← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(من لم يسأل الله) أي: بلسان القال أو الحال استغناء عن الله المتعال (يغضَبْ) أي: الله، وهو بفتح الضاد مجزومًا، وفي نسخة بصيغة المفعوك، فنائب الفاعل قوله: (عليه). قال ميرك: "أي: من لم يطلبه؛ لأن السؤال بمعنى الطلب"، انتهى. والأولى أنه بمعنى الدعاء للرواية الآتية، وذلك أنَّ الله تعالى يحب أن يُسْأل من فضله؛ ولذا قال في التنزيل: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٥] الآية. فمن لم يسأل يبغض، ويعد من المستكبرين عن عبادته، والمبغوض مغضوب، ونعم ما قيل شعر: الله يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَابْنَاءُ آدَمَ [حَيْثُ تُسْأل] (١) تَغْضَبُ وقد ورد في حديث ابن مسعود: "سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل، فمن لم يسأل الله يبغضه". وفي "النهاية": "قد تكرر ذكر

стр. 142

الغضب من الله تعالى ومن الناس، فأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه، وسخطه عليه، وإعراضه عنه، ومعاقبته له، وأما من المخلوقين فمنه محمودٌ، وهو ما كان في جانب الحق، ومنه مذموم، وهو ما كان في خلافه". (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة، وفي "فتح الباري": "أخرجه: أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجه، والحاكم؛ كلهم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة"، انتهى. وقيل: "في سنده أبو المليح الهذلي، وهو مجهول على ما في "الميزان""، فيكون الحديث ضعيفًا، لكن يعمل به في الفضائل، ويحمل الغضب على المبالغة في العتب. (من لم يدع الله غضب عليه) بكسر الضاد، وفي نسخة بصيغة المجهول. (مص) أى: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث أبي هريرة. (لا تعجزوا في الدعاء) بكسر الجيم ويفتح، من العجز، وهو الضعف، والفعل كضَرَبَ وَسَمِعَ على ما في "القاموس". وأما ما ذكره المؤلف من قوله: "لا تعجزوا: بكسر الجيم في المستقبل، وفتحها في الماضي" (١)، فمبني على الرواية، وهي لا تنافي جواز فتحها من حيث اللغة والقواعد العربية، أو على كونه أفصح؛

стр. 143

لوروده في قوله: (أَعَجَزْتُ)، وأما تفسير المؤلف العجز بترك ما يجب، ففيه نظر ظاهر. نَعَم، العجز بهذا المعنى يناسب ما ورد: "أعوذ بك من العجز"، فالمعنى: لا تقصروا ولا تَكسَلُوا في تحصيل الدعاء، (فإنه) أي: الشأن (لن يَهْلِكَ) بكسر اللام، أي: لا يضيع (مع الدعاء أحد. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أنس، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". (من سرَّه) بتشديد الراء، أي: أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور (أن يستجيب الله له) أي: دعاءه (عند الشدائد) أي: وقت حصول الأمور الشديدة من المكروهات (والكُرَب) بضم ففتح جمع كُرْبة، وهي الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذا الكَرْب بفتح فسكون على ما في نسخة. والحاصل: أن من أرد استجابة الدعاء عند الفقر ونزول البلاء (فليكثر الدعاء) أمر من الإكثار، أي: فليلازم الدعاء في الصباح والمساء (في الرخاء) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدودًا، أي: في حال سعة العيش، وحسن البال، وكثرة المال؛ لأن من شيمة المؤمن الصابر الشاكر الحازم أن يريّش السهم قبل الرمي، ويلتجئ إلى الله قبل مس الاضطرار، بخلاف الكفار والفجار، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].

стр. 144

(ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة، وكذا الحاكم عنه على ما في "الجامع"، وفي "سلاح المؤمن": "عن سلمان مرفوعًا: "من سرَّه أن يستجاب له عند الكرب والشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء"، رواه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد"، وروى البيهقي والخطيب عن جابر مرفوعًا: "لقد بارك الله لرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها". (الدعاء سلاح المؤمن) بكسر السين، أي: يدفع به البلاء عن نفسه وغيره (وعماد الدين) بكسر العين، أي: مداره؛ فإنه إظهار العبودية عند ظهور الربوبية، ولا ينافيه حديث: "الصلاة عماد الدين"؛ لجواز تعدد العمد، أو لأن الدعاء عماد الصلاة أيضًا؛ إذ المقصود منها هو دعاء العبد للرب الموجب للقرب والحب؛ ولذا فرض أو وجب قراءة الفاتحة المشتملة على دعاء ﴿اهْدِنَا﴾ في كل ركعة، وقد سبق أن الدعاء مخ العبادة، مع أن كل ذكر وتسبيح فيها دعاء، بل كل حركة وسكون فيها ثناء يقصد به عطاء. (ونور السماوات والأرض) أي: منوِّر أهلهما من ظلمة الغفلة وضيق الحالة إلى فضاء الحضرة، وقيل: "إضافة النور إليهما باعتبار أن الدعاء نور لصاحبه في السماوات، حيث يحصل له بسببه بين الأرواح والملائكة التي فيها شرف وعزة وظهور، وفي الأرض؛ لأنه يكون له بسببه فيها بين أهل الأرض اعتبار وفضل.

стр. 145

(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة، وقال: "صحيح الإسناد"، ورواه الطبراني في "الدعاء" له أيضًا، وفي "الجامع": "رواه أبو يعلى والحاكم عن علي"، انتهى (١). وروي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم، وَيدِرُّ لكم أرزاقكم، تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن"، رواه أبو يعلى، وإسناده ضعيف (٢). (مَرَّ ﷺ بقوم مبتلَين) بفتح اللام والنون، اسم مفعول من الابتلاء، وهو يحتمل أن يكون ابتلاؤهم بنوع أو أنواع من

стр. 146

البلاء (فقال: أمَا كان هؤلاء) باستفهام توبيخ، و"ما" نافية، أي: ألم يكونوا قبل الابتلاء حال الرخاء والنعماء (يسألون الله العافيه) أي: دوامها، ففيه إيماء إلى أن من التزم الدعاء عند الرخاء حفظ من البلاء، ومن ترك الدعاء وغفل عن التضرع إلى رب السماء، يكون البلاء له الجزاء. (ر) أي: رواه البزار عن أنس (١). (ما من مسلم) "مِن" زائدة لتأكيد النفي (ينصب وجهه) بكسر الصاد، أي: يرفعه ويجعل توجهه (لله تعالى) أي: خالصًا له (في مسألة) أي: مسئولة ودعوة مطلوبة (إلا أعطاهما) أي: الله (إياه) أي: ذلك المسلم، وفي حكمه المسلمة. (إما أن يعجلها) بتشديد الجيم، أي: الله تلك المسألةَ، بعينها، أو بعوض أحسن، أو بدفع بلاء أعظم منها، فورًا أو متراخيًا في الدنيا، (له) أي: لذلك المسلم، (وإما أن يدخرهما) بتشديد الدال المبدلة عن المعجمة، أي: يجعلها ذخيرة (له) أي: لذلك المسلم في العقبى بأن يعطيه جزيل ثوابها، أو يغفر بعض ذنوبه بسببها. والحاصل: أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فلا ينبغي للسالك أن يترك عمله حيث لم يتعجل أمله، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ

стр. 147

وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فعلى العبد أن يقوم بحق العبودية، ويفوض إلى الله أمر الربوبية. وقد ألهم بعض العارفين: "سلني، فقال: سبحان الله عالم بجميع الوجوه، يسأل عن جاهل بجميع الوجوه بيان مراده، وهو لا يعلم خيره من شره"، وفي هذا المقام قيل لأبي يزيد: "ما تريد؟ قال: أريد أن لا أريد". قال بعض المحققين: "هذه أيضًا إرادة؛ لتضمنها معنى الزيادة على التسليم الذي هو الحالة المرادة" (١). (أ) أي: رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة (٢). قال المؤلف: "فيه دليل على أن سؤال المسلم ربَّه مستجاب، بَيَّنَهُ الحديث الذي رواه الحاكم في "مستدركه الصحيح" عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "يدعو الله المؤمنَ يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه، فيقول: عبدي، إني أمرتك أن تدعوني، ووعدت أن أستجيب لك،

стр. 148

فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك، أليس قد دعوتني يوم كذا وكذا لِغَمٍّ نزل بك أن أفرج عنك، ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني [في] (١) يوم كذا وكذا لغم نزل أن أفرج عنك، فلم تَرَ فَرَجًا؟ قال: نعم يا رب، فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا، فقضيتها؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: فإني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك، فلم تَرَ قضاءها؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني ادخرت لك في الجنة كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ : "فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بيّن له، إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة، قال: فيقول المؤمن في ذلك المقام: ليته لم يكن عجل [له] (٢) بشيء من دعائه" (٣).

стр. 149

وروى أيضًا الحاكم في "المستدرك" من رواية عبادة بن الصامت (١)، أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إيّاها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذن نكثر، من الإكثار، قال: الله أكثر""، [أي: الله أكثر إجابة من دعائكم] (٢). "ورواه الترمذي بهذا اللفظ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه" (٣). وروى الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة (٤): "فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا"" (٥).

стр. 150

(الذِّكْرُ) قال ميرك شاه: "وقع هنا في أصل السماع بخط [المخدومي] (١): الحضرة [الأصلية] (٢): "كذا معلمًا بعلامة خ صح"، وفي بعض النسخ: "فصل الذكر"، أي: بالصاد المهملة، وفي بعضها: "فضل الذكر"، وفي أكثر النسخ لم يذكر، يعني: الذكر مطلقًا، والمطابق لمقابلة هذه النسخ أن يكون فيما تقدم الدعاء وحده [في] (٣) نسخة أيضًا، لكن لم يوجد، والله أعلم". (يقول الله) هذا حديث قدسي، والفرق بينه وبين القرآن أن الثاني منزل بلفظه مع جبريل، والأول قد يكون بإلهام وهو مفوض إليه ﷺ في التعبير عنه، وهنا أتى بلفظ المقول، حيث قال: (أنا عند ظن عبدي بي) أي: عند يقينه بي، وعلمه بأن مصيره إليَّ، وحسابه علي، وأن ما قضيت له من خير أو شر، فلا مردَّ له لدي. وقال المؤلف: "أي: في الرجاء، وأمل العفو" (٤). قلت: ويؤيده ما أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي هريرة،

стр. 151

قال: قال رسول الله ﷺ : "أمر الله تعالى بعبد إلى النار، فلما وقف على شفيرها التفت، فقال: أما والله يا رب إن كان ظني بك لحسن، فقال الله تعالى: ردوه، أنا عند ظن عبدي بي" (١)، ذكره السيوطي في "بدور السافرة في أحوال الآخرة". (وأنا معه إذا ذكرني) "أي: بالرحمة والتوفيق والإعانة والنصرة" (٢)، ذكره المؤلف (فإن ذكرني في نفسه) أي: في سره، وهو يحتمل أن يكون ذكرًا قلبيًّا أو لسانيًّا إخفائيًّا (ذكرته في نفسي) أي: في ذاتي من غير إطلاع حاله على غيري من مخلوقاتي، وقيل: "المعنى: أُخْفِي ثوابه على منوال عمله، وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى أحد من خلقي، ويؤيده قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦]، أي: جزاءً وفاقًا، حيثما كانوا يُخفون أعمالهم، فأخفى الله ما [خبِّئ] (٣) لهم، وقد قرأ، حمزة بسكون الياء في

стр. 152

﴿أُخْفِيَ﴾، وهو [أدل على المقصود] (١). ويؤيده الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، وفيه دليل على أن الذكر القلبي أفضل، [ثم] (٢) اللساني الإخفائي؛ لما ورد من: "أن الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحَفَظَةُ سبعون ضعفًا"، وورد: "خير الذكر الخفيُّ" (٣).

стр. 153

ثم فيه جواز إطلاق النفس على الله باعتبار ذاته، خلافًا لمن منع وحمله على المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، لكن يرد عليه قوله: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". ولعل وجه المنع أنه مأخوذ من النَّفَسِ، وهو تعالى منزه عن [التنفس] (١)، والأظهر أنه مأخوذ من النَّفِيس، فيجوز إطلاقه عليه بهذا المعنى، والله أعلم (٢). قال المؤلف: "قالوا: النفس تطلق على الذات، وهو المراد في

стр. 154

الحديث والقرآن في حق الله تعالى" (١). (وإن ذكرني في ملإ) بفتحتين، أي: في جماعة، وفي "النهاية": "الملأ: أشراف الناس ورؤَساؤُهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم". وهو يحتمل أن يكون ذكره خفية أيضًا، كما يشير إليه حديث: "ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارِّين"، ويحتمل أن يكون المعنى: مع ملإ، وهو لا يفيد الجهر الخارج عن الحد، فإنه ﷺ قال لبعض الصحابة حين رفعوا أصواتهم بالذكر على وجه المبالغة: "أربعوا أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا". (ذكرته في ملإ خير منه) أي: من ملئه، ولعله على حذف المضاف، أو على إرادة لفظ الملإ؛ فإنه مفرد اللفظ جمع المعنى ليس له مفرد من لفظه، لكن قال ميرك: "كذا وقع في أصل السماع وجميع النسخ الحاضرة "منه" بضمير الواحد، والذي في الأصول من البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه "منهم" بضمير الجمع"، انتهى. ولعله لم يذكر ميرك النسائي نسيانًا، أو وجد فيه بلفظ المفرد، لكن كان عليه [أن يقدم] (٢) النسائي على البخاري. قال المؤلف: "فيه دليل على جواز [ذكر الجهر] (٣)، خلافًا لمن منعه،

стр. 155

واستدل به المعتزلة على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ولا دليل فيه؛ لأن الأنبياء لا يكونون غالبًا في الذاكرين، وقيل: "لأن تفضيلهم بالنسبة إلى من هو معهم "" (١)، انتهى. وقيل: "المراد بالملإ الملائكة المقربون وأرواح الأنبياء والمرسلين، فلا دلالة على كون الملك أفضل من البشر". (الحديث) بالنصب، ويجوز رفعه وجره كما سبق في الآية، وفيه إيماء إلى أن الحديث له تتمة، وهو قوله: "وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (٢). والباع والبوع بالضم والفتح بمعنى طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره. والهرولة: ضرب من المشي بينه وبين العَدْو. (خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة (٣)، وسقط رمز الترمذي من "نسخة الجلال".

стр. 156

(ألا أخبركم) يحتمل أن تكون "ألا" للتنبيه، و"أخبركم" استئناف بيان، والأظهر أنه مركب من "لا" النافية واستفهام التقرير، كما يدل عليه قولهم الآتي: "بلى" (بخير أعمالكم) أي: بأفضلها (وأزكاها) أي: أطهرها وأنماها (عند مليككم) مبالغة مالك، ومنه قوله تعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وهو ظرف لهما أو للأخير، والمعنى: عند ربكم وفي حكمه؛ لأن العبرة بما عنده سبحانه، (وأرفعها) أي: أكثرها رفعة بمقتضى السببية (في درجاتكم) أي (١): في الجنة العالية، (وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق) بكسر الراء ويسكن، أي: الفضة، أي: من صرفهما في سبيله مع ابتغاء مرضاته، وهو تخصيص بعد تعميم الأعمال، أو يخص الأعمال بما عدا إنفاقَ المال والقتال؛ لقوله: (وخير لكم من أن تلقَوا عدوكم) أي: بأن تستقبلوا الكفار بالجهاد (فتضربوا أعناقهم) أي: فتقتلوا بعضهم (ويضربوا) أي: بقيتهم (أعناقكم) أي: كلكم أو بعضكم. (قالوا) أي: بعض الصحابة (بلى) أي: أخبرنا، وزاد في نسخة: "يا رسول الله" (قال: ذكر الله) أي: هو ذكركم له سبحانه؛ لما يترتب عليه من ذكره إياكم، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].

стр. 157

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب "القواعد": "هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر التعب في جميع العبادات، بل قد يأجر الله تعالى على قليل من الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها، فإن الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف". قال الحنفي: "ولا يناسبه ما وقع من حديث ابن عباس: "سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أحمزها" (١) -أي: أشدها وأقواها- وهذا الحديث مذكور في الكتب الكلامية في بحث تفضيل الأنبياء على الملائكة". قلت: هو منسوب في "النهاية" إلى ابن عباس موقوفًا، وضبطه بالمهملة والزاي، وذكره الجلال السيوطي في "الدرر المنتثرة" بلفظ: "أفضل العبادات أشدها"، وقال: "لا يعرف"، وكذا ذكره الزركشي أنه لا يعرف، أي: عن النبي ﷺ ، أو عن ابن عباس موقوفًا بسند معروف، وعلى تقدير صحته يحمل على ما لم يكن فيه نصٌّ من الشارع. ثم اعلم أن خيرية الذكر وأرفعيته لأجل أن سائر العبادات المالية والبدنية الشاقة؛ من إنفاق الذهب والفضة، وملاقاة العدو والمقاتلة،

стр. 158

إنما هي وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلى الله تعالى، والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب الأعلى، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، و"أنا جليس من ذكرني". فالذكر لب العبادات والطاعات، وأفضل أنواعها القرآن؛ لما ورد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الرب ﵎: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام، كفضل الله تعالى على خلقه (١) ". ففيه إيماء إلى أن ذكره بكلامه القديم أفضل من ذكره بكلام [الحادث] (٢)، وأيضًا القرآن مشتمل على الذكر مع زيادة ما يقتضيه من الفكر والتأمل في لطف مبانيه، وحسن معانيه، والعمل بما فيه، فلا شك أنه يكون حينئذٍ أفضل من مجرد الذكر، ولو ورد: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" (٣)، مع أنه من جملة القرآن؛ ولذا جاء في كثير من الأحاديث ما يدل

стр. 159

على أن تعلم العلم وتعليمه أفضل من الذكر المجرد، بل من سائر الطاعات والعبادات: منها: حديث ابن عبالس: "تدارس العلم ساعة من الليل [خير] (١) من إحيائها" (٢)، وحديث عائشة: "فضل في علم خير من فضل في عبادة" (٣)،

стр. 160

وحديث عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في مسجده، فقال: كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلمًا ثم جلس فيهم" (١). ومنها: ما رواه الحسن البصري مرسلًا، قال: "سئل رسول الله ﷺ عن رجلين كانا في بني إسرائيل، أحدهما كان عالمًا يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول الله ﷺ : فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على الذي يصوم النهار ويقوم الليل؛ كفضلي على أدناكم" (٢)،

стр. 161

وفيه غاية من المبالغة؛ لأنه لو قال: على أعلاكم، لكان كفى به فضلًا، والخطاب إلى الصحابة، ولو جُعِلَ للأمة فهو أبلغ في مزية الرتبة. (ت، ق، مس، أ) أي أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد عن أبي الدرداء (١). (مما صدقة أفضل من ذكر الله) "ما" نافية، بمعنى "ليس"، و"أفضل" منصوب على أنه خبرها، و"مِن ذِكْر الله" صلة ["أفضل"] (٢)، ثم الصدقة: العطية التي يراد بها المثوبة من عند الله، سميت بها لأنه يظهر بها صدق رغبة صاحب الصدقة في تلك المثوبة، ولعله ﷺ جعل الذكر صدقة غير متعارفة، ثم رجحه على الصدقة المتعارفة، فكأن الذاكر بذكره يحسن إلى نفسه، ويريد المثوبة من ربه. وقيل: "المراد بالصدقة هنا مطلق الأعمال الصالحة، ففي الجملة فيه

стр. 162

تسلية للذاكرين من الفقراء الصابرين". (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس (١). (إن لله ملائكة) أي: جماعة من المقربين، قال المؤلف: "هؤلاء الملائكة غير الحَفَظة المراقبين مع الخلائق، بل هم سيّارة لا وظيفة لهم، ومقصودهم حِلَقُ الذِّكْر" (٢). (يطوفون) أي: يدورون (في الطرق) أي: طرق تحصيل الذكر، (يلتمسون أهل الذكر) أي: يطلبونهم؛ ليزوروهم ويدعوا لهم، (فإذا وجدوا) أي: بعضهم (قومًا يذكرون الله تنادوا) أي: نادى بعضهم بعضًا (هلمّوا) أي: تعالوا (إلى حاجتكم) وفي رواية الترمذي: "بغيتكم"، أي: مبتغاكم ومطلوبكم، قال العسقلاني: "هلموا -في هذا الحديث- ورد على لغة أهل نجد"، انتهى (٣). يعني: والقرآن جاء بلغة أهل الحجاز، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، فأهل نجد يصرفونها على ما في "الصحاح"، وفي "النهاية": "أهل الحجاز يطلقونه على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، بلفظٍ واحدٍ، وبنو تميم تثني، وتجمع، وتؤنث، وتذكر" (٤).

стр. 163

وأصل "هلمّ" هَا لُمَّ، أي: من لمّ الله شعثك، أي: جمع تفرقك، كأنه أراد: لُمَّ نفسك إلينا، أي: اقرب لدينا، و"ها" للتنبيه، وإنما حذف ألفها للتخفيف وكثرة الاستعمال، فجعلا اسمًا واحدًا. (قال) أي: النبي ﷺ (فيحفونهم) بضم الحاء [المهملة] (١) وتشديد الفاء، أي: يحيطونهم (بأجنحتهم) فالباء للاستعانة، أو للتعدية، فالمعنى: يديرون أجنحتهم حول الذاكرين. وقال المؤلف: "أي: يطوفون بهم، ويستديرون حولهم" (٢). (إلى السماء الدنيا) أي: إلى نهاية غايتها، فيكونون متشبهين بالملائكة الحافّين من حول العرش؛ يسبحون بحمد ربهم. (الحديث) [بالتثليث] (٣)، وتمامه على ما رواه البخاري: "فيسألهم ربهم -وهو أعلم منهم-: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول : هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: فيقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول:

стр. 164

فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها] (١) كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طَلَبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: يقول: فمم يتعوذون؟ [قالوا] (٢): يتعوذون من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال يقولون: لا، والله [يا رب] (٣) ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها] (٤) كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدَّ لها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: فيقول مَلَك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة! قال: [يقول] (٥): هم القوم لا يشقى بهم جليسهم". (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة (٦)، ولفظه للبخاري. ولفظ مسلم: "إن لله ملائكة سيارة فُضْلًا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكرٌ، قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا". ولفظ الترمذي: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض فُضْلًا عن الناس".

стр. 165

(مثل الذي يذكر ربه) أي: دائمًا أو أحيانًا (والذي لا يذكر ربه) أي: مطلقًا أو أحيانًا، في حال ذكرهما وغفلتهما (مثل الحي والميت). والحاصل: أن الذكر حياة [قلب] (١) السالك، والغفلة [موته] (٢)، ويمكن أن يراد بهما المؤمن والكافر، وكان [النبي] (٣) ﷺ إذا رأى عكرمة بن أبي جهل قرأ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] (٤)، فيفيد الحديث أن الذكر شكر وإيمان، والغفلة كفر وكفران. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم عن أبي موسى الأشعري، ولفظه للبخاري (٥). ولمسلم: " [مثل] (٦) البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت"، أي: مثل قلبهما، أو مثل مكانهما؛ ولذا ورد: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" (٧)، أي: خالية عن الذكر. وقيل: "الحي ظاهره مزين بنور الحياة، والتصرف التام فيما يريد،

стр. 166

وباطنه منور بنور العلم والإدراك. وكذا الذاكر [مزين ظاهره] (١) بنور الطاعة، وباطنه بنور المعرفة [والعلم] (٢)، وغير الذاكر ظاهره عاطل، وباطنه باطل، كالميت". وقيل: "موقع التشيبه النفع لمن يواليه، والضر لمن يعاديه، وليس ذلك في الميت". وروى البيهقي في "شعب الإيمان" مرفوعًا: "مثل المؤمن كالبيت الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مونقًا -أي: معجبًا- ومثل الفاجر كمثل القبر المشرف المجصص، يعجب من [رآه] (٣) وجوفه ممتلئ نَتْنًا" (٤). (لا يقعد قوم يذكرون الله) وفي نسخة: "تعالى" (إلا حفّتهم) بتشديد الفاء، أي: طافت بهم (الملائكة) اللام للعهد، والمراد بهم الملتمسون، (وغشيتهم) بكسر الشين، أي: غطتهم (الرحمة، ونزلت عليهم السكينة) أي: السكون، والوقار، والطمأنينة. وقال المؤلف: "أي: الرحمة، وقيل: "الوقار والسكون والخشية"، وقيل غير ذلك" (٥). ثم يجوز أن يُقْرَأَ: "عليهم السكينة" بكسر الهاء والميم، وبضمهما،

стр. 167

وبكسر فضم، وهو الأشهر. (وذكرهم الله) أي: للمباهاة (فيمن عنده) أي: [من] (١) الملائكة المقربين الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. [وجه] (٢) المفاخرة بهم أنهم مع موانعهم من النفس والشيطان وسائر العلائق والعوائق= لا يغفلون عن ذكره، ويقومون بوظيفة شكره. (م، ت، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا (٣). (يا رسول الله) وفي رواية الترمذي: "أن رجلًا قال: يا رسول الله" (إن شرائع الإسلام) بهمز قبل العين، أي: شعائره وعلاماته من النوافل الدالة على صدق إسلام المسلم (قد كثرت عليّ) بفتح المثلثة، أي: غلبت عليّ لكثرتها، وفي نسخة بضمها، أي: تعددت وبلغت حَدَّ الكثرة التي عجزت عن عهدة جميعها، وتحيرت في اختيار بعض أفرادها، حيث لم أعرف [منها] (٤) ما أفضلها. (فأنبئني) و [معناه] (٥) لفظ الترمذي: "فأخبرني" (بشيء) أي: معتبر

стр. 168

من الشرائع، وقيل: "معناه: بعمل قليل له ثواب جزيل"، وفيه: أنه لا يطابق الجواب الجميل (أتشبّث) بتشديد الباء الموحدة ورفع المثلثة، أي: أتعلق [وأتمسك] (١) (به) فهو صفة لـ"شيء"، وفي نسخة بالجزم على أنه جواب الأمر (قال: لا يزال لسانك) أي: [القلبي] (٢) الملائم لقوله: "لا يزال"، أو [اللساني] (٣) مبالغة، أو بحسب الوسع والطاقة، أو الجمع بينهما؛ فهو نور على نور، وسرور على سرور (رطبًا) أي: لينًا ملازمًا قريبًا للعهد (من ذكر الله)، وهذا المعنى هو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١]. (ت، ق، حب، مس، مص) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن بُسْر، بضم موحدة وسكون مهملة (٤). (آخر كلام فارقت عليه رسول الله ﷺ ) أي: حين أرسلني إلى اليمن

стр. 169

(أن قلت) "أن" مصدرية، أي: قولي هذا: (أيّ الأعمال) أي: أي نوع من أنواعها (أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى) الواو للحال، والمعنى: هو موتك بعد دوام حياتك حال ملازمتك [ذكر] (١) الله تعالى. قال المؤلف: "قوله: رطب، أي: لين ملازم، يريد: قرب العهد"، انتهى. وفيه إيماء إلى أن زبدة الأعمال هو ذكر الله تعالى، وأن مداره على حسن الخاتمة، كما يدل عليه ما ورد: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة"، = وإشعارٌ بأن ملازمة الذكر في حال الحياة سبب لحصوله وقت الممات؛ لما روي: "كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون". (حب، ر، ط) أي رواه: ابن حبان، والبزار، والطبراني في "الكبير" عن معاذ بن جبل (٢). (قلت) أي: وقت توجهي إلى اليمن، والظاهر أن هذا قاله أولًا ليقع ما سبق آخرًا: (يا رسول الله، أوصني، قال: عليك بتقوى الله) "عليك" اسم

стр. 170

فعل بمعنى خذ، أي: الزمها ودم عليها (ما استطعت) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأما قوله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فقيل: "منسوخ، والمحققون على أن حق [تقاته] (١) تقواه هو ما يجب منها من استفراغ الوسع في القيام بالواجب، والاجتناب عن المحارم، فيرجع إلى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ". وأما ما روي عن ابن مسعود في تفسيره: "هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"، فقد رواه الحاكم مرفوعًا، وكذا ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وصححه المحدثون (٢)، فيكون محمولًا على

стр. 171

حال الكمال، وقال بعض العارفين: "هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها". (واذكر الله عند كل حَجَر وشَجَر) إيماء إلى ما قيل في مقام المشاهدة: وفي كلِّ شيءٍ له شاهدٌ دليلٌ على أنَّهُ واحدُ. (وما عملتَ من سوء) أي: معصية أو غفلة، فـ"ما" موصولة متضمنة للشرط، و"من" بيانية، أو شرطية، و"من" زائدة أو تبعيضية (فأحدث) أي: جدِّد (لله) أي: خالصًا (فيه) أي: في حق ذلك السوء أو لأجله (توبة) أي: رجوعًا بالندامة. (السر بالسر) أي: الرجوع المخفي في السوء المخفي، فـ"السر" منصوب على أنه بَدَلُ كُلِّ مِنَ "التوبة" وتفصيل لها، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: السوء المخفي يقابل [بالرجوع] (١) المخفي. وكذا قوله: (والعلانية بالعلانية) بتخفيف الياء خلاف السر، ويستفاد

стр. 172

منه أنه ينبغي أن تقع التوبة على منوال المعصية؛ إن سرًّا فسرًّا، وإن جهرًا فجهرًا، والظاهر أنه أمر استحباب، والسر فيه ظاهر. (ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن معاذ (١). (ما عَمِلَ آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) "ما" نافية، و"عملًا" مفعول مطلق، أو مفعول به، على أن "عَمِلَ" بمعنى كسب، أي: فعل عملًا من أعمال البر. و"أنجى" أفعل تفضيل من الإنجاء، لا من النجاة؛ لأن النجاة بمعنى الخلاص، والمعنى هنا على التخليص، وهو معنى الإنجاء، وبناء أفعل التفضيل -على هذا الوزن- من باب الإفعال قياسي عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع، كقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأنت أكرم لي من فلان، وهو عند غيره سماعي مع كثرته. ونقل عن المبرّد والأخفش جواز بناء أفعل التفضيل من جميع المزيد فيه، كـ"أفعل" و"استفعل" وغيرهما، [كذا] (٢) أفاده الشيخ الرضيّ.

стр. 173

ثم "من" الأولى للتعدية، والثانية تفضيلية، و"آدمي" منسوب إلى آدم، والمعنى: ما عَمِلَ ولا يعمل فرد من أفراد بني آدم من الأنبياء، والأصفياء، وغيرهم من الأولياء والصلحاء= عملًا يكون أكثر إنجاءً من عذاب الله له يوم القيامة من ذكر الله. قال الحنفي: "ولا شك أن آدم ﵇ أبا البشر داخل في هذا الحكم". قلت: فالمراد بالآدمي النوع الإنساني، أو يحمل على التغليب، أو على دخوله بالأولى. (ط، أ، مص) أي: رواه الطبراني في "الكبير"، وأحمد، وابن أبي شيبة، [عن معاذ] (١)، فأما أحمد فقد انتهى حديثه، وأما حديثهما فله تتمة (٢)،

стр. 174

وهي (قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله) بنصب الجهاد في الأصول المصححة عطفًا على "عملًا"، أي: ولا عَمِلَ الآدمي الجهادَ حال كونه أنجى له … إلى آخره، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: وليس الجهاد في [سبيله] (١) أنجى له. (قال: ولا الجهاد في سبيل الله) بالوجهين (إلا أن يضرب) أي: إلا أن يجاهد الكفار (بسيفه) أي: ونحوه من سلاحه (حتى ينقطع) من باب الانفعال، وفي نسخة صحيحة: "حتى يقتطع" من باب الافتعال، أي: [ينكسر] (٢) السيف، وهو أقرب، وبالرواية الآتية أنسب، أو ينقطع الجهاد أو الكافر أو الضارب، وهو كناية عن الشهادة، وهو أظهر في مقام المبالغة في حصول السعادة. وقال الحنفي: "حتى ينقطع المجاهد أو الكافر، أو الضرب أو السيف". كذا قاله في "أصل الأصيل"، وسائر الأصول المعتمدة خلافًا "لنسخة الجلال"، أي: قال ﷺ هذا القول، وهو "ولا الجهاد … " إلى آخره، أو "إلا أن يضرب"، أو "حتى ينقطع" (ثلاث مرات)، وأما على "نسخة الجلال" "فثلاث مرات" ظرف لـ"قال: ولا الجهاد … " إلى آخره، والمراد بالإعادة زيادة المبالغة. قال المؤلف ﵀: "قوله "ولا الجهاد"، يعني -والله أعلم-:

стр. 175

الجهاد المجرد عن الذكر، [يبينه] (١) قوله ﷺ (٢): "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرْنَهُ"، أي: حال القتال، والقِرْن: بكسر القاف وإسكان الراء، هو الكفء في الشجاعة، فهذا المجاهد الذاكر أفضل من الذاكر بلا جهاد ومن المجاهد الغافل، [والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل] (٣)، فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون" (٤)، انتهى. وكذا الحال في سائر الأعمال، قال الحنفي: "الاستثناء يدل على أن الجهاد الخاص -وهو أن يضرب بسيفه- أنجى من الذكر، وهذا لا يلائم ما سبق من قوله ﷺ : "ألا أخبركم بخير أعمالكم … " الحديث، وكذا لا يناسب ما ذكره المصنف آنفًا من أن المراد: الجهاد المجرد من الذكر؛ إذ لا شك في أنه لا جهاد مجردًا أصلًا أنجى من الذكر". قلت: ليس مراد المصنف أن الجهادَ المجرّد أنجى من الذكر؛ إذ صرَّح بضده حيث قال: "والذاكر بلا جهادٍ أفضل من المجاهدِ الغافلِ"، وإنما أراد أنّ قوله: "ولا الجهاد" محمول على الجهاد المجرد، والمراد بالمستثنى: الجهاد المنضمّ إلى الذكر، كما بينه بأنه الأفضل.

стр. 176

والأظهر أن يراد بقوله: "الجهاد" أعم من المجرد والمنضمّ، والمراد بالمستثنى: الأخير، بقرينة ما سبق من الحديث، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، ويرتفع الإشكال الوارد من حديثٍ يعارض الحديث المذكور بحسب الظاهر، حتى قال الحنفي: "بينه وبين ما ذكره المصنف تدافعٌ، ولا بد فيه من القول بترجيح أحدهما على الآخر، أو من القول بوهم راوٍ من رواة أحدهما، وهو أنه روى ابن أبي الدنيا، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إنّ لكل شيءٍ صقالةً، وصقالة القلوب ذكر الله، وما من شيءٍ أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"، واللفظ للبيهقي، وفي رواية: "ولا أن يضرب … " إلى آخره (١). وروى الترمذي عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ سئل: أيّ العباد أفضلُ

стр. 177

درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا، قلت: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟! قال: لو ضربَ بسيفه في الكفار وفي المشركين، حتى ينكسِر ويختَضِبَ دمًا، لكان الذاكر الله أفضلَ درجةً" (١). والحاصل: أنّ الذكر المجرّد أفضل من جميع العبادات المجرّدة عن الذكر، وأما إذا انضمّ الذكر مع عملٍ فلا شك أنه أفضلُ حينئذٍ من الذكر المجرد، ثم ينظر في نسبة الأعمال المنضمة باعتبار تفاوُتِ مراتبها، والعلم عند الله تعالى. (ط، مص، طس، صط) [أي] (٢) رواه: الطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة؛ كلاهما من حديث معاذٍ، والطبراني في "الأوسط"، وكذا في "الصغير" من حديث جابرٍ (٣)، قيل: "ورجال الطبراني في الكتابين رجال

стр. 178

الصحيح"، لكن لا يخفى أنه يتحصل من مجموع الرمز السابق واللاحق أنّ الحديث الأول بانفراده لأحمد عن معاذ، وبانضمامه إلى ما بعده للطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة عن معاذٍ أيضًا. وأن الحديث الآخر للطبراني في "الأوسط" و"الصغير" من حديث جابر، [وهو لا] (١) يُتصور أن يكون كلامًا مستقلًّا، فيحمل على أنّه مع انضمامه للسابق روايةُ جابرٍ، فكان [حقّ الشيخ] (٢) أن يذكر رمز "طس" و"صط" في الرموز السابقة أيضًا، أو يكتفي بأحمد في الأول، وبالبواقي في الآخر مرةً واحدةً، فتأمّل فإنه موضع زلل. (لو أن رجلًا في جره) بفتح الحاء، وفي نسخة بكسرها، قال المؤلف: "هو بفتح الحاء، ويجوز الكسر، وهو: طرف الثوب" (٣)، فالمعنى لو ثبت أن شخصًا في ثوبه (دراهم) أي: مثلًا، وكذا دنانير

стр. 179

وغيرها (يقسمها) بفتح الياء وكسر السين، وفي نسخة بضم الياء وفتح القاف وتشديد السين، أي: ينفقها ويفرقها على مستحقّيهما من غير [ذكره] (١) سبحانه، (وآخر) بالنصب ويرفع، أي: وأنّ رجلًا آخرَ، أو هناك رجل آخر، [أو وثبت] (٢) رجل آخر (يذكر الله) أي: من غير إنفاق دراهم تكون له أولًا، (كان الذاكر لله) أي: له خالصًا (أفضلَ) وفي نسخة صحيحة، وهي "أصل الأصيل": "كان الذاكر الله" بنصب الجلالة على المفعولية، أو على نزع الخافض. قال المؤلف: "وإنّما كان الذاكر الله أفضلَ؛ لأن ذاكر اللهِ يذكره اللهُ، وذكر الله تعالى للعبدِ أفضلُ من كل شيءٍ، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، قيل: "أي ذكر الله تعالى لعبده أعظمُ، والله أعلم" (٣). (ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي موسى، وفي "الجامع": "رواه في "الأوسط""، ويمكن الجمع إن لم يكن هناك وهم (٤).

стр. 180

(إذا مررتم برياض الجنة) أي: بساتينِها الموضوعةِ في الدنيا، الْمُورِثَة للجنانِ العاليةِ في العقبى (فارتعوا) أي: فافعلوا فيها ما يكون سببًا لحصولها من: التسبيح، والتحميد، والتهليل، ونحوها؛ لما جاء أن الجنة قيعان، وغراسها أذكاره تعالى، فالرتع كناية عن أخذ الحظّ الأوفر. (قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟) أي: سببُها أو مكانُ حصولها (قال: حِلَقُ الذّكر) "بكسر حاء وفتح لام، جمع حَلقة بفتح، كقَصعة وقِصَع، وهو: جماعة من الناس يستديرون كحَلْقة الباب، كذا في "النهاية"، وقال الجوهري: "جمع الحَلقة على الحَلَق بفتح الحاء على غير قياسٍ، وحكي عن أبي عمرٍ وأنّ الواحدَ حَلَقَةٌ بالتحريك، والجمع حَلَق بالفتح"" (١)، ذكره المؤلف. وفي الحواشي عن "الكشاف": "الحلق بفتح الحاء في الدرع، وبكسرها في النالس". قال صاحب "الكشف": "ذكر الجوهري وابن الحاجب أن كلًّا في كل، وهما لغتان". أقول: يمكن أن يكون كل في معنًى أشهر أو أكثر دون الآخرِ، فتدبر،
следующие страницы →