← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وذلك الكلام السابق هو المراد بالخطبة كما قاله بعضهم، ولعل الإمام أعله بهذه الغرابة أو بالاضطراب؛ فإن الخطبة فيه مذكورة قبل الصلاة، وفيما تقدم من حديث أبي هريرة بعدها، وكذا في غيره. وهذا إنما يتم إذا تم [استبعاد أن] (١) الاستسقاء وقع حال حياته بالمدينة أكثر من سنتين؛ السنة التي استسقى فيها بغير صلاة، والسنة التي صلى فيها، وإلا فالله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. وفيه: أنه أمر بإخراج المنبر، وقال المشايخ: لا يخرج، وليس الإنباء على عدم حكمهم بصحته. قال الزيلعي: "المخرج عند قول صاحب "الهداية": "لم ينقل التحويل"، ليس كذلك؛ فعند أبي داود (٢): "استسقى النبي ﷺ وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه" - زاد الإمام أحمد: "وتحول الناس معه". قال الحاكم: "على شرط مسلم" (٣)، انتهى (٤). ودفع بأنه إنما قال في "الهداية": "لم ينقل"؛ لأنه لم ينقل أنه أمرهم

стр. 1087

بذلك، فنقل أنهم فعلوا ذلك لا يمسه. وأجيب: بأن تقريره إياهم إذ حولوا أحد الأدلة، وهو مدفوع بأن تقريره الذي هو من الحجج ما كان عن علمه، ولم يدلُّ شيء مما روي على علمه بفعلهم ثم تقريره، بل اشتمل على ما هو ظاهر في عدم علمه به، وهو ما تقدم من رواية، إنما حول بعد [تحويله] (١) ظهره إليهم. واعلم أن كون التحويل كان تفاؤلًا جاء مصرحًا به في "المستدرك" من حديث جابر وصححه، قال: "وحول رداءه ليتحول القحط" (٢)، وفي

стр. 1088

"طوالات الطبراني" من حديث أنس: "وقلب رداءه؛ لكي ينقلب القحط إلى الخصب"، وفي "مسند إسحاق": "ليتحول السنة من الجدب إلى الخصب"، ذكره من قول وكيع"، انتهى كلام المحقق ملخصًّا (١). (اللهم اسقنا غيثًا) أي: مطرًا [يغيثنا] (٢) من الجدب؛ فقوله: (مغيثًا) تأكيد أو تجريد، أو أريد به المنقذ من الشدة على ما في "النهاية" (٣)، وهو بضم الميم في جميع النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة، قال المصنف: "بضم الميم، يقال: غيثت الأرض فهي مغيثة إذا أصابها المطر" (٤)، انتهى. وفيه كما قال الحنفي أن ما ذكره من اللغة لا يلائم تقييده بالضم، بل

стр. 1089

إنما يلائم الفتح؛ فالظاهر ما قاله الطيبي: "أنه عقب الغيث، وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط بالمغيث على الإسناد المجازي؛ وإلا فالمغيث في الحقيقة هو الله سبحانه". وفي "النهاية": "غاث الغيث الأرض إذا أصابها، وغاث الله البلاد يغيثها" (١)، وفي "القاموس": "غاث الله البلاد والغيث الأرض: أصابها، وغيثت الأرض تغاث فهي مغيثة ومغيوثة". (مريًّا) بفتح الميم وتشديد التحتية، وفي نسخة صحيحة بياء فهمز، قال المصنف: "بفتح الميم وتشديد الياء، أي: كثيرًا غزيرًا، والمري والمرية: الناقة الغزيرة الدرّ، من المري وهو الحَلَبُ، ووزنها فعيل أو فعول"، انتهى. فعليه ناقص أو مهموز أبدل الهمز ياءً أو واوًا، فأدغم كما في النبي. وقال صاحب "السلاح": "المريء بفتح الميم وبالمد وبالهمز هو المحمود العاقبة الذي لا وباء فيه"، انتهى. فهو مهموز، قال ميرك: "وهو المصحح في أصولنا من "الأذكار" و"السلاح" و"الحصن"". قلت: ويلائمه ما في "النهاية" (٢) من أنه: "مهموز، يقال: مرأني الطعام وأمرأني إذا لم يثقل على المعدة، وانحدر عنها طيبًا". قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وقال التوربشتي في "شرح المصابيح": "مريًّا، أي: هنيًّا صالحًا

стр. 1090

كالطعام الذي يمرؤ، ومعناه: الخلو عن كل ما ينغصه كالهدم والغرق ونحوهما"، ويحتمل أن يكون بغير همز، ومعناه مدررًا من قولهم: ناقة مري، أي: كثيرة اللبن، ولا أحققه رواية. قال الحنفي بعد ما ذكر بعض الأقاويل المذكورة، والروايات المسطورة: "المقصود: التنبيه على اضطراب كلامهم رواية ودراية". قلت: مثل هذا الاختلاف لا يعد من باب الاضطراب عند أرباب الصواب؛ فإن اختلاف رواية المحدثين كاختلاف قراءة القراء المعتبرين، والدراية تابعة لكل من القراءة والرواية، كما هو معلوم عند أرباب الهداية، من أصحاب البداية والنهاية، ولكل وجهة (١). (مُريعًا) بضم الميم، أي: مخصبًا، وفي نسخة صحيحة بفتحها، أي: [خصيبًا] (٢)، على ما في "المهذب"، وتحقيقه أن الريع هو الزيادة والنماء على الأصل، يقال: راع الطعام وأراع إذا صارت له زيادة في العجن والخبز، وأراعت الإبل إذا كثرت أولادها. فالمعنى: اسقنا غيثًا كثير النماء، كما ذكره التوربشتي. وقال المصنف: "بضم الميم وفتحها، وهو المخصب الناجع، يقال: أمرع الوادي إذا أخصب، ومرع مراعة فهو مريع" (٣)، انتهى.

стр. 1091

وفيه وارد ما قاله الحنفي من أن سياق كلامه يدل على أن ضم الميم من "أمرع"، وفتحها من "مرع"، والثاني مسلم، والأول محل بحث؛ لأنه لو كان من "أمرع" فهو ممرع لا مريع؛ لأنه من أراع هذا. ويروى بضم الميم وبالباء الموحدة، أي: عامًّا يغني عن [الارتياء] (١)، والنجعة اسم من الانتجاع وهو طلب الكلأ، كذا في "المغرب"، فالناس يريعون حيث شاءوا، أي: يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلأ، أو يكون من "أربع الغيث" إذا أنبت الربيع. ويروى بضم الميم وبالتاء المثناة من فوق، أي: ينبت، من الكلأ ما يرتع فيه المواشي وترعاه، والرتع: التوسح في الخصب فكل مخصب مرتع، وهاتان الروايتان مشهورتان، وفي "النهاية" مذكورتان. (نافعًا) إجمال بعد تفصيل، (غير ضارٍّ) مؤكد لما قبله، (عاجلًا. د، مص) أي رواه: أبو داود عن جابر (٢)، وابن أبي

стр. 1092

شيبة عن كعب بن مرة (١).

стр. 1093

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1094

(غير آجل) مؤكد لـ "عاجلًا". (د) أي رواه: أبو داود عن جابر. (غير رائث) بهمزة فمثلثة، قال المصنف: "غير بطيء متأخر" (١)، (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن كعب. (اللهم اسق) بالوجهين كما سبق تحقيقه لغة ورواية، فلا وجه لحصر الحنفي بقوله: "أمر من السقي من باب ضرب"، (عبادك) أي: من ذوي

стр. 1095

العقول، (وبهائمك) أي: من الحيوانات والحشرات. (وانشر) بضم الشين، أي: وابسط (رحمتك) أي: علي جميع الموجودات من النباتات والجمادات، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]، أي: في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، ذكره البيضاوي. (وأحي) أي: بالإنبات، أو بالنبات وهو أمر من الإحياء، (بلدك الميت) أي: بعد يبسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩] (د) أي: رواه أبو داود عن ابن عمرو بالواو (١)، وهو المراد بما في بعض النسخ: "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو"، وفائدة هذا التطويل أن في هذا الإسناد اعتراضًا ودفع، بَسَطْنَا بحثهما في "المرقاة شرح المشكاة". (اللهم أنزل على أرضنا زينتها) أي: ما تتزين بها، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، (وسكنها) قال المصنف: "بفتح السين والكاف، أي: غياث أهلها الذي تسكن نفوسهم إليه" (٢)، انتهى. وصححه صاحب "الفائق" بضم السين وسكون الكاف، وقال: السكن: القوت، لأن السكنى به كما قيل

стр. 1096

النزل؛ لأن النزول يكون به، (عو) أي: رواه أبو عوانة عن سمرة بن جندب. (اللهم ضاحت جيالنا) قال المصنف: "بالضاد المعجمة، أي: برزت للشمس، وظهرت لعدم النبات فيها، وهي فاعلت من "ضحا" مثل: رامت من رمى، وأصلها ضاحيت" (١)، انتهى. فالمفاعلة للمبالغة لا للمغالبة، وهو ناقص يأتي، لكنه مخالف لما في "القاموس" (٢) حيث ذكره في الأجوف، وقال: "ضاحت البلاد: خلت"، وقال في الناقص: "ضاحاه: أتاه في الضحوة". (واغبرَّت) بتشديد الراء من الاغبرار المأخوذ من الغبار، أي: صارت مغبرة من قلة النبات، (أرضنا، وهامت دوابنا) بتخفيف الميم، أي: عطشت على ما في "النهاية"، والهائم أيضًا المتحير الذاهب على غير وجهه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥]. (معطي الخيرات) بالنصب؛ على نعت النداء، أو بحذف حرف النداء، (من أماكنها، ومنزل الرحمة) أي: المطر المسبب عن الرحمة، (من معادنها) أي: من حياض السماء وخزائنها، (ومجري البركات على أهلها) أي: من ينابيعها، (بالغيث المغيث) أي: بالمطر النافع، وهو متعلق بالأوصاف السابقة المنصوبة، ويجوز رفعها على أن التقدير: أنت معطي الخيرات. . . إلى أخوه.

стр. 1097

ويؤيده قوله: (أنت المسْتَغْفَرُ) بفتح الفاء، أي: الذي طلب منه الغفران، (الغفار) أي: الذي يغفر الذنوب الكثيرة من الصغيرة والكبيرة، (ونستغفرك للحامَّات) بتشديد الميم، أي: المهمات، (من ذنوبنا) يقال: أحمَّتْه الحامَّة إذا أهمته، كذا في "السلاح"، أو الخاصات؛ ففي "النهاية": "حامة الإنسان: خاصته ومن يقرب منه، وهو الحميم أيضًا" (١). وقال المصنف: "بالحاء المهملة وتشديد الميم، جمع حامة وهي الخاصة، يقال: كيف الحامة والعامة، أي: الخاصات من ذنوبنا، ولذا عطف عليه، وقال: (ونتوب إليك من عوام خطايانا) " انتهى، وما في "السلاح" أظهر في المعنى. ويمكن حمل كلام غيره على ما ذكر في المؤدى، فالخلاف في المبنى؛ ففي "القاموس": "أحم الأمر فلانًا: أهمه، كـ "حَمَّهِ"، والحميم كأمير: القريب، كالمحم كمهم. والحامة خاصة الرجل من أهله وولده". (اللهم فأرسل) يعني: إذا كنت أنت موصوفًا بالنعوت المذكورة، فأرسل (السماء) أي: "علينا" كما في نسخة، وهي المطابقة لقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] (مدرارًا) أي: كثير الدرور والسيلان، وفسر السماء بالغيث، قال البيضاوي: "ويحتمل الظلمة والسحاب". (وواصل بالغيث) أمر من المواصلة؛ للمبالغة في الوصل والإيصال، وفي نسخة صحيحة: "وأوصل" من باب الإفعال، (واكفِ) بهمز وصل

стр. 1098

وكسر فاء، قال المصنف: "من الكفاية وهي الغناء، أي: اكفنا بالغيث وأوصلنا به" (١)، (من تحت عرشك حيث ينفعنا، ويعود علينا) أي: يرجع علينا نفعه، (غيثًا) أعاده ليكون مقدمة لوصفه بقوله، (عامًّا) أو معناه: مغيثًا عامًّا؛ فعلى الأول نصبه على المصدر، وعلى الثاني على كونه حالًا. (طَبَقًا) بفتحتين، أي: الذي يطبق وجه الأرض، وقال المصنف: "بفتح الطاء والباء، وهو العام الكثير" (٢)، (غَبَقًا) بفتح الغين المعجمة والباء، ولم أر من ذكره، والظاهر أنه العزيز العظيم، ذكره المصنف. قلت: يمكن أخذه من قول أهل اللغة: "الغبوق كصبور: ما يشرب بالعشي، وغبقه سقاه، ذلك على التجريد"، فمعناه: ساقيًا أو مَسقيًّا. (مجلِّلًا) بكسر اللام المشددة، وفي نسخة بفتحها، قال المصنف: "بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشددة، أي: يجلل الأرض بمائه ونباته، ويروى أيضًا: بفتح اللام على المفعول" (٣)، انتهى. ولعل معناه حينئذٍ واصلًا، أي: جميع جوانب الأرض كالشيء المجلل. (غدقًا) بفتحتين أي: كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وقال المصنف: "بفتح الغين المعجمة، والدال المهملة: المطر الكبار القطر" (٤).

стр. 1099

(خِصبًا) بكسر فسكون، أي: ذا خصب، قال المصنف: "بكسر الخاء المعجمة، وإسكان الصاد المهملة، وهو ضد الجدب، يقال: أخصبت الأرض وأخصب القوم، ومكان مخصب وخصيب، أي: مطر يحصل منه الخصب" (١). وقوله: (راتعًا) من الرتع، وهو الاتساع في الخصب، ويروى: "مرتعًا"، أي: ينبت من الكلأ ما ترتع فيه المواشي وترعاه" (٢)، انتهى. فالراتع بمعنى ذي راتع، كَلابِنٍ وَتَامِرٍ. (ممرع النبات) أي: [كَثِيرُهُ] (٣)، قال المصنف: "بضم الميم الأولى، وكسر الراء، ويقال: "أمرع الوادي إذا كثر نباته وأخصب" (٤)، انتهى. وفي "القاموس" (٥): "المريع الخصيب، ومرع رأسه بالدهن، كمنع: أكثر. منه، كأمرعه" فالمعنى: مكثر النبات، ومسبب وجود الخصب وعدم الجدب. (عو) أي: رواه أبو عوانة عن حريث (٦)، كذا في حواشي النسخ، وقال

стр. 1100

ميرك: "رواه من حديث جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن جده، كذا في "سلاح المؤمن"، والظاهر أن لفظ "جده" زائد، وقع سهوًا من قلم النساخ؛ فإن حريثًا ليس بصحابي، وأما الصحبة لابنه عمرو". (واستسقى عمر بن الخطاب فما زاد على الاستغفار) سبق تحقيقه فيما تقدم، (مص) أي رواه: ابن أبي شيبة، ولم يذكر أحد من المحشين أنه عمن رواه، والظاهر أنه عن عمر، أو عمن روى عنه، وعلى كل تقدير فهو موقوف، وإن كان في حكم المرفوع، فالأولى في حق المصنف أن يكتب "مو" قبل الرمز؛ لِيُعْلَمَ أنه مِنْ فِعْلِ عُمَرَ، ولعله اكتفى بما يفهم من العبارة؛ فإنها فوق الإشارة. (وإذا رأى) أي: وكان إذا رأى ﵇، (سحابًا مقبلًا) أي: من أفق من الآفاق ترك العمل، وقال: (اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به) أي: هذا الجنس أو هذا المخصوص، وهو من باب الاكتفاء، ولذا لم يقل: ونسألك من خير ما أرسل به، أو لأنه يقوم مقامه قوله: (اللهم سيبًا) أي: اسقنا سيبًا، أي: مطرًا. وقوله: (نافعًا) تتميم في غاية الحسن؛ لأنه مظنة الضرر، والمعنى: لا مغرقًا ولا مضرًّا. وقال المصنف: "بإسكان الياء أي: جاريًا، يقال: ساب الماء وانساب:

стр. 1101

إذا جرى" (١)، وانتهى. وفي "القاموس": "السيب مصدر ساب: جرى" فأشار المصنف إلى أنه مصدر بمعنى الفاعل، وأنه صفة لموصوف محذوف، أي: مطرًا جاريًا، والأظهر أن التقدير: اللهم اجعل هذا السحاب ذا مطر كثير، بحيث يكون جاريًا. ويلائمه حينئذ قوله: (فإن كشفه الله) أي: أزال ذلك السحاب ورفعه، (ولم يمطر) أي: ذلك السحاب، (حمد الله على ذلك) أي: من حيث إن الخير فيما اختاره الله، ولعل الشركان في ذلك السحاب، فيجب الحمد على دفع الشر. وكأنه ﷺ تذكر قوله تعالى في قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي: سحابًا، ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي: من العذاب، الآية. (د، س، ق) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن عائشة (٢). (وإذا رأى المطر: اللهم صيبًا) قال المصنف: "بفتح الصاد وتشديد الياء المكسورة، أي: منهمرًا متدفقًا" (٣)، انتهى. وأصله واو؛ لأنه من صاب يصوب إذا نزل فأصاب الأرض، وبناؤه "صيوب"، فأبدلت الواو

стр. 1102

ياء فأدغمت كـ "سيد"، كذا في "النهاية". وفي "الأذكار": "الصيب بكسر الياء المثناة تحتها المشددة، وهو المطر الكثير، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه"، انتهى. وقال بعضهم: "الصيب: السحاب ذو الصوب، أي: المطر". قال القاضي في قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] "فيعل من الصوب وهو النزول، يقال للمطر والسحاب، وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر الشديدة". وقال ميرك: "تفسير الصيب بالمطر روي عن ابن عباس، وهو قول الجمهور". وقال بعضهم: "هو السحاب"، ولعله أطلق مجازًا. ثم نَصْبُ "صيبًّا" هنا بفعل مقدر، أي: اجعله صيبًا أو اسقنا صيبًّا، أو أسألك صيبًّا، وقوله: (نافعًا) صفة للصيب احتراز عن الصيب الضار. (خ) أي: رواه البخاري عن عائشة أيضًا (١). (اللهم سيبًا) أي: مطرًا جاريًا (نافعًا، مرتين) أي: قاله مرتين، (أو ثلاثًا) على الشك من الراوي. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنها أيضًا (٢). (فإذا كثر) بضم المثلثة، أي: المطر، (وخيف الضرر) أي: على [مساكن] (٣) الحضر، (اللهم حوالينا) بفتح اللام، وهو وحولنا وحوالنا

стр. 1103

وحولينا كلمة بمعنى واحد، ولا يقال: حواليه بكسر اللام على ما في "الصحاح"؛ يقال: رأيت الناس حوله وحواليه أي: [مطيفين] (١) به من جوانبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] وهو ظرف هنا، وفيه حذف تقديره: واجعله، أو أمطر في الأماكن التي من حولنا. (ولا علينا) أي: ولا تمطر علينا، أو لا تجعل ضرره علينا، والمراد به: [صرف] (٢) المطر من الأبنية والدور، وفي قوله: "ولا علينا" بيان المراد بقوله: "حوالينا". قال الطيبي: "في إدخال الواو هنا معنى لطيف؛ وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام وما معها فقط، حيث قال: (اللهم على الآكلام والآجام، والظراب والأودية، ومنابت الشجر)، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا بعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل". وقال المصنف: "قوله "الآكام" بالمد ويروى [بالكسر والقصر] (٣): جمع أكمة وهي الرابية، وجمع الآكام: أُكُم -ككتاب وكتب- وجمع الأكم:

стр. 1104

آكام. والآجام مثلها، والأجمة من [القصب] (١)، وآجام المدينة واحدها: أُجُم بضمتين. والظراب: بكسر الظاء، وهي الوادي الكبار، والجبال الصغار، جمع ظرب بكسر الراء" (٢). وقال ميرك: "في قوله: "اللهم على الآكام. . . " إلى آخره، بيان المراد بقوله: "حوالينا"، والإكام بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد، جمع أكمة بفتحات". قال ابن السيرافي: "هي التراب المجتمع". وقال الداودي: "هي أكبر من الكدية". وقال الفراء: "هي التي من حجر واحد"، وهو قول الخليل. وقيل: "الجبل الصغير". وقيل: "ما ارتفع من الأرض". وقال الثعالبي: "الأكمة أرفع من الرابية، والجمع: إكام بكسر أوله والقصر، وآكام بالمد. والآجام: جمع الأجمة، وهي [الشجر الكثير] (٣) المتلف"، انتهى. والحاصل: أن الآكام والآجام بالمد فيهما أصح رواية وأفصح دراية، ويجوز قصرهما، وحينئذ يجوز فتح أولهما وكسرهما، وهو الملائم لقوله: "والظراب"، وهو بكسر الظاء لا غير وآخره موحدة، جمع: ظرب بكسر الراء، وقد يسكن. قال الفراء: "وهو الجبل المنبسط" وقال الجوهري (٤): "الرابية

стр. 1105

الصغيرة"، والله أعلم. ثم "الأودية" جمع واد، والمراد: ما يتحصل فيه الماء فينتفع به. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن أنس، وزاد في بعض الروايات: "ورءوس الجبال" بعد قوله: "الأودية"، كذا نقله ميرك عن الشيخ. (١) (وإذا سمع) أي: أَحَدٌ، أي: النبيُّ ﷺ وهو الأصل، (الرعد) أي: صوته؛ فعن ابن عباس: أنه سأل النبي ﷺ عن الرعد؛ فقال: "ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، معه مخاريق من نارٍ يسوق به السحاب حيثما شاء الله" على ما رواه الترمذي (٢)، وقيل: "الرعد صوت يسمع من السحاب"، ولا تنافي بينهما؛ إذ المراد أنه يطلق على ذات الملك تارة، وعلى صوته أخرى. (والصواعقَ) جمع صاعقة، وهي صعقة رعد هائل معها نار، لا تمر بشيء إلا أتت عليه، أي: أهلكته، وفي "الجلالين": "الصاعقة: شدة صوت الرعد"؛ فهي مأخوذة من الصعق، وهي شدة الصوت، وقيل: "هي نار تخرج من السحاب"، فيقدر له فعل، أي: ورأى الصواعق، فهو من باب: * علفته تبنًا وماءًا باردًا * أو لمجاورة الصاعقة غالبًا لصوت الرعد مسموعًا، ولعل اختيار الجمع موافقة للآية المراد فيها التعدد المحيط بهم زيادة للنكال.

стр. 1106

(اللهم لا تقتلنا بغضبك) أي: من صفة الذات، (ولا تهلكنا بعذابك) أي: بعقابك من صفة الفعل، (وعافنا) أي: من البلايا والخطايا الموجبة للغضب والعقاب، (قبل ذلك) أي: قبل حلول ما ذكر، وقبل وقوع ما سطر، والمراد: أنه لا يقع شيء من ذلك. (ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر (١). (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده) أي: ملتبسًا به، فيقول: "سبحان الله، والحمد لله"، أو "سبحان الله وبحمده". وقال البيضاوي: "أي: يسبح سامعوه [متلبسين] (٢) بحمده، أو يدل الرعد بنفسه على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، ملتبسًا بالدلالة على فضله ونزول رحمته". أقول: لما ثبت في الحديث أن الرعد هو الملك؛ فلا يحتاج إلى التأويلات الزائغة. (والملائكة) أي: ويسبح سائر الملائكة، (من خيفته) أي: من خوف الله وإجلاله. وقيل: "الضمير للرعد"، فالمعنى: يسبح أعوانه من خوفه،

стр. 1107

(موطا) أي: رواه مالك في "الموطإ" موقوفًا عن الزبير بإسناد صحيح (١). (وإذا هاجت الريح) أي: حدثت وهبت، (استقبلها بوجهه) أي: من أي جهة كانت، (وجثا) بالألف فهو من الجثو، وبالياء فهو من الجثي، وكلاهما بمعنى الجلوس على الركب؛ فقوله: (على ركبتيه) تأكيد أو تجريد، (ويديه) أي: وعلى يديه، لزيادة الاغتمام الموجب للاهتمام. (طب، ط) أي رواه: الطبراني في "كتاب الدعاء"، و"الكبير" أيضًا عن ابن عباس (٢). (وقال: اللهم إني أسألك خيرها) أي: خير هذه الريح، (وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به) على صيغة المجهول الغائبة، (وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به. م، ت، س، طب) أي رواه: مسلم والترمذي والنسائي عن عائشة (٣)، والطبراني في "الدعاء" عن ابن عباس (٤). فتحصل أن الطبراني له طريقان: أحدهما: في "الكبير" عن ابن عباس، وهو صدر الحديث.

стр. 1108

وثانيهما: في "الدعاء" عن ابن عباس أيضًا، لكن يضم الحديث الثاني إلى الأول. لكن لا يخفى أن "الواو" العاطفة في قوله: "وقال"، يوهم أن صدر الحديث موجود في مسلم أيضًا، وهو الظاهر المتبادر أن يكون كذلك، لكن غير مفهوم من كلام المصنف باعتبار اختلاف الرموز، والله أعلم. (اللهم اجعلها) أي: هذه الريح، (رياحًا) أي: من قبيل الرياح المبشرات للرحمة، (ولا تجعلها ريحًا) أي: صرصرًا موضوعًا للعقوبة كما فسره بقوله: (اللهم اجعلها رحمة) أي: أثر رحمة أو سبب رحمة، (ولا تجعلها عذابًا) أي: موجب عذاب. قال المصنف: "تقول العرب: "لا تلقح السحاب إلا من رياح مختلفة"، يعني: "اجعلها لقاحًا للسحاب ولا تجعلها عذابًا، ويحقق ذلك مجيء الجمع في آيات الرحمة، والواحد في قصص العذاب كـ: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، و ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] " (١)، انتهى، وتوضيح ذلك في "المرقاة شرح المشكاة". (طب، ط) أي: رواه الطبراني في "الدعاء"، وفي "الكبير" أيضًا، عن ابن عباس (٢). (وإن جامع الريح ظلمة) أي: حصلت معها ووجدت فيها، (تعوذ

стр. 1109

بالمعوذتين) بكسر الواو المشددة، وقد تفتح. (د) أي: رواه أبو داود عن عقبة بن عامر (١). (اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح) أي: باعتبار ذاتها، (وخير ما فيها) أي: باعتبار صفاتها، (وخير ما أمرت به) أي: من خالقها لطفًا وجمالًا، (ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به) أي: من صانعها قهرًا وجلالًا. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي بن كعب (٢). (اللهم إني أسألك من خير ما أمرت به، وأعوذ بك من شر ما أمرت به. ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس مرفوعًا: "أنه إذا هاجت ريح شديدة قال: (اللهم لقحًا) بفتح اللام والقاف؛ تصحيح الجلال، وبفتح اللام وسكون القاف؛ تصحيح الأصيل. وفي "القاموس" (٣): "لَقِحَتْ الناقة كسَمِعَتْ لقحًا ولقحًا محركة ولقاحًا: قبلت اللقاح، فهو لاقح من لواقح، وألقحت الرياح والشجر

стр. 1110

فهي من لواقح وملاقح" انتهى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. وقال الجوهري: "ألقح الفحل الناقة، والريحُ السحابَ، ورياح لواقح"، قال صاحب "السلاح": "هو بفتح اللام والقاف وسكون، الريح الحاملة للسحاب". والعقيم بعكسه، فقوله: (لا عقيمًا) تأكيدٌ، وقال المصنف: "بفتح اللام والقاف، يقال: "ألقحت الريح السحاب، فهي في نفسها لاقحة"، قال الجوهري: "كأن الرياح لقحت بخير، فإذا أنشأت السحاب وفيها خير وصل ذلك إليه" (١). (حب، طس) أي رواه: ابن حبان، والطبراني في "الأوسط"، عن سلمة بن الأكوع (٢). (وإذا سمع صياح الدِّيَكة) بكسر الدال، وفتح الياء آخر الحروف، جمع ديك، والصياح بالكسر: "الصوت، ولعل إيراد الجمع إشعار بأنواعه، (فليسأل الله من فضله) أي: لأنه يرى ملكًا حينئذٍ، قال ميرك: "وتتمة الحديث: "فإنها رأت ملكًا".

стр. 1111

قال القاضي عياض: "سببه: رجاء تأمين الملائكة على الدعاء، واستغفارهم، وشهادتهم بالتضرع والإخلاص، وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين، والتبرك بهم"، انتهى. وقيل: "لعل المعنى أن الديك أقرب الحيوانات صوتًا إلى الذاكرين الله؛ لأنها تحفظ أوقات الصلوات غالبًا". (خ، م، د، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة (١). (وإذا سمع نهيق الحمير) جمع الحمار، أي: صوته، (فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أي: لأنه يرى شيطانًا في تلك الحال. (خ، م، د، ت، س، مس) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، كلهم عن أبي هريرة أيضًا، وهما حديث واحد. ولعل وجه التفريق، وإعادة الرموز للتنبيه على أن الحاكم إنما روى الفقرة الثانية من الحديث، لكن قيل رقم "مس" ليس في "أصل الأصيل"، فَيَرِدُ الاعتراض على المصنف حينئذٍ، ثم التاء مقدم على الدال في "أصل الأصيل"، لكنه متأخر في "أصل الجلال" وأكثر النسخ، وهو المطابق للرموز السابقة، الموافق للترتيب الموضوع في صدر هذا الكتاب.

стр. 1112

(وكذلك) أي: يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، (إذا سمع نُبَاح الكلاب) بضم النون ويجوز كسرها على ما في "القاموس" وهو كذا في نسخة صحيحة، أي: صياحها. (د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن جابر بن عبد الله، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". (١) (وإذا رأى الكسوف) بضمتين، وهو لغة: [التغير] (٢) إلى سواد؛ واختلف في الكسوف والخسوف: هل هما مترادفان أو لا؟. قال الكرماني: "يقال: "كسفت الشمس والقمر، بفتح الكاف، وكسفت بضمها، وانكسفا وخسفا بفتح الخاء وضمها، وانخسفا كلها بمعنًى واحد". وقيل: "الكسوف: تغيير اللون، والخسوف: ذهابه"، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري: "أنه أفصح"، وقيل يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكس ذلك وَغَلَّطَهُ، لثبوت الخاء في القرآن في القمر. وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن

стр. 1113

مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف هو التغير إلى السواد، والخسوف هو النقصان. فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنهما مترادفان، وقيل بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، والله أعلم. (فليدع الله) أي: لدفع البلاء، (وليكبر) أي: على جهة التعظيم والثناء، (وليصل) أي: كلا من صلاتي الكسوف والخسوف جماعة أو منفردًا على ما هو مقرر عند الفقهاء، (وليتصدق) أي: على المساكين والفقراء. (خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة (١)، أن النبي ﷺ قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا". (وإذا رأى الهلال) أي: غرة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع، ولليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع، وفي غير ذلك قمر، كذا في "القاموس"، والمشهور أنه من أول الشهر إلى ثلاث، واقتصر عليه في "المهذب". (الله أكبر. مي) أي: رواه الدارمي عن ابن عمر (٢).

стр. 1114

(اللهم أهله) بكسر الهاء وتشديد اللام المفتوحة أمر من الإهلال، قال المصنف: "بفتح الهمزة، يقال: أهل الهلال وأهل بالضم، واستهل إذا بصر، وأهله الله أي: أطلعه، وأهللته إذا أبصرته، وأصل الهلال: رفع الصوت، كأنهم إذا رأوا الهلال رفعوا أصواتهم بالتكبير، ومنه الإهلال في الإحرام، وهو رفع الصوت بالتلبية" (١)، انتهى. فالمعنى: اللهم أطلع هذا الهلال، (علينا باليمن) أي: مقرونًا بالبركة، (والإيمان) أي: ومصحوبًا به، (والسلامة) أي: من كل آفة، (والإسلام) أي: وامتثال شرائعه، (والتوفيق لما تحب وترضى) تعميم بعد تخصيص، وهو من مختصات رواية ابن حبان. (ربي وربكَ الله) فيه التفات كما لا يخفى، وهو بفتح الكاف؛ فإن القمر مذكر كما هو مقرر فما وقع في بعض النسخ المصححة بكسر الكاف، فهو غير محرر. (ت، حب، مي) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والدارمي، عن طلحة بن عبيد الله (٢). (هلال خير) بالرفع، على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هذا هلال خير تفاؤلًا، أو خبر معناه دعاء، وفي نسخة بالنصب، أي: اجعله هلال خير، (ورشد) بضم فسكون ويجوز فتحهما، أي: هداية إلى القيام بالعبادة من

стр. 1115

ميقات الحج والصوم وغيرهما، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية. (اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر) أي: الذي بدا هلاله، وابتدا جماله، (وخير القدر) بسكون الدال وفتحها، أي: وخير ما قدر فيه من الأمور، وهو بالجر عطف على ما قبله، وهو الظاهر بحسب اللفظ والمبنى، وفي نسخة بالنصب على أنه عطف على محل "من خير"، أو على أن "من" زائدة فيه، وهو الظاهر باعتبار المعنى. (وأعوذ بك من شره) أي: من شر هذا الشهر وشر القدر، فهو اختصار أو اكتفاء، أو أن المراد بالقدر ليلة القدر لا مكان وجودها في كل شهر وترك ذكره هنا، لأنه لا شر فيها، ولا يبعد أن يكون التقدير: وأعوذ بك من شر ما ذكر، (ثلاث مرات. ط) أي: رواه الطبراني عن رافع بن خديج (١). (اللهم ارزقنا خيره) أي: خير هذا الشهر أو الهلال، (ونصره) وهو مقدم على "خيره" في بعض النسخ، وهو موافق "للسلاح" ومطابق لـ"أصل الجلال"، وفي "أصل الأصيل": "خيره" مقدم، وهو خير فإنه أعم، وما بعده تخصيصات من قوله: (وبركته، وفتحه، ونوره) والمراد: وجود هذه الأشياء فيه. (ونعوذ بك من شره) أي: شر هذا الهلال أو الشهر باعتبار أوله،

стр. 1116

(وشر ما بعده) أي: إلى آخره. (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا عن علي ﵁. (وإذا نظر إلى القمر فليقل: أعوذ بالله من شر هذا) قال المصنف: "يعني القمر إذا غسق أي: أظلم ودخل في المغيب" (١)، انتهى. ويؤيده أنه في بعض النسخ: "من شر هذا الغاسق". (ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم (٢)، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ نظر إلى قمر فقال: "يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا؛ فإن هذا هو الغاسق إذا وقب". قال ميرك: "الغاسق: هو الليل إذا غاب الشفق وقوي ظلامه، من غسق يغسق إذا أظلم، وأطلق هنا على القمر؛ لأنه يظلم إذا كسف"، انتهى. وقال البيضاوي: " ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾ أي: ليل عظيم ظلامه من قوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: دخل ظلامه في كل شيء، وتخصيصه لأن المضار فيه تكثر ويعسر الدفع، ولذا قيل: "الليل أخفى للويل"، وقيل: المراد به القمر؛ فإنه يكسف ويغسق. ووقوبه دخوله في الكسوف".

стр. 1117

قلت: "تفسير من أنزل عليه الكتاب، وأمر بتبيين ما في الخطاب، هو الصواب عند أولي الألباب، لا سيما وقد أتى بأداة الحصر المانع لإرادة غيره من المعاني المحتملة، مع أنه أيضًا من المعاني اللغوية الحقيقة لا على ما ذكره ميرك وجعله من المعاني المجازية؛ ففي "القاموس": "الغاسق القمر أو الليل إذا غاب الشفق، ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أي: الليل إذا دخل، وعن ابن عباس وجماعة (١): "من شر الذَّكَرِ إذا قام"، انتهى. فالتحقيق أن لفظ غاسق إذا كان مُنكَّرًا، يحتمل معاني مختلفة، وأما إذا كان مُعَرَّفًا فالفرد الأكمل هو القمر، وينصرف إليه أيضًا المُنكَّرُ، فتدبر. (وإذا رأى ليلة القدر) أي: علامتها، فليقل: (اللهم إنك عفو) أي: كثير العفو، (تحب العفو) أي: من عبادك، أو تحب أن تعفو عنهم، وهو الملائم لقوله: (فاعف عني) وفي نسخة: "عنا". (ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن عائشة أيضًا (٢).

стр. 1118

(وإذا نظر وجهه) في "القاموس": "نظره كضربه وسمعه، وإليه: تأمله بعينه"، انتهى. وهو هنا بفتح الظاء، وقد يتعدى بنفسه، وإن كان استعماله الأكثر بـ "إلى"، فيحمل على نزع الخافض، أو "نظر" بمعنى أبصر، أي: إذا رأى وجهه (في المرآة) بكسر الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة، وهي المِنْظَرَةُ. (اللهم أنت حَسَّنْتَ خَلْقِي) بتشديد السين وفتح الخاء، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، لا سيما وهو ﷺ كان في كمال حسن الخلق، كما أنه كان في خلق عظيم، ولذا قال: (فَحَسِّنْ خُلُقي) بضمتين، ويسكن الثاني، والمراد به: ثبوت ذلك التحسين، أو الزيادة في التزيين. (حب، مي) أي رواه: ابن حبان عن ابن مسعود، والدارمي عن عائشة، وفي نسخة: بالقاف بدل الميم، فهو رمز البيهقي. (اللهم كما حسنت خَلْقِي) أي: صورتي الظاهرة، (فأحسن خُلُقِي) أي: أخلاقي الباطنة، (وَحَرِّمْ وجهي) أي: ذاتي أو بدني، بذكر الجزء الأشرف وإرادة الكل، (على النار. ر) أي رواه: البزار، وفي نسخة صحيحة: "ابن مردويه" عن عائشة، وكذا عن أبي هريرة. (الحمد لله الذي سوى خلقي) بتشديد الواو من التسوية، وهي جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها، (وأحسن صورتي) أي: على وجه كمالها، (وزَانَ) أي: زَّين، (مني ما شانَ) أي: ما عَيَّبَه (من غيري) إما

стр. 1119

بفقد، أو بنقص. (ر) أي رواه: البزار عن أنس. (الحمد لله الذي سوى خلقي فعدَّله) بتشديد الدال وتخفيفها كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]؛ فالتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، أو معدلة بما يستعدها من القوى. وأما التخفيف، فمعناه أنه عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، أو فَصَرَفَكَ عن خلقة غيرك، وميزك بخلقةٍ فارقت بها خلقة سائر الحيوانات، كذا حققه البيضاوي. وقال الجنيد: "تسوية الخلق بالمعرفة وتعديلها بالإيمان". (وصوّرَ صورة وجهي) أي: الذي عليه مدار الحسن، وأساس ما به التمييز، (فأحسنها) أي: من بين العالمين، (وجعلني من المسلمين) أي: فجمع لي بين الحسن الحسي والمعنوي المعبر عنه بنور على نور، بل لا عبرة بحسن الظاهر مع سوء الباطن؛ قال تعالى في حق المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]. (طس، ي) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن السني؛ كلاهما عن أنس أيضًا (١)، وحُكي أن أبا يزيد رأى وجهه في المرآة؛ فقال: "ظهر

стр. 1120

الشيب، ولم يذهب العيب، ولا أدري ما في الغيب". (وإذا سلم على أحد، فليقل: السلام عليكم) أي: بصيغة الجمع ولو كان واحدًا؛ إما قصدًا لتعظيمه، أو ملاحظة لمن معه من الملائكة. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة (١). وفي "الأذكار": "ورد في "صحيح" البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: "اذهب فسلم على أولئك -نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يحيونك؛ فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه رحمة الله"، انتهى. وفيه دليل على أن "السلام عليك" يصلح للتحية وجوابها، لكن بشرط أن يكون أحدهما بعد الآخر، فلا يكونا معًا كما يقع كثيرًا، فإنه حينئذٍ يجب على كل منهما جواب الآخر، (السلام عليك) أي: بصيغة الواحد؛ إشعارًا بأنه جائز، وأن الأول الأولى. (د، ت، س، مي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي،

стр. 1121

عن أبي جُرَيّ بضم جيم وفتح راء وتشديد ياء، واسمه جابر بن سليم (١). (ورحمة الله. د، ت، س، مي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، عن عمران بن حصين هذه الزيادة، وهذه نكتة إعادة الرموز (٢). وكذا قوله: (وبركاته. د، ت، س، مي) أي: رواه الأربعة المذكورة عنه أيضًا، ولعله روي عنه روايتان، قال ميرك: "ولم يعلم ما فائدة تكرار الأرقام". قلت: لعل الفائدة أن في بعض رواياته الاقتصار على: "رحمة الله"، وفي بعض رواياته بزيادة: "وبركاته"، والله سبحانه أعلم. (فإذا رد السلام) أي: على أهل الإسلام، قال: (وعليكم السلام) أي: السلامة الدنيوية والأخروية، (ورحمة الله وبركاته)، وهذا أكمل أنواع جواب السلام وأتمها. (ع، مر، س، حب) أي رواه: الجماعة وابن مردويه عن عائشة (٣)، والنسائي وابن حبان عن أنس، فما وقع في بعض النسخ أن "كلهم عن

стр. 1122

أنس" ففيه بحث؛ إذ لا معنى لتكرار رمز النسائي مع دخوله في رمز الجماعة (١). ثم في بعض النسخ رمز مسلم بعد العين، فقال ميرك: "كذا وقع في أصل السماع، وهو لا يخلو عن تأمل"، انتهى. يعني: لدخوله مع الجماعة، لكن يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن لفظ الحديث لمسلم، أو له رواية أخرى عن أنس منفردًا به عن الجماعة، والله أعلم. (وعلى أهل الكتاب) أي: وإذا رد عليهم، (قال: "عليك". م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، عن ابن عمر (٢). (أو: "وعليك") أي: بالواو، و"أو" للتنويع. (خ، م، د، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عنه أيضًا. قال المصنف: "كذا ورد في الرد على أهل الإسلام بالواو، وأما على أهل الكتاب فورد بالواو وغير الواو، وأكثر الروايات بإثباتها، وقد استشكلَ جَمَاعَةٌ الإِثْبَاتَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ "الوَاوَ" تَقْتَضِي التَّشْرِيكِ؛ قال

стр. 1123

الخَطَّابِي: "عَامَّةُ المُحَدِّثِينَ يَرْوونَ هَذَا الحَرْفَ: "وعليكم" بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو"، قال الخطابي: "هذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردودًا عليهم خاصة، وإذا ثبت الواو تقتضي المشاركة معهم فيما قالوه"، انتهى (١). وإذا كان إثبات الواو أكثر، واتفق عليه الشيخان، فلا إشكال فيه من وجهين: أحدهما: أن السام هو الموت فورد على ظاهره، فلما قالوا: "الموت عليكم؛ قال: "وعليكم الموت"، أي: نحن وأنتم فيه سواء، أي: كلنا نموت. والثاني: أن الواو للابتداء أو للاستئناف لا للعطف والتشريك؛ فالتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذم واللعن" (٢)، انتهى كلامه. ويمكن أن يقال: "إنه لما سمع منهم لفظ " [السام] (٣) عليك"، قال: "عليك"، ولما سمع منهم لفظ: "السلام عليك"، قال: "وعليك"، وأراد به السلامة الدنيوية؛ بناء على حسن المعاشرة العرفية، وهو الظاهر من إطلاق الآية القرآنية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]؛ فالأحسن للمسلمين، والرد لأهل الكتاب، والله أعلم بالصواب. هذا، وفي "الأذكار": "اعلم أن الأفضل أن يقول المسلِّم: "السلام

стр. 1124

عليكم ورحمة الله وبركاته"، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ويقول المجيب: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، ويأتي بواو العطف، ثم ذكر أنه قال أصحابنا: "فإن قال المبتدئ: "السلام عليكم، حصل السلام، وإن قال: "السلام"، أو سلام عليك، حصل أيضًا. وأما الجواب فأقله: "وعليك السلام، أو وعليكم السلام. فإن حذف الواو فقال: عليكم السلام، أجزأه ذلك وكان جوابًا"، انتهى (١). ولا يخفى أن قوله: "وإن قال: "السلام أو سلام عليك""، مراده: إن قال: "السلام عليك"، أو: "سلام عليك" باللام أو التنوين جاز، وليس المراد أنه إن قال: "السلام"، بدون "عليك"؛ فإنه غير جائز اتفاقًا. ثم السلام سنة، والجواب فرض كفاية إجماعًا، لكن هذه السنة أفضل من الفرض؛ لما فيه من التواضع وحمل المجيب على الجواب بالتسبب، ولا بد من إسماع على كل منهما خلافًا لما يفعله كثير من العامة وبعض الطلبة بإخفاء السلام أو رده، والاكتفاء بإشارة بعض الأعضاء ونحوه. (وإذا بُلِّغَ) بضم الباء وتشديد اللام من التبليغ، أي: بلغه، (أحد سلامًا من أحد، فليقل: "وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. ع) أي رواه: الجماعة عن عائشة (٢)، (أو: وعليك وعليه السلام. س) أي رواه:

стр. 1125

النسائي عن أنس، فيجوز الاكتفاء بالأول، والجمع بينهما أفضل؛ فَـ "أَوْ" للتنويع واختلاف الرواية. (وإذا عطَس) بفتح الطاء، وفي نسخة بكسرها ولم أر لها أصلًا في اللغة، (فليقل) أي: ندبًا، (الحمد لله) وهذا أدناه. (خ، د، س) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة (١). (على كل حال. د، ت، س، مس، ق) أي رواه: أبو داود والترمذي والنسائي عن رفاعة بن رافع (٢)، والحاكم وابن ماجه عن علي (٣)، والحاكم عن ابن مسعود كذا في نسخة صحيحة (٤).
следующие страницы →