بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[وبه ثقتي] (١)
الحمد لله الذي جعل ذِكْره حصنًا حصينًا من كلّ بابٍ، ودعاءه حِرزًا أمينًا للثواب، والصلاة والسلام على من ذِكْره مسَتطابٌ، ودعاؤه مستجابٌ، وأوتي الكتابَ وفصلَ الخطابِ، وعلى الآل والأصحاب، وأتباعهم إلى يوم المآب.
أما بعد، فيقول أفقرُ عبادِ اللهِ الغنيّ، وأحوجهم إلى كرمه الوفيّ، ولطفه الخفيّ عليُّ بن سلطان محمد الهروي، خادم الكتاب القديم والحديث النبوي: إن هذا شرحٌ متوسطٌ غيرُ مخلّ ولا مملّ للطّالبينَ، على كتاب "الحصن الحصيِن" لشيخ القراءِ والمحدثين، وخاتمة الحفّاظ والمجتهدين، [وعلم] (٢) العلماء المعتبرين وأفضل الفضلاء المتبحرين، مولانا وسيدِنا وشيخِ مشايخنا وسندِنا، الشيخ محمد بن محمد بن محمد الجزريِّ الشافعيّ، نوَّر الله مرقدَه، وبرّد الله مضجعَه، وأفاض علينا من مدَدِه، وأسبغَ علينا من عددِه، وسمّيته بـ"الحرز الثمين للحصن الحصين"، حيث يبين ضبطَ مبانيه، ويعيّن ربط معانيه، ويحل عقد
стр. 72
رموزِه، ويفتَح طرق كنوزه.
فأقول وبالله التوفيق، ومنه الاستعانة في التحقيقِ: قال الشيخ رحمة الله عليه من فضله العميم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أي: أستعينُ باسمه، وأتبرك برسمه، وهو المعبود الواجب الوجود، صاحب الكرم والجود، والمفيض [بجلائل] (١) النعم ودقائقها، المتفضل بفضائل الشيم، وحقائقها في الدنيا والعُقْبَيّ، والآخرةُ خيرٌ وأبقيّ، ثم الاكتفاء بصيغتَيِ المبالغة المأخوذتين من الرحمة من بين الأسماء الحسنيّ، والصفات العلى، الشاملة لنعوت الجمال والجلال لذات الكمال، إشعارٌ بأن رحمته سبقت غضبه في جميعِ الأحوال.
[ومبحث] (٢) البسملة مع الحمدلة وما يتعلق بهما ذكرناه في خطبة "شرح المشكاة" (٣) مستوفًى، ثم إنّ الشيخ ﵀ اختار طريق المغاربة، وهو إتيان الصلاة بين البسملة والحمدلة تبعًا للإمام الشاطبيّ، فقال: (اللهم) وهي كلمة يكثر استعمالها في الثناء، وحالة التضرع في الدعاء، وقد أمر الله سبحانه نبيّه ﵊ بقوله: ﴿قُل اللَّهُمَّ﴾ في قديم الكلامِ، [وكذا] (٤) وردت الدعواتُ مصدرةً بها في أكثر
стр. 73
الأوقاتِ، وهو بمعنى: يا ألله الجامعُ لجميعِ الأسماءِ، الشّامل لسائر الثناء، والميم معوض عن حرف النداء، ولذا لا يجتمعان إلَّا في النادر، كما ندر إليه قول الشاعر:
إنّي إذا ما حادثٌ أَلَمَّا … أقول يا [ألله] (١) يا اللهمّا (٢)
وهمز الجلالة في حالة النداء مقطوعٌ إلَّا في النّادر، وأما همز "اللهم"، فهو موصول (٣) إلَّا في الضرورة، كما وقع في "الشاطبية":
وناديت أللهم يا خيرَ سامعٍ … أعذني من التسميعِ قولًا ومفعلًا (٤)
وكذا وقع شاذًّا في قول بعض الصحابة شعر:
لَاهُمَّ إني ناشدٌ محمدًا (٥)
وقيل: أصله: يا ألله، أمنا بخير، أي: اقصدنا بدفع كلّ ضيرٍ، فحذف ما حذف إيماءً إلى إخفاءِ الدعاءِ عن الغير، وروي عن "الحسن البصري أنه قال: اللهم مجتمع الدعاء، وعن النضر بن شميل: من قال: اللهم، سأل الله بجميع الأسماء" (٦)، وعن أبي رجاء العطاردي: "أن الميم في قوله:
стр. 74
"اللهم" فيها تسعة وتسعون اسمًا، يعرفها أرباب النقول، وأصحاب العقول" (١).
ومجمل الكلام في تحصيل المرام أن معناه: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، وتحققت له الصفاتُ العلى (٢).
(صلِّ على سيِّدِ الخلق) أي: على أفضل المخلوقات، وأكمل الموجوداتِ، ولما أمر الله سبحانه عباده بالصلاة عليه، ولم يبلغ أحدٌ قدر الواجب من ذلك، أحالوها عليه، لأنه أعلمُ بما يليق به، كذا قاله المصنف تبعًا لصاحب "النهاية" (٣)؛ ففيه إشعارٌ بأنّ الخلق عاجزون عن أداءِ [صلاته] (٤)، وقاصرون عن بيان نعوته وصفاته، لعلوّ كمال ذاته، فعدَلوا عما أُمروا بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيهِ﴾ إلى العجز لديه، وردّ الصلاة إليه بقولهم: "اللهم صلّ عليه".
فـ "صَلِّ" أمرٌ فيه معنى الاستدعاء لإنزال الرحمة عليه من السماء؛ ولذا [تعدي] (٥) بـ"على" على ألسنة الفصحاء (٦)، فلا يَرِد أنَّ "على" للضرر في
стр. 75
استعمال الكلام؛ فإن محلّه إذا وقع مقابلًا للام، كقوله سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾، وشهد له، وشهد عليه، ودعا له وعليه، وحكم له وعليه، لا كلّ ما يكون تعديته بـ "على"، [وإلا] (١) يرد عليه نحو قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ وقيل: "الصلاة بمعنى الثناء بخير، وهو لا يتعدى إلا بـ"على"، فإنها لو كانت حينئذٍ لغير النفع، لوقع التدافع من غير الدفع".
هذا، وقد قال بعضهم (٢): "معناه: اللهم عظّم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذِكْره، وإظهار دينِه، وإبقاءِ شريعتِه، وفي الآخرة بتشفيعه في أُمَّته، وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضيلته ومرتبته على الأولين والآخرين من الخلق أجمعين، بالسيادة العظمى والسعادة الكبرى، من المقام المحمود، والحوض المورود، لأرباب الشهود"، وسيأتي بعض ما يتعلَّق بالمرام في محلّه الأليق ببسط الكلام.
(محمَّدٍ) بالجر على أنه بدل، أو عطف بيانٍ، ويجوز رفعه، وكذا نصبه لو ساعده رسمه، كما قرئ بالوجوه الثلاثة في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٢)﴾، وهو في الأصل اسم مفعول من "حمَّد" مبالغة "حَمِدَ" نقل من الوصفية إلى المرتبة العلمية، أي: مَن كثرت صفاته الحميدة، وكمالاته السعيدة، وقد حمده رب العالمين وخالق الأولين
стр. 76
والآخرين، لاسيما في المقام المحمود، وحال نشر اللواء الممدود.
(وعلى آله) أي: أهل بيته، وأقاربه وعترته ردًّا على الخارجية، ولفظ "على" موجود على الصحيح، وفي بعض النسخ مفقودٌ، وأمّا ما ذكره بعض الشيعة من أن "من فصل بيني وبين آلى بـ"على" فعليه كذا"، فهو حديثٌ موضوعٌ مصنوعٌ [مرقوعٌ] (١).
(وصحبه) أي: وعلى أصحابه الكرام، وأرباب مكارم الفخام، حطًّا على [الرافضة] (٢)، ثم تحقيقُ الآلِ والصَّحْب لغةً واصطلاحًا، وإن كان يوجب إيضاحًا، لكن قد يفضي إلى ملالٍ لا يقبل [اصطلاحًا] (٣).
(وسلِّم) بكسر اللام عطفًا على "صلّ" كما هو واضح، وجمع بينهما لما (٤) في التنزيل إليه لائح، والمعنى: أَدِمْ سلامته بكماله عن النقصان، وزِدْ في انقياد الخلق له بالإيمان، فالتسليم كالتتميم.
стр. 77
ثم اعلم أنّ في بعض النسخ المصححة وقع هنا (١) قوله: "لا إله إلَّا الله عدة للقائه، ويدل كلام بعض المحشين عك وجوده وبقائه، ففي كلمة التوحيد، وقضية التفريد إيماءٌ إلى ما روي من الحديث القدسي، [المستفيضِ] (٢) من الكلام النفسي (٣)، بالطريق المسلسل عن الإمام علي الرضيّ، إلى آبائه الكرام، إلى جده، إلى جبريل ﵇: "لا إله إلَّا الله حصني، فمن دخل حصني أَمِن من عذابي" (٤)، وقد شرحه الشيخ أحمد الغزالي،
стр. 78
أخو حجة الإسلام (١)، في غايةٍ من النظامِ على طريق السادة الكرام.
ثم من جملة الكلام في هذا المقام مبنًى ومعنًى هو أن الاسم الكريمَ مرفوعٌ على البدليّة من موضع "لا إله" المرفوعِ المحلّ بالابتدائية، ولا يجوز نصبُه حملًا على إبداله من اسم "لا" المنصوب؛ لأن "لا" لا تعمل إلَّا في نكرة منفيّةٍ، كذا في "شرح دعاء الشيخ أبي حربة" (٢) أحد المشايخ اليمنية (٣).
стр. 79
وقد حقق ابن كمال باشا (١) في حاشيته على التلويح، ما يفيد [للمبحث] (٢) بعض التوضيح، حيث قال في مقام التنقيح: "اعلم أن الاستثناء في كلمة التوحيد لا يجوز أن يكون مفرغًا بأن يكون الخبرُ المحذوفُ عامًّا كموجودٍ أو في الوجود، ويكون "إلَّا الله" واقعًا موقعَه، كما وقع "إلَّا زيد" موقع الفاعل في نحو: "ما جاءني إلَّا زيد"؛ لأن المعنى على نفي الوجود عن إلهٍ سوى اللهِ تعالي، وهو إنما يحصل إذا جعل الاستثناء بدلًا من اسم "لا" على المحل؛ إذ حينئذٍ يقع الاستثناء موقعَ اسم "لا"، فيكون خبرُ "لا" خبرًا له، فينتفي الوجود عن إله سوى اللهِ سبحانه كما هو المطلوب، لا على نفي مغايرة الله سبحانه عن كل إلهٍ، وهو الذي يفيده الاستثناء المفرّغ؛ لأنه لما قام مقام الخبر كان القصد إلى نفيه كالخبر، فيفيد نفيَ مغايرته تعالى عن كلِّ إلهٍ، ولا يحصل به التوحيد كما لا يخفى"، انتهى.
وزدنا في "شرح شرح النخبة" فوائد يتحصل منها الزبدة التي عليها العمدة.
стр. 80
ثم قوله: "عدة" ضُبِط بالنصب على أنه مفعول [له] (١) بتقدير: "أقولها"، وفي بعض النسخ بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدّم عليه، والأظهر أن يكون خبر المبتدأ، أي: "كلمة لا إله إلَّا اللهُ عدة للقائه"، والعُدّة - بالضم - على ما قاله المؤلف وغيره هو: ما أعدّه الإنسان لحوادث الدهر من السلاح والمال وغيرهما" (٢).
ثم المراد بكلمة "لا إله إلَّا الله" كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة؛ ولذا قال بعض المحققين (٣): "قول: "لا إله إلَّا اللهُ" لقب جرى على النطق بالشهادتين في الشريعةِ"، وبه يتم ما ورد في الحديث: "من قال: لا إله إلَّا الله، دخل الجَنَّة"، وقيل: "المراد بـ"لا إله إلَّا الله" مجموع كلمتي الشهادةِ، فصار الجزء الأول عَلَمًا عليه، أو [اكتفاءً] (٤) بالإشارة إليه، كما يقال: قرأت ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ أي: السورة".
(قال الفقير) اختلف صنيع المصنّفين، فبعضهم لم يذكر اسمه ولا نعته ورسمه خوفًا من السمعة والرياءِ، واكتفاءً بمن يعلمُ الجهر والخفاءَ، وبعضهم يبين ذِكْره، ويعين وصفه، لاسيما في العلوم النقلية؛ ليصلح
стр. 81
الاعتماد على أقواله الجليّة، وليكون وسيلةً إلى دعاء الأحباءِ في الأحوال الرضيّة، فسلك الشيخ ﵀ هذا المسلك الشريف، وقال: "قال الفقير".
(الضعيف) والفقير هو المحتاج، وهو شأنُ كلّ عبدٍ جليلٍ أو حقيرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]، والضعيف ضد القوي، والله هو القوي القادر، والعبد هو الضعيف العاجز، لاسيما وقد قال سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.
وفيه إشعار إلى كلام بعض الأكابر: "من عَرَف نفسَهُ فقد عَرَف ربّه"، أي: من عرف نفسه بالفقر، فقد عرف ربه بالغنيّ، ومن عرف نفسه بالعجز، فقد عرف ربّه بالقوة، ومن عرف نفسه بالفَناء، فقد عرف ربّه بالبقاء، وأمثال ذلك مما يطول عليه الكلام، ويخرجنا عن المقصود والمرام.
(المسكين) وهو عندنا (١) أسوء حالًا من الفقير، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾، خلافًا للشافعي (٢) استدلالًا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾، وأجيب بأنها كانت لهم عَمَلًا وكسبًا، لا ملكًا وتصرفًا، ويؤيد مذهبَنَا قولُه ﵇: "اللهم أحيني مسكينًا،
стр. 82
وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" (١)، مبالغةً في تعظيمهم، [وتحسين مقامهم] (٢) وتكريمهم.
وفي "الْمُغْرِب": "قالوا: أراد التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين" (٣)، انتهى.
وأما حديث: "الفقر فَخْرِي"، فباطل لا أصل له، على ما صرّح به العسقلاني (٤) وغيره من الحفاظ.
стр. 83
(المنقطع) عن الخلق، المتوجه (إلى الله تعالى) عَمَلًا بقوله سبحانه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وبقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] (١)، وبالحديث القدسي: "أنا [بدك] (٢) اللازم" (٣)، أي: فكن لبدك الملازم، وبقولهم: "الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس".
(الراجي) أي: المتوقع (من كرمه) لاستواء وجود الغير وعدمه (أن ينجيه) من الإنجاء، وفي نسخة: من التنجية، أي: يخلصه الله (من القوم الظالمين) أي: من ظلمهم وتعديهم إليه وإلى غيره من المسلمين، وفيه إيماءٌ إلى ما سيذكره المؤلف في قضيته مع بعضِ أعداءِ الدين، أو من صحبتهم ومجالستهم في هذه الدار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] والركون أدنى الميل إلى مطلوبه، والظلمُ وضع الشيء في غير موضعه، واختصَّ عرفًا بالذنب المتعدي إلى الغير.
(محمد بن محمد بن محمد بن الجزري) اشترك اسمه واسم أبيه وجده في
стр. 84
هذا العلم الممجد كالغزالي، ثم الأول مرفوعٌ على البدل مما قبله، أو على أنه عطف بيانٍ له، و "ابن الجزري" في المرتبة الثالثة مجرور بالإضافة في أكثر النسخ المصححة، وفي "أصل السيد جمال الدين" هكذا "محمدٍ" بالتنوين.
وقوله: "ابنُ الجزري" بالرفع وثبوت الألف في "ابن" على أنه صفة لـ"محمد" الأول، فتأمل.
ثم الجزريّ مجرور بلا خلاف، وهو نسبة إلى جزيرة ابن عمر ﵄ (١)، وهو على ما في "القاموس": "بلدٌ شمالَي الموصل محيطٌ به دجلةُ مثلَ الهلالِ" (٢)، انتهى.
والمعروف الآن بجزيرة الأكراد، حذف [منه] (٣) الزوائد ثم نسب إليها، كالحنفية إلى أبي حنيفة، وفي "جامع الأصول": "الجزيرةُ هي البلاد التي بين العراق ودجلة، وبها ديار بكر وديار ربيعة" (٤).
стр. 85
(لطف الله تعالى به في شدته) أي: في حال محنته، وفي نسخة: "من شدته"، أي: من أجل بليّته، والجملة خبريةٌ مبنًى دعائيةٌ معنًى، وفي "النهاية": "يقال: لطف به وله بالفتح يلطف لطفًا، إذا رفق به، وأما لطُف يلطُف بالضم فيهما، فمعناه صغر ودق" (١).
قلت: ومن الأول قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩]، ويمكن أن يكون من الثاني، بمعنى أنه خفيّ اللطف ودقيقه، بحيث إنه لا يظهر لكل أحد تحقيقه.
(أما بعد حمد الله) بالإضافة مثل قولهم: بعد السلام، والمعنى: بعد كمال الثناء لصاحب البقاء (الذي جعل الدعاء لرد القضاءِ) أي: المعلق من البلاء، أو لتهوين المحتم في لازم الابتلاء، كما سيأتي في الحديث الآتي في الأثناء.
(والصلاة) أي: وبعد إرسال الصلاة، (والسلام على محمد سيّد الأنبياء) بالجر، وجوِّز رفعه ونصبه، والأنبياء بالياء بعد الباء على النسخ المصححة، وعليه جمهور القراء، وفي نسخة: بالهمزة بعد الموحدة؛ على ما اختاره الإمام نافعٌ في هذه المادة، ثم المهموز مبنيٌّ على أنه فعيلٌ من النبأ بمعنى الفاعل أو المفعول، فإن النبيّ هو المخبر والمخبر له، وأما غير المهموز، فمختار المحققين أنه أبدل الهمزة ياء فأدغم، وقيل:
стр. 86
"مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة، فإنه رفيعُ القدرِ، فأبدل الواو ياءً لسبقها وسكونها".
والنبي أعم من الرسول، فإنه - على الصحيح -: رجلٌ أوحي إليه سواءٌ أمر بتبليغه أم لا، والرسول من أمر بالتبليغ، فلإفادة التعميم خص إضافة السيادة إلى الأنبياء (١).
ولما كان من المعلوم على قواعد أهل السنة أنّ خواصّ البشر أفضلُ من خواص [الملائكة] (٢)، علم حال غيرِ الأنبياء بالأولى.
(وعلى آله) أي: أقاربه وأهل بيته، (وصحبه) اسم جمع لـ "صاحب"، وهو في اصطلاح المحدثين: "من لقي النبي ﷺ مؤمنًا، ومات على الإسلام" (٣). وفي نسخة: "وأصحابه".
стр. 87
(الأتقياء) جمع تقيّ، والمراد به: المتقي عن المعاصي (الأصفياء) جمع صفيّ، وهو من صَفَا له الحال، وحصل له مراتب الكمال في الأقوال والأفعال، والوصفان لكل منهما، أو على طريق اللف والنشر المناسب لقوله ﷺ : "آل محمدٍ كلُّ تقي"، فالمراد به: المتقي عن الشرك، ويمكن أن يراد بآله اتباعُه، فالعطف من باب التخصيص بعد التعميم، لزيادة التشريف والتعظيم.
(فإنّ هذا الحصنَ الحصينَ) أي: القلعة (١) المحكمة على طريق الاستعارة، فالحصن بمعنى الحصار، والحصين فعيل بمعنى المفعول، أي: محصون ومضبوط، صفة احترازية، إذ ليس كلّ حصن حصينًا، فاندفع به ما توهم مولانا الحنفيّ حيث جعله من قبيل "ظل ظليل" لإفادة المبالغة.
ثم الإشارة إلى المحسوس البصري أو إلى المدرك الذهني، بناءً على تأخير الخطبة وتقديمها الرسميّ، وقال بعضهم: "أشير إلى تسمية الكتاب تيمّنًا وتحصنًا، ووجه التسمية أنه كان محتاجًا إلى حصنٍ كما قال: "فتحصنت بهذا الحصنِ"، فسماه حصنًا فنجاه الله تعالى.
(من كلام سيّد المرسلين) فيه تفننُ العبارةِ كما سبق إليه الإشارة، فقيل:
стр. 88
"هذا الحصن اسم إن، والجار والمجرور خبرُها، وكذا ما بعدهما من المتعاطفين إلى قوله: "بذلت"، فإنه جملة مستأنفةٌ، أو خبرٌ آخرُ"، وهو الأظهر.
وقال ميرك شاه (١): "والأولى أن يجعل "بذلت" خبر "إنّ"، وجملة ما قبله من المعطوف والمعطوف عليه اسمها، ولا محذور، فإن الممتنع هو العطف على محل اسم "إنّ" قبل مضيّ الخبر"، انتهى.
ولا يخفى أن هذا الإعراب بشرطهِ المذكورِ جائزٌ … عند أرباب العربيّة، بل هو مرجح عند القراءِ؛ حيث قرأ جمهورُهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية: ٣٢] برفع الساعة عطفًا على محلّ "إنّ" واسمها، بناءً على تقدُّم الخبر، وهو "حق"، أو [على] (٢) جعلها مبتدأ وخبره ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾، كما اختاره الجعبري (٣).
стр. 89
لكن إذا جعل فيما نحن فيه ما قبل "بذلت"، من المعطوف والمعطوف عليه اسمها بالعطف المحلّي يقع المحذور المذكور من العطف قبل مضي الخبر، إلَّا أن يجعل قوله: "من كلام سيد المرسلين" هو الخبر، وكذا المجرورات فيما بعدَه، وإذا جعل خبرًا، فيكون قوله: "بذلت" خبرًا بعد خبرٍ.
نَعَم، لو [جعل] (١) المجروراتِ أوصافًا لما قبلها، بأن يقال: التقدير: فإن هذا الحصن الحصين الصادرَ من كلام سيد المرسلين … إلى آخره، بذلت فيه النصيحةَ؛ لكان الكلام على الجادة الفصيحةِ.
(وسلاح المؤمنين) بكسر السين، وهو ما يدفع به المؤمن عن نفسه ودينه الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهو معطوف على "الحصن الحصين".
(من خِزانة النبي) بكسر الخاء، وهي ما يخزن فيه الأمتعة النفيسة، ومن اللطائف في باب اللغة: "لا تفتح الخِزانة والجِراب، ولا تكسر القنديل (٢) " (٣).
стр. 90
وقوله: (الأمين) أي: صاحبِ الأمانةِ من كمال الديانةِ، وهو ﷺ كان مشهورًا بمحمدٍ الأمينِ قبل البعثة والرسالة.
(والهيكل العظيم) ففي "الصحاح": "الهيكل: الفرس الضخم، والبناء المشرف" (١)، أي: العالي، وفي "المفتاح" للمصنف: "الهيكل: ذو الضخامة والشرف، ثم استعمل فيما يكتب من الأسماء الإلهية، والأدعية الربانية، ونحو ذلك" (٢)، انتهى. وفي "القاموس": "هو الضخم من كلّ شيء" (٣)، فوصفه بالعظيم للمبالغة في التعظيم.
(من قولِ الرسول الكريم) أي: المكرم، صفة للرسول أو للقول، وهو أبلغ وأنسبُ، والأول أشهرُ وأقربُ، وقرئ قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالرفع شاذًّا.
(والحِرزِ المكنونِ) أي: المصون عن الغبار، وعن تصرف الأغيار، والحِرز بكسر الحاء: الموضع الحصين، والتعويذ والتوقي، على ما في "الصحاح" (٤)، والمراد هنا التعويذ، على ما اقتصر عليه في "المهذب"، وهو ما يتعوذ به من أنواع البلاءِ؛ لقوله: (من لفظ المعصوم) أي: المحفوظ عن المعصية حفظًا بالغًا؛ ولهذا اختصّ العصمة في عرفِ
стр. 91
العلماء بالأنبياء، والحفظَ بالأولياءِ.
(المأمونِ) أي: عن وقوع المعصية، [وتقريرها] (١) على فرض تقديرها، وفي نسخة: "من لفظه"، فالمعصوم المأمون نعت "لفظه"، إشارة إلى قوله تعالمن: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
(بذلت) أي: أعطيتُ (فيه) أي: في تصنيف "الحصن" (النصيحة) أي: التي هي الواجبة على مقتضى الروايات الصحيحة: "إلا إن الدين النصيحةُ" (٢)، كررها ثلاثًا ﷺ ، وهي كلمةٌ جامعةٌ يعبر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له، ويقال لها بالفارسية: " [نيك] (٣) خواهي"، ومجمله ما ورد في حديث صحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه" (٤)، ويمكن أن يقال: المراد بها هنا النفع المتعدي، كما أن الظلم هو الضرر المتعدّي، فإن الشيخَ - نفعنا الله بعلومه - أراد نفع المسلمين بتأليفه.
(وأخرجته) أي: رويت ما في "الحصن" ونقلته (من الأحاديث
стр. 92
الصحيحة) أي: غالبًا، أو ادّعاءً أن المراد بها الثابتة احترازًا عن الموضوعة، فإنّ العمل بالحديث الضعيف جائزٌ … في فضائل الأعمال اتفاقًا (١).
(أبرزته) استئنافُ بيانٍ، أي: أظهرته (عُدَّةً) مفعول له أو حالٌ، وهي بالضم: ما أعده الإنسان للحاجة، أي: قوةً (عند كل شدة) أي: بلية، (وجرّدته) بتشديد الراء، أي: أفردته من الأسانيد، أو أخلصته من جملة الأحاديث مما ليس بدعاءٍ، أو مما ليس بصحيح [و] (٢) ثابت، كذا قيل، ففيه تأكيدٌ [لقوله] (٣): "أخرجته"، (جُنّةً) بضم الجيم، أي: حال كونه كالْجُنة، وقايةً عن الآفة والمحنة، قال المؤلف: "الجُنة بالضم: السترة، واستعمل فيما استتر به من سلاحٍ، ومنه: المِجَن بالكسر، وهو: الترس" (٤).
(تَقِي) صفة لـ "جُنّة"، أي: تحفظني ومن يتستر بها (من شرّ النّاس) أي: شرارهم، (والجِنة) بكسر الجيم بمعنى الجنّ الشامل للشياطين؛ لتَسَتُّرهم عن أعينِ النّاس، إذ مادة الجيم والنونين هي الستر، ومنها: الجنون، وجنّ عليه الليل، والجنة [مثله] (٥)، وقدّم "الناس" هنا مراعاةً للسّجع، كما أخّر "الناس" في سورة النالس محافظة على الفواصل.
стр. 93
(تحصنت به) يقال: تحصن بكذا، أي: جعله حصنًا له، أي: امتنعت بهذا الحصن [عن] (١) شرّ الإنس والجن (فيما دهِمَ) "بكسر الهاء، وحكى أبو عبيدة (٢) فيه الفتحَ أيضًا (٣)، وهو ما أتى بغتةً من مكروهٍ" (٤)، ذكره المؤلف، (من المصيبة) بيان لـ"ما"، "وهي واحدةُ المصائبِ، وهي الأمر المكروه ينزل بالإنسان، والمصيبة أيضًا السهام تصيب الغرض، وهو الهدف، وبذلك وردت التورية تامّة في البيت الآتي على أحسن الوجوه، ولعلي لم أسبق إليه" (٥)، ذكره المؤلف.
(واعتصمت) أي: طلبت العصمة والحفظ (من كلّ ظالم بما حوى)
стр. 94
أي: بسبب ما جمعه هذا "الحصن" (من السهام المصيبة) أي: من الدعوات التي هي كالسهام التي تصيب الغرض غير [مخطئة] (١).
(وقلت شعرًا: ألاا قولوا لشخصٍ قد تقوى) ألا بالتخفيف للتنبيه، وأخطأ من قال هنا: إن الهمز للاستفهام، و"لا" للنفي، إذْ لا يصلح أن يكون "قولوا" مدخولًا لها، وقوله: "تقوى"، أي: أظهر قوته الحسّية وشوكته [الجاهية] (٢) (على ضعفي ولم يخشى رقيبه) أي: على ضعف بنيتي، أو وهن [رتبتي] (٣)، أو استولى عليَّ لأجل ضعفي، والحال أنه لم يخف رقيبه، أي: حافظه، وناظر أعماله، وحاضر أحواله، ومطلع أقواله، والضمير في "رقيبه" راجعٌ إلى الشخص، ومن أسمائه سبحانه الرقيب، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيْءٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
ثم اعلم أنه جاء في نسخة: "لا يخشى" على صيغة النفي، وهو ظاهر لا يخفيّ، لكن النسخ المصححة والأصول المعتمدة على إثبات الألف في: "لم يخشى"، قال المصنف: "إثبات الألف فيه ورد على لغة: أَلَمْ يَأْتِيكَ
стр. 95
وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي (١)، وعلى ذلك وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: (أرسله معنا غدًا [نرتعي] (٢) ونلعب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٥]. وكان يمكن أن يقال: ولن [يخشى] (٣)، أو: وما يخشى، ولكن لا يقوم مقام "ولم يخشى"؛ ولهذا يقال: هذه لغة الشعراء؛ لأن لهم مقاصدَ ومبانيَ على معانٍ لا يدركها أكثر علماء النحو" (٤)، ذكره المؤلف، وبه ظهر بطلان النسخة المتقدمة.
(خَبَأْتُ له سهامًا في الليالي) أي: أخفيت لذلك الشخص الظالم المتقوي على الضعيف دعواتٍ مشابهة بالسهام الواقعة في أجواف الليالي التي هي أقرب إلى الإجابة؛ ولذا قال: (وأرجو أن تكون له مصيبه) أي: أن تصير سهام الدعوات مصيبةً لذلك الشخص، ومدركة لحاله ومآله، فـ "له" صفة "مصيبة" قُدِّمت عليها فصارت حالًا، فلا ضرورة إلى ما قاله الحنفي من أن تقديم الظرف لرعاية الوزن.
ثم قوله: "مصيبه" منصوبة على أنَّها خبر "تكون"، والاسم هو الضمير الراجع إلى السهام، وفي نسخة بالرفع على أن "تكون" تامّةٌ، فالمعنى:
стр. 96
أرجو أن تقع له مصيبة عظيمةٌ، وبليةٌ جسيمةٌ، على أن البيت ما يتزن إلَّا بالوقف، لا على النصب ولا على الرفع، وَإنما الإعرابُ المذكورُ على فرض الوصل، أو بيانِ الفصل.
(أسأل اللهُ العظيم أن ينفع) أي: اللهُ المسلمين في عموم أحوالهم (به) أي: بسبب هذا "الحصن"، وما فيه من الدعوات المأثورة، ومواظبتهم إياها، (وأن يُفَرِّج) بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة، وفي نسخة بفتح فسكون فضم، ففي "القاموس": "فَرَجَ اللهُ الغَمَّ يَفْرِجُهُ: كَشَفَه، كفرَّجَه" (١)، فالمعنى: يدفع المكروه من الظلم وغيره (عن كلّ مسلم بسببه) أي: بموجب تصنيفه وكتابته، أو بمقتضى العمل بما فيه وقراءته (على أنه) قيل: "متعلق بقوله: "فإن هذا الحصن"، أو: بقوله: "بذلت"، فـ "على" بمعنى "مع"، والأظهر الأقرب كما قال ميرك: "إنه متعلقٌ بقوله: "أسأل اللهُ""، وحينئذٍ على أنه للتعليل، أي: بناءً على أنه، أي: الحصن (مع اقتصاره) وهو ما إذا كان اللفظ والمعنى قليلًا (واختصاره) وهو ما إذا كان اللفظ قليلًا والمعنى كثيرًا، ذكره ميرك، وقيل: "هما بمعنًى واحدٍ، جمع بينهما تأكيدًا".
(لم يدع) بفتح الدال أي: لم يترك (حديثًا صحيحًا في بابه) في باب الدعاء، وطريق التحصن من البلاء (إلَّا استحضره) أي: جمعه (وأتى به) أي: أحاط
стр. 97
به؛ [إذ] (١) الباء للتعدية، أي: أُورِدُه هنا، والإسناد مجازي، أو التقدير: استحضره مؤلفه، وهو استثناء مفرّغ من أعم الأحوال والأوصاف، وتحقيقه عند قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، أي: إلا حال تحقّقِ إحصائها، أو إلا بهذا الوصف.
(ولما أكملت ترتيبَه) أي: [بتبويبه] (٢)، (وتهذيبه) أي: تنقيحه وتصحيحه وتصويبه، (طلبني عدو) أي: عظيمٌ (لا يمكن أن يدفعه) أي: يصرفه أحدٌ (إلا الله تعالى، فهربت) بفتح الراء، أي: فررت (منه مختفيًا) أي: حال كوني طالبًا للخفاءِ، (وتحصنت بهذا الحصن) أي: بقراءته أو بدوام ملازمته، (فرأيته)، وفي نسخة: "فرأيت سيد المرسلين" ( ﷺ وأنا جالس على يساره) أي: لأنه محلّ القلب، أو إشعارًا باليسار إلى اليسر خلاف العسر، والجملة حالية، والرؤية مناميّة لا كشفية، لقوله: (وكأنه ﷺ يقول: ما تريد) أي: ما تتمنى أيها المريد من المزيد؟ (فقلت) أي: "له"، كما في نسخة صحيحة، قال ميرك: "كذا وقع في أصل سماعنا بعلامة خ، وهي أمارة النسخة، ووقع في بعض النسخ الحاضرة ملحقًا بـ "صح"، وليس هو في أكثر النسخ".
(يا رسول الله، ادع الله لي) أي: خصوصًا (وللمسلمين) أي: عمومًا، وفيه إشعارٌ بأنّ العدوّ إنما كان عدوًّا للدين، أو ظالِمًا لجميع المسلمين،
стр. 98
(فرفع ﷺ يديه الكريمتين) أي: كما هو من آداب الدعاء على ما سيجيء بيانه (وأنا أنظر إليهما) أي: كأنهما محسوستان في نظره (فدعا، ثم مسح بهما وجهه الكريم) (١) وذلك أيضًا من آداب فراغ الدعاء، فالرفع إشارةٌ إلى الأدب وحسن الطلب، والمسح إيماءٌ إلى الحصول على وجه القبول، (وكان ذلك) أي: ما ذكر من الرؤيا (ليلة الخميس، فهرب العدو ليلة الأحد) أي: لم يتعد الإجابة عن ثلاث ليالٍ، وسيأتي مكان هذه القضية وبيان زمانها بخط المصنف في آخر الكتاب، (وفرّج الله) أي: أزال الغم والهم (عني وعن المسلمين ببركة ما في هذا الكتاب عنه) أي: مرويًّا عنه ( ﷺ ) وفيه إيماءٌ لطيفٌ وإشعار شريف بأن من واظب على أدعية هذا الكتاب وأذكاره في كل باب، هرب عدوه من الجن والإنس عنه بلا ارتياب.
(وقد رمزت للكتب) أي: أشرت لها، وفي نسخة صحيحة: "الكتب"، بالنصب على نزع الخافض، أو المعنى: جعلت [رمز الكتب] (٢) (التي خرّجت) بتشديد الراء، أي: أخرجت ونقلت (منها) أي: من تلك الكتب المنسوبةِ إلى المحدثين (هذه الأحاديث) أي: بحذف أسانيدِها (بحروف) أي: مفردة أو مركبة، والجار متعلق بـ "رمزت"، أو حال من
стр. 99
"الأحاديث"، أي: [متلبسة] (١) بحروف (تدل) أي: تلك الحروف بطريق الإشارة (على ذلك) أي: على ما ذكر من الكتب المخرجة، أو على ذلك التخريج؛ [بعود] (٢) الضمير إلى مصدر "خرّجت"، نحو قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
(سلكت فيها) أي: في الرموز، أو نفس الأحاديث (أخصر المسالك)، والأول أظهر هنالك؛ لقوله: (فجعلت علامة "صحيح البخاري": خ) أي: خاء معجمة، لاختصاصها [بنسبه] (٣) من بين المحدثين، واعلم أنَّا لو ذكرنا ترجمة البخاري وغيره من المذكورين، لطال على الطالبين، ومال عنه ميل الراغبين، وقد ذكرنا في "المرقاة شرح المشكاة" بعض صفاتهم، وأنموذجًا من حالاتهم ومقاماتهم.
(ومسلم) عطف على البخاري، أي: وعلامة "صحيح مسلم" (م) أي: ميم لإحاطتها بطرفيه، (وسنن أبي داود) عطف على "صحيح البخاري" أي: وعلامة "سنن أبي داود" (د) أي: دال مهملة، لوقوع تكرارها في اسمه، (والترمذي) بكسر التاء والميم، وقيل: هو بتثليث أوله، وضم الميم أو كسرها، وبالذال المعجمة، أي: وعلامة "سنن الترمذي" (ت) أي: تاء فوقية لوجودها في أوله.
(والنسائي) بفتح أوليه ممدودًا ويقصر، أي: وعلامة "سنن النسائي"
стр. 100
(س) أي: سين مهملة لوجودها في وسطه، (وابن ماجه) أي: وعلامة "سنن ابن ماجه" (القزويني) بفتح القاف (ق) أي: قاف؛ لكونها في أول نسبته، (وهذه الأربعة) أي: وعلامة هذه السنن الأربعة الأخيرة، يعني: أبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، (عه) أي: مركب "عه" بالعين المهملة والهاء، حالة الوقف المأخوذين من الأربعة.
(وهذه الستة) أي: وعلامة هذه الستة، وهي: الأربعة مع صحيحي البخاري ومسلم المعبر عنها بالصحاح الست تغليبًا، وبالكتب الستة أيضًا، (ع) أي: عين مهملة مرموزة للجماعة المذكورة، والجماعة في عرف المحدثين عبارة عن أصحاب هذه الكتب الستة.
(وصحيح ابن حبان) بكسر الحاء وتشديد الموحدة مصروفًا، وقد لا يصرف، (حب) بكسر وتخفيف، (وصحيح المستدرك) أي: للحاكم، كما في نسخة (مس) بضم وسكون.
واعلم أنه أعاد لفظ الصحيح، ولم يعطف "المستدرك" على ابن حبان؛ لأن إضافة الصحيح إلى "المستدرك" بيانية، ليست على طريقة إضافته إلى ابن حبان، فإنها لامية مع زيادة إفادة دفع توهم عطفه على "صحيح ابن حبان".
(وأبي عوانة) بالعطف على ابن حبان؛ إذ لا يحسن عطفه على "المستدرك"؛ لأن إضافة الصحيح إلى أبي عوانة ليست بيانية، (عو) بفتح فسكون، ولو اكتفى بالواو لكان أخصرَ، لكنه قد يلتبس بالقاف، فهو أظهر، (وابن خزيمة) بضم معجمة وفتح زاي فميم فتاء وصلًا، وهاء
стр. 101
وقفًا (مه) بفتح ميم وسكون هاء.
(والموطإ) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الطاء المفتوحة فألف كالمصفى، فكان القياس أن تكتب ألفه بالياء، ولعل إثبات الألف محافظة على التلفظ جمها، ومراعاة للرواية الأخرى، وفي نسخة بهمزة بدل الألف، (طا) أي: رَمْزهُ طاء مهملة مع ألف، ليغاير الطاء المفرد الذي هو رمز الطبراني.
وهو كتاب الإمام مالك الذي قال الإمام الشافعي (١) في حقه: "إنه أصح الكتب بعد كتاب الله" (٢)، لكنه قبل تصنيف الصحيحين للبخاري ومسلم، وأما بعدهما، فالجمهور على أن البخاري أصحّ كتب الحديث (٣)، كما أشار إليه الشيخ بتقديم ذِكْره. وقال بعض المغاربة: "إن
стр. 102
"صحيح مسلم" هو الأصح"، والأول هو الأصح، لكن اللائق تقديم مالك على الكل؛ لسبقه زمانًا ورتبةً وشأنًا، وكذا الإمام أحمد، فإنه يروي عن الشافعي تلميذِ مالك، والبخاري عن أحمد.
وهذا الترتيب الذي ذكرناه اختاره شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في ذكر أئمة الحديث.
(وسنن الدارقطني) بفتح الدال المهملة والراء، ويسكن وضم القاف وسكون الطاء بعده نون؛ محلة ببغداد نسب إليها أبو الحسن عمر بن علي أستاذ الحاكم، فالأولى تقديمه عليه كما أشرنا إليه، (قط) بضم فسكون، (ومصنف ابن أبي شيبة: مص) بضم فسكون.
(ومسند الإمام أحمد: أ) أي: همز مفتوح، فينطق به: أهُ، بضم هاء السكت، ويمكن أن يعبر عنه بالألف لكونه على صورته، (والبزار) بفتح
стр. 103
موحدة وتشديد زاي في آخره راء، صاحب "المسند"، (ر) أي: راء، وهي لا تحتاج أن يقال: مهملة، كما لا يحتاج الزاي بوصف معجمة؛ للفرق بينهما بهمزة في الراء وبياء في الزاي، إلا أن صورة المسمى مشتركة ممتازة بالنقطة وعدمها.
(وأبي يعلى) بفتح فسكون ففتح، صاحب "المسند" (الموصلي) بفتح الميم وكسر الصاد المهملة، اسم بلدة كذا في "منتخب ربيع الأبرار" و"تقويم البلدان" (١)، وفي "القاموس": "الموصل كمجلس: دار وأرض بين العراق والجزيرة" (٢)، (ص) أي: صاد مهملة.
(والدارمي) بكسر الراء، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن دارم السمرقندي، وهو من مشايخ مسلم والترمذي، وله خمسة عشر حديثًا ثلاثية، وله مسند عظيم، (مِي) بكسر فسكون، (و"معجم الطبراني الكبير": ط) أي: طاء مهملة مفردة إشارة إلى الطبراني، وفيه إشعار بأنه إذا أطلق الطبراني يراد به روايته في "الكبير" (والأوسط) عطف على "الكبير" أي: و"معجم الطبراني الأوسط" (طس) بفتح فسكون
стр. 104
السين إيماء إلى الوسط، وكان الظاهر أن يرمز بـ "سط"، وكأنه أشار بالطاء إلى الطبراني، وبالسين إلى "الأوسط".
(والصغير) عطف على الكبير أو الأوسط (صط) بفتح الصاد وسكون الطاء إشارة إلى "الصغير" والطبراني، لكن مقتضى ما قبله أن يقال: "طص" بتقديم الطاء على الصاد، أو بتقديم السين على الطاء فيما سبق؛ ليتحقق الرمز ويتوافق، إلا أن يقال بالتفنن، (و"الدعاء") عطف على المعجم، (له) أي: للطبراني، (طب) بفتح الطاء مع زيادة الباء الساكنة للتمييز في الجملة، ولو جعل رمزه: "طع" بالطاء إشارة إلى الطبراني، وبالعين إيماء إلى "الدعاء"، لكان أظهر في المدعى، أو "طد" إشارة إلى الطبراني و"الدعاء" كما لايخفئ، وجعل السيوطي رمز الطبراني في "الكبير": "طب"، وهو مناسب جدًّا، لكن لا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ لا يترتب عليه [إلا الإصلاح] (١).
(ولابن مردويه) بفتح ميم فسكون راء وضم دال فواو ساكنة وفتح تحتية وتاء، ويكون في الوقف هاء، وفي هامش "أصل السيد": "مردويه جائز، وضبط بفتح الدال والواو وسكون الياء وبهاء مكسورة في آخرها".
وقد رأيت في "حاشية رسالة القشيري" ﵀ أن هذا الاسم وأمثالَه من الأسماء فيه ضبطان للكوفيين والبصريين، يقول: "مردُويه: بضم الدال وفتح الياء وإسكان الواو بينهما، وهو اصطلاح الكوفيين واختيار
стр. 105
المحدثين، ويقول مردَوَيْه: بفتح الدال والواو وإسكان الياء بعدهما، والهاء مكسورة في جميع أحوالها، وهو اصطلاح البصريين واختيار الفقهاء، ومثله: بالويه وباكويه وراهويه وعمرويه وزنجويه وحمويه [وخضرويه] (١)، وأكثر ما يدور في كلام أصحابنا الصوفية من ذلك اختيار المحدثين، ثم تقدير الكلام: وللدعاء لابن مردويه: (مر) بفتح فسكون.
قال المصنف في "البداية": "هو أبو بكر أحمد بن مردويه الحافظ، صاحب التفسير وغيره". وقال صاحب "التاريخ المنتظم" (٢): "أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك، أبو بكر الحافظ الأصبهاني، ممن توفي سنة أربع مئة وخمس [عشْر] (٣) " (٤).
(وللبيهقي) منسوبٌ إلى بيهق من توابع نيسابور، أي: وللدعاء له (في) بكسر القاف وسكون الياء (والسنن) عطفًا على "الدعاء"، أي: وللسنن (الكبير له) أي: للبيهقي: (سني) بضم سين وتشديد نون بعده ياء ساكنة، وفي نسخة: بفتح فنون مكسورة مخففة فياء، وكان الأظهر أن يقال: بضم سين فتخفيف نون فسكون ياء.
стр. 106
وجعل السيوطي علامة السنن له "هق"، وهو أخصر، ولعله أراد الجمع بين الإشارة إلى المصنف والمصنف له.
(و"عمل اليوم والليلة") اسم كتاب في الدعاء (لابن السني) بضم فتشديد نون وتحتية، وهو أحمد بن إسحاق، وكنيته أبو بكر: (ي) أي: ياء آخر الحروف.
(وَأُقدِّم رمز من له اللفظ) أي: لفظ الحديث في هذا الكتاب عند اختلاف الرواة في لفظه، وأما عند اتفاقهم فيه، فذكرهم على الترتيب المذكور، وعلى النهج المسطور.
قال المؤلف: "مثاله: أن يكون الحديث في البخاري ومسلم، والأصل تقديم البخاري، فرمز للبخاري بالخاء، ولمسلم بعده بالميم، فإن كان لفظ الحديث لمسلم قدم رمز مسلم على البخاري، وكذلك أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم على هذا الترتيب في رموزهم، فإن كان لفظ الحديث لواحد منهم [قدّم] (١) " (٢)، انتهى.
والحاصل: أنه إذا كان لفظ الحديث لواحد منهم، ورواية معنى الحديث لغيره، قدم رمزه وإن كان متأخرًا في الرتبة؛ ليحصل له بهذا نوع من المزية.
стр. 107
(وإن كان الحديث موقوفًا) أي: على الصحابي أو غيره، والمراد أنه لا يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، قال الطيبي: "الموقوف مطلقًا ما روي عن الصحابي من قول أو فعل متصلًا كان أو منقطعًا، وهو ليس بحجة على الأصحّ، وقد يستعمل في غير الصحابي مقيّدًا، نحو: "وقفه معمر على همام"، و"وقفه مالك على نافع"" (١).
(جعلت قبل رمزه: مَوْ) بفتح فسكون (ليُعلم) بصيغة المجهول، من الإعلام، أو العلم أي: ليعلم الطالب (أنه) أي: الحديث الواقع قبل: "مَوْ"، (موقوفٌ لما بعده) أي: كائن لما بعد رمز "مَوْ" (من الكتب) أي: من رموزها.
والمعنى: حتى يعلم أن ذلك الحديث موقوفٌ عند أصحاب تلك الكتب، وهو لا ينافي أن يكون مرفوعًا عند غيرهم؛ ولذا [قد] (٢) يقع "مَوْ" متوسطًا بين الرموز إشارةً إلى ذلك، وهذا كله إن كان هناك رمزٌ، فلا يُشكل بما وقع له في بعض المواضع من كتابة "مَوْ" بغير رمز بعده ولا قبله، وسيجيء في مثل هذا بحثٌ، نذكره في محل أليق به.
(وذلك) أي: إيراد الموقوف (قليل) أي: نادر (حيث) خبر بعد خبر، أي: كائن حيث (عدم المتصل) أي: فقد المتصل، والمعنى: لم أورد
стр. 108
الموقوف إلا حيث لم يوجد في ذلك الباب، أو المدعى من الكتاب حديث متصل، والمراد بالمتصل هنا المرفوع، وإلا فالمتصل قد يجتمع مع الموقوف، وقد يكون المرفوع غير متصلٍ، كالحديث المرسل.
والحاصل: أن المتصل هو ما اتصل إسناد رجاله، سواءٌ يكون موقوفًا أو مرفوعًا، والمرفوع: ما أسند إلى النبي ﷺ ، سواءٌ اتصل إسناد رجاله، أو انقطع وحذف بعضه.
وتحقيق هذه الأمور في علم أصول الحديث، وقد بيناها في "شرح شرح النخبة" بيانًا شافيًا، فهو للطالب يكون كافيًا.
وأما ما ذكره الحنفي من أن المراد بالمتصل هنا المتصل المرفوع فلا يوافق علم الأصول، ولا يطابق مراد المصنف المفهوم من المقابلة في الحصول، بل المقصود منه الاتصال اللغوي بالمعنى الأعم، وهو المتصل إلى النبي ﷺ .
(أو اختلف فيه) بصيغة المفعول؛ عطفٌ على المتصل أي: حيث عدم المتصل المتفق عليه، أو المختلف فيه، كذا قيل، وإنما يصح هذا العطف إذا [قدر موصول] (١)، كما لا يخفى، [وكذا] (٢) يحتاج [إلى أن يراد] (٣) بالمختلف فيه بالنسبة إلى مخرجٍ واحدٍ، والأظهر أن يكون
стр. 109
معطوفًا على "عدم"، أي: حيثُ فقد المتصل أو وجد، [و] (١) اختلف في اتصاله، لكن بالنسبة إلى مخرجين أو أكثر فأذكر رمز "مَوْ"؛ ليدل على أن فيه اختلافًا، أو ليستفاد أن الأصح كونه موقوفًا أو مرفوعًا.
هذا، وقد قال ميرك شاه ﵀: "الظاهر من هذه العبارة أن الحديث إذا اختلف في رفعه ووقفه رجح الشيخ جانب الوقف، وأورده في كتابه هذا، وترك المرفوع، وهذا خلاف ما عليه المحققون من أهل الحديث، من أن الحديث إذا روي مرفوعًا وموقوفًا، أو مرسلًا وموصولًا، فالحكم للرفع والاتصال؛ لأن ذلك زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولة عند الجمهور.
اللهم إلا أن يراد: اختلف فيه، وترجح الوقف بوجه من وجوه الترجيح، بأن تكون رواته أكثر أو أضبط أو أوثق أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: "أو اختلف" عطفًا على لفظ "المتصل"؛ فيكون في حيز [العدم] (٢).
وحاصل المعنى أن يراد: الموقوف حيث فقد المتصل [أو عدم] (٣) المختلف فيه، وهذا لا يخلو [عن بعد] (٤) تأمل"، انتهى.
стр. 110
ولا يخفى من صنيع المصنف بحسب تتبعه أنه أراد بالمختلف فيه أن يكودن في بعض الكتب متصلًا، وفي بعضها موقوفًا، فحينئذٍ يشير إلى أن الحديث في رواية فلان موقوف، وفي رواية غيره متصل، ومثل هذا كثير في كتابه، وهو أن يأتي برموز أو رمز، ثم يأتي بـ "مَوْ"، ثم يأتي برموز أو رمز، وفعله هذا لا ينافي ما عليه المحققون كما سبق، فاندفع من أصله الإشكالُ، والله أعلم بالأحوال.
(على أني) متعلقٌ بقوله: "فجعلت"، أو "أُقدِّم"، أو "اختلف"، أو بقوله: "رمزت"، ذكره ميرك، والأخير أنسب معنًى؛ أي: رمزت مع أني، أو بناءً على أني (لم أجعل هذه الرموز إلا لعالمٍ يربأ بنفسه عن التقليد) أي: يرفعها عن مرتبة حضيض التقليد، إلى منزلة رفعة التحقيق والتأييد، و"يربأ" بفتح الياء والموحدة فهمز على وزن يقرأ، من قولهم: إني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه، على ما في "التاج".
ثم المراد بالتقليد هنا قبول الحديث ممن ليس له إسنادٌ متصلٌ إلى النبي ﷺ في روايته، وإنما ينقل الحديث من كتب المخرجين من أهل الحديث كالبخاري وغيره، وهذا من غاية تواضع الشيخ، ونهاية إنصافه، هالا فهو من أهل التصحيح، ومن طبقة ذوي الترجيح، كما يعلم مرتبته من "تصحيح المصابيح".
فإذا حكم بحديث أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع، فكلامه معتبر عند أرباب الحديث؛ فإنه إمام في فن علم الحديث، وكذا