← Сияса и кади

Сияса и кади · id 305

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (307 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهذا الذي ذكرناه في الرزق والعطاء الذي هو السخاء وبذل المنافع= نظيرُه في الصبر والغضب الذي هو الشجاعة ودفع المضارِّ: أن الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث ــ وهو الوسط ــ أن يغضب لربه لا لنفسه كما في «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نِيلَ منه شيء فانتقم لنفسه، إلا أن تُنْتَهَك حُرُمات الله، فإذا انتُهِكَت حُرُمات الله لم يَقُم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ﵎». فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره [أ/ق ٢٥]، فهذا القسم الرابع شرُّ الخلق لا يصلح بهم دين ولا دنيا. كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرَّمات، وهم الذين يعطون ما يُصْلِح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أُبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتُهِكَت محارمُه، ويعفون عن حظوظهم، وهذه أخلاق رسول الله ﷺ في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور، وكلما كان إليها أقرب كان أفضل. فليجتهد المسلم في التقرُّب إليها بجهده، ويستغفر الله تعالى بعد ذلك من قصور أو تقصير، بعد أن يعرف كمالَ ما بَعَث الله به محمدًا ﷺ من الدين.

стр. 142

فهذا في قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. فصل وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] فإن الحُكْم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان: فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، وكلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله (١)، مثل: حدِّ قُطَّاع الطريق، والسُّرَّاق، والزُّناة ونحوهم، ومثل: الحكم في الأمور السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعيَّن، فهذه من أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁: لابدَّ للناس من إمارة برَّةً كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرَّة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: تُقام بها الحدود، وتأمن بها السُّبُل، ويُجاهَد بها العدو، ويُقْسَم بها الفيء (٢). وهذا القسم (٣) يجب على الولاة البحث عنه (٤)، وإقامته من غير دعوى

стр. 143

أحدٍ به، وكذلك تُقام الشهادة فيه من غير دعوى أحدٍ به، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، ولكنهم متفقون على أنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق بالحدِّ، بل اشترط بعضُهم المطالبة بالمال (١) لئلا يكون للسارق فيه شبهة. وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطَّلَه لذلك ــ وهو قادر على إقامته ــ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا. روى أبو داود في «سننه» (٢) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقط ضادَّ (٣) الله في أمره، ومَن خاصم في باطلٍ وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومَن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِسَ في ردغة الخَبال حتى يخرج مما قال». قيل: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: «عُصارة أهل النار» (٤).

стр. 144

فذكر النبي ﷺ الحُكَّام، والشهداء، والخُصَماء، وهؤلاء أركان الحكم. وفي «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ أن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: مَن يكلم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، قال: «يا أسامة، أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟ [أ/ق ٢٦] إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها». ففي هذه القصة عبرة، فإنَّ أشرف بيت كان في قريش بطنان: بنو مخزوم، وبنو عبد مناف، فلما وجب على هذه القطعُ بسرقتها، التي هي جهود العاريَّة

стр. 145

على قول بعض العلماء، أو سرقة أخرى غير هذه على قول آخرين، وكانت من أكبر القبائل وأشرف البيوت، وشفَع فيها حِبُّ رسول الله ﷺ أسامة= غضبَ رسول الله ﷺ ، وأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله، وهو الشفاعة في الحدود، ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين ــ وقد برَّأها الله من ذلك ــ فقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدَها». وقد رُوِي: أن هذه المرأة التي قُطِعت يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على النبي ﷺ فيقضي حاجَتَها (١). فقد رُوِي: «أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار» (٢). وروى مالك في «الموطأ» (٣): أن جماعةً أمسكوا لصًّا ليرفعوه إلى عثمان، فتلقاهم الزبير فكلَّمهم فيه، فقالوا: إذا رُفِع إلى عثمان فاشفع فيه عنده، فقال: إذا بلغت الحدودُ السلطانَ فلعن الله الشافع والمُشفِّع. يعني الذي يقبل الشفاعة.

стр. 146

وكان صفوان بن أمية نائمًا على رداءٍ له في مسجد النبي ﷺ ، فجاء لصٌّ فسرقه، فأخذه فأتى به النبيَّ ﷺ ، فأمر بقطع يده، فقال: يا رسول الله، أعلى ردائي تقطع يده؟ أنا أَهَبُه له، قال: «فهلَّا قبل أن تأتيني به (١)» ثم قطعَ يدَه. رواه أهل السنن (٢). يعني ﷺ : أنك لو عفوتَ عنه قبل أن تأتيني به لكان، فأما بعد أن رُفِع إليَّ فلا يجوز تعطيل الحدِّ لا بعفوٍ ولا بشفاعةٍ ولا بهبة ولا غير ذلك. ولهذا اتفق العلماء ــ فيما أعلم ــ على أن قاطعَ الطريق واللص ونحوهما إذا رُفِعوا إلى وليِّ الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته وإن تابوا. فإن كانوا صادقين في التوبة كان الحدُّ كفارةً لهم، وكان تمكينُهم من ذلك من تمام التوبة، بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق الآدميين. وأصل هذا في قول الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]، فإن الشفاعة هي: إعانة الطالب حتى يصير معه شفعًا بعد أن كان

стр. 147

وترًا، فإن أعانتْه (١) على برٍّ وتقوى كانت شفاعةً حسنة، وإن أعانَتْه على إثمٍ وعدوان كانت شفاعةً (٢) سيئة. والبرُّ: ما أُمِرت به، والإثمُ: ما نُهِيْتَ عنه، وإن كانوا كاذبين فإن الله لا يهدي كيد الخائنين. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]، فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط، فالتائب بعد القدرة عليه باقٍ فيمن وجب عليه الحد (٣)؛ للعموم والمفهوم والتعليل. هذا إذا كان قد ثبت بالبينة، فأما إذا كان بإقرار، وجاء مقرًّا بالذنب تائبًا، فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع، وظاهر مذهب أحمد: أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة، بل إن طَلَبَ إقامة الحد عليه أقيم، وإن ذهب لم يُقَم عليه حدٌّ، وعلى هذا حُمِل حديث ماعز بن مالك لما قال: «فهلَّا تركتموه» (٤)،

стр. 148

وحديث الذي قال: «أصبتُ حدًّا فأقِمْه علَيَّ» (١)، مع آثار أخر (٢). وفي «سنن أبي داود» والنسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «تعافَوا الحدودَ فيما بينكم، فما بلغني مِن حدٍّ فقد وجب» (٣). وفي «سنن النسائي» وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «حدٌّ يُعْمَل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمْطَروا أربعين صباحًا» (٤). وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود، ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، فحصل الرزق والنصر.

стр. 149

ولا ينبغي (١) أن يؤخذَ من الزاني أو السارق أو قاطع الطريق ونحوهم مالٌ (٢) يُعَطَّل به الحدُّ، لا لبيت المال ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سُحتٌ خبيث، وإذا فعل وليُّ الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين. أحدهما: تعطيل الحد، والثاني: أكل السحت. فتَرَك الواجبَ وفَعَل المحرَّم، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، وقال تعالى عن اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى: البِرْطِيل (٣)، وتسمَّى أحيانًا: الهدية وغيرها، ومتى أكل وليُّ الأمر السُّحْت احتاج أن يسمع الكذب من الشهادة الزور وغيرها، وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش، وهو الواسطة الذي يمشي بينهما. رواه أهل السنن (٤). وفي «الصحيحين» (٥): أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقال أحدهما:

стр. 150

يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، فقال صاحبه ــ وكان أفقه منه ــ: نعم يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله واذَنْ لي، فقال: «قل»، فقال: إن ابني كان عسيفًا في أهل هذا ــ يعني أجيرًا ــ فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمئة شاة وخادم، وإني سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأنَّ على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله: المئة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغْدُ يا أُنَيس على امرأة هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها»، فسألها فاعترفت فرجمها. ففي هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحدِّ عنه، أمر النبي ﷺ بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين؛ من المجاهدين والفقراء وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمالٍ يُؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن [أ/ق ٢٨] المال المأخوذ من الزاني، والسارق، والشارب، والمحارب قاطع الطريق (١)، ونحو ذلك، لتعطيل الحدِّ= مالُ سُحْتٍ خبيث. وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس، إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر الأسباب في فساد أهل البوادي والقرى والأمصار، من الأعراب والتُّرْكُمان والأكراد والفلاحين، وأهل الأهواء، كقيس ويَمَن، وأهل الحاضرة؛ من رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم، وأمراء الناس ومُقَدَّميهم وجندهم. وهو سبب سقوط حُرمة المتولِّي، وسقوط قَدره من

стр. 151

القلوب، وانحلال أمره، فإذا ارتشى وتَبَرْطل على تعطيلِ حدٍّ ضَعُفَت نفسُه أن يقيم حدًّا آخر، وصار من جنس اليهود الملعونين. وأصلُ البِرْطيل هو: الحَجر المستطيل، سُمِّيت به الرشوة لأنها تلقم المرتشي عن التكلُّم بالحق، كما يلقمه الحجر الطويل (١). كما قد جاء في الأثر: إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكُوَّة (٢). يعني: الطاقة (٣). وكذلك إذا أخذ مالًا للدولة على ذلك، مثل هذا السُّحْت الذي يسمى: التأديبات، ألا ترى أن الأعراب المفسدين إذا أخذوا مالًا لبعض الناس، ثم جاءوا إلى ولي الأمر، فقادوا إليه خيلًا فيقدمونها له، أو غيرها= كيف يقوى طمعُهم في الفساد، وتنكسر حُرْمة الولاية والسلطنة، وتفسد الرعية! وكذلك الفلاحون وغيرهم، وكذلك شارب الخمر إذا أُخِذ فدفعَ بعض ماله، كيف يطمع الخمَّارون فيرجون إذا أُمْسِكوا أن يفتدوا ببعض أموالهم، فيأخذها ذلك الوالي سحتًا لا يُبارك فيها، والفساد قائم.

стр. 152

وكذلك ذوو الجاه (١) إذا حموا أحدًا أن يُقام عليه الحد، مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة، ثم يأوي إلى قرية نائب السلطان، أو أمير (٢) فيحتمي على الله ورسوله، فيكون ذلك الذي حماه ممن لعنه الله ورسوله، فقد روى مسلم في «صحيحه» (٣) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله من أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا». فكل من آوى محدِثًا من هؤلاء المُحْدِثين فقد لعنه الله ورسوله. وإذا كان النبي ﷺ قد قال: «إن من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره» (٤) فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده، واعتاض من (٥) المجرمين بسُحْتٍ من المال يأخذه؟ ! لاسيما الحدود على سكان البر، فإن من أعظم فسادهم: حماية المعتدين منهم بجاه أو مال، سواء كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوالي سرًّا أو علانية، فذلك جميعه محرم بإجماع المسلمين، وهو مثل تضمين الحانات والخمر (٦)، فإنَّ من مكَّنَ من ذلك أو أعان أحدًا عليه بمال يأخذه فهم (٧) من جنسٍ واحد. والمال المأخوذ على هذا شبيهٌ بما يُؤخذ من مهر البغيِّ، وحُلوان

стр. 153

الكاهن، وثمن الكلب، وأجرة المتوسط في الحرام الذي يُسمَّى: القوَّاد، قال النبي ﷺ : «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغيِّ خبيث، وحُلوان الكاهن خبيث» رواه البخاري (١). فمَهْر البغيِّ هو الذي يسمَّى: جُذور القِحاب (٢)، وفي معناه ما يُعطاه المخنَّثون الصبيان من المماليك أو الأحرار على الفجور بهم [أ/ق ٢٩]. وحُلوان الكاهن مثل حلاوة المنجم ونحوه، على ما يخبر به (٣) من الأخبار المبشرة بزعمه، ونحو ذلك. وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمالٍ يأخذه= كان بمنزلة مُقَدَّم الحراميَّة الذي يُقاسم المحاربين على الأخِيْذة (٤)، وبمنزلة القوَّاد الذي يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة. وكانت حاله شبيهًا بحال عجوز السوء امرأة لوط التي خانته، فكانت (٥) تدلُّ الفجارَ على ضيفه التي قال الله فيها: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]، وقال ﵎: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١]، فعذَّب الله عجوزَ السوء القوَّادة بمثل ما عذَّبَ القوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، وهذا

стр. 154

لأنَّ هذا جميعَه أخذُ مالٍ للإعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نُصِبَ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمَكِّن من المنكر بمالٍ يأخذه= كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نَصَبْتَه ليعينك على عدوِّك، فأعان عدوَّك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهِدَ به في سبيل الله تعالى، فقاتلَ به المسلمين!! يوضح ذلك: أن صلاح البلاد والعباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١)، فإن صلاح المعاش والمعاد (٢) في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أُمَّة أُخْرِجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٣)، وقال الله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿(٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا﴾ [المائدة: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿(١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥]. فأخبر الله تعالى أن العذابَ لما نزل نَجَّى الذين ينهون عن السيئات،

стр. 155

وأخَذَ الظالمين بالعذاب الشديد. وفي الحديث الثابت: أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ خطبَ الناس على منبر رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (١)﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب (٢) منه» (٣). وفي حديث آخر: «إن المعصية إذا خفيَتْ (٤) لم تضرّ إلا صاحبَها، ولكن إذا ظهرَت فلم تُنْكَر ضرَّت العامة» (٥). وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه مقصودُه (٦) الأكبر هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف مثل:

стр. 156

الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدقة (١)، والأمانة، وبر الوالدين، وصِلَة الأرحام، وحُسْن العشرة مع الأهل والجيران، ونحو ذلك. فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين. فإن كان التاركون طائفةً ممتنعة [أ/ق ٣٠] قُوتِلوا بتركها (٢) بإجماع المسلمين، وكذلك يُقاتلون على ترك الزكاة، والصيام، وغيرهما، وعلى استحلال ما كان من المحرمات الظاهرة المُجْمَع عليها؛ كنكاح ذوات المحارم، والفساد في الأرض، ونحو ذلك. فكلُّ طائفةٍ ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة والمتواترة يجب جهادُها حتى يكون الدين كلُّه لله، باتفاق العلماء (٣). وإن كان التارك للصلاة واحدًا، فقد قيل: إنه يُعاقَب بالضرب والحبس حتى يصلي، وجمهور (٤) العلماء على أنه يجب قتلُه إذا امتنع من الصلاة بعد أن يُسْتتاب كما يُسْتتاب المرتد (٥)، فإن تاب وصلى وإلا قتل. وهل يقتل كافرًا، أو مسلمًا فاسقًا (٦)؟ فيه قولان. وأكثر السلف على أنه يُقتل كافرًا، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها. أما إذا جحدَ وجوبَها فهو كافر بإجماع

стр. 157

المسلمين، وكذلك من جحدَ سائرَ الواجبات المذكورة والمحرمات التي يجب القتالُ عليها، فالعقوبةُ على ترك الواجبات، وفِعْل المحرَّمات هو مقصود الجهاد في سبيل الله، وهو واجبٌ على الأمة باتفاق (١)، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهو من أفضل الأعمال. قال رجل: يا رسول الله، دلني على عمل يَعْدِل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيعه ــ أو: لا تطيقه ــ»، قال: أخبرني به، قال: «هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ أن تصومَ لا تفطر وتقوم لا تفتر؟» قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: «فذلك الذي يَعْدِلُ الجهادَ في سبيل الله» (٢). وقال (٣): «إن في الجنة لمئة درجة، من (٤) الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله» (٥). كلاهما في «الصحيحين». وقال النبي ﷺ : «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (٦).

стр. 158

وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقال : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢]. فصل فمن ذلك عقوبة المحاربين قُطَّاع الطريق، الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مُجاهرةً؛ من الأعراب، أو

стр. 159

التركمان، أو الأكراد، أو الفلاحين، أو فَسَقَة الجند، أو مَرَدة الحاضرة، أو غيرهم، قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. وقد روى الشافعيُّ ﵁[أ/ق ٣١] في «مسنده» (١) عن ابن عباس ﵁ في قُطَّاع الطريق: إذا قَتَلوا وأَخَذوا المالَ قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا قَتلوا ولم يأخذوا المال قُتِلوا ولم يُصْلَبوا، وإذا أخذوا المال ولم يَقتلوا قُطِعت (٢) أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرض. وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة. ومنهم من يسوِّغ للإمام أن يجتهد فيهم، فيَقْتُل من رأى قتلَه مصلحةً منهم (٣) وإن كان لم يَقْتل، مثل أن يكون رئيسًا مُطاعًا فيهم، ويَقْطَع من رأى قطْعَه مصلحةً وإن كان لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جَلَدٍ وقوةٍ في أخذ المال. كما أن منهم من يرى أنه إذا أخذوا المال قُتِلوا وقُطِعوا وصُلِبوا، والأول

стр. 160

قول الأكثر، فمن كان من المحاربين قد قَتَل فإنه يقتله الإمامُ حدًّا، لا يجوز العفو عنه بحالٍ بإجماع العلماء، ذكره ابن المنذر (١). ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، بخلاف ما لو قَتل رجلٌ رجلًا لعداوة بينهما أو خصومة، أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإنَّ هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قَتَلوا (٢)، وإن أحبوا عَفَوا عنه، وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض خاص. وأما المحاربون فإنما يَقْتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عامٌّ بمنزلة السُّرَّاق؛ فكان قتلُهم حدًّا لله، وهذا متفق عليه بين الفقهاء. حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل؛ مثل أن يكون القاتل حرًّا والمقتول عبدًا، أو القاتل مسلمًا والمتقول ذميًّا أو مستأمنًا (٣)، أو ولد القاتل (٤)، فقد اختلف الفقهاء هل يُقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل، كقول مالك وأحمد في إحدى (٥) روايتيه والشافعي في قول له (٦)؛ لأنه يُقتل للفساد العام حدًّا، كما يُقطع إذا أخذ أموالهم، وكما يُحبس بحقوقهم (٧).

стр. 161

و إذا كان المحاربون الحرامية جماعة (١) فالواحدُ منهم باشَر القتلَ بنفسه والباقون أعوانٌ له ورِدْء له، فقد قيل: إنه يُقتل المباشرُ فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مئة، وأن الرِّدْء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن (٢) الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الخطاب ﵁ قَتَل ربيئة المحاربين (٣). والربيئة هو: الناظر (٤) الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء؛ ولأن المباشر إنما تمكَّن من قَتْله بقوة الرِّدْء ومعونته. والطائفة إذا انتصر بعضُها ببعضٍ حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين، فإن النبي ﷺ قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم، وهم يدٌ على مَن سواهم، ويرُدُّ متسرِّيهم على قاعِدِهم» (٥). يعني أن جيش المسلمين إذا برزت منهم (٦) سرية فغنمت مالًا، فإن

стр. 162

الجيش يشاركها فيما غنمت؛ لأنها بظهره وقوّته تمكَّنَت، لكن تُنَفَّل عنه نفلًا، فإن النبي ﷺ كان يُنَفِّل السَّرِية إذا كانوا في بداءتهم الرّبُعَ بعد الخُمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرَّت سرية نفَّلهم الثلث بعد الخمس (١). وكذلك لو غَنِم الجيش غنيمة شاركته السرية؛ لأنها في مصلحة الجيش [أ/ق ٣٢] كما قسم النبي ﷺ لطلحة والزبير (٢) ﵄ يوم بدر؛ لأنه كان قد بعثهم في مصلحة الجيش. فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه ، مثل المقتتلين على عصبية ودعوى جاهلية، كقيس ويمن ونحوهما، هما ظالمتان، كما قال النبي ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتلَ صاحِبِه» أخرجاه في «الصحيحين» (٣). وتضمن كلُّ طائفة ما أتلفت للأخرى (٤) من نفس ومال، وإن لم يُعْرَف

стр. 163

عينُ القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة المتمنعَ (١) بعضُها ببعض كالشخص الواحد (٢). وأما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا ــ كما قد يفعله الأعراب كثيرًا ــ فإنه يُقْطَع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى، عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، تُقْطَع اليد التي يَبْطِش بها، والرِّجْل التي يَمْشي عليها، وتُحْسَم يده ورجله بالزيت المغلي ونحوه، لينحسم الدم ولا يخرج، لتفضي إلى تلفه (٣)، وكذلك تُحْسَم يد السارق بالزيت (٤). وهذا القَدْر (٥) قد يكون أزْجَرَ من القتل، فإن الأعراب وفَسَقة الجُند وغيرهم إذا رأوا دائمًا بينهم مَن هو مقطوع اليد والرِّجل تذكَّروا بذلك جُرمه

стр. 164

فارتدعوا، بخلاف القتل فإنه قد يُنسى، وقد يؤثِر بعضُ النفوس الأبيَّةَ قتلَه على قَطْع يده ورجله من خلاف، فيكون هذا أشد تنكيلًا له ولأمثاله. وأما إذا شَهَروا السلاح ولم يقتلوا نفسًا ولم يأخذوا مالًا ثم أغمدوه وهربوا (١)، أو تركوا الحراب (٢) فإنهم يُنْفَون، فقيل: نفيهم تشريدهم فلا يتركون يأوون (٣) في بلد، وقيل: هو حبسهم، وقيل: هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك. والقتل المشروع هو: ضرب الرقبة بالسيف ونحوه؛ لأن ذلك أوحى (٤) أنواع القتل، وكذلك شرع الله قتل ما يُباح قتله من الآدميين والبهائم إذا قُدِر عليه على هذا الوجه، وقال النبي ﷺ : «إن الله كتب الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة، وليحد أحدُكم شفرته وليُرِح ذبيحَتَه» رواه مسلم (٥). وقال: «إن أعفَّ الناس قِتْلة أهلُ الإيمان» (٦).

стр. 165

فصل (١) وأما الصلب المذكور فهو: رفعهم على مكان عالٍ ليراهم الناس ويشتهر أمرُهم، وهو بعد القتل عند جمهور العلماء، ومنهم مَن قال: يُصلبون ثم يُقتلون وهو مصلوبون. وقد جوَّزَ بعض الفقهاء قتلَهم بغير السيف، حتى قال بعضهم: يُتْرَكون على المكان العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم (٢) بلا قتل. فأما التمثيل في القتل ، فلا يجوز إلا على وجه القصاص، وقد قال عمران بن حصين ﵁: ما خطبنا رسولُ الله ﷺ خطبةً إلا أمَرَنا بالصدقة ونهانا عن المُثْلَة (٣). حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثِّل بهم بعد القتل، ولا نجدع أنفهم وآذانهم (٤) ولا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا [أ/ق ٣٣] فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل، كما قال الله : ﴿(١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ﴾ [النحل: ١٢٦]، قيل:

стр. 166

إنها (١) نزلت لما مَثَّل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد، فقال النبي ﷺ : «لئن أظفرني الله بهم لأمثلنّ بضعفي ما مَثّلوا بنا» (٢) فأنزل الله هذه الآية ــ وإن كانت قد نزلت [قبل ذلك] (٣) بمكة، مثل قوله: ﴿سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة، ثم جرى بالمدينة سببٌ يقتضي الخطاب فأُنْزِلت مرة ثانية (٤) ــ فقال النبي ﷺ : «بل نصبر». وفي «صحيح مسلم» (٥) عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سريَّة أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم يقول: «اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا». وقد يتنازع الأئمة في بعض أنواع القتل، كالتحريق بالنار عند شدة

стр. 167

الذنوب، فيجوِّزُه بعضهم؛ لأن أبا بكر الصديق ﵁ أمر بتحريق ناس من المرتدين (١)، وكذلك علي بن أبي طالب ﵁ حرَّق المغالية الذين ادعوا إلاهيته (٢). ومنعه آخرون؛ لما روي عن النبي ﷺ من النهي عن تحريق مَن كان أمر بتحريقه (٣) (٤). و لو شَهَر المحاربون السلاح في البنيان ــ لا في الصحراء ــ لأخْذِ المال، فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المُخْتلس والمُنْتَهِب؛ لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس. وقال الأكثرون: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد، وهذا قول مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد وبعض أصحاب أبي حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محلُّ (٥) تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة (٦) والمغالبة؛ ولأنهم يسلبون الرجلَ في داره جميعَ ماله، والمسافر لا يكون معه ــ غالبًا ــ إلا بعض ماله. فهذا هو الصواب، لاسيما هؤلاء المتحزِّبون الذين تسميهم العامة في

стр. 168

الشام ومصر: المِنْسَر (١)، وكانوا يسمَّون ببغداد: العيَّارين (٢). ولو حاربوا بالعصي والحجارة المقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها، فهم محاربون أيضًا، وقد حُكي عن بعض الفقهاء: لا محاربة إلا بالمحدَّد، وحكى بعضُهم الإجماعَ على أن المحاربة تكون بالمحدَّد والمثقَّل. وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذِ الأموال بأي نوعٍ كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوعٍ كان من أنواع القتال (٣) فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيفٍ أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصًا؛ فهو مجاهد في سبيل الله تعالى. وأما إذا كان يقتل النفوس سرًّا لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان

стр. 169

يكون (١) لأبناء السبيل، [أ/ق ٣٤] وإذا انفرد بقومٍ منهم قتلهم وأخذ أموالهم. أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك، فيقتله ويأخذ ماله. وهذا القتل يسمى: قتل غيلة، وتسميهم العامة: المعرضين (٢). فإذا كان لأخذِ المال فهل هم كالمحاربين، أو يجري عليهم حكم القوَد؟ ففيه قولان للفقهاء: أحدهما: أنهم كالمحاربين؛ لأن القتل بحيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يدرى به. والثاني: أن المحارب هو المجاهر بالقتال، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى وليِّ الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا يُدرى به. واختلف الفقهاء أيضًا فيمن يقتل السلطانَ؛ كقَتَلَة عثمان، وقاتل علي ﵄ (٣): هل هم كالمحاربين فيُقْتَلون حدًّا، أو يكون أمرُهم إلى أولياء الدم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره (٤)؛ لأن في قتله فسادًا عامًّا (٥).

стр. 170

فصل وهذا كله إذا قُدِر عليهم، فأما إذا طلبهم السلطان أو نُوَّابه لإقامة الحدِّ (١) بلا عدوان فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يُقْدَر عليهم كلهم، ومتى لم ينقادوا إلا بقتالٍ يفضي إلى قتلهم كلهم قوتلوا وإن أفضى إلى ذلك (٢)، سواء كانوا قد قَتَلوا أو لم يَقْتلوا، ويُقتلون في القتال كيفما أمكن في العُنُق وغير العنق. ويقاتَل مَن قاتل معهم ممن يحميهم ويُعينهم، وهذا قتال وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء من آكد (٣) قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام، فإن هؤلاء قد تحزَّبوا لفساد النفوس والأموال، وهلاك الحرث والنسل، ليس مقصودهم إقامة (٤) دين ولا مُلك، وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن، أو مغارة، أو رأس جبل، أو بطن واد، ونحو ذلك؛ يقطعون الطريق على من مرَّ بهم، وإذا جاءهم جندُ ولي الأمر يطلبهم للدخول في جماعة المسلمين والطاعة لإقامة الحدود= قاتلوهم ودفعوهم، مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج (٥) أو غيره من الطرقات، وكالجبليّة الذين يعتصمون برؤوس الجبال أو المغارات لقطع الطريق، وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق ويسمون ذلك: النهيضة= فإنهم

стр. 171

يُقاتلون كما ذكرنا؛ لكنَّ قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار إذ لم يكونوا كفارًا، فلا تُؤخذ أموالُهم (١) إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق، فإنَّ عليهم ضمانها، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم يُعْلَم عين الآخذ، وكذلك لو عُلم (٢)، فإن الرِّدْء والمباشِر سواء كما قلناه (٣)، لكن إذا عُرف عينُه كان قرار الضمان عليه. ويُرَدُّ ما أُخِذَ منه (٤) على أرباب الأموال، فإن تعذَّر الردُّ إليهم كان لمصالح المسلمين من رزق الطائفة المقاتلة لهم، وغير ذلك. بل المقصود من قتالهم التمكُّن منهم لإقامة الحدود، ومنعهم من الفساد، فإذا جُرِح الرجل منهم جرحًا مُثْخنًا لم يُجْهز عليه حتى يموت إلا أن يكون [أ/ق ٣٥] قد وجب عليه القتل، فإذا هو هرب (٥) وكفانا شرَّه لم نَتْبَعه إلا أن يكون عليه حدٌّ أو نخاف عاقبته. ومن أُسِر منهم أُقِيم عليه الحدُّ الذي يُقام على غيره، ومن الفقهاء من يشدِّد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها، وأكثرهم يأبون (٦) ذلك (٧).

стр. 172

فأما إذا تحيَّزوا إلى مملكةِ طائفةٍ خارجةٍ على شريعة الإسلام وأعانوهم على المسلمين= قُوتِلوا كقتالهم. وأما من كان لا يقطع الطريق لكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس والدواب والأحمال ونحو ذلك؛ فهذا نخَّاس (١) مكَّاس عليه عقوبة المكاسين. وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله، وليس هو من قُطَّاع الطريق، فإن الطريق لا تنقطع به، مع أنه من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة، حتى قال النبي ﷺ في الغامدية: «لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مكس لغُفِر له» (٢). ويجوز للمظلومين (٣) الذين تُراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين، ولا يجب أن يُبْذل لهم من المال شيءٌ (٤) إذا أمكن قتالُهم، قال النبي ﷺ : «من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون دمه فهو شهيد، ومَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قتل دون حرمته فهو شهيد» (٥).

стр. 173

وهذا الذي تسميه الفقهاء: الصائل، وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية، فإن كان مطلوبه المال جاز دفعُه (١) بما يمكن، فإذا لم يندفع إلا بالقتال قُوتِل (٢)، وإن ترك القتال وأعطاهم شيئًا من المال جاز. وأما إذا كان مطلوبُه الحُرْمة: مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة أو الصبي المملوك أو غيره الفجور به، فإنه يجب عليه أن يدفَع عن نفسه بما يمكن ولو بالقتل (٣)، ولا يجوز التمكينُ بحال، بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه؛ لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو الحُرْمة غير جائز (٤). وأما إذا كان مقصودُه قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه، وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره (٥). وهذا إذا كان للناس سلطان، وأما إذا كان ــ والعياذ بالله ــ فتنة مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين ويقتتلان على الملك؛ فهل يجوز للإنسان إذا دخلَ أحدُهما بلدَ الآخر وجرى السيفُ أن يدفَع عن نفسه في الفتنة أو يستسلم ولا يقاتل فيها (٦)؟ على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد

стр. 174

وغيره (١). فإذا ظفر السلطان [أ/ق ٣٦] بالمحاربين الحرامية وقد أخذوا الأموال، فعليه أن يستخرج منهم الأموال التي للناس ويردَّها عليهم، مع إقامة الحدِّ على أبدانهم، وكذلك السارق. فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم، عاقبهم بالحبس والضرب حتى يُمَكِّنوا من أخذه بإحضاره، أو توكيل من يحضره، أو الإخبار عنه بمكانه، كما يُعَاقَب كلُّ ممتنعٍ عن حقٍّ وجبَ عليه أداؤه (٢)، فإنَّ الله قد أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته إذا نَشَزَت فامتنعت من الحق الواجب عليها حتى توفيه، فهؤلاء أولى وأحرى. وهذه المطالبة والعقوبة (٣) حقٌّ لربِّ المال، فإن أراد هِبَتَهم المال أو المصالحة عليه أو العفو عن عقوبتهم على ذلك؛ فله ذلك بخلاف إقامة الحد عليهم، فإنه لا سبيل إلى العفو عنه بحال. وليس للإمام أن يُلْزِم ربَّ المال بترك شيء من حقه.

стр. 175

وإن كانت الأموال قد تَلِفَت بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق، فقيل: يضمنونها لأربابها كما يضمن سائر الغاصبين (١) وهو قول الشافعي وأحمد ﵄ (٢). وتبقى مع الإعسار في ذمتهم (٣) إلى ميسرة، وقيل: لا يُجْمَع بين القطع والغُرْم (٤)، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: يضمنونها مع اليسار فقط دون الإعسار، وهو قول مالك (٥). ولا يحلُّ للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جُعْلًا على طلب المحاربين، وإقامة الحدود (٦)، وارتجاع أموال الناس (٧) منهم، ولا على طلب السارقين، لا لنفسه ولا للجُنْد الذين يرسلهم في طلبهم، بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله، فيخرج فيه جند المسلمين كما يخرج (٨) في غيره من الغزوات التي تسمى: البيكار (٩).

стр. 176

ويُنْفَق على المجاهدين في هذا من المال الذي يُنْفَق منه على سائر الغزاة (١)، فإن كان لهم إقطاع أو عطاء يكفيهم (٢) وإلا أُعْطوا تمامَ كفايتهم لغزوهم (٣) من مال المصالح ومال الصدقات، فإن هذا من سبيل الله. فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة، مثل التجار الذين قد يؤخذون، فأخَذَ الإمامُ زكاةَ أموالهم وأنفقها في سبيل الله تعالى، كنفقة الذين يَطْلبون المحاربين= جاز. ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف فأعطى الإمامُ من الفيء أو المصالح أو الزكاةِ لبعض رؤسائهم، ليعينه على إحضار الباقين، أو لترك (٤) شرِّه فيَضْعُف الباقون (٥)، ونحو ذلك= جاز، وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، وهو ظاهرٌ بالكتاب والسنة وأصول الشريعة. ولا يجوز أن يرسل الإمامُ مَن يَضْعُف عن مقاومة الحرامية، ولا مَن يأخذ مالًا من المأخوذين؛ التجار وغيرهم (٦) من أبناء السبيل، بل يرسل من

стр. 177

الجند الأقوياء الأمناء، إلا أن يتعذَّر ذلك فيرسل الأمثَل فالأمثل. فإن كان بعض نُوَّاب السلطان أو رؤساء القرى ونحوهم من يأمر الحرامية في الباطن بالأخذ أو الظاهر (١)، حتى إذا أخذوا شيئًا قاسمهم ودافع عنهم، وأرضى [أ/ق ٣٧] المأخوذين ببعض أموالهم أو لم يُرْضِهم= فهذا أعظم جُرْمًا من مُقَدَّم الحرامية؛ لأن ذلك يمكن دفعُه بدون ما يُدْفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الرِّدْء والعون لهم، فإن قَتَلوا قُتِل هو على قول عمر بن الخطاب ﵁ وأكثر أهل العلم، وإن أخذوا المال قُطِعَت يدُه ورجله، وإن قَتَلوا وأخَذوا المال قُتِل وصُلِب. وهو على قول طائفة من أهل العلم يُقْطع ويُقْتل ويُصْلَب، وقيل: يُخيَّر بين هذين. [وإن كانوا لم يؤذن لهم لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال (٢) وعطل بعض الحقوق والحدود] (٣)، فهذا ليس بمنزلة الذين أذن لهم ابتداء، وإن كان جُرْمه من أعظم الجرائم، فيعاقب بما دون ذلك (٤). و من آوى محاربًا أو سارقًا أو قاتلًا ونحوهم ممن وجب عليه حدٌّ أو حقٌّ لله أو لآدمي، ومنعه ممن (٥) يستوفي منه الواجب بلا

стр. 178

عدوان= فهو شريكه في الجرم (١)، ولقد لعنه الله ورسوله، روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعنَ الله من أحدَث حدثًا أو آوى محدثًا». وإذا ظُفِر بهذا الذي آوى المُحْدِث، فإنه يُطلَب منه إحضاره أو الإعلام به، فإن امتنع عُوقِب بالحبس والضرب مرَّةً بعد مرة حتى يُمَكِّن من ذلك المُحْدِث، كما ذكرنا أنه يُعاقَب الممتنع من أداء المال الواجب (٣). فما وجب حضورُه من النفوس والأموال يُعاقب من منعَ حضورَها. ولو كانَ رجلٌ يعلمُ (٤) مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق وهو لم يمنعه، فإنه يجبُ عليه الإعلامُ به، والدلالةُ عليه، ولا يجوز كتمانه، فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب، بخلاف ما لو كان النفسُ أو المالُ مطوبًا بباطل، فإنه لا يحلُّ الإعلام به؛ ولأنه من (٥) التعاون على الإثم والعدوان، بل يجب الدفع عنه لأن نصر المظلوم واجب. وفي «الصحيحين» (٦) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قلت: يا رسول الله، أنصره مظلومًا فكيف

стр. 179

أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه». وروى مسلم نحوه عن جابر (١). وفي «الصحيحين» (٢) عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القَسَم أو المُقْسِم، وإجابة الدعوى، ونصر المظلوم، [وإفشاء السلام]. ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن لبس الحرير، والقَسِّي، والاستبرق، والديباج. فإن امتنع هذا العالِمُ به من الإعلام بمكانه جاز عقوبته بالحبس وغيره حتى يخبر به؛ لأنه امتنع من حقٍّ وجَبَ (٣) عليه لا تدخله النيابة، فعُوقِب كما تقدم، ولا تجوز (٤) عقوبته على ذلك إلا إذا عُرِف أنه عالم به. وهذا مُطَّرِدٌ فيما يتولاه الولاة والقضاة وغيرهم في كل من امتنع من (٥) واجبٍ من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبةٍ للرجل بحقٍّ وجب على غيره، ولا عقوبةٍ على خيانةِ (٦) غيره حتى يدخل في قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] [أ/ق ٣٨]، وفي قول النبي ﷺ : «ألا لا يجني جانٍ إلا

стр. 180

على نفسه» (١). وإنما ذاك مثل أن يُطْلَب بمالٍ قد وجب على غيره، وهو ليس وكيلًا ولا ضامنًا ولا له عنده مال، أو يُعاقَب بجريرة (٢) قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب لا بترك واجبٍ ولا فعل محرَّم، فهذا الذي لا يحل. فأما هذا فإنما يُعاقَب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد عَلِم مكان الظالم الذي يُطْلَب حضورُه لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنُّصْرَة الواجبة عليه بالكتاب والسنة والإجماع؛ إما محاباةً وحميَّةً لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل المعصية بعضهم لبعض (٣)، وإما مُعاداة وبغضًا للمظلوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وإما إعراضًا عن القيام لله، والقيام بالقسط الذي أوجبه الله تعالى، أو جُبْنًا وفشلًا وخذلانًا لدينه، كما يفعله التاركون لنصر دين الله ورسوله وكتابه (٤)، الذين إذا قيل لهم: انفروا في سبيل الله اثَّاقلوا إلى الأرض.
следующие страницы →