدَّمَون في غير الصدقات من الفيء ونحوه على غيرهم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ منهم من قال: يقدَّمون، ومنهم من قال: المال استُحِقَّ بالإسلام، فيشتركون فيه كما يشترك الورثة في الميراث. والصحيح أنهم يقدَّمون، فإن

стр. 131

النبي ﷺ كان يقدم ذوي الحاجات، كما قدمهم في مال بني النضير. وقال عمر بن الخطاب ﵁: ليس أحدٌ أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجلُ وسابقتُه، والرجلُ وغَناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجلُ وحاجتُه (١). فجعلهم عمر ﵁ أربعة أقسام: * ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال. * ومن يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كالسَّاسة (٢) والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدين والدنيا والآخرة. * ومن يُبْلي بلاء حسنًا في دفع الضرر عنهم، كالمجاهدين في سبيل الله، من الأجناد والعيون الذين هم القُصَّاد المناصحون (٣) ونحوهم. والرابع: ذوو الحاجات. وإذا حصل من هؤلاء متبرع فقد أغنى الله به، وإلا أُعْطِي ما يكفيه أو قدر عمله. وإذا عرفتَ أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال المصالح وفي الصدقات ــ أيضًا ــ فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل إلا كما يستحقه نُظَراؤه، مثل أن يكون شريكًا في غنيمة أو ميراث.

стр. 132

ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه لهوى نفسه؛ من قرابة بينهما، أو مودة، ونحو ذلك، فضلًا أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه؛ كعطية المُخنثين من الصبيان المردان؛ الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا، والمغنين، والمساخر، ونحو ذلك، أو إعطاء العرَّافين من الكُهَّان والمُنَجِّمين ونحوهم. لكن يجوز، بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان هو لا يحلُّ له أخذ ذلك، كما أباح الله في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم (١) من الفيء ونحوه، وهم السادة المطاعون في عشائرهم، كما كان النبي ﷺ يعطي الأقْرَع بن حابس سيد بني تميم، وعُيينة بن حِصْن سيد بني فَزارة، وزيد الخير (٢) الطائي سيد بني نبهان، وعلقمة بن عُلاثة العامري سيد بني كلاب. ومثل سادات قريش من الطلقاء (٣)؛ كصفوان بن أُمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعدد كثير.

стр. 133

ففي «الصحيحين» (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعثَ عليٌّ وهو باليمن بذُهَيبة في تُرْبتها إلى رسول الله ﷺ ، فَقَسَمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيَينة بن بدر (٢) الفَزَاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري أحد (٣) بني كلاب، وزيد الخير (٤) الطائي أحد بني نبهان. قال: فغضبت قريش والأنصار فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا؟ ! فقال رسول الله ﷺ [أ/ق ٢٢]: «إني إنما فعلت ذلك لأتألَّفهم»، فجاء رجلٌ كثُّ اللحية، مشرف الوَجْنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله ﷺ : «فمن يُطِعِ الله إن عصيتُه؟ أيأمَنُنِي على أهل الأرض ولا تأمَنُوني؟ ». قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله ــ ويرون أنه خالد بن الوليد ــ فقال رسول الله ﷺ : «إن من ضِئْضِئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجِرَهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ». وعن رافع بن خَديج قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعُيَينة بن حصن، والأقرعَ بن حابس، كلَّ إنسان منهم مئةً

стр. 134

من الإبل، وأعطى عباسَ بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العُبَيْـ ... ـدِ بين عيينه والأقرع فما كان حِصْنٌ (١) ولا حابسٌ ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنتُ (٢) دونَ امرئٍ منهما ... ومن تَخْفِضِ اليومَ لا يُرْفَع قال: فأتمَّ له رسول الله ﷺ مئة. رواه مسلم (٣). والعُبَيد: اسم فرس له. و المؤلفة قلوبهم نوعان: كافر، ومسلم . فالكافر إما أن يُرْجَى بعطيْته منفعة؛ كإسلامه، أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك. والمسلم المُطاع يُرْجى بعطيته المنفعة أيضًا؛ كحُسْن إسلامه، أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكاية في العدو، أو كفِّ ضرره عن المسلمين إذا لم ينكفَّ إلا بذلك. وهذا النوع من العطاء، وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء، كما يفعل الملوك، فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله، كان من جنس عطاء النبي ﷺ وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد، كان من جنس عطاء فرعون، وإنما ينكره (٤) ذو الدين

стр. 135

الفاسد، كذي الخُويَصرة الذي أنكره على النبي ﷺ ، حتى قال فيه ما قال. وكذا حزبه الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين علي ﵁ ما قصدَ به المصلحة من التحكيم، ومَحْوِ اسمه، وما تركه من سبي نساء المسلمين وصبيانهم (١). وهؤلاء أمَرَ النبي ﷺ بقتالهم؛ لأن معهم دينًا فاسدًا لا يصلح به دنيا ولا آخرة. و كثيرًا ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل ، فإن كلاهما (٢) فيه ترك، فيشتبه ترك (٣) الفساد لخشية الله تعالى بترك ما يُؤمَر به من الجهاد والنفقة: جبنًا وبخلًا، وقد قال النبي ﷺ : «شرُّ ما في المرء شُحٌّ هالعٌ وجُبْن خالع» (٤). قال الترمذي: حديث صحيح. وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظنًّا أو إظهارًا أنه ورع، وإنما هو كِبْر

стр. 136

وإرادةٌ للعلو، وقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١) كلمة جامعة كاملة، فإن النية للعمل كالروح للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد لله والساجد للشمس والقمر، قد وضع جبهته على الأرض، فصورتهما واحدة، ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهذا أبعد الخلق عن الله. [أ/ق ٢٣] وقد قال الله : ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٢) [العصر: ٣]، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧]. وفي الأثر: «أفضل الإيمان: السماحة والصبر» (٣). فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك. ولهذا كان من لم يقم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

стр. 137

وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]. وقال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقد قال : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء، والقتال الذي هو الشجاعة. وكذلك قال في غير موضع: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٠]. وبيَّن أن البخل من الكبائر في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وفي قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]، وهو كثير في الكتاب والسنة، وهو مما اتفق عليه أهل الأرض، حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية: لا طعنة ولا

стр. 138

جفنة (١)، ويقولون: لا فارس الخيل ولا وجه العرب (٢). لكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: * فريق غلبَ عليهم حبُّ العلو في الأرض أو الفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتَّى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلِّها، فصاروا نهَّابين وهَّابين. وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويُطْعِم، فإنه إذا تولى العفيف (٣) الذي لا يأكل ولا يُطْعِم، سَخِط عليه الرؤساء وعزلوه، إن لم يضروه في نفسه وماله. وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، إن لم يحصل لهم ما يُصْلِح آخرتهم (٤) من توبة ونحوها مما يعتقدونه فينجوا منه (٥). * وفريقٌ عندهم خوفٌ من الله تعالى، ودينٌ يمنعهم عما يعتقدونه قبيحًا، من ظلم الخلق وفعل المحارم، فهذا حسنٌ واجب، لكن قد يعتقدون مع ذلك أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون أو يمنعون عنها مطلقًا، وربما كان في نفوسهم جُبن أو بخل، أو ضِيق خلق

стр. 139

عاضد لما (١) معهم من الدين، فيقعون أحيانًا في ترك واجب يكون تركه أضرَّ عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب، يكون النهيُ عنه من الصدِّ عن سبيل الله. وقد يكونون متأوِّلين، وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج؛ فهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل، لكن قد يصلح بهم كثيرٌ من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا، وقد يُعْفَى عنهم في بعض ما (٢) اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويُغفَر لهم قصورُهم، وقد يكونون من الأخسرين (٣) الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، ولا يرى أن يتألف الناس من الكفار والفجار لا بمال ولا بنفع (٤)، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرَّم. * الفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين (٥) محمد ﷺ ، وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو: إنفاق المال والمنافع

стр. 140

للناس ــ وإن كانوا رؤساء ــ بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال لإقامة (١) الدين، والدنيا التي يحتاج إليها الدين. وعِفَّته في نفسه فلا يأخذ ما لا يستحقه، فيجمعون بين التقوى والإحسان ﴿(١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ﴾ [النحل: ١٢٨]. فلا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة، وهذا هو الذي يُطْعم الناس ما يحتاجون إلى إطعامه (٢)، ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب، ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأُوَل، فإن الذي يأخذ لنفسه تطمع فيه النفوس ما لا تطمع في العفيف، ويصلح به الناس في دينهم ما لا يصلحون بالثاني، فإن العِفَّة مع القدرة تقوِّي حُرْمة الدين. وفي «الصحيحين» (٣) عن أبي سفيان بن حرب أن هرقل ملك الروم قال له عن النبي ﷺ : بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصّلَة. وفي الأثر: أن الله أوحى إلى رسوله إبراهيم الخليل ــ صلى الله على نبينا وعليه وعلى كافة الأنبياء والمرسلين ــ: يا إبراهيم أتدري لم اتخذتك خليلًا؟ لأني رأيتُ العطاءَ أحبَّ إليك من الأخذ (٤).

стр. 141

وهذا الذي ذكرناه في الرزق والعطاء الذي هو السخاء وبذل المنافع= نظيرُه في الصبر والغضب الذي هو الشجاعة ودفع المضارِّ: أن الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث ــ وهو الوسط ــ أن يغضب لربه لا لنفسه كما في «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نِيلَ منه شيء فانتقم لنفسه، إلا أن تُنْتَهَك حُرُمات الله، فإذا انتُهِكَت حُرُمات الله لم يَقُم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ﵎». فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره [أ/ق ٢٥]، فهذا القسم الرابع شرُّ الخلق لا يصلح بهم دين ولا دنيا. كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرَّمات، وهم الذين يعطون ما يُصْلِح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أُبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتُهِكَت محارمُه، ويعفون عن حظوظهم، وهذه أخلاق رسول الله ﷺ في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور، وكلما كان إليها أقرب كان أفضل. فليجتهد المسلم في التقرُّب إليها بجهده، ويستغفر الله تعالى بعد ذلك من قصور أو تقصير، بعد أن يعرف كمالَ ما بَعَث الله به محمدًا ﷺ من الدين.

стр. 142

فهذا في قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. فصل وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] فإن الحُكْم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان: فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، وكلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله (١)، مثل: حدِّ قُطَّاع الطريق، والسُّرَّاق، والزُّناة ونحوهم، ومثل: الحكم في الأمور السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعيَّن، فهذه من أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁: لابدَّ للناس من إمارة برَّةً كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرَّة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: تُقام بها الحدود، وتأمن بها السُّبُل، ويُجاهَد بها العدو، ويُقْسَم بها الفيء (٢). وهذا القسم (٣) يجب على الولاة البحث عنه (٤)، وإقامته من غير دعوى

стр. 143

أحدٍ به، وكذلك تُقام الشهادة فيه من غير دعوى أحدٍ به، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، ولكنهم متفقون على أنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق بالحدِّ، بل اشترط بعضُهم المطالبة بالمال (١) لئلا يكون للسارق فيه شبهة. وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطَّلَه لذلك ــ وهو قادر على إقامته ــ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا. روى أبو داود في «سننه» (٢) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقط ضادَّ (٣) الله في أمره، ومَن خاصم في باطلٍ وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومَن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِسَ في ردغة الخَبال حتى يخرج مما قال». قيل: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: «عُصارة أهل النار» (٤).

стр. 144

فذكر النبي ﷺ الحُكَّام، والشهداء، والخُصَماء، وهؤلاء أركان الحكم. وفي «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ أن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: مَن يكلم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، قال: «يا أسامة، أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟ [أ/ق ٢٦] إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها». ففي هذه القصة عبرة، فإنَّ أشرف بيت كان في قريش بطنان: بنو مخزوم، وبنو عبد مناف، فلما وجب على هذه القطعُ بسرقتها، التي هي جهود العاريَّة

стр. 145

على قول بعض العلماء، أو سرقة أخرى غير هذه على قول آخرين، وكانت من أكبر القبائل وأشرف البيوت، وشفَع فيها حِبُّ رسول الله ﷺ أسامة= غضبَ رسول الله ﷺ ، وأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله، وهو الشفاعة في الحدود، ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين ــ وقد برَّأها الله من ذلك ــ فقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدَها». وقد رُوِي: أن هذه المرأة التي قُطِعت يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على النبي ﷺ فيقضي حاجَتَها (١). فقد رُوِي: «أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار» (٢). وروى مالك في «الموطأ» (٣): أن جماعةً أمسكوا لصًّا ليرفعوه إلى عثمان، فتلقاهم الزبير فكلَّمهم فيه، فقالوا: إذا رُفِع إلى عثمان فاشفع فيه عنده، فقال: إذا بلغت الحدودُ السلطانَ فلعن الله الشافع والمُشفِّع. يعني الذي يقبل الشفاعة.
следующие страницы →