← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجعل السيوطي علامة السنن له "هق"، وهو أخصر، ولعله أراد الجمع بين الإشارة إلى المصنف والمصنف له. (و"عمل اليوم والليلة") اسم كتاب في الدعاء (لابن السني) بضم فتشديد نون وتحتية، وهو أحمد بن إسحاق، وكنيته أبو بكر: (ي) أي: ياء آخر الحروف. (وَأُقدِّم رمز من له اللفظ) أي: لفظ الحديث في هذا الكتاب عند اختلاف الرواة في لفظه، وأما عند اتفاقهم فيه، فذكرهم على الترتيب المذكور، وعلى النهج المسطور. قال المؤلف: "مثاله: أن يكون الحديث في البخاري ومسلم، والأصل تقديم البخاري، فرمز للبخاري بالخاء، ولمسلم بعده بالميم، فإن كان لفظ الحديث لمسلم قدم رمز مسلم على البخاري، وكذلك أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم على هذا الترتيب في رموزهم، فإن كان لفظ الحديث لواحد منهم [قدّم] (١) " (٢)، انتهى. والحاصل: أنه إذا كان لفظ الحديث لواحد منهم، ورواية معنى الحديث لغيره، قدم رمزه وإن كان متأخرًا في الرتبة؛ ليحصل له بهذا نوع من المزية.

стр. 107

(وإن كان الحديث موقوفًا) أي: على الصحابي أو غيره، والمراد أنه لا يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، قال الطيبي: "الموقوف مطلقًا ما روي عن الصحابي من قول أو فعل متصلًا كان أو منقطعًا، وهو ليس بحجة على الأصحّ، وقد يستعمل في غير الصحابي مقيّدًا، نحو: "وقفه معمر على همام"، و"وقفه مالك على نافع"" (١). (جعلت قبل رمزه: مَوْ) بفتح فسكون (ليُعلم) بصيغة المجهول، من الإعلام، أو العلم أي: ليعلم الطالب (أنه) أي: الحديث الواقع قبل: "مَوْ"، (موقوفٌ لما بعده) أي: كائن لما بعد رمز "مَوْ" (من الكتب) أي: من رموزها. والمعنى: حتى يعلم أن ذلك الحديث موقوفٌ عند أصحاب تلك الكتب، وهو لا ينافي أن يكون مرفوعًا عند غيرهم؛ ولذا [قد] (٢) يقع "مَوْ" متوسطًا بين الرموز إشارةً إلى ذلك، وهذا كله إن كان هناك رمزٌ، فلا يُشكل بما وقع له في بعض المواضع من كتابة "مَوْ" بغير رمز بعده ولا قبله، وسيجيء في مثل هذا بحثٌ، نذكره في محل أليق به. (وذلك) أي: إيراد الموقوف (قليل) أي: نادر (حيث) خبر بعد خبر، أي: كائن حيث (عدم المتصل) أي: فقد المتصل، والمعنى: لم أورد

стр. 108

الموقوف إلا حيث لم يوجد في ذلك الباب، أو المدعى من الكتاب حديث متصل، والمراد بالمتصل هنا المرفوع، وإلا فالمتصل قد يجتمع مع الموقوف، وقد يكون المرفوع غير متصلٍ، كالحديث المرسل. والحاصل: أن المتصل هو ما اتصل إسناد رجاله، سواءٌ يكون موقوفًا أو مرفوعًا، والمرفوع: ما أسند إلى النبي ﷺ ، سواءٌ اتصل إسناد رجاله، أو انقطع وحذف بعضه. وتحقيق هذه الأمور في علم أصول الحديث، وقد بيناها في "شرح شرح النخبة" بيانًا شافيًا، فهو للطالب يكون كافيًا. وأما ما ذكره الحنفي من أن المراد بالمتصل هنا المتصل المرفوع فلا يوافق علم الأصول، ولا يطابق مراد المصنف المفهوم من المقابلة في الحصول، بل المقصود منه الاتصال اللغوي بالمعنى الأعم، وهو المتصل إلى النبي ﷺ . (أو اختلف فيه) بصيغة المفعول؛ عطفٌ على المتصل أي: حيث عدم المتصل المتفق عليه، أو المختلف فيه، كذا قيل، وإنما يصح هذا العطف إذا [قدر موصول] (١)، كما لا يخفى، [وكذا] (٢) يحتاج [إلى أن يراد] (٣) بالمختلف فيه بالنسبة إلى مخرجٍ واحدٍ، والأظهر أن يكون

стр. 109

معطوفًا على "عدم"، أي: حيثُ فقد المتصل أو وجد، [و] (١) اختلف في اتصاله، لكن بالنسبة إلى مخرجين أو أكثر فأذكر رمز "مَوْ"؛ ليدل على أن فيه اختلافًا، أو ليستفاد أن الأصح كونه موقوفًا أو مرفوعًا. هذا، وقد قال ميرك شاه ﵀: "الظاهر من هذه العبارة أن الحديث إذا اختلف في رفعه ووقفه رجح الشيخ جانب الوقف، وأورده في كتابه هذا، وترك المرفوع، وهذا خلاف ما عليه المحققون من أهل الحديث، من أن الحديث إذا روي مرفوعًا وموقوفًا، أو مرسلًا وموصولًا، فالحكم للرفع والاتصال؛ لأن ذلك زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولة عند الجمهور. اللهم إلا أن يراد: اختلف فيه، وترجح الوقف بوجه من وجوه الترجيح، بأن تكون رواته أكثر أو أضبط أو أوثق أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: "أو اختلف" عطفًا على لفظ "المتصل"؛ فيكون في حيز [العدم] (٢). وحاصل المعنى أن يراد: الموقوف حيث فقد المتصل [أو عدم] (٣) المختلف فيه، وهذا لا يخلو [عن بعد] (٤) تأمل"، انتهى.

стр. 110

ولا يخفى من صنيع المصنف بحسب تتبعه أنه أراد بالمختلف فيه أن يكودن في بعض الكتب متصلًا، وفي بعضها موقوفًا، فحينئذٍ يشير إلى أن الحديث في رواية فلان موقوف، وفي رواية غيره متصل، ومثل هذا كثير في كتابه، وهو أن يأتي برموز أو رمز، ثم يأتي بـ "مَوْ"، ثم يأتي برموز أو رمز، وفعله هذا لا ينافي ما عليه المحققون كما سبق، فاندفع من أصله الإشكالُ، والله أعلم بالأحوال. (على أني) متعلقٌ بقوله: "فجعلت"، أو "أُقدِّم"، أو "اختلف"، أو بقوله: "رمزت"، ذكره ميرك، والأخير أنسب معنًى؛ أي: رمزت مع أني، أو بناءً على أني (لم أجعل هذه الرموز إلا لعالمٍ يربأ بنفسه عن التقليد) أي: يرفعها عن مرتبة حضيض التقليد، إلى منزلة رفعة التحقيق والتأييد، و"يربأ" بفتح الياء والموحدة فهمز على وزن يقرأ، من قولهم: إني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه، على ما في "التاج". ثم المراد بالتقليد هنا قبول الحديث ممن ليس له إسنادٌ متصلٌ إلى النبي ﷺ في روايته، وإنما ينقل الحديث من كتب المخرجين من أهل الحديث كالبخاري وغيره، وهذا من غاية تواضع الشيخ، ونهاية إنصافه، هالا فهو من أهل التصحيح، ومن طبقة ذوي الترجيح، كما يعلم مرتبته من "تصحيح المصابيح". فإذا حكم بحديث أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع، فكلامه معتبر عند أرباب الحديث؛ فإنه إمام في فن علم الحديث، وكذا

стр. 111

في قراءات الكلام القديم. (أو لمتعلم يتعرف صحيح الكتب) أي: يطلب معرفة صحيح الكتب، وهي التي التزم صاحبها [أنه لا] (١) يأتي فيها إلا بحديث صحيح عنده، (والمسانيدَ) بالنصب عطفًا على "صحيح"، وهو الصحيح، وفي نسخة بالجر عطفًا على "الكتب"، وفيه أن المسانيد ما التزم صحتها، وبمجرد إطلاق رموزها لا يستفاد صحتها، وفي نسخة: "يتعرف الصحيح من الكتب والمسانيد"، وفيه ما سبق من أنه لا يفيد التحقيق. ثم اعلم أن المسانيدَ هي الكتب التي مرتبة على أسانيدِ الصحابة من غير ترتيب الأبواب، خلاف ما اختاره المحققون من رعايتها في الكتاب كالبخاري، وسائر أصحاب السنن، ومن تبعهم كالبغوي، وصاحب "المشكاة". (وإلا) أي: وإن لم يكن عالمًا محققًا، أو متعلمًا متحققًا، وهو دليلُ الحصر، والمعنى: أني ما جعلت الرموز إلا لعالمٍ أو متعلمٍ؛ حتى يسهل الرجوع لهما إلى مآخذها حين الإرادة، وإلا (ففي الحقيقة) أي: في تحقيق أمر الحديث والعمل به (لا احتياج إليها) أي: إلى رموز الكتاب ومعرفتها (لعموم الناس) لجواز تقليدهم أحدًا من العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال بعض

стр. 112

مشايخنا: "مَنْ تبع عالمًا لقي الله سالمًا". (فليُعلم) بصيغة المجهول أي: فليعلم كل أحد إجمالًا (أني أرجو أن يكون جميع ما فيه) أي: في هذا الكتاب (صحيحًا) أي: ثابتًا؛ لأن الصحيح في اصطلاح المحدثين هو: "ما اتصل سنده، بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم [عن] (١) شذوذ وعلة" (٢)، ولا شبهة أن جميع أحاديث هذا الكتاب ليس بهذه المثابة، فالمراد به المعنى اللغوي الشامل للصحيح والحسن والضعيف أيضًا؛ لجواز العمل به في الفضائل بالاتفاق (٣).

стр. 113

(فزال الالتباس) أي: لعموم الناس في حصول الاشتباه، بأن لا يكون فيه حديث موضوع، فإن مثل الشيخ إذا حكم بصحة ما في كتابه ملتزمًا يطمئن قلب المقلد إليه، ويعتمد عليه. قال ميرك: "قد ينافي هذا قوله فيما تقدم، وليس كذلك؛ فإن المتقدم متحقق الوجود والوقوع، والمتأخر مرجوّ، وفَرْقٌ بين المتحقق والمرجوّ؛ ولذلك تجد أحاديث كثيرة لم تبلغ درجة الصحة، بل منها [ما هو] (١) حسن، ومنها ما هو صالح، ومنها ما هو مختلف فيه، والعبرة بما

стр. 114

اخترناه، وهو أنا لم نذكر حديثًا لم يكن عمدة فيما يرجع إليه من فضائل الأعمال، كما أنا لم ندع حديثًا صحيحًا في باب من الأبواب إلا ذكرناه". وكذا قال الشيخ الجامع قدس سره في "الْمِفْتاح" (١). وأقول: لم يكن بين هذا الكلام وبين ما تقدم منافاة أصلًا، فإن المستفاد من العبارة الأولى أن جميع ما يصح من الأحاديث في باب الأدعية مذكورة فيه، ولا يلزم أن يكون جميع الأحاديث المذكورة فيه صحيحة، انتهى، ولا يخفى أن المنافاة ظاهرة بين العبارتين في كلام الشيخ على ما اعترف به بنفسه من منافيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فإن ما ذكره السيد نوع تأويل يدفع به المنافاة الموهومة أو المتحققة. ثم اعلم أن قوله: "أرجو أن يكون صحيحًا" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد صحيحًا في نفس الأمر، ولا يظهر صحته عند الشيخ قدس سره في هذا الزمان؛ إذ الحكم بصحة الحديث وضعفه يكون بالظن الغالب لا بالجزم، كما تقرر في الأصول. الثاني: أن المراد: أرجو أن يصح عندي، أو عند غيري بتتبع تامٍّ واستقراء عام لطرق الأحاديث حتى يظهر صحته، والله أعلم. كذا حققه ميرك، ولا يخفى أن الوجهين المذكورين إنما يتصور وجودهما في غير أحاديث الصمحيحين، وما في معناهما مما صرّح به الترمذي أو غيره من المخرجين بأنه صحيح.

стр. 115

(وقد جع بحمد الله تعالى هذا المختصر اللطيف) أي: قليل الحجم، وإسناد الجمع إليه مجاز كما في قوله: (ما لم تجمعه) بالتأنيث، وجوز تذكيره لكون فاعله مؤنثًا غير حقيقي مؤخرًا، وهو قوله: (مجلدات) جمع مجلد، وهو كتاب ضخم غالبًا (من التآليف) بهمزة ممدودة، أي: من المؤلفات، وهو بيان لـ"ما"، وأصل التأليف إيقاع الألفة والصحبة بين الشخصين، فاستعير للجمع المناسب بين الكلمتين [أو] (١) أكثر، وفي نسخة: "من التواليف" بواو بدل الهمزة، وهو قريب منه معنًى، وإن خالفه مبنًى، ففي "القاموس": "أن الوليف البرق المتتابع، والولاف والموالفة: الإلاف والاتصال" (٢). (وإذا انتهى) أي: الجمع (نرجو من الله أن نجعل في آخره فصلًا) ظاهره يفيد الرجاء وقت الانتهاء، والحال أنه كان قبله كما في أثنائه، كما صرّح به المصنف في أول "مفتاحه"، حيث قال: "فإني كنت وعدت عند تأليفي كتاب "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين" أنه إذا انتهى أجعل في آخره فصلًا يفتح ما أقفل من لفظ ما فيه قد أشكل، ولما انتهى بحمد الله، وسارت به الركبان في كل البلدان، وكتب به من النسخ ما لا يحصى ولا يحصر، [وأتى بمختصراته] (٣) العدة والجنة فأعظم وأكثر،

стр. 116

ولقد أحسن من قال فيه شعر: إن نابك الأمر المهول … اذكر إله العالمينا وإن بغى باغ عليك … فدونك الحصنَ الحصينا ولما تمادى عليَّ ذلك الزمان الكثير وأنا أسأل الله تعالى الوفاء بالعهد، ولله فيما يختار الأمر من قبل ومن بعد، حتى يسَّرَ الله تعالى بعد مضي نحو من أربعين سنة مضت من العمر كأنها سِنَةٌ، فرأيت الوفاء واجبًا، واستخرت الله تعالى، وسألته أن يجعل التوفيق والرشد لي [مصاحبًا] (١) ليكون مِفْتاحًا "للحصن الحصين"، ومفلاحًا لما أغلق من لفظه الرصين، والله المستعان، وعليه التكلان" (٢)، انتهى. فقال ميرك: "لا يخفى أنه قد سبق قوله: "ولما أكملت ترتيبه … " إلى آخره، فيحمل "إذا انتهى" على الماضي، كما جوّزه صاحب "المغني"، لكن يخدش فيه أنه لا يناسب "نرجو" بصيغة المستقبل، إلا أن يحمل معناه على المضي أيضًا، فتأمل"، انتهى. فالمعنى: وحين تحقق الانتهاء وقع الرجاء، وفيه أنه كان الرجاء في أثناء الانتهاء على ما سبق في كلام المصنف من الإيماء، وإلا فكان يمكن أن يحمل "نرجو" على حكاية الحال الماضية، ثم قال ميرك: "والقول بأن المراد بالترتيب المذكور سابقًا الترتيب الذهني، فهو مما لا يلتفت إليه،

стр. 117

ولا يعرج عليه"، يعني لقوله: "وتهذيبه بعد ترتيبه"، والتهذيب لا يتصور ذهنًا كما لا يخفى على الأديب، اللهم إلا أن يتكلف ويقال: التقدير: وأردت تهذيبه، فيكون التركيب من قبيل: " [علفته] (١) تبنًا وماءً باردا" (٢)، أي: [وسقيته] (٣). قال: "ثم ظهر لي أنه يحتمل أن المراد بالترتيب السابق ما يكون في المسبوق، وبالثاني المبين، وكان هذا هو الوجه"، انتهى. ولعل مَعْنَى كلامه هذا أن: المراد بالترتيب ما يكون سابقًا في التبويب، وبالثاني وهو المعني [بالانتهاء] (٤) المبين بالتهذيب، أو المبين برموز مخرجي أحاديثه، ولعل هذا هو المعين، والله الموفق والمعين في كل وقت وحين. (يفتح) أي: فصلًا من الكلام، ونوعًا من تحقيق المرام، يفتح ذلك الفصل مجازًا؛ ولذا سماه "المفتاح"، أي: "مفتاح الحصن"، وفي نسخة بالنون، أي: نفتح نحن به، نحل به. (ما أقفل) بصيغة المجهول، وفي نسخة صحيحة منسوبة إلى مولانا

стр. 118

جلال [القاني] (١) من تلاميذ السيد السند أصيل الدين بصيغة المعلوم، وهو [أقعد] (٢) وأمثل في مراعاة السجع؛ لقوله الآتي: "أشكل"، والإقفال: الإغلاق فعلى النسخة الأولى وتقديره: ما أقفل فيه وأشكل في مبانيه أو معانيه، أو: ما ينافيه. وعلى النسخة الثانية ضميره راجع إلى "ما" الموصولة مجازًا. (من لفظ ما فيه قد أشكل) بيان لـ"ما" فيما تقدم، وأشكل عليه الأمر: التبس، كذا في كتاب "العُباب"، فالمقصود من الفتح حل مشكلات الكتاب، وفي نسخة: "من لفظه"، فالجار متعلق بـ "أقفل"، وفي نسخة صحيحة: "من لفظ ما فيه مشكل"، وهو يناسب النسخة المشهورة في "أقفل". (وهذه) أي: [هذا] (٣) المختصر، وأُنِّثَ لتأنيث الخبر، وهو قوله: (مقدمة)، وهي بكسر الدال أصح من فتحها، مع أن الفتح أظهر معنًى، ووجه الكسر أنه مشتق من قدم بمعنى تقدم، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا (٤) تُقَدِّمُوا بَين يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أي: لا تتقدموا، وقيل: "المفعول مقدر، أي: لا تقدموا أمرًا من عندكم عند وجود أمرهما،

стр. 119

وتحقُّق حكمهما". ويمكن أن يتكلف هنا بأن يقال: هذه مقدِّمة [نفسَها] (١) على غيرها، وهي كمقدمة العَسْكَر مأخوذة من مقدمة الرحل. والحاصل: أن هذه الرسالة مقدمة (تشتمل على أحاديث في فضل الدعاء والذِّكر) أي: في فضيلتهما وبيان مثوبتهما، مع أن كل دعاء ذِكْر، وكل ذِكْر متضمن للدعاء لما فيه من عرض الثناء وتعريض العطاء، وقد روي في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (٢). بل هذا هو المقام الأكمل لأرباب الكمال في بعض الأحوال، على ما ورد من: "أن إبراهيم (٣) ﵇ لما ألقي في النار جاءه جبريل ﵇ فقال: ألَكَ حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك المتعالي. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي" (٤).

стр. 120

ومنه ما ورد من أنه حين ألقي الخليل قال: "حسبي الله ونعم الوكيل (١)، فقال تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] "، وقد وقع نظيره في هذه الأمة من أكابر الأئمة، كما أخبر الله سبحانه عنهم بقوله مدحًا لهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]. (ثم آداب الدعاء والذّكر) بالرفع في "آداب" عطفًا على "مقدمة"، وفي نسخة بالجر عطفًا على "فضل الدعاء"، قال ميرك: "أي: هذه الرسالة مقدمة تشتمل … إلى آخره. وقو له: "ثم آداب الدعاء (٢) "بالرفع، أي: هذه الأمور المذكورة في الرسالة مقدمة، ثم آداب الدعاء، وعلى التقديرين يكون بعض أجزاء الرسالة مسمًّى بالمقدمة، وبعضها بآداب الدعاء إلى آخره، ولا يخفى تعسفه. وأما على تقدير جرّ "آداب الدعاء" كما وقع في بعض النسخ، فتكون "المقدمة" اسمًا لما يشتمل على الجميع، ولا خفاء في بُعده أيضًا، والعبارة الصالحة في هذا المقام أن يقال: وهذا الكتاب يشتمل على

стр. 121

مقدمة ومقاصده. أما المقدمة فهي مشتملة على أحاديث في فضل الدعاء والذكر، وأما المقاصد فمحتوية على آداب الدعاء والذكر إلى آخر الكلام، والله أعلم. قلت: هذا تغيير للتصنيف، والمعتبر تصحيح التأليف مع أن هذا الذي ذكره مفصلًا هو المستفاد من كلامه على تقدير الرفع مجملًا؛ حيث يفيد أن بعض أجزاء الرسالة مقدمة، وبعضها آداب الدعاء وغيره من المقاصد [المتممة] (١)، فالحكم بعدم خفاء تعسفه لا يكون خاليًا عن تكلفه. وأما الوجه الثاني وهو الجر المنجر لأن تكون المقدمة اسمًا لما يشتمل على الجيم فيستبعد بعده؛ لأن فيه إشارة إلى أن هذه الرسالة لاختصارها مع جميع ما فيها بالنسبة إلى الكتب المبسوطة كمقدمة العسكر بالإضافة إلى الجيش [الكبير] (٢)، إيماء إلى أن من قدر أن يخرج من عهدة هذا القليل اليسير صلح أن يتوجه إلى تحصيل الكثير العسير، ويؤيد ما ذكرناه أن المصنف جعل رسالة في علم القراءة مشتملة على معرفة مخارج الحروف والصفات وغيرها، وسماها بكمالها "مقدمة"، حيث قال في مقدمتها: وبعدُ إنَّ هذه مقدِّمهْ فيما على قارئه أن يعلمَهْ (٣) والله أعلم.

стр. 122

(وأوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها) برفع الثلاثة وجرها، (ثم اسم الله تعالى) بالرفع والجر أيضًا، و"ثم" لمجرد التعاقب كما قدمت، أو للتراخي في الذكر لا للرتبة؛ لعدم صحتها في "ثم" السابقة واللاحقة كما لا يخفى. وقوله: (الأعظم) بالوجهين على أنه صفة للاسم تابع له في إعرابه (وأسماؤه الحسنى) كُتِبَت بالواو إشارةً إلى رفعه المختار، وفي نسخة: "وأسمائِهِ" بالياء، إيماءً إلى جرِّه، "والحسنى" تأنيث الأحسن، نعت الأسماء. (ثم ما يقال) أي: يقرأ أو يذكر أو يدعى (في الصباح) أي: في أول النهار (إلى المساء) أي: إلى آخره، أو أول الليل، [والمراد] (١) بهما الملوان جميعهما. (وفي طول الحياة إلى الممات) أي: منتهية إليه، والمعنى: من أول عمره إلى آخره (من جميع ما يحتاج إليه) بصيغة المفعول، أي: ما يقع إليه حاجة السالك من الأدعية هنالك (وصح النص) أي: والحال أنه ثبت النقل الصريح (عنه) أي: عن النبي ( ﷺ )، كذا في أكثر الأصول المصححة، أي: وقع نصه على ما يقال في تلك الأحوال. (ثم الذكر) أي: جنس الذكر من نوعه الخاص (الذي ورد فضله، ولم يختص) بفتح أوله ويضم، والجملة حال، أي: حال كون ذلك الذكر غيرَ

стр. 123

مختص (بوقت من الأوقات) أي: بخلاف ما قبله، فإنه كان مختصًّا بالأزمنة والحالات. (ثم الاستغفار الذي يمحو) وفي نسخة: "يمحق"، أي: يزيل (الخطيئات) [بالهمز] (١)، وجوز إبدالها وإدغامها، أي: السيئات، والموصول صفة كاشفة، وهو أيضًا غير مختص بوقت. (ثم فضل القرآن العظيم وسور منه وآيات)، وهو وإن كان بعضها مطلقًا وبعضها مقيدًا، لكنه غالبًا غير مقيد، بل من حيث هو مطلق. (ثم الدعاء الذي صحَّ عنه ﷺ كذلك)، أي: غير مختص بوقت من الأوقات. قال ميرك شاه ﵀: "الظاهر أن المراد الدعاء الذي صح عنه ﷺ ، ولم يختص بوقت من الأوقات، يرشد إلى ذلك التوجيهِ ما سيقول بعد ذلك حين شروعه في بيان المقاصد: "الأدعية التي وردت غير مخصوصة بوقت"، لكن يخدش فيه أن الأنسب في ذكره بعد الذكر الذي ورد فضله بلا واسطة حتى تحسن الإشارة إليه". أقول -والله أعلم-: أراد المصنف بقوله: "كذلك" إشارة إلى أنه قيد لما قبله من الحكمين، فيفيد أن كلًّا من الاستغفار والقراءة والدعاء المذكورات ليس له وقت مخصوص من الأوقات، بل ينبغي أن يواظب عليها السالك في جميع الحالات، وسائر المقامات؛ فإن الذكر المطلق

стр. 124

ودوامه المتحقق مستفاد من قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وعدم تقييد القراءة مقتبس من قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وعدم تقييد الاستغفار مأخوذ من قوله ﵇: "طوبى لمن وَجَدَ في صحيفته استغفارًا كثيرًا" (١). وأما الدعاء فبعضه مطلق لأرباب الكمال، وبعضه مقيد بحسب اختلاف أصحاب الأحوال، ولعل عدم تقييد الأذكار والتلاوة والاستغفار؛ لأن ذكره سبحانه لا ينبغي أن ينقطع من عبده ما دامت الرُّوح في جسده. وأما الاستغفار فلأن كل واحد من العبيد سواء يكون من أفراد المراد أو المريد لا يخلو عن نوع من التقصير المحتاج إلى الاستغفار الكثير، فلا يحسن أن يقيد بوقت من الأوقات، أو حال من الحالات.

стр. 125

هذا، ولو فعل المصنف كما ذكره ميرك لخالف العنوان ترتيب المقاصد. (ثم ختمته) ليكون ختامه مسكًا (بفضل الصلاة على سيِّد الخلق)، أي: أفضل المخلوق الشامل للرسل والملائكة على مذهب أهل السنة والجماعة (ورسول الحق)، أي: اللهُ، فإن الحق من أسمائه، فالإضافة لاميَّة، أو يراد به ضد الباطل، فالإضافة بيانيَّة، أي: الرسول الحق الصادق في نبوَّته، الثابت في رسالته، أو الإضافة لأدنى الملابسة، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]. (الذي هدى الله تعالى) أي: المؤمنين، وهو أولى من تقدير الحنفي بقوله: "أي الخلق"، كما لا يخفى، (به) أي: بسببه، وبواسطة دلالته (من الضلالة) أي: من ضلالة الكفر وجهالة المعصية، وفيه إشعار بأنه سبب الهداية، وأما خالقها وموفقها ومقدرها فهو الله سبحانه، كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقد قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فيكون نظيرَ قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]. (وبصّر) بتشديد الصاد، أي: فتح بصيرة مَن أراده مِن أفراد خلقه (به) على ما في نسخة، أي: بسببه (من العمى) بفتح العين مقصورًا، أي: من أجل عمى عين قلبه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (فأوضح) أي: فأظهر الله أو رسوله

стр. 126

(المحجة) بفتحتين وتشديد الجيم، أي: الطريقة [الموصلة] (١) إلى المقصد ظاهرًا بالشريعة، وباطنًا بالحقيقة، وفي "النهاية": "المحجة: جادة الطريق، مفعلة من الحج، وهو القصد، والميم زائدة، وجمعه: المحاجّ بتشديد الجيم" (٢). (ولم يدع) بفتح الدال، أي: لم يترك الله (لأحد) أي: من الناس (حجة) أي: حجة داحضة أو مجادلة خافضة، حيث أرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩]، أو: لم يترك النبي ﷺ لأحد من أمته حجة مانعة من امتثال أمر، أو اجتناب نهي، حيث بينهما غاية البيان بحيث لا يحتاج السالك إلى غير ما ثبت عنه في كل شأن. وهذا الوجه اختاره ميرك، حيث قال: "أي: لم يترك لأحد دليلًا على مقصد من المقاصد الشرعية، بمعنى أن كل دليل من الأدلة إما أن ذكره بالتصريح، أو ذكر ما يستنبط منه، ويمكن أن يراد بالحجة حجة النبوة، يعني سدّ باب النبوة، حيث قال: "لا نبي بعدي" (٣)، انتهى. ولا يخفى

стр. 127

بُعد الأخير. ﷺ وفي "نسخة الأصيل": "وآله وسلم" تسليمًا (كلما ذَكَرَهُ) أي: الله أو الرسول أو كل واحد منهما، وهو أبلغ في حصول المبلغ (الذاكرون) أي: أنواع الذكر، (وغفل) وفي نسخة: "وكلما غفل" (عن ذكره الغافلون) والمراد: حصول الصلاة والسلام على وجه الدوام، فإنه لا يخلو عن الحالين المذكورين أحد من الأنام. وفي "شرح الحاوي" للمولى بهاء الدين: "أفضل الصلاة: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عنه الغافلون، وفي بعض رواية الحديث: "كلما غفل عنه الغافلون". قال الإمام النووي: "هذا ما ذكره إبراهيم المروزي وحده"، انتهى. وقد نقل الإمام الرافعي والإسنوي هذه العبارة عن المروزي، قال النووي: "وقد يستأنس لذلك بأن الشافعي كان يستعمل هذه العبارة، ولعله أول من استعملها" (١). قال شارح البخاري: "وهي في خطبة "الرسالة"، لكن بلفظ "غفل" بدل "سها"". ثم اعلم أن في بعض النسخ هنا (فضل الدعاء) وهو في الأصل بالضاد المعجمة، أي: أحاديث في فضيلة الدعاء، وفي نسخة: بالصاد المهملة،

стр. 128

أي: هذا فصل في فضل الدعاء، قال ميرك: "اعلم أن الدعاء طلب الأدنى من الأعلى شيئًا ما على جهة الخضوع والاستكانة، وفيه فضل كثير، وثواب جزيل، وقد حثّ الله عليه في مواضعَ من كتابه العزيز، وورد أحاديث كثيرة في فضله". وقال النووي: "دلت الأحاديث الصحيحة على استحباب الدعاء والاستعاذة، وعليه أجمع العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، وذهب طائفة من الزهاد وأهل المعارف من العباد إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلامًا للقضاء، وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن، وإن خصّ نفسه فلا. ومنهم من قال: إن وجد في نفسه باعثًا للدعاء استحب، وإلا فلا". ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء والإخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين (١).

стр. 129

فضل الدعاء (قال) أي: رسول الله كما في نسخة ﷺ جملة خبرية أو دعائية، والأظهر أنه خبر لفظًا، وإنشاء معنىً (الدعاء) أي: دعاء الحق (هو العبادة) أي: عبادة الخلق، وأتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام؛ ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة، ومعناه: أن الدعاء معظم العبادة، كما قال ﷺ : "الحج عرفة"، أي: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، كذا ذكره ميرك. والأظهر أن الحصر حقيقي لا ادعائي؛ فإن إظهار العبد العجز والاحتياج عن نفسه والاعتراف بأن الله قادر على إجابته سواء استجاب له أو لم يستجب كريم غني لا بخل له ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه عن عباده هو عين العبادة ومخها، كما روي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" (١). رواه الترمذي، وقال: "حديث غريب من هذا الوجه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة، كذا في "الترغيب" للحافظ المنذري. وأشار بقوله: "روي" إلى تضعيف هذا الحديث، كما ذكر في خطبة كتابه (٢).

стр. 130

ومخ الشيء خالصه وما يقوم به، كمخ الدماغ الذي هو نقيُّه، ومخ العين شحمها، والمعنى: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء، كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ. وقال القاضي: "أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه" (١). (ثم تلا) أي: ثم قرأ النبي ﷺ استشهادًا واعتضادًا (﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونيَ﴾ [غافر: ٦٠] الآية) بالنصب، وهو الأرجح، أي: قرأها تمامها، وبالجر أي: إلى آخرها، وبالرفع أي: معروفة مشهورة، ولفظ الآية من تصرفات أهل الرواية اقتصارًا واكتفاء بالدراية، وإلا فلا شكَّ أنه ﷺ قرأ الآية بكمالها، ثم فيها إيماء إلى أن تتمة الآية لها دخل في الاستشهاد. وفي نسخة: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية"، ثم تمامها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أي: أذلاء صاغرين، فالمراد بعبادتي: دعائي ليطابق قوله: ﴿ادْعُونِي﴾ أو المعني بقوله: ﴿ادْعُونِي﴾: اعبدوني؛ ليوافق قوله: ﴿عِبَادَتِي﴾، فوضع الدعاء موضع العبادة، ووضع العبادة موضع الدعاء، ليفيد أن الدعاء هو العبادة، وأن العبادة هي الدعاء، وهذا ما ظهر لي في هذا المقام من حل الكلام على وفق المرام. وقال المؤلف: "إنما تلا الآية استشهادًا لذلك؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي" (٢). وقال في "شرح

стр. 131

المصابيح": "أتى بصيغة الحصر مبالغة، لأن حقيقة العبادة الافتقار إليه تعالى، وذلك في الدعاء والالتجاء فمن لازم الدعاء لازم العباد؛ ولذلك قرأ ﷺ الآية؛ لأنه تعالى أراد: اعبدوني بالدعاء لي، لأن ذلك يحقق تعبدكم إلى ما ترون من إجابتي لكم، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي". وقال القاضي: "استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، ويكون أهم العبادات، ويقرب من هذا قوله: ""مخ العبادة" أي: خالصها" (١). وقال الراغب: "العبودية إظهار التذلل، ولا عبادة أفضل منها؛ لأن غاية التذلل لا يستحقها إلا من له غاية التفضل" (٢). (مص، عه، حب، مس، أ) أي: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، وقدمه لأن اللفظ له، والأربعة وابن حبان، والحاكم في "مستدركه"، والإمام أحمد في "مسنده"؛ كلهم من حديث النعمان بن بشير. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وفي بعض نسخه: "حسن" فقط. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وأخرجه الطبراتي في كتاب "الدعاء" له أيضا، ولم يرقم له الشيخ ﵀، وكذا رواه البخاري في "تاريخه" عن النعمان (٣)،

стр. 132

وأبو يعلى في "مسنده" عن البراء. (١) (من فتح) بصيغة المفعول، وقوله: (له) نائب الفاعل، وضميره راجع إلى "مَنْ" الموصولة، أو الشرطية، ويمكن أن يقال: التقدير: مَنْ فُتِحَ لَه باب (في الدعاء منكم، فتحت له أبواب الإجابة)، وفي نسخة بالتشديد، لكثرة الفعل أو الفاعل، وقد يتلازمان كما هنا، وقد قرئ بالوجهين متواترًا في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ [النبأ: ١٩] والمعنى: من وفق على مواظبة الدعاء وملازمة الثناء، فتحت له أبواب القبول؛ لأن من علامة إجابته توفيقه لدعوته، ولا يخفى حسن العدول من الباب إلى الأبواب. وقيل معناه: "من استجيب له دعاء واحد، فتحت له أبواب الاستجابة". (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة [في "مصنفه"] (٢)

стр. 133

عن علي وابن عمر (١) أيضًا. (فتحت له أبواب الجنة) بدل مما سبق من الجزاء بدلالة عدم العطف، وفيه إيماء لطيف إلا أن الدعاء لا يخلو من الفائدة، فإنه إما أن يكون سببًا لفتح أبواب الإجابة، فيعجل مسألته له، أو أبواب الجنة، فيدخر طَلِبَته له، ولا شك أن الثاني أولى، فإن الآخرة خير وأبقى، ولذا ورد أن أهل تأخير بعض إجابة دعائهم لما رأوا ما ادخر لهم من عطائهم قالوا: [يا] (٢) ليتنا لم تقبل دعوة منا في الدنيا، ليكون ذخيرة كاملة لنا في العقبى. (مس) أي: رواه الحاكم في "مستدركه" عن ابن عمر، وقال: "صحيح الإسناد". (فتحت له أبواب الرحمة) وهي شاملة لفتح أبواب الإجابة وأبواب الجنة، والجملة بدل أيضًا مما قبله مع زيادة قوله: (ومما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه) وفي نسخة: "له" (من أن يسأل العافية) بصيغة المفعول في الفعلين، فقيل: "شيئًا" مفعول مطلق، أي: شيئًا من السؤال، و"أحب" صفته، "وأنْ" في قوله: "أنْ يسأل العافية" مصدرية، فالمعنى: ما سئل الله سؤالًا أحبَّ إليه من سؤال العافية. وجوز أن يكون "شيئًا" مفعولًا به، أي: ما سئل الله مسئولًا أحبَّ إليه من العافية، فزيد "أن يسأل" اهتمامًا بشأن المسئول، أو أريد من قوله: "من أن يسأل من العافية المسئولة".

стр. 134

ثم العافية في اللغة: دفع العفاء، وهو الهلاك، والمراد بها هنا أن يكون للرجل كفاف من القوت وصحة البدن، بحيث لا يمنعه عن الاشتغال بأمر الدين وترك ما لا ضرورة فيه، ولا خير في وجوده، ولذا كان الشبلي -قدس سره- إذا رأى أحدًا من أرباب الدنيا الفانية، قال: "اللهم إني أسألك العافية". (ت) أي: رواه الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ: "من فتح له منكم باب الدعاء … " إلى آخره، وسيأتي حديث: "يا عم، أَكْثِرِ الدُّعاءَ بالعافية". (لا يرد القضاء) أي المعلق (إلا الدعاء) أي: المقبول المحقق، أو لا يدفع صعوبة القضاء المبرم إلا الدعاء المحتم، قال التوربشتي وغيره: "إن القضاء في الأصل إنما هو الأمر المقدر، وأريد به هنا ما يخافه العبد من نزول المكروه، فإذا وفق للدعاء رفعه الله، فتسميته قضاءً مجازٌ، أو أراد بِرَدِّ القضاء تهوينه وتيسيره، حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل. (ولا يزيد في العمر) بضمتين وقد يسكن، فالأول أفصح، والثاني أشهر، وزيادته باعتبار بقاء الاسم والأثر، وقيل: "بالنظر إلى الأجل المؤقت المعلق، لا المبرم المقدر" (إلا البر) بالكسر: الإحسان على ما في "النهاية"، والأظهر أن يراد به الطاعة الشاملة لكل عبادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، ثم قيل: "في تأويل الحديث وجهان: أحدهما: أن معناه إذا برَّ فلا يضيع عمره، فكأنه زاد.

стр. 135

وثانيهما: أنه يزاد في العمر حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] (١). وذكر في "الكشاف" أنه لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا في كتاب، وصورته: أن يكتب في اللوح إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد [عُمِّر] (٢)، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية، وهو الستون"، انتهى (٣). ولا يخفى أن الصورة المذكورة تفيد التعليق في كل من الأمرين، يعني: الحج، والغزو، فالأظهر في تصويره أن يقال: إن حجَّ فعمره ستون، وإلا فأربعون. واعلم أن بعض الآيات والأحاديث يدل على أن العمر قابل للزيادة والنقصان، منها الآيتان المذكورتان، وكذا هذا الحديث، وأن بعضًا منهما يدل على أنه لا يزيد ولا ينقص، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، وكقوله سبحانه:

стр. 136

﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وكقوله ﷺ : "يكتب للولد في بطن أمه: رزقه، وعمله، وأجله" (١). فقال البغوي عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] الآية: "إن هذا يعني عدم التأخر إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ". وقال النووي: "إذا علم الله تعالى أَنَّ زَيْدًا مثلًا يموت سنة خمس مئة، استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن يكون الآجال التي عليها علم الله أن يزيد وينقص؛ فيتعين تأويل الزيادة بأنها بالنسبة إلى مَلَك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح، وأُمِرَ بالقبض بعد آجال محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص أو يزيد على ما سبق به علمه في كل شيء، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وعلى ما ذكر يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فالإشارة بالأجل الأول إلى اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ " انتهى. وهو تحقيق في نهاية تدقيق.

стр. 137

وقال الحنفي: "اعلم أنه إذا ازداد العمر بالبر كصلة الرحم مثلًا، فيكون رد القضاء بغير الدعاء أيضًا، فلا يصح أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء، فلا بد أن يكون [هذا] (١) الحصر على سبيل المبالغة والادعاء". أقول: الظاهر أن المراد بالقضاء في قوله: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" قضاء البلاء لا مطلق القضاء، ويؤيذه رواية أبي الشيخ في "الثواب" عن أبي هريرة: "الدعاء يرد البلاء"، مع أن البر بمعنى الطاعة يشمل الدعاء؛ فصح قوله: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" من غير دعوى الادعاء، ولا ينافيه حينئذٍ ما ورد من قوله: "الصدقة ترد البلاء، وتزيد العمر". (ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي وابن ماجه عن سلمان، وابن حبان والحاكم في "مستدركه" عن ثوبان، لكن في روايتهما: "لا يرد القدر"، كما نقله صاحب "السلاح" عنهما، وفي "الترغيب" للمنذري عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل لَيُحرمُ الرزق بالذنب يذنبه". رواه ابن حبان، والحاكم، واللفظ له، وقال: "صحيح الإسناد"، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير"، وقال: "رواه: الترمذي [وقال: حسن غريب] (٢) والحاكم عن سلمان (٣)، ورواه الحاكم عن ثوبان، ولفظه: "الدعاء يرد

стр. 138

القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد لَيُحرمُ الرزق بالذنب يصيبه" (١). (لا يغني) أي: لا ينفع ولا يدفع (حذر) أي: احتراز واحتراس (من قدر) بفتح الدال ويسكن، أي: مما قدره الله وقضاه من أنواع بلاياه (والدعاء ينفع مما نزل) أي: من بلاء نزل، ونفعه إما بالصبر، وإما بالرفع (ومما لم ينزل) أي: ويريد النزول [إما] (٢) بالتهوين، أو بالدفع. (وإن البلاء لينزل) أي: ليريد النزول (فيتلقاه) وفي نسخة صحيحة: "يتلقاه"، وفي نسخة: "ثم يتلقاه" (الدعاء) وفي إسناد الفعل إلى الدعاء دون البلاء نكتة لطيفة دالة على أن الدعاء له غلبة منيفة، فإن الدعاء يستقبله في الهواء ما بين الأرض والسماء ([فيعتلجان]) (٣) أي: يتصارعان ويتدافعان، ذكره في "شرح السنة"، وقال المؤلف: "أي: فيتعارضان" (٤) (إلى يوم القيامة) قال الغزالي في "الإحياء": "اعلم أن من القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، والدعاء سبب رد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع

стр. 139

السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان. وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله أن لا يحمل السلاح، وقد قال : ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر، فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر، والذي قدر الخير قدره بسبب، وكذلك الشر قدر لرفعه سببًا، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من افتتحت [عين] (١) بصيرته، ثم في الدعاء من الفائدة أنه يستدعي حضور القلب مع الله ، وذلك منتهى العبادات، والدعاء يرد القلب إلى الله بالتضرع والاستكانة؛ ولذلك كان البلاء موكلًا بالأنبياء، ثم الأولياء" لأنه يرد القلب بالافتقار إلى الله ، ويمنع نسيانه (٢). (مس، ر، طس) أي رواه: الحاكم، والبزار، والطبراني في "الأوسط"؛ كلهم من حديث عائشة، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" (٣). وفي

стр. 140

"الجامع الصغير": ""لا يغني حذر من قدر"، رواه الحاكم عن عائشة، و"الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء"، رواه الحاكم عن ابن عمر" (١). (ليس شيء أكرم) بالنصب، أي: شيء أكثر كرامة (على الله) أي عنده (من الدعاء) أي: لاشتماله على التضرع والثناء، والمعنى: ليس شيء من أنواع العبادات القولية، فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية، فاندفع ما قال الحنفي: "وهذا الحديث بظاهره ينافي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ". (ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ورواه: أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" عن أبي هريرة أيضًا (٢).

стр. 141

(من لم يسأل الله) أي: بلسان القال أو الحال استغناء عن الله المتعال (يغضَبْ) أي: الله، وهو بفتح الضاد مجزومًا، وفي نسخة بصيغة المفعوك، فنائب الفاعل قوله: (عليه). قال ميرك: "أي: من لم يطلبه؛ لأن السؤال بمعنى الطلب"، انتهى. والأولى أنه بمعنى الدعاء للرواية الآتية، وذلك أنَّ الله تعالى يحب أن يُسْأل من فضله؛ ولذا قال في التنزيل: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٥] الآية. فمن لم يسأل يبغض، ويعد من المستكبرين عن عبادته، والمبغوض مغضوب، ونعم ما قيل شعر: الله يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَابْنَاءُ آدَمَ [حَيْثُ تُسْأل] (١) تَغْضَبُ وقد ورد في حديث ابن مسعود: "سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل، فمن لم يسأل الله يبغضه". وفي "النهاية": "قد تكرر ذكر

стр. 142

الغضب من الله تعالى ومن الناس، فأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه، وسخطه عليه، وإعراضه عنه، ومعاقبته له، وأما من المخلوقين فمنه محمودٌ، وهو ما كان في جانب الحق، ومنه مذموم، وهو ما كان في خلافه". (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة، وفي "فتح الباري": "أخرجه: أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجه، والحاكم؛ كلهم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة"، انتهى. وقيل: "في سنده أبو المليح الهذلي، وهو مجهول على ما في "الميزان""، فيكون الحديث ضعيفًا، لكن يعمل به في الفضائل، ويحمل الغضب على المبالغة في العتب. (من لم يدع الله غضب عليه) بكسر الضاد، وفي نسخة بصيغة المجهول. (مص) أى: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث أبي هريرة. (لا تعجزوا في الدعاء) بكسر الجيم ويفتح، من العجز، وهو الضعف، والفعل كضَرَبَ وَسَمِعَ على ما في "القاموس". وأما ما ذكره المؤلف من قوله: "لا تعجزوا: بكسر الجيم في المستقبل، وفتحها في الماضي" (١)، فمبني على الرواية، وهي لا تنافي جواز فتحها من حيث اللغة والقواعد العربية، أو على كونه أفصح؛

стр. 143

لوروده في قوله: (أَعَجَزْتُ)، وأما تفسير المؤلف العجز بترك ما يجب، ففيه نظر ظاهر. نَعَم، العجز بهذا المعنى يناسب ما ورد: "أعوذ بك من العجز"، فالمعنى: لا تقصروا ولا تَكسَلُوا في تحصيل الدعاء، (فإنه) أي: الشأن (لن يَهْلِكَ) بكسر اللام، أي: لا يضيع (مع الدعاء أحد. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أنس، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". (من سرَّه) بتشديد الراء، أي: أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور (أن يستجيب الله له) أي: دعاءه (عند الشدائد) أي: وقت حصول الأمور الشديدة من المكروهات (والكُرَب) بضم ففتح جمع كُرْبة، وهي الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذا الكَرْب بفتح فسكون على ما في نسخة. والحاصل: أن من أرد استجابة الدعاء عند الفقر ونزول البلاء (فليكثر الدعاء) أمر من الإكثار، أي: فليلازم الدعاء في الصباح والمساء (في الرخاء) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدودًا، أي: في حال سعة العيش، وحسن البال، وكثرة المال؛ لأن من شيمة المؤمن الصابر الشاكر الحازم أن يريّش السهم قبل الرمي، ويلتجئ إلى الله قبل مس الاضطرار، بخلاف الكفار والفجار، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].

стр. 144

(ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة، وكذا الحاكم عنه على ما في "الجامع"، وفي "سلاح المؤمن": "عن سلمان مرفوعًا: "من سرَّه أن يستجاب له عند الكرب والشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء"، رواه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد"، وروى البيهقي والخطيب عن جابر مرفوعًا: "لقد بارك الله لرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها". (الدعاء سلاح المؤمن) بكسر السين، أي: يدفع به البلاء عن نفسه وغيره (وعماد الدين) بكسر العين، أي: مداره؛ فإنه إظهار العبودية عند ظهور الربوبية، ولا ينافيه حديث: "الصلاة عماد الدين"؛ لجواز تعدد العمد، أو لأن الدعاء عماد الصلاة أيضًا؛ إذ المقصود منها هو دعاء العبد للرب الموجب للقرب والحب؛ ولذا فرض أو وجب قراءة الفاتحة المشتملة على دعاء ﴿اهْدِنَا﴾ في كل ركعة، وقد سبق أن الدعاء مخ العبادة، مع أن كل ذكر وتسبيح فيها دعاء، بل كل حركة وسكون فيها ثناء يقصد به عطاء. (ونور السماوات والأرض) أي: منوِّر أهلهما من ظلمة الغفلة وضيق الحالة إلى فضاء الحضرة، وقيل: "إضافة النور إليهما باعتبار أن الدعاء نور لصاحبه في السماوات، حيث يحصل له بسببه بين الأرواح والملائكة التي فيها شرف وعزة وظهور، وفي الأرض؛ لأنه يكون له بسببه فيها بين أهل الأرض اعتبار وفضل.

стр. 145

(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة، وقال: "صحيح الإسناد"، ورواه الطبراني في "الدعاء" له أيضًا، وفي "الجامع": "رواه أبو يعلى والحاكم عن علي"، انتهى (١). وروي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم، وَيدِرُّ لكم أرزاقكم، تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن"، رواه أبو يعلى، وإسناده ضعيف (٢). (مَرَّ ﷺ بقوم مبتلَين) بفتح اللام والنون، اسم مفعول من الابتلاء، وهو يحتمل أن يكون ابتلاؤهم بنوع أو أنواع من
следующие страницы →