← Сияса и кади

Сияса и кади · id 305

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (307 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وذلك لأن (١) الوالي راعٍ على الناس، بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي ﷺ : «كلكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» (٢). أخرجاه في «الصحيحين» (٣). وقال ﷺ : «ما مِن راعٍ يسترعيه الله رعيةً يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لها إلا حرّم الله عليه رائحةَ الجنّة» رواه مسلم (٤). ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: أيها الأمير (٥). فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هَنَأْتَ جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبست أُولاها على أُخراها وفَّاك سيدُها أجرَك، وإن أنت لم تَهْنَأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على

стр. 72

أخراها عاقبك سَيِّدُها (١). وهذا ظاهر الاعتبار، فإن الخلقَ عبادُ الله، والولاة نُوَّاب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية والوكالة. ثم الوليّ (٢) والوكيل متى استناب في أموره رجلًا وترك مَن هو أصلح (٣)

стр. 73

للتجارة أو العقار منه، أو باع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير (١) من ذلك الثمن، فقد خان صاحبه، لاسيما إن كان بينه وبين مَن حاباه مودة أو قربة، فإن صاحبه يبغضه ويذمّه، ويرى أنه قد خانه وداهن قريبَه (٢) [أ/ق ٥] أو صديقَه. فصل إذا عُرِفَ هذا فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده مَن هو أصلح (٣) لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصبٍ بحسبه. وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخْذِه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذه المواضع من أئمة العدل والمقسطين (٤) عند الله. وإن اختلَّت بعضُ الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال ﷻ في الجهاد: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فمن أدى الواجبَ المقدورَ عليه فقد اهتدى، وقال النبي ﷺ : «إذا

стр. 74

أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم». أخرجاه في «الصحيحين» (١)، لكن إن كان منه عجزٌ بلا (٢) حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك (٣). وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقال صاحب مصر ليوسف ﵊: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، وقال تعالى في صفة جبريل ﵇: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]. والقوة (٤) في كل ولايةٍ بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى (٥) الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها ــ فإن الحرب خدعة ــ و [إلى] (٦) القدرة على أنواع القتال؛ مِن رميٍ وطعن وضرب، وركوبٍ وكرٍّ وفرٍّ، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقال النبي ﷺ : «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليَّ من أن تركبوا، ومَن تعلَّمَ الرميَ ثم نسيه فليس مِنَّا» (٧). وفي

стр. 75

رواية: «فهي نعمةٌ جَحَدها» (١) رواه مسلم. والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة (٢) على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى وترك خشية الناس (٣)، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل مَن حَكَم على الناس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ولهذا قال النبي ﷺ : «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة. فرجلٌ عرفَ (٤) الحقَّ وقضى بخلافه فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجلٌ علمَ الحقَّ وقضى به فهو في الجنة» رواه أهل السنن (٥).

стр. 76

فالقاضي اسم لكل مَن حكم بين اثنين (١)، سواء سُمِّيَ خليفةً أو سلطانًا أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى مَن يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحابُ رسول الله ﷺ ، وهو ظاهر. فصل اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: اللهم إليك أشكو جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة (٢). فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا عُيِّن (٣) رجلان أحدهما [أ/ق ٦] أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيُقَدَّم في إمارة الحروب الرجل القويّ الشجاع ــ وإن كان فيه فجور ــ على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا، كما سئل الإمام أحمد (٤) عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قويٌّ فاجر والآخر

стр. 77

ضعيف صالح، مع أيهما يُغْزَى (١)؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغْزَى مع القوي الفاجر. وقد قال النبي ﷺ : «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٢)، وروي: «بأقوام لا خلاق لهم» (٣)، فإذا لم يكن فاجرًا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسدّ مسدَّه. ولهذا كان النبي ﷺ يستعمل خالدَ بنَ الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: «إن خالدًا سيفٌ سلَّه الله على المشركين» (٤) مع أنه أحيانًا قد كان

стр. 78

يعمل ما ينكره النبي ﷺ ، حتى إنه مرةً رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فَعَل خالد» (١) لما أرسله إلى جَذِيمة (٢)، فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يُجَوِّز ذلك، وأنكره عليه بعض مَن كان (٣) معه من الصحابة، حتى وَدَاهم النبي ﷺ وضمن أموالهم. ومع هذا فما زال يقدِّمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفَعَل ما فَعَلَه بنوع تأويل. وكان أبو ذر ﵁ أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي ﷺ : «يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيم» رواه مسلم (٤). ونهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه رآه ضعيفًا. مع أنه قد رُوِي: «ما أظلَّت الخضراءُ ولا أقلَّت الغَبْراء أصدقُ لهجةً من أبي ذر» (٥).

стр. 79

وأمَّرَ النبيُّ ﷺ مرةً عَمْرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل ــ استعطافًا لأقاربه الذين بعثه إليهم ــ على مَن هو أفضل منه (١). وأمَّر أسامة بن زيد لأجل طلب ثأر أبيه (٢). وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير مَن هو أفضل منه في العلم والإيمان. وهكذا كان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ﵁ ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الرِّدَّة، وفي فتوح العراق والشام، وبَدَت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذُكِر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزِلْه من أجلها، بل عَتَبَه (٣) عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه (٤)، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خُلُقه يميل إلى الشِّدَّة، فينبغي أن يكون خُلُق نائبه يميل إلى اللين، وإذا كان خُلُقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، ليعتدل الأمر. ولهذا كان أبو بكر الصديق ﵁ يُؤثِر استنابةَ خالد، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يؤثر عزلَ خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح؛ لأن خالدًا كان شديدًا كعمر، وأبا عبيدة كان ليِّنًا كأبي بكر، فكان [أ/ق ٧] الأصلح لكل منهما أن يولي مَن ولاه؛ ليكون أمره معتدلًا، ويكون بذلك مِن خلفاء رسول الله ﷺ الذي هو معتدل، حتى قال رسول الله ﷺ : «أنا نبيُّ الرحمة، أنا نبيُّ

стр. 80

المَلْحَمَة» (١). وقال: «أنا الضَّحُوك القَتَّال» (٢)، وأمته وسط، قال الله تعالى فيهم:

стр. 81

﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى﴾ [المائدة: ٥٤]. ولهذا لما ولي أبو بكر وعمر ﵄ صارا كامِلَين في الولاية، واعتدل منهما ما كانا يُنْسَبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي ﷺ مِن لين أحدهما وشدّة الآخر، حتى قال فيهما النبي ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (١).

стр. 82

وظهر من أبي بكر ﵁ مِن شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما بَرَّزَ به على عمر وسائر الصحابة ﵃ أجمعين (١). وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قُدِّم الأمين (٢)، مثل حفظ الأموال ونحوها. فأما استخراجها وحفظها (٣) فلا بد فيه من قوة وأمانة، فيولى عليها شادّ (٤) قويّ يستخرج الأموال بقوته (٥)، وكاتبٌ أمينٌ يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين. وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جُمِع بين عدد، فلابد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولَّى إذا لم تقع الكفاية بواحدٍ تام. ويُقَدَّم في ولاية القضاء الأعْلَم الأورَع الأكْفأ، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قُدِّمَ ــ فيما قد يظهر حكمُه ويُخاف فيه الهوى ــ الأورعُ (٦)،

стр. 83

وفيما يدِقُّ (١) حكمه ويُخاف فيه الاشتباه الأعلم. ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب البصر الناقد (٢) عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» (٣). ويقدَّمان على الأكفأ إن كان القاضي مؤيدًا تأييدًا تامًّا من جهة والي الحرب أو العامة. ويقدَّم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المُطْلَق يحتاج أن يكون عالمًا عادلًا قادرًا، بل وكذلك كل والٍ للمسلمين، فأيُّ صفةٍ من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه. والكفايةُ: إما بقهر ورهبة (٤)، وإما بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة فلابد منهما. وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يتولى القضاء إلا عالم فاسق (٥)

стр. 84

أو جاهل دَيِّن (١)، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدِّين أكثر لغلبة الفساد، قُدِّم الدَّيِّن، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قُدِّم العالم (٢). وأكثر العلماء يقدِّمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون على أنه لابدّ في المتولي من أن يكون عدلًا أهلًا للشهادة (٣). واختلفوا في اشتراط العلم (٤) هل يجب أن يكون مجتهدًا، أو يجوز أن يكون مقلدًا؟ أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال (٥). وبَسْط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع (٦). ومع أنه يجوز تولية غير الأهل (٧) للضرورة إذا كان أصلح الموجود، [أ/ق ٨] فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما

стр. 85

لا بد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المُعْسِر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يُطْلَب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعدادُ للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها، فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هناك لا يتم إلا بها. فصل والمهم (١) في هذا الباب معرفة الأصلح (٢) وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدَّموا في ولايتهم من يُعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته (٣). وقد كانت السُّنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب، الذين هم نُوَّاب ذي السلطان على الجند، ولهذا لما قدَّم النبي ﷺ أبا بكر في الصلاة، قدَّمَه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها. وكان النبي ﷺ إذا بعث أميرًا على حرب (٤) كان هو الذي يؤمُّ

стр. 86

الصلاة (١) بأصحابه. وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة كما استعمل عَتَّاب بن أَسِيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليًّا ومعاذًا وأبا موسى على اليمن، وأبا سفيان (٢) [و] عَمرو بن حزم على نجران= كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب. وكذلك (٣) خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي ﷺ في الصلاة والجهاد. وكان إذا عاد مريضًا يقول: «اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاةً وينكأ لك عدوًّا» (٤).

стр. 87

ولما بعث النبيّ ﷺ معاذًا إلى اليمن قال: «يا معاذ إن أهمَّ أمرك عندي الصلاة» (١). وكذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: إن أهمَّ أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حَفِظَ دينَه، ومن ضيعها كان لما سِواها من عمله أشد إضاعة (٢). وذلك لأن النبي ﷺ قال: «الصلاة عماد الدين» (٣). فإذا أقام المتولي عمادَ الدين، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي التي تُعِيْن الناس على ما سواها من الطاعات، كما قال : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال: ﴿(١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وقال لعبده ونبيه (٤) ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ

стр. 88

نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. والمقصودُ الواجب بالولايات: إصلاحُ دين الخلق الذين متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نَعِمُوا به في الدنيا، وإصلاحُ ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قَسْم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين (١). فمن لم يَعْتَدِ أصلحَ له دينَه ودنياه؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنما بعثتُ عُمَّالي إليكم ليعَلِّموكم كتابَ ربكم، وسنةَ نبيّكم، ويقسموا بينكم فيأكم (٢). فلما تغيرت الرعية من وجه، والرُّعاة من وجه، تناقضت (٣) الأمور. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل

стр. 89

أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقد رُوِي: «يومٌ من إمامٍ عادل أفضل من عبادة ستين سنة» (١). وفي «المسند» (٢) للإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «أحبُّ الخلقِ إلى الله إمامٌ عادل، وأبغض الخلق إلى الله (٣) إمام جائر» (٤). (٥) وفي «الصحيحين» (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجلٌ ذَكَر الله خاليًا ففاضت عيناه،

стр. 90

ورجلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال (١) فقال: إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تنفق يمينُه». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن عِياض بن حِمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسِط، ورجلٌ رحيم رقيق (٣) القلب بكل ذي قُرْبى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق». وفي «السنن» (٤) عنه ﷺ أنه قال: «الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله». وقد قال ــ لما أمر بالجهاد ــ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وقيل للنبي ﷺ : يا رسول الله، الرجلُ يقاتل شجاعةً، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي

стр. 91

العليا فهو في سبيل الله» أخرجاه في «الصحيحين» (١). فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا. وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمَّنها كتابه (٢)، وهكذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، فمَن عَدَل عن الكتاب قُوِّمَ بالحديد، ولهذا كان قِوامُ الدين بالمصحف والسيف. وقد رُوِي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه [أ/ق ١٠] وسلم أن نضرب بهذا ــ يعني السيف ــ من عَدَل عن هذا ــ يعني المصحف ــ (٣).

стр. 92

فإذا كان هذا هو المقصود فإنه يُتَوسَّل إليه بالأقرب فالأقرب، ويُنظر إلى الرجلين أيهما كان أقرب إلى المقصود وُلِّي، فإذا كانت الولاية ــ مثلًا ــ إمامة صلاة فقط، قُدِّم من قدمه النبي ﷺ ، حيث قال: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًّا، ولا يُؤمَّنَّ الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس على تَكْرِمَتِه إلا بإذنه» رواه مسلم (١). فإذا تكافأ رجلان، أو خفي أصلحُهما أُقْرِع بينهما، كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان (٢)، متابعةً لقوله ﷺ : «لو يعلم الناسُ ما في النداء والصفِّ الأوّل ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لاسْتَهَموا (٣)» (٤). فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، أو بفعله (٥) ــ وهو ما يُرَجِّحه بالقرعة

стр. 93

إذا خفي الأمر ــ كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات (١) إلى أهلها. فصل (٢) القوة في الولايات تجمع قوة المرء في نفسه، وقوته على غيره؛ فقوته على نفسه بالحلم والصبر، كما رُوي عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٣). وهذا هو السيد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقال النبي ﷺ عن الحسن: «إنَّ ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين» (٤). فبين النبي ﷺ أن الرجل الشديد القوي ليس هو القوي في بدنه الذي يصرع الناسَ ويغلبهم كثيرًا، وإنما هو القوي في نفسه الذي يملك نفسه ويغلبها عند الغضب. وأما قوته على غيره؛ فالشجاعة في نفسه، والخبرة وسائر أسباب القوى من الرجال والأموال، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وروى مسلم في «صحيحه» (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول

стр. 94

الله ﷺ : «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعُك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطان». فبالقوَّة الأولى يصير المرء من المهاجرين الذين هجروا ما نهى الله عنه، ومن المجاهدين الذين جاهدوا نفوسهم في الله، وهو جهاد العدو الباطن من الشيطان والهوى. وبالقوة الثانية يصير من المهاجرين المجاهدين في سبيل الله، الذين جاهدوا أعداءه ونصروا الله ورسوله، وبهم يقوم الدين. و كثيرًا ما يحصل للرجل إحدى القوتين دون الأخرى ، فيختلُّ من أمره بحسب ذلك؛ ولهذا وصَّى العلماء لمن ولي القضاء وغيره من الولايات: أن يكون قويًّا من غير عنف، ليِّنًا من غير ضعف، بمنزلة كف الإنسان [أ/ق ١١] اجتمعت فيه القوة واللين، ليس يابسًا في قوته كالعظم والحجر، ولا ضعيفًا في لِيْنِه كالدم والماء، فإنَّ مَن كان قويًّا على الناس ولم يكن قويًّا على نفسه حتى يكون حليمًا كريمًا ليِّنًا للناس صبورًا على أذاهم= كان فيه من الهَلَع والضيق ما يصير به عاسفًا لهم ولنفسه حتى قد تهلكه شجاعته. ومن كان قويًّا على نفسه مخالفًا لهواه، إلا أنه ليس فيه قوة على الناس وسلطان يحملهم به على الحق= خرجوا عن الحق، ولم يؤدوا الواجبات ولم يتركوا المحرَّمات. وقد يكون الرجلان مُتَّصِفَين بالصفات الحميدة، وبعضهم أكمل في بعضها من بعض، فإن الخلفاء الراشدين كلٌّ منهم موصوف بالفضائل التي

стр. 95

سبقوا بها الخلق، وكان عثمان وعلي ﵄ متفاضِلَين (١) في الحلم والشجاعة، وفي الزهد في المال والزهد في الرياسة، وفي الجهاد بالنفس (٢) والجهاد بالمال، وفي العلم بالكتاب والعلم بالسنة، فيظهر فضل أحدهما في أحد النوعين كما يظهر فضل الآخر في النوع الآخر، وكما يظهر فضل أبي بكر وعمر في عامة ذلك عليهما، وكما يظهر فضلهم ــ رضوان الله عليهم ــ على مَن سواهم في عامة ذلك، وكما يظهر هدي محمد ﷺ على هدي موسى وعيسى ــ صلوات الله عليهم أجمعين ــ. وهؤلاء الأربعة هم الذين يجب على المسلمين عمومًا وعلى العلماء والأمراء خصوصًا أن ينظروا في سيرتهم ويقتدوا بهديهم بعد النبي ﷺ ، فإنه قد ثبت في «السنن» عن العِرْباض بن سارية أنه قال: خَطَبَنا رسول الله ﷺ خُطْبة ذرفت منها العيون ووجِلَت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنَّ هذه خطبة مودِّع فماذا تَعْهَد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله تعالى وعليكم بالسمع والطاعة، فإنه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدَثات الأمور فإنّ كل بدعة ضلالة» (٣).

стр. 96

وثبت أيضًا في «السنن» عن سفينة مولى النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: «تكون الخلافة من بعدي ثلاثين سنة ثم تصير مُلكًا» (١). وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ الذي شهد له المسلمون بأنه كان خليفةً راشدًا يقول: سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذُ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي مَن خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدي، ومن استنصر بها فهو منصور، ومَن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا (٢). وهذه الأصول الثلاثة: كتاب الله، وسنة رسوله، وسبيل عباده المؤمنين،

стр. 97

هي دين الله، وصراطه المستقيم، وحبله المتين، الذي هو أفضل الأديان، وأهله أكرم الأمم على الله، وخير أُمةٍ أخرجت للناس، وأوجبت [أ/ق ١٢] على أهل الأرض الدخول فيه علمًا وعملًا، بحيث لا يُخْرَج منه ما دخل فيه، ولا يُدْخل فيه ما خرج منه. نسأل الله العظيم أن يهدينا إليه كلِّه، ويُثَبِّتنا عليه باطنًا وظاهرًا، وسائر إخواننا إنه جواد كريم. * * * *

стр. 98

فصل القسم الثاني من الأمانات (١): الأموال ، كما قال الله في الديون: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ويدخل في هذا القسم: الأعيان، والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع، ومال الشريك، والمُوَكِّل، والمضارب، ومال المولَّى من اليتيم وأهل الوقف، ونحو ذلك. وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات، وبدل القرض، وصَدُقات النساء، وأجور المنافع، ونحو ذلك. وقد قال الله : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]، أي: لا تخاصم عنهم. وقال النبي ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن مَن خانك» رواه أهل «السنن» (٢).

стр. 99

وقال ﷺ : «المؤمن من أمِنَه المسلمون على دمائهم وأموالهم، والمسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر مَن هَجَر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسَه في ذات الله». وهو حديث صحيح بعضه في «الصحيحين (١)» (٢) وبعضه صحَّحَه الترمذي (٣). وقال ﷺ : «مَن أخَذ أموالَ الناسِ يريدُ أداءَها أدَّاها الله عنه، ومَن

стр. 100

أخذَها (١) يريدُ إتلافَها أتلفَه الله» رواه البخاري (٢). وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قُبِضَت بحق ففيه تنبيه (٣) على وجوب أداء الغَصْب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم، وكذلك أداء العاريَّة. وقد خطب (٤) النبي ﷺ (٥) في حجة الوداع، وقال في خطبته: «العارية مؤدَّاة، والمنحة مردودة، والدَّيْن مقضيٌّ، والزعيم غارم، إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيةَ لوارث» (٦). و هذا القسم يتناول الرُّعاة (٧) والرعية ، فعلى كلٍّ منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه؛ فعلى كلّ ذي السلطان ونُوَّابه في العطاء أن يؤتوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وعلى جُباة الأموال ــ كأهل الديوان ــ أن يؤدوا إلى كل ذي

стр. 101

السلطان ما يجب إيتاؤه إليه، وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق. وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، فيكونون من جنس مَن قال الله فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [أ/ق ١٣] وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١)﴾ [التوبة: ٥٨ - ٦٠]. ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق وإن كان ظالمًا كما أمر النبي ﷺ لما ذكر جَور الولاة، فقال: «أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». ففي «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياءُ (٣)، كلما هلَك نبيٌّ خَلَفَه نبيّ، وإنه لا نبيّ بعدي، وسيكون خلفاء فتكثر (٤)» قالوا: فما تأمرنا؟ فقال:

стр. 102

«فوا (١) بيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». وفيهما (٢) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «إنكم سترون بعدي أَثَرَةً وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقَّهم، واسألوا الله حقَّكم». و ليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالكُ ملكه، فإنما هم أُمَناء ونُوَّاب ووُكَلاء، ليسوا مُلَّاكًا، قال رسول الله ﷺ : «إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيثُ أُمِرت» رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ بنحوه (٣). فهذا رسولُ ربِّ العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أُبيح له التصرف في ماله، وكما تفعل الملوك الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من أحبوا (٤)، وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره، فيضعه (٥) حيث أمره الله . وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين لو وسَّعْتَ على نفسك في النفقة من مال الله تعالى؟ فقال له عمر: أتدري ما

стр. 103

مَثَلي ومَثَل هؤلاء؟ كمثل قومٍ كانوا في سفر، فجمعوا منهم (١) مالًا وسلَّموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحلُّ لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم (٢)؟ ! وحُمِل مرةً إلى عمر بن الخطاب ﵁ مال عظيم من الخمس فقال: إن قومًا أدوا الأمانة في هذا لأُمناء، فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة، ولو رَتعتَ لرتَعوا (٣). وينبغي أن يُعرَف أن ولي الأمر كالسوق ما نَفَق فيه جُلِب إليه (٤)، هكذا قال عمر بن عبد العزيز (٥)، فإن نَفَق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جُلِب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجَوْر والخيانة جُلِبَ إليه ذلك. والذي على وليِّ الأمر: أن يأخذ المال من حلِّه، ويضعه في حقِّه، ولا يمنعه من مُسْتحقِّه. وكان علي بن أبي طالب ﵁ إذا بلغه أن بعض نوابه ظَلَم يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك (٦).

стр. 104

فصل (١) الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء. فأما الغنيمة: فهي (٢) المال المأخوذ من الكفار بالقتال (٣)، ذكرها الله في سورة الأنفال التي أُنْزِلت في غزوة بدر، وسُمِّيت أنفالًا؛ لأنها زيادة في أموال المسلمين [أ/ق ١٤] فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ﴾ الآية [الأنفال: ١ - ٤١]، وقال في أثنائها: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩]. وفي «الصحيحين» (٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُعطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ نبيٌّ قبلي: نُصِرتُ بالرّعب مسيرةَ شهر، وجُعِلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تُحَلَّ لأحد قبلي، وأُعْطِيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبْعَث إلى قومه خاصة وبُعِثْتُ إلى الناس عامة».

стр. 105

وقال النبي ﷺ : «بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجُعِل الذلةُ والصَّغَارُ على مَن خالف أمري، ومَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم». رواه أحمد في «المسند» (١) عن ابن عمر (٢). والواجب في المَغْنَم تخميسه، وصرف الخُمُس إلى من ذكره الله تعالى، وقِسْمةُ الباقي بين الغانمين. قال عمر بن الخطاب ﵁: الغنيمة لمن شَهِد الوقعة (٣).

стр. 106

وهم الذين شهدوها للقتال، قاتَلوا أو لم يقاتلوا، ويجب قَسْمُها بينهم بالعدل، فلا يُحَابَى أحدٌ لا لرياسته (١) ولا لنَسَبِه ولا لفضله، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يقسمونها. وفي «صحيح البخاري» (٢) أن سعد بن أبي وقاص رأى له فضلًا على مَن دونه، فقال النبي ﷺ : «هل تُنْصَرون وتُرْزَقون إلا بضعفائكم». وفي «مسند أحمد» (٣) عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسول الله، الرجلُ يكون حاميةَ القوم، فيكون سهمه وسهم غيره سواء؟ ! قال: «ثَكِلتك أمُّك ابن أم سعد، وهل تُرْزَقون وتُنْصرون إلا بضعفائكم؟ ». وما زالت الغنائم تُقْسَم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس، لمَّا كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، لكن يجوز للإمام أن يُنَفِّل من ظهر منه زيادة نِكاية، كسَريَّةٍ تَسَرَّت من الجيش، أو رجل صعد حصنًا عاليًا (٤) ففتحه، أو حَمَل على مُقَدَّم العدوِّ، فقتله فهُزِم (٥) العدوُّ، ونحو ذلك؛ فإن النبي ﷺ وخلفاءَه كانوا يُنَفِّلون لذلك. وكان يُنَفِّل السريةَ في البَدْأة (٦) الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد

стр. 107

الخمس (١). وهذا النفل قد قال بعض العلماء: إنه يكون من الخمس، وقال بعضهم: إنه يكون من خُمُس الخمس، لئلا يُفَضَّل بعضُ الغانمين على بعض، والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس (٢) وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية لا هوى النفس، كما فعل النبي ﷺ غير مرة. وهذا قول فقهاء الشام (٣)، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم (٤). وعلى هذا فقد قيل: إنه يُنَفِّل الربع والثلث بشرط وغير شرط، ويُنَفِّل الزيادة على ذلك بالشرط، مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ونحو ذلك. وقيل: لا يُنَفِّل زيادةً على الثلث، ولا ينفِّلُه

стр. 108

إلا بالشرط، وهذان قولان لأحمد وغيره (١). وكذلك ــ على القول الصحيح ــ للإمام أن يقول [أ/ق ١٥]: من أخذ شيئًا فهو له، كما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة بدر (٢)، إذا رأى المصلحة (٣) راجحة على المفسدة. وإذا كان الإمام يجمع الغنيمة ويقسمها، لم يَجُز لأحد أن يغلَّ منها شيئًا ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، فإن الغُلول خيانة. ولا تجوز النُّهْبَة، فإن النبي ﷺ نهى عنها (٤)، فإن (٥) ترك الإمام الجمعَ والقسمةَ وأذِنَ في الأخذ إذنًا جائزًا، فمن أخذ شيئًا بلا عُدوان حل (٦) له بعد تخميسه، وكلُّ ما دل على الإذن فهو إذن. وأما إذا لم يأذن أو أذنَ إذنًا غير جائز= جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحرِّيًا للعدل في ذلك.

стр. 109

ومن حرَّم على المسلمين جمع المغانم ــ والحال هذه ــ أو أباح للإمام أن يفعل فيها ما شاء، فقد تقابل القولان (١) تقابُلَ الطرفين، ودين الله (٢) وسط. والعدل في القسمة: أن يقسم للرَّاجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، هكذا قسم النبي ﷺ عام خيبر (٣). ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان، والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤونة نفسه وسائسه (٤)، ومنفعةُ الناس (٥) به أكثر من منفعة راجِلَين. ومنهم مَن يقول: يسوَّى بين الفرس العربي والهجين في هذا. ومنهم من يقول: بل الهجين يُسْهَم له سهم واحد، كما رُوِي عن النبي ﷺ وأصحابه (٦).

стр. 110

والفرس الهجين: الذي تكون أمه نبطية، ويسمى في هذا الزمان: التتريّ (١)، سواء كان حصانًا أو حِجرًا، ويسمى الرَّمَكة، أو خَصِيًّا ويسمى الإكديش (٢). كان السلف يعدون للقتال الحصان لشدته ولقوَّته وحِدَّته، وللإغارة والبَيات الحِجْر (٣)؛ لأنه ليس له صهيل ينذر العدو فيحترزون، وللسَّيْر الخَصِي لأنه أصبر على السير. وإذا كان المغنوم مالًا قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار أو منقول، وعَرَفَه صاحبُه قبل القسمة، فإنه يُرَدُّ إليه بإجماع المسلمين. وتفاريع الغنائم (٤) وأحكامها فيه آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في بعض ذلك، ليس هذا موضعها، وإنما الغرض ذِكْر الجمل الجامعة.
следующие страницы →