← Сияса и кади

Сияса и кади · id 305

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (307 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويُنْفَق على المجاهدين في هذا من المال الذي يُنْفَق منه على سائر الغزاة (١)، فإن كان لهم إقطاع أو عطاء يكفيهم (٢) وإلا أُعْطوا تمامَ كفايتهم لغزوهم (٣) من مال المصالح ومال الصدقات، فإن هذا من سبيل الله. فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة، مثل التجار الذين قد يؤخذون، فأخَذَ الإمامُ زكاةَ أموالهم وأنفقها في سبيل الله تعالى، كنفقة الذين يَطْلبون المحاربين= جاز. ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف فأعطى الإمامُ من الفيء أو المصالح أو الزكاةِ لبعض رؤسائهم، ليعينه على إحضار الباقين، أو لترك (٤) شرِّه فيَضْعُف الباقون (٥)، ونحو ذلك= جاز، وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، وهو ظاهرٌ بالكتاب والسنة وأصول الشريعة. ولا يجوز أن يرسل الإمامُ مَن يَضْعُف عن مقاومة الحرامية، ولا مَن يأخذ مالًا من المأخوذين؛ التجار وغيرهم (٦) من أبناء السبيل، بل يرسل من

стр. 177

الجند الأقوياء الأمناء، إلا أن يتعذَّر ذلك فيرسل الأمثَل فالأمثل. فإن كان بعض نُوَّاب السلطان أو رؤساء القرى ونحوهم من يأمر الحرامية في الباطن بالأخذ أو الظاهر (١)، حتى إذا أخذوا شيئًا قاسمهم ودافع عنهم، وأرضى [أ/ق ٣٧] المأخوذين ببعض أموالهم أو لم يُرْضِهم= فهذا أعظم جُرْمًا من مُقَدَّم الحرامية؛ لأن ذلك يمكن دفعُه بدون ما يُدْفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الرِّدْء والعون لهم، فإن قَتَلوا قُتِل هو على قول عمر بن الخطاب ﵁ وأكثر أهل العلم، وإن أخذوا المال قُطِعَت يدُه ورجله، وإن قَتَلوا وأخَذوا المال قُتِل وصُلِب. وهو على قول طائفة من أهل العلم يُقْطع ويُقْتل ويُصْلَب، وقيل: يُخيَّر بين هذين. [وإن كانوا لم يؤذن لهم لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال (٢) وعطل بعض الحقوق والحدود] (٣)، فهذا ليس بمنزلة الذين أذن لهم ابتداء، وإن كان جُرْمه من أعظم الجرائم، فيعاقب بما دون ذلك (٤). و من آوى محاربًا أو سارقًا أو قاتلًا ونحوهم ممن وجب عليه حدٌّ أو حقٌّ لله أو لآدمي، ومنعه ممن (٥) يستوفي منه الواجب بلا

стр. 178

عدوان= فهو شريكه في الجرم (١)، ولقد لعنه الله ورسوله، روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعنَ الله من أحدَث حدثًا أو آوى محدثًا». وإذا ظُفِر بهذا الذي آوى المُحْدِث، فإنه يُطلَب منه إحضاره أو الإعلام به، فإن امتنع عُوقِب بالحبس والضرب مرَّةً بعد مرة حتى يُمَكِّن من ذلك المُحْدِث، كما ذكرنا أنه يُعاقَب الممتنع من أداء المال الواجب (٣). فما وجب حضورُه من النفوس والأموال يُعاقب من منعَ حضورَها. ولو كانَ رجلٌ يعلمُ (٤) مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق وهو لم يمنعه، فإنه يجبُ عليه الإعلامُ به، والدلالةُ عليه، ولا يجوز كتمانه، فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب، بخلاف ما لو كان النفسُ أو المالُ مطوبًا بباطل، فإنه لا يحلُّ الإعلام به؛ ولأنه من (٥) التعاون على الإثم والعدوان، بل يجب الدفع عنه لأن نصر المظلوم واجب. وفي «الصحيحين» (٦) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قلت: يا رسول الله، أنصره مظلومًا فكيف

стр. 179

أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه». وروى مسلم نحوه عن جابر (١). وفي «الصحيحين» (٢) عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القَسَم أو المُقْسِم، وإجابة الدعوى، ونصر المظلوم، [وإفشاء السلام]. ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن لبس الحرير، والقَسِّي، والاستبرق، والديباج. فإن امتنع هذا العالِمُ به من الإعلام بمكانه جاز عقوبته بالحبس وغيره حتى يخبر به؛ لأنه امتنع من حقٍّ وجَبَ (٣) عليه لا تدخله النيابة، فعُوقِب كما تقدم، ولا تجوز (٤) عقوبته على ذلك إلا إذا عُرِف أنه عالم به. وهذا مُطَّرِدٌ فيما يتولاه الولاة والقضاة وغيرهم في كل من امتنع من (٥) واجبٍ من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبةٍ للرجل بحقٍّ وجب على غيره، ولا عقوبةٍ على خيانةِ (٦) غيره حتى يدخل في قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] [أ/ق ٣٨]، وفي قول النبي ﷺ : «ألا لا يجني جانٍ إلا

стр. 180

على نفسه» (١). وإنما ذاك مثل أن يُطْلَب بمالٍ قد وجب على غيره، وهو ليس وكيلًا ولا ضامنًا ولا له عنده مال، أو يُعاقَب بجريرة (٢) قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب لا بترك واجبٍ ولا فعل محرَّم، فهذا الذي لا يحل. فأما هذا فإنما يُعاقَب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد عَلِم مكان الظالم الذي يُطْلَب حضورُه لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنُّصْرَة الواجبة عليه بالكتاب والسنة والإجماع؛ إما محاباةً وحميَّةً لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل المعصية بعضهم لبعض (٣)، وإما مُعاداة وبغضًا للمظلوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وإما إعراضًا عن القيام لله، والقيام بالقسط الذي أوجبه الله تعالى، أو جُبْنًا وفشلًا وخذلانًا لدينه، كما يفعله التاركون لنصر دين الله ورسوله وكتابه (٤)، الذين إذا قيل لهم: انفروا في سبيل الله اثَّاقلوا إلى الأرض.

стр. 181

وعلى كل تقدير فهذا الصنف (١) يستحق العقوبة باتفاق العلماء. ومن لم يسلك هذا السبيل (٢) عطَّل الحدود، وضَيَّعَ الحقوق، وأكلَ القويُّ الضعيفَ. وهو يشبه من عنده مال الظالم الماطل (٣) من عين أو دين، وقد امتنع من تسليمه إلى حاكم (٤) عادل يوفي به دينه، أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله أو لأقاربه أو مماليكه أو بهائمه. وكثيرًا ما يجب على الرجل حقٌّ بسبب (٥) غيره، كما تجبُ عليه النفقة بسبب حاجة قريبة، وكما تجب الدية على عاقلة القاتل. وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن عُلِمَ أن عنده مالًا أو نفسًا يجب إحضارُه وهو لا يُحْضِره؛ كالقُطَّاع والسُّرَّاق وحُماتهم، أو عُلِم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه. فأمّا إن امتنع من الإخبار والإحضار؛ لئلا يعتدي (٦) عليه الطالب أو يظلمه؛ فهذا محسن، وكثيرًا ما يشتبه أحدهما بالآخر، وتجتمع شبهة وشهوة، والواجب تمييز الحق من الباطل. وهذا يقع كثيرًا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة إذا استجار بهم مستجير (٧)، أو كان بينهما قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحَمِيَّة الجاهلية،

стр. 182

والعزة بالإثم، والسمعة عند الأوباش= أنهم ينصرونه ويحمونه ــ وإن كان ظالمًا مُبْطلًا ــ على المُحِقِّ المظلوم، لاسيما إن كان المظلوم رئيسًا يناوؤهم ويناوِؤنه (١)، فيرون أن في تسليم المستجير (٢) بهم إلى من يناوؤهم ذلًّا وعجزًا، وهذا ــ على الإطلاق ــ جاهلية محضة، وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا، وقد ذُكِر أنه إنما كان سبب حروبٍ من حروب الأعراب؛ كحرب البسوس، التي كانت من (٣) بني بكر وتغلب إلا نحو هذا، وكذا سبب دخول الترك المغول (٤) إلى دار الإسلام، واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان= كان سببه نحو هذا. ومن أذلَّ نفسه لله تعالى فقد أعزَّها، ومن بذل الحقَّ من نفسه فقد أكرم نفسه [أ/ق ٣٩]، فإنَّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم. ومن اعتزَّ (٥) بالظلم مِن (٦) مَنْع الحق وفِعْل الإثم، فقد أذلَّ نفسَه وأهانها، قال الله تعالى: ﴿(٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال ﷻ في صفة هذا الضرب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ

стр. 183

وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦]. وإنما الواجب على من استجار به مستجير: إن كان مظلومًا ينصره (١)، ولا يثبت أنه مظلوم بمجرَّد دعواه، فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم، بل يكشف خبرَه من خصمه وغيره، فإن كان ظالمًا ردَّه عن الظلم بالرفق إن أمكن، إما من صلحٍ أو حُكْم بالقسط، وإلا فبالقوة. وإن كان كلٌّ منهما ظالمًا مظلومًا؛ كأهل الأهواء من قيسٍ ويَمَن ونحوهم، وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي، أو كانا جميعًا غير ظالمين لشبهة (٢) أو تأويل أو غلط وقع فيما بينهما= سعى بينهما بالإصلاح أو الحكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وقد روى أبو داود في «السنن» (٣) عن النبي ﷺ أنه قيل له: أمِنَ العصبية

стр. 184

أن ينصر الرجل قومَه في الحق؟ قال: «لا، ولكن العصبية أن ينصرَ الرجلُ قومَه في الباطل». وقال: «خيرُكم المدافع (١) عن قومه ما لم يأثم» (٢). وقال: «مثل الذي ينصرُ قومَه في الباطل كبعيرٍ تردَّى في بئر فهو يجُرُّ بِذَنَبِه» (٣). وقال: «من سمعتموه يتعزَّى بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه ولا تَكْنوا» (٤)، أي: قولوا له: عضّ أيرَ أبيك (٥).

стр. 185

وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسبٍ أو بلدٍ أو جنس، أو مذهب أو طريقة؛ فهو من عزاء الجاهلية. بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار. قال النبي ﷺ : «أبدعوى الجاهلية وأنا (١) بين أظهركم؟ » (٢)، وغضب لذلك غضبًا شديدًا. * * * *

стр. 186

فصل وأما السارق؛ فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨ - ٣٩]، ولا يجوز بعد ثبوت الحدِّ عليه بالبيِّنة أو الإقرار تأخيرُه لا بحبسٍ، [أ/ق ٤٠] ولا مالٍ يفتدي به، ولا غيره، بل تُقطع يدُه في الأوقات المعظَّمة وغيرها. فإن إقامة الحدود (١) من العبادات كالجهاد في سبيل الله، وينبغي أن يعرف أن إقامة الحدِّ رحمة من الله بعباده، فيكون الوالي شديدًا في إقامة الحدِّ، لا تأخذه رأفةٌ في دين الله فيعطله. ويكون قصده رحمة الخلق بكفِّ الناس عن المنكرات، لا شِفاءَ (٢) غيظه وإرادته للعلو على الخلق. بمنزلة الوالد إذا أدَّبَ ولدَه، فإنه لو كفَّ عن تأديب ولده كما تُشِير به الأم ــ رِقَّةً ورأفة ــ لفسدَ الولدُ، وإنما يؤدِّبه رحمةً به وإصلاحًا لحاله، مع أنه يودُّ ويؤثر أن لا يُحْوِجه إلى تأديب. وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه. وبمنزلة قَطْع العضو المستأكل (٣)، والحَجْم، وقَطْع العروق بالفصاد، ونحو ذلك. بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يُدخله على نفسه من المشقّة لينال به الراحة.

стр. 187

فلهذا (١) شُرِعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها، فإنه متى كان قصدُه صلاحَ الرعية، والنهي عن المنكرات بجلب (٢) المنفعة لهم، ودَفْع الضرر (٣) عنهم، وابتغى بذلك وجهَ الله تعالى وطاعة أمره= ليَّنَ (٤) الله له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة اليسيرة (٥)، وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد. وأما إذا كان غرضُه العلوَّ عليهم (٦)، وإقامة رياسته ليعظِّموه (٧)، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال= انعكس عليه مقصوده. يروى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ قبل أن يلي الخلافة كان نائبًا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي ﷺ ، وكان قد ساسهم سياسةً صالحةً، فقَدِم الحجَّاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل المدينة عن عمر: كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبةً، قال:

стр. 188

كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحبُّ إلينا من أهلنا، قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة، قال: هذه هيبته، وهذه محبته، وهذا أدبه، هذا أمر من السماء (١)! و إذا قُطِعت يده حُسِمت ، ويستحب (٢) أن تعلَّق في عنقه (٣)، فإن سرق ثانيًا قُطِعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثًا ورابعًا؛ فيه قولان للصحابة ومَن بعدهم من العلماء: أحدهما: تُقْطَع أربعتُه في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر ﵁ ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى (٤) الروايتين. والثاني: أنه يُحْبس، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ والكوفيين، ومذهب أبي حنيفة (٥) وأحمد في روايته الأخرى. وإنما تُقْطَع يده إذا سرق نصابًا ، وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم؛ كمالك والشافعي

стр. 189

وأحمد. ومنهم من يقول: دينار أو عشرة دراهم. فمن سرق ذلك قُطِع بالاتفاق. وفي «الصحيحين» (١) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قَطَع في مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم. وفي لفظ لمسلم (٢): قَطَع سارقًا في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم. والمجن التُّرْس. وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة ﵂[أ/ق ٤١] قالت: قال رسول الله ﷺ : «تُقطع يد (٤) السارق في ربع دينار فصاعدًا». وفي رواية لمسلم (٥): «لا تُقطع يدُ السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا». وفي رواية البخاري (٦) قال: «اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك». وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهمًا. ولا يكون السارق سارقًا حتى يأخذ المال من حِرْزٍ، فأما المال الضائع من صاحبه، والثمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حافظ (٧) والماشية التي لا راعي عندها، ونحو ذلك= فلا قَطْع فيه لكن يُعَزَّر الآخذ، ويضاعف

стр. 190

عليه الغُرم كما جاء به الحديث (١). وقد اختلف أهل العلم في التضعيف، وممن قال به: أحمد وغيره، قال رافع بن خديج: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا قطع في ثَمَرٍ ولا كَثَر» (٢). والكَثَر: هو الجُمَّار (٣) جُمَّار النخل. رواه أهل السنن. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رجلًا من مُزَينة يسأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: «معها حِذاؤها وسِقاؤها تأكل الشجَر وتَرِد الماء، فدَعها حتى يأتيها باغيها». قال: الضالة من الغنم؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها». قال: الحريسة (٤) التي تؤخذ من مراتعها؟ قال: «فيها ثمنها مرتين وضَرْب نكال، وما أُخِذ من عَطَنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المِجَنِّ». قال: يا رسول الله، فالثمار وما أُخِذَ منها من أكمامها؟ قال: «من أخذ بفمه ولم يتخذ خُبنَة (٥) فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه

стр. 191

مرتين وضربًا ونكالًا (١)، وما أُخِذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يُؤخذ من ذلك ثمن المِجَن، وما لم يبلغ ثمن المجنّ (٢) ففيه غرامة مِثْليه وجلداتُ نكال» رواه أهل السنن لكن هذا سياق النسائي (٣). وكذلك (٤) قال النبي ﷺ : «ليس على المُنْتَهِب، ولا على المُخْتَلِس، ولا الخائن قَطْع» (٥). فالمنتهب: الذي ينهب الشيءَ والناسُ ينظرون، والمختلس: الذي (٦) يجتذب الشيء فيُعلَم به قبل أخذه. فأما الطرَّار وهو البطَّاط الذي يبط

стр. 192

الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها؛ فإنه يُقْطَع على الصحيح. فصل وأما الزاني: فإن كان مُحصنًا فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، كما رجم النبي ﷺ ماعزَ بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين (١)، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده. وقد اختلف العلماء هل يُجلد قبل الرجم مئة؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره (٢). وإن كان غير مُحْصن فإنه يُجلد مئة جلدة بكتاب الله ويُغَرَّب عامًا بسنة رسول الله ﷺ (٣)، وإن كان (٤) بعض العلماء لا يرى وجوب التغريب (٥). ولا يُقام عليه الحدُّ حتى يشهد عليه أربعة شهداء، أو يشهد على نفسه أربعَ شهادات عند كثير من العلماء أو أكثرهم، ومنهم من يكتفي بشهادته (٦) على نفسه مرة واحدة. ولو أقرَّ على نفسه ثم رجع (٧)، فمنهم مَن يقول:

стр. 193

يسقط عنه الحد، ومنهم من يقول: لا يسقط. والمُحْصَن: من وَطِئ [أ/ق ٤٢] وهو حرٌّ مكلَّف لمن تزوجها (١) نكاحًا صحيحًا في قُبُلِها ولو مرَّة واحدة (٢)، فإن وطئ كاملٌ ناقصةً أو بالعكس، ففي إحصان الكامل تنازع بين الفقهاء، ومتى وطئها مرةً صار مُحْصنًا يُرجَم إذا زنى ولو لم يكن حين الزنا متزوجًا (٣). [وهل يشترط أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات؟ على قولين للعلماء. وهل (٤) تُحصِن المراهقة البالغ (٥) وبالعكس؟ فأما أهل الذمة فإنهم يُحصِنون أيضًا عند أكثر العلماء (٦) كالشافعي وأحمد؛ لأن النبي ﷺ رجم يهوديين على باب مسجده، وذلك أول رَجْم (٧) في الإسلام] (٨). واختلفوا في المرأة إذا وُجِدت حُبلى ولم يكن لها زوج ولا سيِّد، ولم

стр. 194

تدَّع (١) شبهَة في الحَبَل، ففيها قولان عند (٢) أحمد وغيره؛ قيل (٣): لا حدّ عليها لأنه يجوز أن تكون حَبِلَت مكرهةً، أو بتحَمُّل (٤)، أو بوطء شبهة. وقيل: بل تُحَد، وهذا المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة، فإن الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها، كاحتمال كذبها وكذب الشهود. وأما التلوُّط، فمن العلماء من يقول: حدُّه حد الزاني (٥)، وقد قيل دون ذلك، والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أنه يُقْتَل الاثنان الأعلى والأسفل، سواءٌ كانا محصَنَيْن أو غير محصَنَين (٦). فإنَّ أهل السنن رووا عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «مَن وجدتموه يفعل فعل (٧) قوم لوط فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به» (٨).

стр. 195

وروى أبو داود (١) عن ابن عباس ﵁ في البكر (٢) يوجد على اللوطية، قال: يُرْجَم. ورُوِي عن (٣) علي بن أبي طالب ﵁ نحو ذلك (٤). ولم تختلف الصحابةُ في قتله لكن تنوعوا فيه؛ فروي عن الصديق ﵁ أنه أمر بتحريقه، وعن غيره: قتله، وعن بعضهم: أنه يُلقَى (٥) عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يُحبسان في أنتَنِ موضع حتى يموتا، وعن بعضهم: أن يُرفع على أعلى جدار في القرية ويُرمى منه ويُتْبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط. وهذه رواية عن ابن عباس ﵁ والرواية الأخرى قال: يرجم، وعلى هذا أكثر السلف، وهو مذهب أهل المدينة والشام وأكثر فقهاء الحديث كأحمد في أصح روايتيه والشافعي في أحد قوليه (٦).

стр. 196

قالوا: لأن الله رجم قوم لوط، وشَرعَ رجم الزاني تشبيهًا برجم قوم لوط. ويُرجم الاثنان سواء كانا حرَّيْن أو مملوكَيْن، أو كان أحدهما مملوكَ الآخر (١) إذا كانا بالغَين، فإن كان أحدهما غير بالغٍ عُوقِب بما دون القتل، ولا يُرجم إلا البالغ. فصل وأما حدُّ الشُّرْب؛ فإنه ثابت بسنة رسول الله ﷺ ، وإجماع المسلمين، فقد روى أهل «السنن» عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: «مَن شَرِب الخمرَ فاجلدوه، ثم إن شربَ فاجلدوه، ثم إن شربَ فاجلدوه (٢)، ثم إن شرب في الرابعة فاقتلوه» (٣).

стр. 197

وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة (١) هو وخلفاؤه والمسلمون بعده. والقتل عند أكثر العلماء منسوخ، وقيل: هو محكم، وقد يقال: هو تعزيرٌ يفعله الإمام عند الحاجة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين. وكان علي ﵁ يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين (٢). فمن العلماء مَن يقول: يجب ضرب [أ/ق ٤٣] الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمامُ عند الحاجة، إذا أدمن الناسُ الخمرَ أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ونحو ذلك. فأما مع قلة الشاربين وقُرب أمر الشارب فتكفي الأربعون، وهذا أوجه القولين، وهو قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (٣).

стр. 198

وقد كان عمر ﵁ لمَّا كَثُر الشرب زاد فيه النفي وحلق الرأس، مبالغةً في الزجر عنه (١)، فلو عُزِّرَ الشارب مع الأربعين بقطع خُبْزِه (٢) أو عزلِه عن ولايته= كان حسنًا، فإن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه عن بعض نوَّابه أنه تمثَّل بأبياتٍ في الخمر فعزله (٣). والخمرُ التي حرمها الله تعالى ورسوله، وأمرَ النبي بجلد شاربها: كلُّ شراب مسكر من أي أصل كان، سواء كان من الثمار؛ كالعنب والرطب والزبيب (٤) والتين، أو الحبوب؛ كالحِنطة والشعير، أو الطلول؛ كالعسل، أو الحيوان، كلبن الخيل. بل لما أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ تحريم الخمر لم يكن عندهم بالمدينة (٥) من خمر العنب شيء (٦)؛ لأنه لم يكن بالمدينة (٧)

стр. 199

شجر عنب، وإنما (١) كانت تُجْلب من الشام، فكان عامة شرابهم من نبيذ التمر، وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه أنه حرَّم كل مسكر وبيَّن أنه خمر (٢). وكانوا يشربون النبيذ الحُلو، وهو أن يُنْبَذ في الماء تمرٌ أو زبيب، أي يُطْرح فيه ــ[والنبذُ: الطرح] (٣) ــ ليَحْلوَ الماء، لاسيما كثير من مياه الحجاز، فإن فيه ملوحة، فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين؛ لأنه لا يُسكِر، كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكرًا. وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن ينبذوا (٤) هذا النبيذ في أوعية الخشب أو الجرِّ ــ وهو ما يُصنع من التراب ــ أو القرع أو الظروف المُزَفَّتة، وأمرهم أن ينبذوا في الظروف التي تُربط أفواهُها بالأوكية (٥)؛ لأن الشدة تدب في النبيذ دبيبًا خفيًّا ولا يشعر الإنسان، فربما شرب الإنسان (٦) ما قد دبَّ فيه الشِّدة المُطربة وهو لا يشعر، فإذا كان في سقاء موكئًا انشق الظرفُ إذا غلا فيه النبيذ، فلا يقع الإنسان في محذور، وتلك الأوعية لا تنشق. ورُوِي عنه أنه رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية، وقال: «كنت قد

стр. 200

نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا (١) ولا تشربوا مسكرًا» (٢). فاختلف الصحابة ومَن بعدهم من العلماء: منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يُثْبِته، فنهى عن الانتباذ في الأوعية، ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ (٣)، فرخَّص في الانتباذ في الأوعية، فسمع طائفةٌ من الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ، فاعتقدوا أنه المسكر، فرخَّصوا في شرب أنواع من الأشربة التي ليست من العنب والتمر، وترخَّصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب. والصواب ما عليه جماهير المسلمين: أن كل مُسكِر خمر يُجلد شاربه، ولو شرب منه قطرةً واحدة لتداوي أو غير تداوي، فإن النبي ﷺ سُئل عن الخمر أيُتَداوى بها؟ فقال: «إنها داء وليست بدواء» (٤)، و «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرَّمَ عليها» (٥). والحدُّ واجب إذا قامت البينة [أ/ق ٤٤] أو اعترف الشارب.

стр. 201

فإن وُجِدت منه رائحة الخمر، أو رُئي وهو يتقيَّؤها ونحو ذلك؛ فقد قيل: لا يقام عليه الحد؛ لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمرٍ، أو شربها جاهلًا بها أو مكرهًا ونحو ذلك. وقيل: بل يُجلد (١) إذا عَرَف أن ذلك مسكر. وهذا المأثور (٢) عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، كعثمان وعلي وابن مسعود ﵃، وعليه تدل سنة رسول الله ﷺ ، وهو الذي يصلح عليه الناس، وهو مذهب مالك وأحمد في غالب نصيهما (٣) وغيرهما (٤). والحشيشة المصنوعة من ورق القِنَّب (٥) حرام، يُجلَد صاحبُها (٦) كما يُجلَد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخَنُّث ودِياثة وغير ذلك من المفاسد (٧). والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدِّها، ورأى أنَّ آكلها يعزَّر بما

стр. 202

دون الحد، حيث ظنها تغير العقل من غير طَرَب، بمنزلة البنج، ولم يجد (١) للعلماء المتقدمين فيها كلامًا. وليس كذلك، بل آكلوها ينتشون (٢) عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر، وآكلها تصده (٣) عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة إذا أكثر (٤) منها، مع ما فيها من المفاسد الأُخر؛ من الدِّياثة، والتخَنُّث، وفساد المزاج والعقل، وغير ذلك. لكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابًا، تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره؛ فقيل: هي نجسة كالخمرة المشروبة، وهذا (٥) هو الاعتبار الصحيح، وقيل: لا، لجمودها، وقيل: يُفَرَّق بين جامدها ومائعها. وبكل حال فهي داخلة فيما حرَّمَ الله ورسولُه من الخمر والمسكر لفظًا أو معنى. قال أبو موسى الأشعري ﵁: يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البِتْع ــ وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتد ــ، والمِزْر ــ وهو من الذرة والشعير يُنبذ حتى يشتد ــ قال: وكان رسول الله ﷺ قد اُعْطِي جوامع الكَلِم بخواتيمه فقال: «كلّ مُسْكِر حرام». متفق عليه في «الصحيحين» (٦). وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ مِن الحِنْطةِ خمرًا،

стр. 203

ومِن الشعير خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا، وأنا (١) أنهى عن كل مسكر» رواه أبو داود وغيره (٢). ولكن هذا في «الصحيحين» (٣) عن عمر موقوفًا عليه: أنه خطب به على منبر رسول الله ﷺ فقال: «الخمر ما خامر العقل» (٤). وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كلُّ مسكر خمر وكل مسكر حرام». وفي رواية: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواهما مسلم في «صحيحه» (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملءُ الكفِّ منه حرام» (٦). قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 204

وروى (١) أهل السنن عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: «ما أسكرَ كثيرُه فقليله حرام» (٢). وصححه الحُفَّاظ (٣). وعن جابر ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المِزْر؟ فقال: «أمسكر هو؟ » قال: نعم، [أ/ق ٤٥] فقال: «كلّ مُسكِر حرام، إنّ على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخَبَال (٤)»، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عَرَق أهل النار، أو عُصارة أهل النار» رواه مسلم في «صحيحه» (٥). وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كلّ مُخَمَّر خمر وكل

стр. 205

مسكر حرام» رواه أبو داود (١). والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومستفيضة، جمع رسول الله ﷺ ــ بما أوتيه من جوامع الكلم ــ كلَّ ما غطى العقل وأسكر، ولم يفرق بين نوع ونوع، ولا تأثير لكونه مأكولًا أو مشروبًا، على أن الخمر قد يُصْطَبَغ (٢) بها، وهذه الحشيشة قد تُذاب (٣) في الماء وتُشرب، فالخمر يُشرب ويُؤكل، والحشيشة تؤكل وتشرب (٤)، وكل ذلك حرام. وإنما لم يتكلم المتقدِّمون في خصوصها؛ لأنه إنما حدث أكلُها من قريب في أواخر المئة السادسة أو قريبًا من ذلك، كما أنه قد أُحْدِثت أشْرِبة مُسكرة بعد النبي ﷺ ، وكلها داخلة في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة. فصل (٥) من الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون: حد القذف (٦)، فإذا قذف الرجل محصنًا بالزنا أو اللواط، وجبَ عليه الحدُّ ثمانون جلدة. والمحصن هنا هو: الحرّ العفيف، وفي باب حدِّ الزنا: الذي وطئ وطءًا كاملًا في نكاح تامّ.

стр. 206

فصل وأما المعاصي التي ليس فيها حدٌّ مقدَّر ولا كفارة (١)، كالذي يُقَبِّل الصبيَّ والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق (٢) من غير حرز، أو (٣) شيئًا يسيرًا، أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال، والوقوف، ومال اليتيم، ونحو ذلك إذا خانوا فيها. وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملته كالذين يغشون (٤) في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفِّف الكيل (٥) والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور (٦)، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله ، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزَّى بعزاء الجاهلية، كقوله: يالقيس ياليمن (٧)، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات= فهؤلاء يعاقَبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرةِ ذلك الذنب في الناس وقِلَّتِه، فإذا كان كثيرًا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلًا.

стр. 207

وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور زِيدَ في عُقوبته بخلاف المُقِلِّ من ذلك. وعلى حسب كبر الذنب وصغره، فيُعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ما لا يُعاقَب (١) من لم يتعرَّض إلا لامرأة واحدة أو صبي واحد (٢). وليس لأقلِّ التعزير حدٌّ، بل هو بكل ما (٣) فيه إيلام للإنسان من قول وفعل، وتَرْك قولٍ وتَركِ فعل، فقد يُعَزَّر الرجلُ بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يُعَزَّر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إن كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي ﷺ وأصحابُه الثلاثةَ الذين خُلِّفوا (٤)، وقد يُعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي ﷺ وأصحابُه يُعَزِّرون بذلك، وقد يُعَزَّر بترك استخدامه في جند المسلمين [أ/ق ٤٦] كالجندي المقاتل إذا فرَّ عن الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقَطْعُ خبزِه نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يُستَعْظم فعزلُه عن الإمارة تعزيرٌ له (٥). وقد يُعَزَّر بالحبس، وقد يُعزر بالضرب، وقد يُعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابةٍ مقلوبًا، كما قد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر

стр. 208

بذلك (١) في شاهد الزور (٢)؛ فإن الكاذب أسودُ الوجه فيسَوَّد (٣) وجهُه، وقَلَبَ الحديث فقُلِبَ ركوبُه. وأما أعلاه؛ فقد قيل: لا يُزاد على عشرة أسواط، وقال كثير من العلماء: لا يبلغ به الحدود. ثم هم على قولين؛ منهم من يقول: لا يبلغ به أدنى الحدود؛ لا يبلغ بالحُرِّ أدنى حدود الحر، وهي الأربعون أو الثمانون، ولا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد، وهي العشرون أو الأربعون. وقيل: بل لا يبلغ بكلٍّ منهما حدّ العبد. ومنهم من يقول: لا يبلغ بكلِّ ذنبٍ حدَّ جنسه وإن زاد على حدِّ جنسٍ آخر، فلا يبلغ بآخِذ المال (٤) من غير حرز قطع اليد، وإن ضُرِب أكثر من حدِّ القاذف، ولا نفعل (٥) بمن فعل ما دون الزنا حدَّ الزاني وإن زاد على حد القاذف (٦). كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا نقش على خاتمه، وأخذ بذلك من بيت المال، فأمر به فضُرب مئة، ثم ضربه في اليوم الثاني مئة،

стр. 209

ثم ضربه في اليوم الثالث مئة (١). وروي عن الخلفاء الراشدين في (٢) رجل وامرأة وُجِدا في لحاف: يُضربان مئة (٣). ورُوي عن النبي ﷺ في الذي يأتي جارية امرأته: «إن كانت أحلتها له: جلد مئة، وإن لم تكن أحلتها له: رُجِم» (٤). وهذا القول أظهر الأقوال (٥)، وهذه الأقوال في مذهب أحمد وغيره،

стр. 210

والقولان الآخران (١) في مذهب الشافعي ﵁ وغيره. وأما مالك وغيره فحُكِي عنه: أن من الجرائم ما يبلغ به القتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا جسَّ (٢) للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في (٣) قتله، وجوَّز مالكٌ وبعضُ الحنبلية كابن عقيل قتلَه، ومَنَعَه أبو حنيفة والشافعي وبعضُ الحنبلية كالقاضي أبي يعلى (٤). وجوَّز طائفةٌ من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتلَ الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من المالكية (٥)، قالوا: إنما جوَّز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة (٦). وكذلك قد قيل في قتل الساحر، فإنَّ أكثر العلماء على أنه يُقتل، وقد روى (٧) الترمذي عن جندب موقوفًا ومرفوعًا أن: «حدُّ الساحر ضربة بالسيف» (٨).

стр. 211

وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة ﵃ قتله، قال بعضهم (١): لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض، لكنَّ جمهور هؤلاء يرون قتله حدًّا (٢). وكذلك أبو حنيفة يُعَزِّر بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يُقْتل من تكرر منه التلوُّط، أو اغتيال النفوس لأخذ (٣) المال، ونحو ذلك. وقد يُستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يُقتل بما رواه مسلم في «صحيحه» (٤) عن عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتاكم وأمرُكم على رجلٍ واحدٍ يريد أن يشقَّ عصاكم ويُفرِّق جماعتكم [أ/ق ٤٧] فاقتلوه». وفي رواية: «ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن

стр. 212

يفرِّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان» (١). وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة؛ بدليل ما رواه أحمد في «المسند» عن ديلم الحِمْيَري قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرضٍ نعالج بها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من القمح نتقوَّى به على أعمالنا وعلى بَرْد بلادنا، فقال: «هل يُسْكِر؟» قلت: نعم، قال: «فاجتنبوه»، قلت: إن الناس غير تاركيه، قال: «فإن لم يتركوه فاقتلوهم» (٢). وهذا لأن المُفسد كالصائل، فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قُتِل. وجِماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماضٍ جزاء بما كسب نكالًا من الله؛ كجلد الشارب والقاذف (٣)، وقطع المحارب والسارق، وكذلك تعزير من سرق دون النصاب من غير حرز، وتعزير الخائن ومُزَوِّر الشهادة والعلامة ونحو ذلك (٤). والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب أو ترك محرم في المستقبل، كما يُستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قُتِل، وكما يُعاقَب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤديها، فالتعزير في هذا الضرب أمْثَل (٥) منه

стр. 213

في الضرب الأول؛ ولهذا يجوز أن يُضرَب هذا مرةً بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة عليه (١). والحديث الذي في «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يُجلَد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» قد فسَّره طائفةٌ من أهل العلم بأن المراد بـ «حدود الله» بما حُرِّم لحق الله، فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يُراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ويقال في الثاني: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأما تسمية العقوبة المُقَدَّرة (٣) حدًّا فهو عُرفٌ حادث (٤). ومراد الحديث: أن من ضرب لحقِّ (٥) نفسه، كضَرْبِ الرجل امرأتَه في النشوز لا يزيدُ على عشر جلدات (٦).

стр. 214

فصل والجلد الذي جاءت به الشريعة: هو الجلد المعتدل بالسوط (١)، فإن خيار الأمور أوسطها، قال علي ﵁: ضَربٌ بين ضَرْبَين، وسَوطٌ بين سَوطَين (٢). ولا يكون الجلد بالعِصي ولا المقارع، ولا يُكْتفى فيه بالدِّرَّة، بل (٣) الدِّرَّة تُستعمل في التعزير. أما الحدود فلابد فيها من الجلد بالسوط، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يؤدِّب بالدِّرَّة فإذا جاءت الحدود دعا بالسوط. ولا تجرَّد ثيابه كلها، بل يُنزع عنه ما يمنع ألم الضرب من الحشايا والفراء ونحو ذلك، ولا يُربط إذا لم يحتج إلى ذلك، ولا يضرب وجهُه، فإن النبي ﷺ قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه» (٤). ولا يضرب مَقاتِلَه فإن المقصود تأديُبه لا قتلُه. ويُعطَى كلُّ عضوٍ حقَّه (٥) من الضرب؛ كالظهر

стр. 215

والأكتاف والفخذين ونحو ذلك. فصل العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد، كما تقدم. والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة [أ/ق ٤٩] كالتي لا يُقدَر عليها إلا بقتال. فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء دين الله (١) ورسوله، فكلّ مَن بلَغَتْه (٢) دعوة رسول الله ﷺ إلى دين الله الذي بعثه به، فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله، حتى لا تكون فتنة ويكون (٣) الدين كله لله. وكان الله ــ لما بعث نبيه ﷺ وأمره بدعوة الخلق إلى دينه ــ لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين بقوله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١]. ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله : ﴿كُتِبَ
следующие страницы →