(الكريم) أي: الذي بجوده يتفضل بالعطيات (سبحان الله رب العرش العظيم) أي: المحيط بالموجودات (الحمد لله رب العالمين) أي: في جميع الحالات.
(أسألك موجبات رحمتك) أي: الخصال الحميدة التي توجب رحمتك، وتقتضي عنايتك، وهذه من مختصات رواية الترمذي، (وعزائم مغفرتك) أي: الأمور المعزومة اللازمة لحصول غفرانك ووصول رضوانك.
وأغرب الحنفي حيث قال: "العزائم جمع العزيمة بمعنى الرقية، أي: أسألك الرقى التي تورث المغفرة" وقال: "ذكره الجوهري وغيره".
قلت: إن كان مراده أن العزيمة بمعنى الرقية ذكره الجوهري وغيره فمسلم، وأما إن ادعى أن الجوهري وغيره فسروا الحديث بهذا المعنى فممنوع، وعن حيز المعقول مرفوع.
(والعصمة من كلّ ذنب) أي: بالحفظ عنه أوَّلًا، أو بالتوبة عنه آخِرًا؛ فإن: "التائب من الذَّنْب كمن لا ذنب له"، وهذه من جملة مختصات الحاكم ([والغنيمة]) (١) أي: الاغتنام (من كلّ بر) بكسر الموحدة أي: طاعة وإحسان، وهي من رواية الترمذي خاصة.
(والسلامة) أي: الخلاص (من كلّ إثم) أي: بكل وجه من خطر، وهم، وقصد، وتمن، ومباشرة، وإصرار، وغير ذلك (مس، ت) أي
стр. 1052
رواه: الحاكم، والترمذي؛ كلاهما عن (١) أبي أوفى. قال ميرك: "ورواه ابن ماجة أيضًا" (٢).
(لا تَدَعْ) بسكون العين، أي: لا تترك (لي ذنبًا) أي: من الذنوب في حال من الأحوال (إلَّا غفرته) أي: إلَّا مقرونًا بالغفران (ولا همًّا) أي:
стр. 1053
غمًّا (إلَّا فرجته) بتشديد الراء، أي: كشفته. يقال: فرج تفريجًا، إذا أزال الغم، ويجوز تخفيفه كما قدمناه عن"القاموس" (١).
(ولا حاجة هي لك رضًا) أي: ذات رضا أو مرضية أو هي لك رضًا فيها، (إلَّا قضيتها يا أرحم الراحمين. ت) أي: رواه الترمذي (٢) عنه أيضًا، والظاهر أن هذا ذيل لما تقدم، ويحتمل أن يكون دعاءً مستقلًّا، والله أعلم.
(ومن كانت له ضرورة) أي: حاجة ملجئة إلى الله أو إلى أحد من خلقه (فليتوضأ، فيحسن وضوءه) بالجزم أو بالرفع، ويلائمه ما بعده من المعطوف عليه. (ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، عن عثمان بن حنيف.
(ويصلي ركعتين. س) أي: رواه النسائي عنه هذه الزيادة في رواية كما سيأتي بيانه.
(ثم يدعو: اللهم إني أسألك) أي: حاجتي، (وأتوجه إليك بنبيك) أي: بوسيلته وشفاعته، والباء للتعدية أو المصاحبة، (محمدٍ) بالجر، بيان أو بدل، وكذا: (نبي الرحمة) ولا يخفى مناسبة هذا الوصف للمقام.
(يا محمد،) التفات إليه وتضرع لديه، ليتوجه روحه إلى الله ويغني السائل عما سواه، وعن التوسل إلى غير مولاه قائلًا: (إني أتوجه بك) أي: بذريعتك، والباء للاستعانة، (إلى ربي في حاجتي هذه) وهي
стр. 1054
المقصودة المعهودة، (لتُقْضَى) بصيغة المجهول، أي: الحاجة.
فقوله: (لي) للبيان كما صرح به الطيبي، ويمكن أن يكون التقدير: ليقضي الله الحاجة لأجلي، بل هذا هو الظاهر. وليس هذا من قبيل ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] كما لا يخفى.
وفي نسخة بصيغة الفاعل، أي: لتقضي الحاجة لي، والمعنى لتكون سببًا لحصول حاجتي، ووصول مرادي فالإسناد مجازي.
ثم اعلم أن النداء باسمه ﷺ منهي، لكن محلَّه ما لم يرد عنه إذن شرعي، واختلف: هل مراعاة الأدب أولى وتغيير العبادة، أو الامتثال يعني ما ورد؛ فإن المأمور معذور؟ والأظهر الثاني كما هو مقرر في محله.
(اللهم) التفات آخر، (فشفعه) بتشديد الفاء المكسورة، أي: اقبل شفاعته (فيَّ) أي: في حقي؛ ففي "النهاية": "يقال: شفَع يَشْفَع شَفاعةً فهو شَافِع وشَفِيعٌ، والمشفِّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشَفَّع: الذي تقبل شفاعته" (١).
قال الطيبي: "الفاء عطف على قوله "أتوجه"، أي: اجعله شفيعًا لي فشفعه، وقوله "اللهم" معترضة"، انتهى.
والأظهر أن "اللهم" إلى آخره ندائية، وما بعده جملة دعائية، والمعطوف عليه بالفاء مقدر، والمعنى: يا أالله، اجعله شفيعًا أوَّلًا، فاقبل شفاعته ثانيا؛ ليتم به المقصود آخرًا.
стр. 1055
(ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم؛ كلهم عن ابن حنيف: "أن أعمى أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت صبرت، فهو خير لك. قال: فادعه. قال: فأمر أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك … " إلى آخره (١).
رواه الترمذي واللفظ له، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، وزاد الحاكم: "فدعا بهذا الدعاء فقام فأبصر" (٢)، وزاد النسائي في بعض طرقه: "فتوضأ فصلى ركعتين"، ذكره ميرك.
(ومن أراد حفظ القرآن) أي: ابتداءً أو بقاءً، (فإذا كانت ليلة الجمعة) خصت لأنَّها من أقرب أوقات الإجابة، لاسيّما [- وَضْعًا - يُتَفَاءَلُ] (٣) لِجَمْعِ القُرْآنِ بِلَفْظِ الجُمُعَةِ، (فإن استطاع) أي: مريد الحفظ (أن يقوم في ثلث الليل) وفي نسخة صحيحة: "من ثلث الليل" (الآخر) وفي نسخة: "الأخير"، وزاد في "أصل الأصيل": "فليقم"، والمعنى عليه، ولابد من
стр. 1056
الاحتياج في التقدير إليه.
(فإنها) أي: ليلة الجمعة، بمعنى: فيها، أو ساعاتها، أو القطعة الأخيرة التي هي الثلث من ليلتها بجميع ساعاتها، (ساعة مشهودة) أي: في زمان قليل ووقت جليل تحضره الملائكة، أو يحصل فيه الحضور مع الله، والغفلة عما سواه، ولذا قال: (والدعاء فيها مستجاب).
وقد أغرب الحنفي حيث قال: "أي: محضورة يحضرها ملائكة الليل والنهار هذه صاعدة وهذه نازلة"، ووجه غرابته: أن هذا إنما يستقيم في وقت الصبح أو المغرب على ما ورد في الحديث.
(فإن لم يستطع) أي: إن لم يقدر أن يقوم في الثلث الأخير المراد به آخرها وهو أفضلها، (ففي وَسْطِها) أي: فليقم في وَسْطِهَا بسكون السين ويجوز فتحها كما في نسخة صحيحة، وهو الثلث الأوسط المعبر عنه بجوف الليل في بعض الأحاديث، وهو أفضل من أولها.
(فإن لم يستطع ففي أولها) أي: بعد النوم أو قبله، (فيصلي أربع ركعات) أي: متواليات بتسليمة واحدة على ما هو الظاهر المتبادر الموافق لرأي إمامنا الأعظم، خلافًا لمن خالفه، وتسمى صلاة حفظ القرآن.
(يقرأ في الأولى الفاتحة، وسورة يس) لكونها قلب القرآن، وقد قال بعض العارفين: "إذا اجتمع ثلاثة قلوب حصل المطلوب: قلب الليل من الزمان، وقلب القرآن، وقلب الحاضر بالرحمن".
(وفي الثانية: الفاتحة وحم الدخان) بالجر على الإضافة، وبالرفع على أنَّ التقدير: هو الدخان، ويجوز النصب بتقدير: أعْنِي.
стр. 1057
ثُمَّ ميم "حم" يفتح وصلًا؛ لأنه أخف الحركات وقياسًا على: ﴿الم. الله﴾، ويجوز كسرها؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر، مع أن نفس ﴿حم﴾ قرئ بفتح الميم وكسرها في أوائل الحواميم.
وفي الحاء يجوز الفتح والإمالة وبين بين، ولا بد من مد الميم وقفًا، ويجوز الطول والقصر وصْلًا، والتوسط ضعيف، ولعلها خصت لكونها نزل فيها القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
(وفي الثالثة) أي: في الركعة الثالثة، (الفاتحة) أي: يقرؤها، (و) ﴿الم. تَنْزِيلُ﴾ والسجدة الْأَوْلَى رفع ﴿تَنْزِيلُ﴾ على الحكاية على ما صرح به العسقلاني وغيره، وأما السجدة فقد رويت بالجر على الإضافة، وبالنصب بتقدير: أعني، أو على أنَّها صفة " [ألم] (١) "؛ فإن محله النصب على أنه مفعول "يقرأ" بالعطف على الفاتحة، وهو الأظهر.
هذا ولما كان كلّ شفع صلاة على حدة لم يرد أن سورة السجدة فوق الدخان على أنه لا يكره في النوافل تقديم بعض السور على بعض مخالفًا للترتيب القرآني.
(وفي الرابعة: الفاتحة) بالنصب، (و ﴿وتبارك﴾ الملك) بالرفع على الحكاية، ويؤيده "نسخة الجلال": ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وبالجر على الإضافة، وبالنصب على تقدير: أعني.
(فإذا فرغ من التشهد) أي: من الصلاة والدعاء والتسليم، (فليحمد
стр. 1058
الله) أي: على نعمائه، (وليحسن الثناء على الله) أي: بذكر صفاته وأسمائه، (وليصلِّ على النبي ﷺ ، وليحسن) أي: بذكر نعوته وأوصافه، أو بزيادة آله وأصحابه، (وعلى سائر النبيين) أي: الأعم من المرسلين.
(وليستغفر للمؤمنين والمؤمنات) أي: من هذه الأمة وغيرهم، (ولإخوانه الذين سبقونا بالإيمان) أي: من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان.
(ثم ليقل في آخر ذلك) أي: مما ذكر، (اللهم ارحمني بترك المعاصي) أي: بتوفيق أن أترك المعصية فعْلَا وترْكًا، (أبدًا) أي: دائمًا، (ما أبقيتني) أي: في الدنيا؛ إذ لا معصية في العقبى، (وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني) بفتح أوله، والتكلف: التعرض بما لا يعنيه، على ما في "التاج"، فالمعنى: وارحمني بترك التعرض القصدي فيما لا يهمني في أمر الدنيا، ولا ينفعني في شأن الأخري، وفيه إيماء إلى ما ورد "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (١) "، وإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
(وارزقني حسن النظر) أي: التفكر التأمل والتدبر، فيما يرضيك) من الإرضاء، أي: في قول وعمل يرضيك (عني)، وفيه إشعار بقوله تعالى:
стр. 1059
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].
(اللهم بديع السموات والأرض) سبق، (ذا الجلال والإكرام) تقدم، (والعزة) أي: وصاحب القوة والغلبة، (التي لا ترام) أي: لا تقصد ولا تدرك، فعلى هذا من الروم؛ بمعنى: الطلب، وفي "النهاية": "يقال: رام يريم، إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي"، فالمعنى: لا تزال ولا تفني (١).
(أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك) أي: بعظمتك وبصفات جلالك، (ونور وجهك) أي: جمال ذاتك، (أن تلزم) من الإلزام، أي: تُدِيم، (قلبي حفظ كتابك) أي: انتهاءً، (كما علمتني) أي: ابتداءً، (وارزقني) أي: فيما بينهما، (أن أتلوه) أي: أقرأه أو أتبعه (على النحو) أي: النهج، (الذي يرضيك عني).
(اللهم بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنوّر بكتابك) أي: بتلاوته نظرًا، (بصري) أو ببركة كتابك قوة بصري وبصيرتي، (وأن تطلق) من الإطلاق أي: تجري، (به لساني) على وجه مراعاة المخارج والصفات والتجويد، (وأن تفرّج) من التفريج، أي: تكشف الغم وتزيل الهم، (به عن قلبي، وأن تشرح) أي: تولممع، (به صدري) لئلا يضيق فيما
стр. 1060
يفعل بي، ويقال في حقي.
(وأن تستعمل) كذا في "أصل الأصيل" و"الجلال"، وفي بعض النسخ المصححة: "وأن تغسل" (به بدني) أي: تطهر بسبب العمل به ذنوبي، أو أعضاء بدني: كالقلب، والسمع، والبصر، واليد، واللسان، وسائر الأركان من الذنوب والعصيان، فيؤول معناه إلى قوله: "وأن تستعمل به بدني".
ويؤيده قوله: (فإنه لا يعينني) من الإعانة، أي: لا يوفقني ولا يقويني (على الحق) أي: اعتقادًا وقولًا وفعلًا، (غيرك، ولا يؤتيه) من الإيتاء، أي: لا يعطي الحق ولا يظهره (إلَّا أنت، ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّهِ العلي العظيم. يفعل ذلك ثلاث جُمَع) بضم وفتح، جمع: جمعة، (أو خمسًا) أي: خمس جمع، (أو سبعًا، يجاب بإذن الله تعالى) أو في إحدى الثلاث.
(والذي بعثني بالحق ما أخطأ) أي: ما تجاوز ولا تعدى هذا الإجابة، (مؤمنًا قط) بفتح القاف وتشديد الطاء، وهي أفصح اللغات وأشهرها، وفيه لغات أخر؛ ففي "القاموس": "ما رأيته قط ويضم ويخففان، وقط مشددة مجرورة بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي: فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من العمر، ويختص بالنفي ماضيًا. والعامة تقول: لا أفعله قط".
وفي مواضع من البخاري، جاء بعد المثبت منها في الكسوف: "أطول صلاة صليتها قط"، وفي "سنن أبي داود": "توضأ ثلاثًا قط"، وأثبتها ابن مالك في "الشواهد" لغة، قال: "وهي ما خفي على كثير من النحاة"، انتهى.
стр. 1061
فالمعنى: أنه ما أخطأ مؤمنًا فيما مضى قط، وكذا يكون حكمه فيما يبقي، وخلاصته أنه ما يخطى أبدًا، وما أحسن من قال من أرباب الحال:
لقد أحسن الله فيما مضى … كذلك يحسن فيما بقي (١)
стр. 1062
(ت، مس) أي: رواه الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن ابن عباس: "أنه قال ﷺ حين جاءه علي ﵁ يشتكي تفلت القرآن. قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الحاكم: "صحيح على شرطهما" (١).
стр. 1063
(وإذا أخطأ أو أذنب) شك من الرواي، أو "أو" للتنويع؛ بأن أذنب خطأً أو عمدًا، (فأحب أن يتوب إلى الله، فليأت) أي: فليشرع، (فليمد
стр. 1064
يديه) تفصيل للإتيان، أي: فليرفع يديه (إلى الله أي: إلى قبلة دعائه من جهة سمائه.
(ثم يقول: اللهم إني أتوب إليك منها) أي: من هذه المعصية وغيرها، (لا أرجع إليها) أي: خصوصًا، ولا إلى غيرها عمومًا، (أبدًا).
(فإنه) أي: الشأن، (يُغفرُ له) بصيغة المفعول، أي: يغفر له ذنبه، أو جميع معاصيه، (ما لم يرجع في عمله ذلك) أي: فإنه إذا رجع إلى عمله ذلك توقف الغفران على التوبة، أو تعلق المشيئة، والمقصود منه العزم على أن لا يعود، والمداومة على التقوى إلى آخر العمر، لا أنه إذا رجع إلى معصية لم تصح توبته، كما قال به بعض أهل البدعة؛ فإنه يَرُدُّه قوله ﷺ : "ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة".
وبما حررنا اندفع ما ذكره بعضهم أيضًا من أن التوبة من معصية، مع الإصرار على سائر المعاصي غير صحيحة، وهو قول غير صحيح؛ لأن صحة عمل من الأعمال لا تتوقف على أداء جميع العبادات، فكذا في الواجبات المتروكات، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وتحقيق هذا المبحث في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، و"شرح منازل السائرين" لابن القيم الجوزي.
(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي الدرداء (١).
стр. 1065
(ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم) أي: عن ذلك الذَّنْب بأن يتركه خوفًا لله تعالى وندمًا على ما فعله، فيتطهر) أي: يغتسل وهو أكمل، أو "فيتوضأ" كما في رواية ابن السني (١).
(ثم يصلي) أي: "ركعتين" كما رواه ابن السني، وتسمى صلاة التوبة، (ثم يستغفر الله) أي: "لذلك الذَّنْب"، كما [زاده] (٢) ابن السني، (إلَّا غفر له) وفي نسخة: "إلَّا غفر الله له".
(عه، حب، ي) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، وابن السني، كلهم عن
стр. 1066
أبي بكر الصديق ﵁، قال الترمذي: "حسن غريب" (١).
وفي "الرياض" عن علي ﵁ قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء؛ فإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدَّقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس من عبد يذنب ذنبًا فيقوم فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر، إلَّا غفر الله له. رواه النسائي. (٢)
стр. 1067
وفي رواية قال: "فجعل عليّ ينادي بها على المنبر: صدق أبو بكر، صدق أبو بكر، صدق أبو بكر؛ وذلك أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
(وجاء رجل إلى النبي ﷺ ؛ فقال: وَا ذُنُوبَاهْ!) بسكون الهاء بعد زيادة الألف في آخر المندوب، لمد الصوت المطلوب، في الندبة حال الوقف لبيان المدة دون الوصل، إلَّا لضرورة الشعر، واختص المندوب وهو المتفجع عليه ثبوتًا بِ "وَا" ممتازًا به عن المنادى، لعدم دخوله عليه، بخلاف "يا"؛ فإنه مشترك بينهما، فيقال: "يا حسرتاه"، و"يا مصيبتاه".
(وَا ذُنُوبَاهْ) التكرير للتأكيد أو للتكثير، ويؤيده قوله: (فقال: قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي) أي: من عباداتي؛ (فقالها) أي: الكلمات، (ثم قال: عند) بضم فسكون أمر من العود، أي: قل مرّة أخرى، (فعاد) أي: فقالها ثانيًا، (ثم قال: عُدْ فعاد، فقال: قم فقد غفر الله لك. مس) أي: رواه الحاكم عن جابر بن عبد الله الأنصاري (١).
стр. 1068
(إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) قال التوربشتي: "بسط اليد: كناية عن سعة الجود (١)، وفي الحديث تنبيه على سعة رحمة اللَّه، وكثرة تجاوزه عن الذنوب".
وقال الطيبي: "هو تمثيل يدلُّ على أن التوبة مطلوبة عنده، محبوبة لديه، كأنه يتقاضى من المسيء".
(حتى تطلع الشمس من مغربها) أي: فإنه ينغلق حينئذ باب التوبة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
والمراد بالبعض هو الطلوع، وسببه أن الأمر حينئذ يصير عيانًا، وفي معناه حال الغرغرة، فإنه حال اليالس، وقد ورد: "أن اللَّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". (م، مس) أي رواه: مسلم، والحاكم، عن أبي موسى تطلع الشمس من مغربها (٢).
стр. 1069
(وجاء رجل) وفي "أصل الأصيل": "وجاءه رجل"؛ (فقال: يا رسول اللَّه، أحدنا يذنب) أي: يقع في ذنب، في حاله؟ (فقال: يُكْتَبُ عليه) بصيغة المجهول، أي: يكتبه صاحب الشمال من الكرام الكاتبين.
(قال: ثم يستغفر منه) أي: بلسانه، (ويتوب) أي: منه بجنانه، (قال: يغفر له، ويتاب عليه) أي: يقبل توبته إذا وجدت بجميع شرائطها، أو يعاد عليه بالرحمة. وفي نسخة بالمثلثة، أي: يجازى عليه.
(قال: فيعود) أي: فيرجع إلى المعصية، أو عن التوبة، فيذنب؟! قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: يغفر له، ويتاب عليه) أي: وهكذا إلى آخر العمر.
(ولا يمل الله حتى تملوا) قال المصنف: "بفتح حرف المضارعة وحرف الميم [منهما] (١)، قيل معناه: "إن الله لا يمل أبدًا مللتم أولم تملوا، فجرى مجرى قولهم: يشيب الغراب، ويبيض الفأر.
وقيل: لا يظهر حكم حتى تتركوا العمل، وتزهدوا في الرغبة إليه، فسمى الفعلين ملَلًا، وكلاهما ليس بملل، كعادة العرب في وضع الفعل موضع الفعل إذا وفق معناه، وقيل معناه: إن اللَّه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فسمى فعل الله تعالى: مللًا على سبيل الازدواج، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وهو باب واسع
стр. 1070
في العربية" (١)، انتهى. وفي "النهاية": "ومنه قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ".
وقال ميرك: "الملال: استثقال الشيء، ونفور النفس بعد محبته، وهو على الله محال، فقيل: "حتى" ليست من بابها وعلى حقيقتها، بل معناه: لا يمل الله إذا مللتم، وقيل معناه: لا يمل الله وتملون، فـ "حتى" بمعنى الواو، فنفي عنه الملال، وأثبت لهم.
(طس، ط) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وهو أيضًا في "الكبير" عن عقبة بن عامر (٢).
* * *
стр. 1071
الحرز الثمين للحصن الحصين
تأليف
الإمام المحدث علي القاري الهروي المكي
(توفي: ١٠١٤ هـ) بمكة المكرمة
تحقيق
أ. د/ محمد إسحاق محمد آل إبراهيم
أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
[المجلد الثالث]
стр. 1072
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1073
فيما يتعلق بالأمور العلوية كسحاب ورعد ومطر وهلال وريح
(وإذا قُحِطُوا المطر أي: عدموه، والضمير راجع إلى الناس الذين يريدون دعاء الاستسقاء، وقال العسقلاني: "هو بضم القاف، وكسر المهملة"، أي: أصابهم القحط، أي: من جهة المطر، أو فيه تجريد أو تأكيد، إذ القحط غالبًا من فقد المطر، ففي "الصحاح" (١): "أقحط القوم: إذا أصابهم القحط، وَقُحِطُوا أيضًا على ما لم يسم فاعله".
وفي "القاموس" (٢): "احتباس المطر: احتباس المطر، قحط العالم كمنع وفرح وعني قحطًا، وقحط الناس كسمع، وقحطوا أو أقحطوا بضمهما لغتان".
وفي نسخة: "وإذا قحط المطر"، قال ميرك: "كذا وقع في أصل سماعنا، والظاهر حذفه"، انتهى. ولم يظهر وجهه، ففي "العباب": "القحط: الجدب، يقال: قحط المطر يقحط قحوطًا إذا احتبس، وقال أعرابي لعمر ﵁: قحط السحاب" (٣).
وقال ابن دريد: "قحطت الأرض وقحطت قحطًا"، وحكى الفراء
стр. 1074
قحط [مثال سمع] (١)، وقحط الناس على ما لم يسم فاعله.
(فليجثوا) بفتح الياء وضم المثلثة، أي: فليقعدوا، (على الركب) بضم ففتح جمع الركبة، وفيه تجريد؛ لأن الجثو والجثي هو القعود بالركبة، ويعدى بـ "على" على ما في "التاج".
(ثم ليقولوا: يا رب، يا رب) أي: مرتين أو أكثر من خمس؛ لما ورد وسبق، أو أكثر إلى أن يجيء المطر، وتقدم أنه الاسم الأعظم، ويناسب النداء بنعت التربية للمقام، والله أعلم.
(عو) أي: رواه أبو عوانة عن سعد بن أبي وقاص: "أن قومًا شكوا إلى رسول الله قحط المطر، فقال: اجثوا على الركب، ثم قولوا: يا رب، يا رب، قال: ففعلوا فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم" (٢).
(ودعاء الاستسقاء) في "القاموس" (٣): "استسقى منه: طلب سقيا، وسقاه الله الغيث: أنزله، وسقاه يسقيه، وسَقَاه وأسْقَاه، أو سقَاه وسقّاه بِالشَّفَة، وأسقاه: دله على الماء، أو سقى ماشيته أو أرضه، أو كلاهما: جعل له ماء".
стр. 1075
(اللهم اسقنا) بهمزة وصل أو قطع، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].
(اللهم اسقنا. اللهم اسقنا) أي: ثلاث مرات، ويزيد ما شاء. (خ) أي: رواه البخاري عن أنس (١).
(اللهم أغثنا) من باب الإفعال، قال المصنف: "أي: أنزل علينا الغيث، وهو المطر" (٢)، انتهى. وفي "القاموس" (٣): "استغاثني فأغثته إغاثة، وما أغثت به المضطر من طعام"، ذكره في مادة "الغوث"، وفي "الغيث": "غاث الله البلاد، والغيث الأرض أصابها". (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) أي: ثلاثًا. (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا (٤).
وفي "الصحيحين" عنه: "أن رجلًا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فقال ﵇: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: فلا والله، ما نرى بالسماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت … " الحديث.
стр. 1076
ذكره ابن الهمام، واستدل به على أنه ﷺ اكتفى بالدعاء في الاستسقاء مرّة، كما أنه جمع بينه وبين الصلاة أخرى كما في الحديث الآتي.
(وإن كان) أي: أحد من المستسقين، (إمامًا) أي: سلطانًا أو نائبه، قاضيًا أو خطيبًا، (خرج إذا بدا) بالألف، أي: ظهر (حاجب الشمس) أي: أولها على ما في "المهذب"، وقيل: أول شعاعها، وقال صاحب "المغرب": "هو أول ما يبدو من الشمس، مستعار من حاجب الوجه".
(فقعد على المنبر) أي: الموضوع في الصَّحْرَاءِ، أو في أحد مسجدي الحرمين الشريفين، (فكبر) أي: فقال: الله أكبر، أو فعظم الله (وحمد الله عز) أي: بذاته، (وجلَّ) أي: بصفاته.
وفي "الهداية": "هي كخطبة العيد عند محمد، يعني: فتكون خطبتين يفصل بينهما بجلوس، ولذا قابله بقوله: وعند أبي يوسف خطبة واحدة، ولا صريح في المرويات يوافق قول محمد أنَّها خطبتان، بل في حديث أبي هريرة من رواية ابن ماجة، قال فيه: "ثم خطبنا، ودعا الله"، وهو غير لازم أن يكون كخطبة العيد" (١).
стр. 1077
ثم في حديث ابن عباس (١) قوله: "فلم يخطب خطبتكم هذه"، فإنه يفيد نفي الخطبة المعهودة - وهو خطبة الجمعة - لا أصل الخطبة، فإن النفي إذا دخل على مقيد انصرف إلى القيد، ولذا لم ينتهض استدلالُ مَنِ استدل بحديث ابن عباس هذا للإمام أحمد على نفي الخطبة في الاستسقاء، فإن أحمد ينفيها كقول أبي حنيفة.
ولابد للإمام أحمد - إذا كان ينفيها - أن يحكم بعدم صحة الوارد فيها، وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم: "خرج ﵇ يستسقي، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة" (٢)، ولم يقل باستنانها، وذلك لازم ضعف الحديث.
(ثم قال: الحمد لله رب العالمين) أي: على هذه الحال، وعلى كلّ حال، (الرَّحمن الرحيم) أي: المنعوت بالرحمة على صفة المبالغة الشاملة للعامة والخاصة، (مَلِكِ يوم الدين)، وفي نسخة: "مالك يوم الدين"،
стр. 1078
وهما قراءتان متواترتان، والأكثر على الأَوَّل، وهو أبلغ من الثاني عند الكُمَّلِ، (لا إله إلَّا الله يفعل ما يريد) أي: مما ينقص ويزيد.
(اللهم أنت الله) أي: لا غيرك، (لا إله إلَّا أنت، الغني) أي: بذاتك، (ونحن الفقراء) أي: إلى إيجادك وإمدادك، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]، (أنزل علينا الغيث) أي: المطر الذي يغيثنا عن الضرر.
(واجعل ما أنزلت) أي: من الخير المنزل، (علينا) وفي رواية: "لنا"، (قوة) أي: سببًا لقوتنا على الطاعة، (وبلاغًا) أي: قوتًا وزادًا.
قال المصنف: "البلاغ: ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب" (١)، انتهى. والمعنى: مده لنا مددًا طوالًا، (إلى حين) أي: زمن كثير، أو إلى حين فراغ آجالنا.
(ثم يرفع يديه حتى يبدو) بفتح الياء وضم الدال بعده واو، أي: يظهر، (بياض إبطيه) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وقد يكسر: ما تحت الجناح. وفي رواية: "ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه".
(ثم يحول إلى الناس ظهره) أي: يستقبل القبلة للدعاء على وجه الإخلاص، ونهج الاختصاص، (ويحول رداءه) أي: يقلبه، وفي رواية: "ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه".
стр. 1079
قال ميرك: "المشهور عند الشافعية في كيفية تحويل الرداء: أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضًا من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعك من جانب اليمين، والمقبوض باليسرى على كتفه الأعلى من اليسار، فإذا فعل ذلك انقلب اليمين يسارًا وبالعكس، والأعلى أسفل وبالعكس"، ذكره العلامة الكِرْمَانِيُّ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (١): "وقع في بعض طرق الحديث بيان المراد بالتحويل، بلفظ: "جعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين"، وفي رواية أخرى: "فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن".
وفي رواية أخرى: "أن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه".
وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف، والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط.
وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك، واختلف أيضًا في الحكمة في هذا التحويل، فجزم بعض العلماء: بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وورد فيه حديث حسن"، انتهى.
стр. 1080
(وهو رافع يديه، ثم يقبل على الناس) أي: يتوجه إليهم، (وينزل فيصلي) وفي "أصل الجلال": "ويصلي" (ركعتين. د، حب، مس) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والحاكم، كلهم عن عائشة، وسيأتي رواية أبي داود عنها مفصلًا (١).
قال ابن الهمام: "يخرجون للاستسقاء ثلاثة أيام، ولم ينقل أكثر منها، متواضعين متخشعين في ثياب خلق مشاة، يقدمون الصدقة كلّ يوم بعد التوبة إلى الله تعالى، إلَّا في مكة وبيت المقدس، فيجتمعون في المسجد".
قال صاحب "الهداية": "ثم صلى مرّة في الاستسقاء، وتركها في أخرى، فلم تكن سنة عند أبي حنيفة، وإنما يكون سنة ما واظب عليها، ولذا قال شيخ الإسلام: "فيه دليل على الجواز، عندنا: يجوز لو صلوا بجماعة، لكن ليس بسنة (٢).
وبه يبطل أيضًا قول ابن العز: "الذين قالوا بمشروعية صلاة الاستسقاء لم يقولوا بتعينها، بل هي على ثلاثة أوجه: تارة يدعون عقيب الصلاة، وتارة يخرجون إلى المصلى فيدعون من غير صلاة، وتارة
стр. 1081
يصلون جماعة ويدعون، وأبو حنيفة لم يبلغه الوجه الثالث، فلم يقل به.
والعجب أنه قاله بعد نقله قول المصنف: "قلنا فعله مرّة، وتركه أخرى فلم يكن سنة"، وهو مصرح بعلمهم بفعله.
وكذا قول غير المصنف: "المروي فيه شاذ فيما تعم به البلوى"، وهو [جواب ظاهر] (١) الرواية، فإن عبارته في "الكافي"الذي هو جمع كلام محمد، قال: "لا صلاة في الاستسقاء، وإنما فيه الدعاء، بلغنا عن النبي ﷺ : أنه خرج ودعا، وبلغنا عن عمر ﵁: أنه صعد المنبر فدعا واستسقى، ولم يبلغنا عن النبي ﷺ في ذلك صلاة إلَّا حديث واحد شاذ، لا يؤخذ به"، انتهى (٢).
وقال: ثم الحديث الذي روي من صلاته ﵇ هو ما في السنن الأربعة عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: "أرسلني الوليد بن عتبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول الله ﷺ ؛ فقال: خرج رسول الله ﷺ مبتذلًا متواضعًا متضرعًا، حتى أتى المصلى فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد" صححه الترمذي (٣).
стр. 1082
وقال المنذري في "مختصره": "رواية إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن ابن عباس وأبي هريرة مرسلة"، ولا يضر ذلك؛ فقد صح من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، أخرجه الستة: "أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي؛ فصلى بهم ركعتين، وحوَّل رداءه ورفع يديه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة" زاد البخاري فيه: "جهر فيهما بالقراءة"، وليس هذا عند مسلم (١).
وأما ما رواه الحاكم عن ابن عباس وصححه، وقال فيه: "فصلى ركعتين، كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وكبر فيها خمس تكبيرات"؛ فليس بصحيح كما زعم، بل هو ضعيف معارض.
أما ضعفه: فبمحمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرَّحمن بن عوف، قال البخاري: "منكر الحديث"، والنسائي: "متروك"، وأبو حاتم: "ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم" (٢).
وأما المعارضة: فيما أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أنس: "أنه ﵇ استسقى فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم ثزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلَّا تكبيرة" (١)، وأخرج أيضًا عن ابن عباس قال: "لم يزد ﵊ على ركعتين مثل صلاة الصبح" (٢).
ووجه الشذوذ أن فعله ﵇ لو كان ثابتًا لاشتهر نقله اشتهارًا واسعًا،
стр. 1085
ولفعله عمر حين استسقى، ولأنكروا عليه إذا لم يفعل؛ لأنَّها كانت بحضرة [جميع] (١) الصحابة، لتوافر الكل في الخروج معه ﵇ للاستسقاء، فلما لم يفعل، ولم ينكروا، ولم يشتهر روايتها في الصدر الأول؛ بل هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في كيفيتها عن ابن عباس وأنس كان ذلك شذوذًا فيما حضره الخاص والعام، والكبير والصغير.
وفي "سنن أبي داود" عن عائشة، قالت: "شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت: فخرج ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله ، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر [من] (٢) زمانه عنكم، وقد أمركم الله تعالى أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين … " إلى أن قال: "ثم أقبل على الناس ونزل عن المنبر، فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت ﵇ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنِّ ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُه؛ فَقَالَ: أشهد أن الله عَلَى كلّ شَيْء قدير، وَأَنِّي عبده وَرَسُوله"، انتهى. قال أبو داود: "حديث غريب، وإسناده جيد" (٣).
стр. 1086
وذلك الكلام السابق هو المراد بالخطبة كما قاله بعضهم، ولعل الإمام أعله بهذه الغرابة أو بالاضطراب؛ فإن الخطبة فيه مذكورة قبل الصلاة، وفيما تقدم من حديث أبي هريرة بعدها، وكذا في غيره.
وهذا إنما يتم إذا تم [استبعاد أن] (١) الاستسقاء وقع حال حياته بالمدينة أكثر من سنتين؛ السنة التي استسقى فيها بغير صلاة، والسنة التي صلى فيها، وإلا فالله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
وفيه: أنه أمر بإخراج المنبر، وقال المشايخ: لا يخرج، وليس الإنباء على عدم حكمهم بصحته.
قال الزيلعي: "المخرج عند قول صاحب "الهداية": "لم ينقل التحويل"، ليس كذلك؛ فعند أبي داود (٢): "استسقى النبي ﷺ وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه" - زاد الإمام أحمد: "وتحول الناس معه". قال الحاكم: "على شرط مسلم" (٣)، انتهى (٤).
ودفع بأنه إنما قال في "الهداية": "لم ينقل"؛ لأنه لم ينقل أنه أمرهم
стр. 1087
بذلك، فنقل أنهم فعلوا ذلك لا يمسه.
وأجيب: بأن تقريره إياهم إذ حولوا أحد الأدلة، وهو مدفوع بأن تقريره الذي هو من الحجج ما كان عن علمه، ولم يدلُّ شيء مما روي على علمه بفعلهم ثم تقريره، بل اشتمل على ما هو ظاهر في عدم علمه به، وهو ما تقدم من رواية، إنما حول بعد [تحويله] (١) ظهره إليهم.
واعلم أن كون التحويل كان تفاؤلًا جاء مصرحًا به في "المستدرك" من حديث جابر وصححه، قال: "وحول رداءه ليتحول القحط" (٢)، وفي
стр. 1088
"طوالات الطبراني" من حديث أنس: "وقلب رداءه؛ لكي ينقلب القحط إلى الخصب"، وفي "مسند إسحاق": "ليتحول السنة من الجدب إلى الخصب"، ذكره من قول وكيع"، انتهى كلام المحقق ملخصًّا (١).
(اللهم اسقنا غيثًا) أي: مطرًا [يغيثنا] (٢) من الجدب؛ فقوله: (مغيثًا) تأكيد أو تجريد، أو أريد به المنقذ من الشدة على ما في "النهاية" (٣)، وهو بضم الميم في جميع النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة، قال المصنف: "بضم الميم، يقال: غيثت الأرض فهي مغيثة إذا أصابها المطر" (٤)، انتهى.
وفيه كما قال الحنفي أن ما ذكره من اللغة لا يلائم تقييده بالضم، بل
стр. 1089
إنما يلائم الفتح؛ فالظاهر ما قاله الطيبي: "أنه عقب الغيث، وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط بالمغيث على الإسناد المجازي؛ وإلا فالمغيث في الحقيقة هو الله سبحانه".
وفي "النهاية": "غاث الغيث الأرض إذا أصابها، وغاث الله البلاد يغيثها" (١)، وفي "القاموس": "غاث الله البلاد والغيث الأرض: أصابها، وغيثت الأرض تغاث فهي مغيثة ومغيوثة".
(مريًّا) بفتح الميم وتشديد التحتية، وفي نسخة صحيحة بياء فهمز، قال المصنف: "بفتح الميم وتشديد الياء، أي: كثيرًا غزيرًا، والمري والمرية: الناقة الغزيرة الدرّ، من المري وهو الحَلَبُ، ووزنها فعيل أو فعول"، انتهى. فعليه ناقص أو مهموز أبدل الهمز ياءً أو واوًا، فأدغم كما في النبي.
وقال صاحب "السلاح": "المريء بفتح الميم وبالمد وبالهمز هو المحمود العاقبة الذي لا وباء فيه"، انتهى. فهو مهموز، قال ميرك: "وهو المصحح في أصولنا من "الأذكار" و"السلاح" و"الحصن"".
قلت: ويلائمه ما في "النهاية" (٢) من أنه: "مهموز، يقال: مرأني الطعام وأمرأني إذا لم يثقل على المعدة، وانحدر عنها طيبًا". قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
وقال التوربشتي في "شرح المصابيح": "مريًّا، أي: هنيًّا صالحًا
стр. 1090
كالطعام الذي يمرؤ، ومعناه: الخلو عن كل ما ينغصه كالهدم والغرق ونحوهما"، ويحتمل أن يكون بغير همز، ومعناه مدررًا من قولهم: ناقة مري، أي: كثيرة اللبن، ولا أحققه رواية.
قال الحنفي بعد ما ذكر بعض الأقاويل المذكورة، والروايات المسطورة: "المقصود: التنبيه على اضطراب كلامهم رواية ودراية". قلت: مثل هذا الاختلاف لا يعد من باب الاضطراب عند أرباب الصواب؛ فإن اختلاف رواية المحدثين كاختلاف قراءة القراء المعتبرين، والدراية تابعة لكل من القراءة والرواية، كما هو معلوم عند أرباب الهداية، من أصحاب البداية والنهاية، ولكل وجهة (١).
(مُريعًا) بضم الميم، أي: مخصبًا، وفي نسخة صحيحة بفتحها، أي: [خصيبًا] (٢)، على ما في "المهذب"، وتحقيقه أن الريع هو الزيادة والنماء على الأصل، يقال: راع الطعام وأراع إذا صارت له زيادة في العجن والخبز، وأراعت الإبل إذا كثرت أولادها. فالمعنى: اسقنا غيثًا كثير النماء، كما ذكره التوربشتي.
وقال المصنف: "بضم الميم وفتحها، وهو المخصب الناجع، يقال: أمرع الوادي إذا أخصب، ومرع مراعة فهو مريع" (٣)، انتهى.