← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

و"مني" صلته، أي: اجعل التمتع ببصري باقيًا مني مأثورًا فيمن بعدي، أو محفوظًا فيهم إلى يوم القيامة. (وأرني) بكسر الراء ويجوز إسكانها واختلاسها، كما قرئ [بها] (١) في نحو قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وهو أمر من الإراءة، متعدي. رأى بمعنى: أبصر، أي: أَظْهِرْ لنظري أو أدركني، (في العدو ثأري) بفتح مثلثة وسكون همزة ويبدل؛ ففي "القاموس" (٢): "الثأر: الدم وقاتل حميمك، وثأر به كمنع: طلب دمه كثأره وقتل قاتله، وأثار: أدرك ثأره". وفي "النهاية" (٣): "يقال ثأرت القتيل وثأرت به فأنا ثائر، أي: قتلت قاتله"، انتهى. وقيل: الثأر جاء مصدرًا أو اسمًا، وهو في الأصل: الحقد، والمراد به هنا: قتل قاتل القتيل. والمعنى: أرني ثأري كائنًا في العدو، غير متجاوز إلى غير الجاني، كما كان معهودًا في الجاهلية. (وانصرني على من ظلمني) تعميم وتتميم. (مس، ي) رواه الحاكم، وابن السني؛ كلاهما عن أنس (٤).

стр. 1192

(ومن حصلت له حمى) بضم مهملة وتشديد ميم مقصورًا بألف التأنيث، (يقول: باسم الله الكبير) أي: العلي الشأن، (أعوذ بالله العظيم) أي: العظيم البرهان، وفي نسخة: "نعوذ"، وهو رواية الحاكم، كما أن الأول رواية ابن أبي شيبة، فالأولى أن الثاني يكون في الأصل؛ لتقديم المصنف رمز الحاكم، (من شر كل عِرْقٍ) وفي بعض النسخ فوق لفظ "كل": رمز "مص". وقوله: (نَعَّار) صفة عِرْقٍ، قال المصنف: "بفتح النون وتشديد العين المهملة وبالراء، يقال: نعر العرق بالدم إذا علا وارتفع، وَجُرْحٌ نَعَّارٌ وَنَعُورٌ: إذا صَوَّتَ دَمُهُ عند خروجه" (١). (ومن شر حر النار) أي: نار جهنم، ولا يبعد أن يراد: نار كل عرق نعار. (مس، مص) أي: رواه الحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلاهما عن ابن عباس ﵄ (٢). (وإن أصابه ضر) بالضم أو الفتح، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ [الفتح: ١١]، والأكثر على الفتح هنا، واقتصر الكل على الضم

стр. 1193

في سائر مواضع القرآن. وفي "القاموس" (١): "الضر ويضم: ضد النفع، أو بالفتح مصدر وبالضم اسم"، (وَسَئِمَ الحياةَ) بكسر الهمز من السآمة، وهي: الضجر والملل على ما في "النهاية"، (فلا يتمنى الموت) بصيغة النفي، وأريد بها معنى النهي. (فإن كان لا بد فاعلًا) أي: لتمنيه، فلا يتمناه مطلقًا بل مقيدًا، (فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي) بأن تغلب الطاعة على المعصية، والحضور على الغفلة، (وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) بأن تنعكس القضية وتشتد البلية. (خ، م، د، ي) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن السني، عن أنس (٢)، وزيد في بعض الروايات: "واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". واختلفت الصوفية في أنه: هل طلب الحياة أفضل؛ لما ورد: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله"، أو لرجاء أن يتوب الله عليه في آخر عمره، ويحسن أعماله، ويحصل آماله، أو طلب الموت نظرًا إلى الشوق إلى الله وحصول لقاه، ولما ورد: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"،

стр. 1194

وخوفًا من التغير، ولحوق المحن، والوقوع في الفتن؟ والمحققون على التفويض والتسليم كما يدل عليه الحديث الشريف. (وإذا عاد مريضًا، قال: لا بأس، طهور) بفتح أوله ويجوز ضمه، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هذا أو مرضك مطهر للذنوب ومكفر للعيوب. واقتصر عليه بناء على الأغلب الأكثر، وإلا فقد يكون سببًا لرفع الدرجات في العقبى، أو لعلو المقامات في الدنيا؛ لأن الرياضات نتيجة الحالات والكشوفات. (إن شاء الله) أي: إِنَّ تَعَلُّقَ مَشِيئَتِهِ بتطهيره، وبوقوع نَظِيرِه، (لا بأس، طهور إن شاء الله) ذكرها مرتين [للتأكيد] (١)، أو لإرادة التكثير دون التحديد. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عباس (٢). (باسم الله، تربة أرضنا، وريقة بعضنا) تقدم الكلام [عليها] (٣) مستوفًى، ولا يبعد أن يراد بالتربة التراب الذي خلق منه ويدفن فيه، وبالريقة: النطفة المخلوق منها على طريق الكناية، فيكون المبتدأ

стр. 1195

المقدر: هذا المريض [أي: هو] (١) مخلوق منها، وأنت قادر على إحيائه وإماتته، وعلى إمراضه وشفائه. (يشفى سقيمنا. خ، م، د، س، ق) رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة (٢): "أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: باسم الله … " إلى آخره. ورواه الجماعة إلا الترمذي، وزاد البخاري في رواية: "بإذن ربنا"، وفي رواية: "بإذن الله"، وهذا معنى قول المصنف: (بإذن ربنا. خ) أي: رواه البخاري عنها أيضًا. (ويمسح بيده اليمنى) أي: على جبين المريض، أو على موضع ألمه. (ويقول: اللهم أذهب الباس رب الناس، اشفه) أي: المريض، وفي نسخة بسكون الهاء؛ على أنها للسكت أو الوقف، (وأنت الشافي) قال الحافظ العسقلاني: "كذا لأكثر الرواة بالواو، ورواه بعضهم بحذفها"، والضمير في "اشفه" للعليل، أو هي هاء السكت، ويؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن، بشرطين: أحدهما: أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصًا. والثاني: أن له أصلًا في القرآن، وهذا من ذلك؛ فإن فيه ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ

стр. 1196

فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. [وقوله] (١): (لا شفاء) بكسر الشين، والمد مبني على الفتح والخبر محذوف، والتقدير: "لنا" أو "له"، وقوله: (إلا شفاؤك) بالرفع على أنه بدل من موضع "لا شفاء"، ووقع في رواية البخاري: "لا شافي إلا أنت". وفيه إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي لا ينجح إن لم [يصادف] (٢) تقديرًا لله. وقوله: (شفاءًا) منصوب بقوله: "اشفه"، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدإٍ، أي: "هذا" أو "هو". وقوله: (لا يغادر) بالغين المعجمة لا يترك، وفائدة التقييد بذلك أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض، فيخلفه مرض آخر يتولد منه مثلًا، فكان يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء. وقال المصنف: "لا يغادر (سقمًا) أي: لا يترك مرضًا، وهو بفتح السين والقاف، ويجوز ضم السين مع إسكان القاف" (٣). (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن عائشة (٤) أيضًا: "أن النبي ﷺ كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول:

стр. 1197

اللهم رب الناس … " إلى آخره. (باسم الله أرقيك) بفتح الهمز وكسر القاف، أي: أعيذك، قال المصنف: "بفتح الهمزة، أي: أعوذك"، (من كل شيء يؤذيك) بالهمز، ويجوز إبداله واوًا، (من شر كل نفس أو عين) بالتنوين فيهما، وفي نسخة بدونهما، والأظهر أن ينون الأول ويضاف الثاني؛ ليلائم قوله: (حاسد) اللهم إلا أن يراد به ذات حسد. (الله يشفيك، باسم الله أرقيك) فيه من صنيع البديع: رد المقطع إلى المطلع، وإيماء إلى أنه الفذلكة المخلصة من المهلكة. (م، ت، س، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي سعيد (١). (باسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء) أي: وجع، (فيك). وقال المصنف: "أي: مرض وهو ظاهر، وفي رواية: "من كل داء يشفيك"، أي: الله يشفيك" (٢)، انتهى. ولا يخفى أنها جملة مستأنفة دعائية معنًى خبرية لفظًا، وليست صفة لـ "داء" لفساد المعنى. (من شر النفاثات) أي: النفوس أو النساء الساحرات، وقال المصنف: "أي: يتفلن إذا سحرن ورقين" (٣)، (في العقد، ومن شر حاسد

стр. 1198

إذا حسد) أي: إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه؛ فإنه لا يعود ضرره منه قبل ذلك إلى المحسود، بل يخص بالحاسد لاغتمامه بسروره، وتخصيص الحسد لأنه العمدة في إضرار الإنسان غيره. (س، مص) أي رواه: النسائي، وابن أبي شيبة، عن عائشة (١) على ما في النسخ المصححة، وقال ميرك: "عن أبي هريرة، قال: جاءني النبي ﷺ يعودني؛ فقال: ألا أرقيك برقية رقاني [بها] (٢) جبريل ﵇، فقلت: بك "بأبي وأمي" قال: باسم الله أرقيك … " إلى آخره"، انتهى وذكر بعضهم الحديث في الهامش كما ذكره ميرك، وزاد في آخره: "فترقي بها ثلاث مرات"، وقال: رواه الحاكم في المستدرك، انتهى. ويؤيده ما سنذكره عن "الجامع"، فنسبته إلى النسائي وابن أبي شيبة غير ظاهرة، والله أعلم. (ثلاث مرات. مس) أي: رواه الحاكم عنها هذه الزيادة، فكان حق المصنف أن يذكر رمز الحاكم فيما سبق، ومع هذا ففي "الجامع الصغير": "روى ابن ماجه، والحاكم (٣)، عن أبي هريرة مرفوعًا: ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل؟ تقول: باسم الله أرقيك، والله يشفيك، من

стр. 1199

كل داء يأتيك، من شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، ترقي بها ثلاث مرات". (باسم الله أرقيك، من كل داء يشفيك) أي: الله حقيقة، أو اسمه مجازًا، (من شر كل حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين) أي: مصيبة. (اللهم اشف عبدك؛ ينكأ) بفتح الياء والكاف فهمز مرفوع، وفي بعض النسخ مجزوم، ففي "المفاتيح شرح المصابيح" [للمصنف] (١): "هو مرفوع غير مجزوم"، انتهى. وقال المظهر: "مجزوم، لأنه جواب الأمر"، ويجوز أن يكون مرفوعًا تقديره: "اللهم اشف عبدك، فإنه ينكأ" (لك عدوًّا) أي: يغزو في سبيلك. وفي "المفتاح" للمصنف: "قال في "النهاية": "يقال: نكيت في العدو، أنكي نكاية فأنا ناك: إذا أكثرتُ فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وقد يهمز لغة، ويقال: نكأت القرحة أنكؤها إذا قشرتها" (٢)، انتهى. ولا يخفى أن إيراد المصنف قول صاحب "النهاية" هذا هنا يوهم أن "ينكأ" من المعتل، وقد يهمز فيفيد الضبط بالوجهين، والهمز يكون ضعيفًا بالنسبة إلى الناقص، وهو غير صحيح إذ اتفق النسخ المعتبرة والأصول المصححة المعتمدة على كتابته بالألف وضبطه بالهمز، على

стр. 1200

خلاف في رفعه وجزمه، فلو كان من الناقص اليائي كما ذكره صاحب "النهاية" لكان يكتب بالياء. ثم رأيت "القاموس" (١) ذكر في "الياء": "نَكَيَ العَدُوَّ، وفيه نكاية: قَتَلَ وجَرَحَ". وفي "الهمز": "نكأ العدو ونكاهم". وحاصله: أنهما لغتان، وأن الحديث من المهموز رفعه أقوى؛ لقوله: (ويمشي لك إلى جنازة) بالرفع اتفاقًا، وفي نسخة: "أو يمشي" بإثبات الياء أيضًا. قال الطيبي -وتبعه ميرك-: "جاء بإثبات، وتقديره: أو هو يمشي"، انتهى. والمعنى: يمشي لأجلك متوجهًا إليها، وهو أعم مما قبل الصلاة وبعدها، وفي رواية الحاكم: "إنما صلاة جنازة"، وهو بكسر الجيم، وفي نسخة بفتحها، وفي أخرى بهما. وقال صاحب "كشف الكشاف": "أي: اتباعها للصلاة"، وهذا توسع شائع. الأزهري: عن الليث والأصمعي بالكسر خاصة، وعلى الميت نفسه. وعن ثعلب: بالكسر، السرير، وبالفتح: الميت. وعن شمر: الكسر والفتح كدَجاجة ودِجاجة. فقد تلخص أن الكسر أفصح، وقال المصنف: "قوله: "يمشي لك" أي: لأجلك طلبًا لرضاك، وامتثالا لأمرك، والجنازة بالكسر والفتح:

стр. 1201

الميت بسريره، وقيل: بالكسر السرير، وبالفتح الميت" (١)، انتهى. وعندي أن المراد بها الميت على اللغتين سواء يكون على سرير أو لم يكن عليه، ويؤيده أنها لا تطلق في العرف على السرير بدون الميت، والله أعلم. (د، حب، مس) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والحاكم، عن عبد الله بن عمر وبالواو (٢). (اللهم اشفه، اللهم عافه) بالضمير فيهما، وقيل: بهاء السكت كما سبق، وهو تأكيد لما قبله، أو تعميم وتتميم. (مس، ت، حب) أي رواه: الحاكم، والترمذي، وابن حبان، عن علي ﵁ (٣).

стр. 1202

(اللهم اشفه، اللهم أعفه) من الإعفاء، بمعنى المعافاة على ما في "التاج". وقال المصنف: "بفتح الهمز، وكسر الفاء من أعفى يعفي، يقال: أعفى المريض بمعنى عوفي" (١). (س) أي: رواه النسائي عن علي أيضًا. وفي "الرياض": "عن سعد: أن النبي ﷺ عاده عام حجة الوداع بمكة من مرض أشفي فيه -أي: أصرف على الهلاك- فقال سعد: يا رسول الله، قد خفت أن أموت بالأرض هاجرت منها، فقال ﷺ : اللهم اشف سعدًا ثلاث مرات" (٢). (يا فلان) ضبط مرفوعًا بالتنوين وتركه، (شفى الله سقمك) بفتحتين وبضم فسكون، أي: مرضك، (وغفر ذنبك، وعافاك في دينك وجسمك) أي: بدنك، (إلى مدة أجلك) أي: نهاية عمرك. (مس) أي: رواه الحاكم (٣) عن سلمان: "أنه ﷺ ، قال له: يا سلمان، شفى الله سقمك … " إلى آخره؛ فقول المصنف: "يا فلان" نقل بالمعنى؛ إذ المراد بالخطاب: العام. (ومن عاد مريضًا لم يحضر أجله) أي: انتهاء عمره، (فقال) أي: العائد

стр. 1203

(عنده) أي: في حضوره، أو عند حصول مرضه، (سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم) بالجر على أنه صفة للعرش، وفي نسخة صحيحة بالنصب؛ على أنه صفة الرب، (أن يشفيك) مفعول ثاني "أسأل"، (إلا عافاه الله) استثناء مِنْ "مَنْ" الشرطية العامة؛ فكأنه قال: "ما عاد أحد مريضًا؛ فقال إلا عافاه الله"، (من ذلك المرض). (د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن ابن عباس (١). (وجاء رجل إلى علي؛ فقال: إن فلانًا شاكٍ) بكسر الكاف المخففة المنونة، اسم فاعل من شكى يشكي، أي: مريض، (فقال) أي: علي (أيسرك أن يبرأ؟) أي: يجعلك مسرورًا برؤه وصحته، (قال: فعم، قال: قل: يا حليم) أي: عن ذنوب العباد، (يا كريم) أي: بالتفضل على أهل البلاد، (اشف فلانًا؛ فإنه يبرأ. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول علي (٢).

стр. 1204

(وأيما مسلمٍ دعا بقوله) أي: بقول الله، أو بقول يونس في بطن الحوت، أو بقوله هذا: (﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾) أي: أنزهك عن النقصان والعدوان، (﴿إِنِّي كُنْتُ﴾) أي: دائمًا أو صرت الآن، (﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾) أي: الواضعين للأشياء في غير موضعها بالمعصية [أو] (١) الغفلة. (أربعين مرة) إيماء إلى مراتبه الخلقية من: النطفة، والعلقة، والمضغمة في الأطوار الجنينية، (فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر شهيد) أي: لشهود وحدانيته سبحانه، ولشهادة ظلمانية نفسه. (وإن بَرَأَ) بفتح الراء وكسرها أيضًا كما سبق، (بَرَأَ) أي: تعافى، (وقد غفر له جميع ذنوبه. مس) أي: رواه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (٢). (ومن قال في مرضه: لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إلى إلا الله وحده، لا إلى إلا الله لا شريك له) وفي [بعض] (٣) النسخ زيادة: "وحده" قبل "لا شريك له"، والظاهر أنه وهم من بعض رواة الكِتَاب، أو سهو من قلم الكُتَّاب. (لا إلى إلا الله، له الملك وله الحمد) عدت الجملتان بمنزلة واحدة لتلازمهما وعدم انفكاكهما، ولذا لم يقل: "لا إله إلا الله له الملك، لا إله

стр. 1205

إلا الله له الحمد"، ثم اكتفى بهما عن قوله: "وهو على كل شيء قدير". (لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم مات) أي: على ذلك، (لم تطعمه النار) أي: لم تأكله، واستعير الطعم للإحراق مبالغة، كأن الإنسان طعامها تتقوى وتتغذى به، وفي "نسخة الجلال" بصيغة المعروف المذكر من الإطعام، فيكون ضمير الفاعل "لله"، و"النار" منصوبًا على المفعولية. (ت، س، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة (١).

стр. 1206

(من سأل الله الشهادة) وفي "أصل الجلال": "شهادة" أي: نوع شهادة، (بصدق) أي: بصدق نية، وإخلاص طوية، (بلغه الله) بتشديد اللام، أي: أوصله، (منازل الشهداء) أي: منزلًا من منازلهم، (وإن مات على فراشه) وهذا أحد معاني: "نية المؤمن خير من عمله". (م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن سهل بن حنيف (١). (من طلب الشهادة) أي: من ربّه، (صادقًا) أي: من قلبه، (أعطيها) بصيغة المجهول، أي: أعطي منزلة الشهادة، (ولو لم تصبه) أي: ولو لم تحصله حقيقتها. (م) أي: رواه مسلم عن أنس (٢).

стр. 1207

(من قاتل في سبيل الله) أي: في مرضاته، (فَوَاقَ ناقة) أي: مقداره، وهو بفتح الفاء وضمها، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]، والأكثرون على الفتح. وفي "النهاية" (١): "هو ما بين الحلْبتين من الراحة، وقد يضم فاؤه ويفتح، وفي "الصحاح": "بضم الفاء وفتحها: ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب". وقال ابن سيده في "المحكم": "فواق الناقة بضمها وفتحها: رجوع اللبن في ضرعها، يقال: "لا ينتظروا فواق ناقة"، جعلوها ظرفًا على السعة". قيل: هو قدر ما بين رفع يدك من الضرع وقت الحلب وضمها، والمعنى: ساعة قليلة، (فقد وجبت له الجنة) أي: ثبتت، أو وجبت بمقتضى وعده سبحانه. (ومن سأل الله القتل) أي: كونه مقتولًا، (في سبيل الله من نفسه) أي: من باطنه، (صادقًا) أي: في نيته، (ثم مات أو قتل) أي: في غير جهاد، (كان له أجر شهيد. عه) أي: رواه الأربعة عن معاذ بن جبل، ورواه الحاكم بلفظ: "من سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم مات، أعطاه الله أجر شهيد" (٢). (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك. خ) أي:

стр. 1208

رواه البخاري من قول عمر موقوفًا، فكان حق المصنف أن يأتي بـ "مو" قبل رمزه (١). وقد أخرج البخاري، وأبو زرعة في كتاب "العلل" عن حفصة وأسلم، قالا: قال عمر: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك". وفي رواية عن حفصة: "فأنى يكون هذا؟ فقال: يأتيني به الله إن شاء" (٢). (فإذا حضره الموت) أي: علامته (وُجِّه) بضم واو وتشديد جيم مكسورة، أي: جعل وجهه (إلى القبلة) إما مضطجعًا، أو مستلقيًا، أو مستندًا، وهو الأحسن، ولخروج الروح أهون. (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي قتادة الأنصاري: "أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور قالوا: توفي وأوصى بثلث ماله لك يا رسول الله، وأوصى أن يُوَجَّهَ إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﷺ : أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثم ذهب فصلى على قبره، وقال: اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله الجنة، وقد فعل". رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: "صحيح، لا أعلم في توجيه المحتضر غيره" (٣).

стр. 1209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1210

(ويقول) أي: المحتضر (اللهم اغفر لي) أي: بمحو السيئة، (وارحمني) أي: بقبول الطاعة، (وألحقني بالرفيق الأعلى) قيل: المراد به الملائكة المقربون، أو العباد الصالحون بالمعنى الأعم، وهو الوجه الأتم، المناسب لما جاء: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وصح أن هذا آخر كلام أبي بكر ﵁. وقال المصنف: "جماعة النبيين الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فِعِّيلٍ، ومعناه الجماعة كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع، وقيل: معناه: أي: بالله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل" (١)، انتهى. وقال الجوهري: "الرفيق الأعلى: الجنة" (٢)، ويؤيده ما وقع [عن ابن إسحاق] (٣): الرفيق الأعلى الجنة". وقيل: الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء، ومن ذكر في الآية، وختمت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. ونكتة الإتيان بهذه الكلمة مفردًا الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على

стр. 1211

قلب رجل واحد، نص عليه السهيلي، وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل أن يكون المراد بالرفيق الأعلى هو الله ، لأنه من أسمائه، كما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: "إن الله رفيق يحب الرفق" كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة، فعزوه إليه أولى. قال: "والأعلى: يحتمل أن يكون صفة مكانه أو صفة فعل"، قال: "ويحتمل أن يراد به حظيرة القدس، وأن يراد به بالجماعة المذكورون في النسائي، ومعنى كونهم رفيقًا: تعاونهم على طاعة الله، وارتفاق بعضهم ببعض، وهذا الثالث هو المعتمد، وعليه أكثر الشراح (١). وكذا نقله ميرك عن الشيخ. أقول: أما بالنسبة إليه ﷺ فالأولى أن يراد بـ "الرفيق الأعلى" هو المولى أو وجه ربه الأعلى، إذ ثبت أن هذا منه ﵇ آخر الكلام كما أنه أول من قال: "بك"، في جواب ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] في ميثاق البلاء. (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، عن عائشة (٢). (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات) بكسرتين بعد فتحات نصبًا باسم "إن"، وسكرة الموت شدته على ما في "التاج"، و"المهذب"، وقال

стр. 1212

الراغب: "السكرة حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشرب، وقد تعرض من الغضب أو العشق". (خ، س، ق) أي رواه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة أيضًا (١). (اللهم أعني على غَمَرات الموت) أي: غشياته وغفلاته، وقال [المصنف] (٢): "بفتح الغين المعجمة والميم، أي: شدائده" (٣)، انتهى. فقوله: (وسكرات الموت) عطف بيان، وفي "القاموس" (٤): "سكرة الموت شدته وغشيته، وغمرة الشيء شدته ومزدحمه"، انتهى. والظاهر أن يراد بإحديهما الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة الموجبة للغفلة. وقد قال القاضي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾: إن سكرته شدته الذاهبة بالعقل. (ت) أي: رواه الترمذي عنها أيضًا ﵂ (٥).

стр. 1213

(يقول الله : إن عبدي المؤمن) بفتح الياء ويسكن، أي: المؤمن الكامل أو المؤمن من حيث هو (عندي) أي: في حكمي، (بمنزلة كل خير) أي: لا يفوت عنه كل خير بكل حال من السراء والضراء. (يحمدني) استئناف بيان متضمن لتعليل برهان، أي: يثني علي، ويشكر نعمتي، (وأنا أنزِع) بكسر الزاي، أي: والحال أني أقبض، (نفسه) وأقلع روحه، (من بين جنبيه) ومنه قولهم: "فلان في النزع"، أي: في قلع الحياة على ما في "التاج". (أ) أي: رواه أحمد عن أبي هريرة (١). (ومن حضر عنده) أي: عند المحتضر، (فليلقنه) بكسر القاف المشددة من التلقين بمعنى التفهيم على ما في "التاج"، والمعنى: أنه يعرض عليه ولا يكلفه، (لا إله إلا الله) أي: ليتذكر به إن كان غافلًا، وليزداد به نورًا وحضورًا إن كان حاضرًا، فلا يرد ما قال بعض المشايخ في نزعه لمن كان يلقنه على وجه الغفلة: "سبحان الله، يُلَقِّنُ ميتٌ حيًّا! ". (م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أبي سعيد (٢). (من كان آخرُ كلامه) بالرفع، وفي نسخة بالنصب، (لا إله إلا الله؛ دخل الجنة. د، مس) أي رواه: أبو داود، والحاكم، كلاهما عن معاذ بن

стр. 1214

جبل (١)، ومن غريب ما وقع أن ابن عيينة، قال في نزعه: "عن النبي ﷺ : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله"، ومات عليه. (وإذا غمَّضه) بتشديد الميم، أي: غمَّض عين الميت، (دعا ففسه بخير) وخير الدعوة طلب حسن الخاتمة؛ (فإن الملائكة يؤمنون) بتشديد الميم المكسورة، أي: يقولون: آمين، (على ما يقول) أي: المصاب أو الحاضر عند المحتضر أو المغمض. (فيقول: اللهم اغفر لفلان) أي: الميت الحاضر، وقدمه لما يقتضيه المقام الحاضر، (وارفع درجته في المهديين) بفتح الميم وكسر الدال وتشديد الياء الأولى، أي: في المهتدين. (واخلفه) بضم اللام، أي: كن له خليفة (في عقبه) أي: في ذريته وأهله مما عقبه، أو: كن لهم بعده خلفًا (في الغابرين) قال المصنف: "أي: الباقين يعني في الدنيا إلى حين". (واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسَح) بفتح السين، أي: وسع (له في قبره ونور له فيه. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة ﵂ (٢).

стр. 1215

(وليقل أهله) أي: أهل الميت كل بانفراده، (اللهم اغفر لي وله، وأَعْقِبْني) من الإعقاب، أي: أبدلني وعوضني، (منه عُقْبَى) على وزن بشرى، وقوله: (حسنة) نصب على أنه صفة له، والمعنى من يعقبه بإحسان. وقال المصنف: "أي بدلًا صالحًا" (١). (م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أم سلمة (٢). (وليقرأ عليه) أي: أحد من أهله أو من غيرهم ممن حضره حال الاحتضار، (سورة يس) وفي نسخة بصيغة المجهول، فقوله: "سورة يس" بالرفع. (س، د، ق، حب، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، كلهم عن معقل بن يسار المزني، أن رسول الله ﷺ ، قال: "قلب القرآن يس، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، اقرءوها على موتاكم". أي: من قرب منكم من الموت. سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا؛ ففيه تنبيه على أنه لا يقرأ ذلك حتى يظهر عليه آثار الموت. قيل: ويمكن أن يكون الأمر بقراءة "يس" بعد الموت. قال ميرك: "وكذا تلقين كلمة التوحيد يمكن حمله على ما بعد الموت،

стр. 1216

فإن إطلاق التلقين عليه أحق من المحتضر؛ لأنه لا يخلو عن المجاز بخلاف ما بعد الدفن، ولا بأس بإطلاقه على كليهما. قلت: كأنه أراد حديث: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"، وفيه: أن هذا الإجمال يفسره الحديث السابق: "ومن حضر عنده فليلقنه لا إله إلا الله". ثم قوله: "إطلاق التلقين عليه بعد الموت أحق من المحتضر" مدفوع بأن التلقين عند الموت متفق عليه، وجاز في عرف العام والخاص، وأما التلقين بعد الموت فمختلف في جوازه. ثم قوله: "لأنه يخلو عن المجاز" نشأ عن غفلة من الحقيقة: فإن التلقين إنما يكون للحي المدرك بكماله الحسي، سمعًا وروحًا دون الميت. ثم قوله: "ولا بأس بإطلاقه على كليهما" محمول عك [أمر آخر] (١) مختلف في جوازه من استعمال الشيء في معنييه الحقيقي والمجازي، والأولى أن يحمل كلامه ﷺ على المتفق عليه ليكون للكل رجع إليه. (س، د، ق، حب، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن معقل بن يسار (٢).

стр. 1217

(ويقول صاحب المصيبة: إنا) أي: معشر الخلق، (لله) أي: لإيجاده موجودون، (وإنا) أي: جميعنا، (إليه) أي: إلى حكمه، (راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي) بهمز وصل وضم جيم ويجوز كسره، وبهمزة ممدودة وبكسر الجيم. ففي "النهاية" (١): "آجره يؤجره: إذا أثابه وأعطاه الأجر، والأمر منهما: آجرني وأجرني". (وأخلف لي خيرًا منها) من الإخلاف؛ ففي "النهاية": "أخلف الله لك أي: أبدلك"، وفي نسخة صحيحة: بهمز وصل وضم لام، أي: كن خلفًا لي وعوضًا خيرًا مما فاتني بهذه المصيبة. (م) أي: رواه مسلم عن أم سلمة (٢). (وإذا مات ولد العبد) أي: ابنه أو ابنته أو أحد من أحفاده، (قال الله لملائكته) الموكلين بقبض الأرواح من عزرائيل (٣) وأعوانه، (قبضتم ولد

стр. 1218

عبدي) أي: روحه، والاستفهام مقدر، (فيقولون: فعم). وقد ورد في الكتب المذكورة الآتية هنا زيادة قوله: "فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ " أي: نتيجة توجه قلبه، وقطعة كبده، وحب لبه "فيقولون: نعم". (فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع) قال المصنف: "قال: إنا لله وإنا إليه راجعون" (١). (فيقول: ابنوا) بهمز وصل وضم نون أمر من البناء، (لعبدي بيتًا) أي: قصرًا عظيمًا، (في المجنة، وسموه: بيت الحمد) بالإضافة بمعنى اللام، واللام في الحمد للعهد، أي: بيتًا للحمد على فقد الولد. (ت، حب، ي) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، وابن السني، عن أبي موسى الأشعري (٢). (فإذا عزى) بتشديد الزاي، أي: أراد أن يعزي (أحدًا) أي: من المسلمين، (يسلم) أي: أولًا، وهذه سنة تركها المسلمون غالبًا على ما

стр. 1219

هو المشاهد، وينبغي أن يصافحه أيضًا. وأما المعانقة على ما يفعله أهل مكة فهو بدعة لا يبعد أن تكون مستحسنة؛ لما قاله ابن مسعود: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". (ويقول) أي: ثانيًا، (إن لله ما أخذ) أي: الذي أخذه، (ولله ما أعطى) أي: الذي أعطاه أوَّلًا أو سائر ما أعطى، ولفظ الأصول المذكورة الآتية: "وله ما أعطى"، وقدم الأخذ على الإعطاء، وإن كان الأخذ متأخرًا في الواقع لما يقتضيه المقام. والمعنى: إن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له فلا ينبغي الجزع، [لأن] (١) من يستودع الأمانة لا ينبغي له الجزع إذا استعيدت. ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد [الميت] (٢)، وثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك، و"ما" في الموضعين مصدرية، ويحتمل أن يكون موصولة، والعائد محذوف، فعلى الأول تقديره: لله الأخذ والإعطاء، وعلى الثاني: لله الذي أخذه من الأولاد، وله ما أعطى منهم، أو ما هو أعم من ذلك. (وكل عنده بأجل مسمى) أي: كل من الأخذ والإعطاء أو من

стр. 1220

الأنفس، أو ما هو أعم مما ذكر، وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجملة المذكورة، ويجوز في "كل" النصب عطفًا على اسم "إن" فيستحب التأكيد عليه أيضًا، ومعنى العندية العلم فهو من مجاز الملازمة، والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مجموع العمر، والمسمى معناه المعين. (فلتصبر ولتحتسب) أي: لتطلب الأجر بصيغة الخطاب فيهما، وضبط في "أصل الجلال" بصيغة الخطاب والغيبة. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أسامة بن زيد (١)، وهو مقطع من حديث طويل على ما في "المشكاة". (وكتب ﷺ إلى معاذ) لعله حين كان عاملًا باليمن، (يعزيه) أي: يسليه، (في ابن له) أي: مات عنده أو بالمدينة. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أي: باسمه المحيي المميت، (من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل) ابتدأ باسمه ﷺ اقتفاء لقوله تعالى حكاية عن قضية سليمان ﵇: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. وفيه: إشعار بأن الواو لا تفيد الترتيب بل هي لمطلق الجمع، أو تقديره: إنه من سليمان معنونًا، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مبدوءًا.

стр. 1221

(سلام عليك، فإني أحمد إليك) أي: معك، أو منهيًا إليك، وموصلا لديك، (الله الذي لا إله إلا هو) أي: فله الملك وله الحمد. (أما بعد) أي: بعد البسملة والحمدلة، وتسمى الجملة فصل الخطاب لشروع الكتاب، (فأعظم الله لك الأجر) ولعل هذا مأخذ أهل مكة في قولهم عند التعزية: " [أعظَم] (١) الله لك الأجر"، أي: الجزيل، (وألهمك الصبر) أي: الجميل، (ورزقنا وإياك الشكر) أي: على سائر النعم، أو على هذه المصيبة، فإنها نعمة ومنحة ولو كانت في الصورة بلية ومحنة، أو مرتبة الشكر على المصيبة فوق منزلة الصبر، وإن كان الصبر على ما تكره النفس فيه خير كثير وأجر كبير. (فإنّ أنفسنا وأموالنا وأهلينا) أي: من الأزواج والخدم والحشم، أو أقرباءنا، (وأولادَنا) أي: من أبنائنا وبناتنا وأولادهما، (من مواهب الله الهنيئة) بالهمز، ويجوز إبداله وإدغامه، وهي كل أمر يأتيك من غير تعب على ما في "النهاية" (٢). وهذه الأشياء وإن كان بعضها قد يحصل بالمكاسب لكن بالنظر إلى العارف لا يخرج عن كونه من المواهب. (وعواريّه) بتشديد الياء جمع العاريّة مشددة، كأنها منسوبة إلى العار؛

стр. 1222

لأن طلبها عيب وعار على ما في "النهاية" (١)، وقال صاحب "القاموس" (٢): "العارية مشددة وقد تخفف، والجمع عواري مشددة ومخففة"، انتهى. فوجه التخفيف أن يكون فاعله من العري، كأنها عارية عن ملك المستعير، أو يحمل التخفيف على التخفيف، أي: ومن عواريه (المستودعة) بفتح الدال، أي: الموضموعة على طريقة الوديعة. (نُمَتَّع) بضم النون وتشديد الفوقية المفتوحة على صيغة المجهول المتكلم مع الغير، أي: نحن نمتع بها، وفي "أصل الجلال" بصيغة الغائب المذكر المفعول، أي: ينتفع (بها إلى أجل معدود) أي: أيامه وساعاته وأنفاسه لا تزاد ولا تنقص، (ويقبضها) أي: يأخذها (لوقت معلوم) وهو نهاية الأجل المعدود المعين. (ثم افترض علينا الشكر) أي: جعل الشكر فرضًا علينا، (إذا أعطى) أي: شيئًا من النعمة، (والصبر إذا ابتلى) أي: بشيء من المحنة، أو إذا جعلنا مبتلين بالمصيبة والبلية. (فكان) أي: [فإذا] (٣) عرفت ذلك فكان (ابنك من مواهب الله الهنيئة) أي: لك، (وعواريه المستودعة) أي: عندك، (متعك به) أي: نفعك الله بابنك، (في غبطة) قال المصنف: "بكسر الغين المعجمة: النعمة والخير

стр. 1223

وحسن الحال" (١)، انتهى. والأظهر أن يقال: أي في حال غبطة يغبطك فيها أقرانك، (وسرور) أي: وفي فرح يحزن أعداءك، (وقبضه) أي: أخذه تعالى، (منك بأجر) أي: مصحوبًا بأجرٍ، أو بمقابلة أجرٍ، (كبيرٍ) بالموحدة، وفي نسخة صحيحة بالمثلثة، فالأول يشير إلى عظمة الكيفية، والثاني: يشير إلى عظمة الكمية. (الصلاة) يجوز فيها وما عطف عليها الحركات الثلاث، والجر بالبدلية أولى، ثم الرفع عك أنه خبر مبتدإٍ محذوف هو: "هو"، والنصب بتقدير: "أعني". (والرحمة والهدى) وفيها اقتباس من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] أي: للحق والصواب حيث استرجعوه، وسلموا القضاء لله تعالى، ثم الصلاة في الأصل الدعاء، ومن الله التزكية والمغفرة، والمراد بالرحمة: اللطف والإحسان، قال القاضي: "وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها". قلت: أو لمقابلة الجمع بالجمع، ولذا أفردت في الحديث. (إن احتسبت) أي: طلبت الثواب، (فاصبر ولا يحبط) من الإحباط بصيغة النهي، أي: ولا ينبغي أن يضيع (جزعك) أي: قلة صبرك وكثرة فزعك، (أجرك) أي: ثوابك، (فتندم) حيث لا يرجع محبوبك، ويفوت

стр. 1224

مطلوبك، فيجتمع عليك مصيبتان، ويحصل لك محنتان. وقال المصنف: "الجزع بفتح الجيم والزاي، أي: الحزن وهو ضد الصبر" (١)، انتهى. وفيه بحث؛ إذ الحزن لا ينافي الصبر، فقد قال ﷺ في موت ولده: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنَّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون". وأيضًا الحزن أمر طَبَعِيٌّ غير اختياري، فلا يدخل تحت حكم شرعي اعتباري. (واعلم أن الجزع لا يرد شيئًا) أي: مما فات، (ولا يدفع حزنًا) أي: فيما هو آت، (وما هو نازل) أي: من البلايا بما تعلق به القضاء والقدر، (فَكَأَنْ) بسكون النون بعد فتح همز، ولعلها مخففة من المثقلة، أي: "فكأنه كان" أو "كأنه نزل"، وفي نسخة بزيادة: "قد"، وهو موافق لما في "سلاح المؤمن" و"موضوعات ابن الجوزي"؛ ففيه زيادة تحقيق، فالتقدير: "فكأنه قد نزل". وقال المصنف: "حفظناه بالفاء فكاف مفتوحة وهمزة كذلك فَنُونٌ ساكنة، أي: فكان قد وقع وحصل وصار، فلا فائدة في الجزع"، والله أعلم. (والسلام) فيه إيماءٌ إلى أنه ينبغي السلام أولًا وآخرًا في المكتوب، وهو مؤيد بالقياس على سلام المواجهة والموادعة. (مس، مر) أي رواه: الحاكم، وابن مردويه، عن معاذ بن جبل، وقد

стр. 1225

صرح ابن الجوزي بأن هذا الحديث موضوع (١). قلت: يمكن أن يكون بالنسبة إلى إسناده المذكور عنده موضوعًا، على أنه معارض بما ذكره الحاكم في "المستدرك على الصحيحين"، وقال: "حسن غريب". وقد رواه ابن مردويه أيضًا، وكذلك الفقيه أبو الليث السمرقندي بإسناده في "تنبيه الغافلين"، فهو: إما حسن أو ضعيف، والضعيف يُعْمَلُ به في فضائل الأعمال اتفاقًا. وقد قال أبو نعيم (٢): "لا يثبت رفعه، وهو موقوف [لكنها] (٣) وصية حسنة"، انتهى. ولم يبين أنه موقوف على صحابي أو تابعي، والله أعلم.

стр. 1226

(ولما تُوُفّي) بضم تاء وواو وتشديد فاء مكسورة وفتح ياء على صيغة المجهول الماضي، من التوفي المأخوذ من الوفاة، أي: قبض، وفي نسخة بفتحتين فتشديد فاء مفتوحة، وقد سبق تحقيقه، أي: مات، ( ﷺ ، عزتهم) بتشديد الزاي، أي: عزت الصحابةَ، (الملائكةُ) أي: بعضهم، على احتمال أنهم رأوهم أم لا؟، حيث قالوا: (السلام عليكم ورحمة ﷺ وبركاته، إن في الله) أي: في وجوده وشهوده، وكرمه وجوده، أو فيما عنده لعبده، (عزاءً) بفتح عين وتخفيف زاي، أي: تسملية (من كل مصيبة) أي: من جهة إصابة كل مصيبة، وفقدان كل حبيبة بخلاف عكسه، فإنك إذا فقدته وجدت كل شيء فائتًا، فمن فقده أي شيء وجده، ومن وجده أي شيء فقده، ولذا قال الشاعر: لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتَهُ عِوَضُ … وَلَيْسَ لله إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ ويؤيده عطف تفسيره بقوله: (وخَلَفًا) أي: عوضًا (من كل فائتٍ، فبالله فثقوا) بكسر المثلثة وتخفيف القاف، أي: فبوعده وعهده فاعتمدوا، وفي بعض الروايات: "فاتقوا" بدل "فثقوا"، على ما في "المشكاة". (وإياه فارجوا) أي: لا ترجوا سواه، وفي بعض الروايات بدله: "فارجعوا" أي: إليه لا إلى غيره، في خيره وشره، وجميع حكمه وأمره. قال ميرك: "كذا وقع في نسخ "الحصن": "فثقوا"، ووقع في "المشكاة": "فبالله فاتقوا" ". قال الطيبي: "الفاء: جواب الشرط، وبالله: حال قدمت على عاملها، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:

стр. 1227

٥٦] "، أي: إذا كان الله مُعَزِّيًا وَمُخْلِفًا ومدركًا، فخصوه بالتقوى مستعينين به، والفاء في "فاتقوا" وردت لتأكيد الربط، وكذا في قوله "فارجوا"". (فإنما المحروم من حرم) بصيغة المجهول، أي: منع (الثواب) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ، ومنه قوله: "اللهم لا تحرمنا أجره"، (والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مس) أي: رواه الحاكم عن جابر (١).

стр. 1228

(دخل رجل) كذا في "أصل الأصيل" بلا وَاوٍ وهو الظاهر، وفي "أصل الجلال": "ودخل رجل"، (أشهب اللحية) أفعل، وصف من الشهبة، في الألوان: البياض الذي غلب السواد، (جسيم) أي: قوي شديد، عظيم جسيم، (صبيح) أي: حسن الوجه وسيم، (فتخطى) أي: جاوز، (رقابهم) والمعنى: أنه تعدّاهم إلى مكان يرونه ويراهم، (فبكى) أي: لفقد المصطفى ﷺ ، (ثم التفت إلى الصحابة) أي: من كبرائهم وعظمائهم، (فقال: إن في الله عَزَاءً من كل مصيبة، وعوضًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا) أي: فارجعوا بحسن الإقبال وتحسين الأعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]، ومنه قوله سبحانه ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]. (وإليه) أي: إلى ثوابه أو لقائه، (فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء) أي: حال الابتلاء، (فانظروا) أي: فتفكروا وتأملوا كيف تقوموا بحقه من الصبر والشكر والرضا بالقضاء، أو فانظروا إلى المبلي ولا تنظروا إلى البلاء، إن كنتم من أهل الولاء. (فإنما المصاب) بضم الميم، أي: صاحب المصيبة في الحقيقة، (من لم يجبر) بصيغة المجهول، أي: لم يصلح حاله بتوفيق الصبر وتحصيل الأجر، (وانصرف). (فقال أبو بكر وعلي: هذا الخضر) بفتح الخاء وكسر الضاد، ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء أوفتحها، وإنما سمي به لأنه جلس على

стр. 1229

فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء، والفروة: وجه الأرض. وكنيته أبو العباس، واسمه بَلْيَا -بموحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء منقوطة من تحت- ابن ملكان، بفتح الميم وإسكان اللام وبالكاف، كذا حققه الكرماني في "شرح البخاري". (عليه¬ السلام) يحتمل أن هذا من قولهما وهو الأظهر، أو من قول المصنف، أو من قبله من المخرجين. وفي الجملة: فيه دلالة على أنه نبي تابع لنبينا ﷺ ، لقوله: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي"، ولنزول عيسى على وفق متابعته، وجعله أحدًا من أفراد ملته. قال سعدي جلبي من علمائنا: "الجمهور على أنه نبي"، وقد سمع من الشيخ محمد البكري، قدس سره السري: "إن ما قيل: أن الخضر هو ابن فرعون ضعيفٌ، بل ليس بشيء، والصحيح: أنه ابن آدم من صلبه، ثم الصحيح: أنه نبي، ويعيش إلى أن يقاتل الدجال". وقال الكرماني: "اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه نبي على قولين مرسلًا وغير مرسلٍ، وقيل: إنه ولي، وقيل: إنه من الملائكة". واحتج من قال بأنه نبي بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وبكونه أعلم من موسى، والولي لا يكون أعلم من النبي. وأجيب: بأنه [يجوز أن] (١) يكون قد أوحى الله إلى نبي هذا العصر أن يأمر الخضر بذلك.

стр. 1230

قلت: وهذا مع كونه [احتمالًا بعيدًا] (١) جدًّا لو كان موجودًا لأمر موسى بالاجتماع به دون الخضر، وذكر الثعلبي ثلاثة أقوال في أن الخضر كان في زمن إبراهيم، أم بعده بقليل، أو كثير، وقال: "إنه نبي مُعَمِّرٌ على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان". وقال ابن الصلاح: "جمهور العلماء والصالحين على أنه حي، والعامة معهم". وقال النووي: "الأكثرون من العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح"، انتهى. وقال الحنفي: "دل الحديث على أنه حي". قلت: لا دلالة للحديث على أنه حي الآن، بل على أنه كان حيًّا في ذلك الزمان لتحققه في ذلك المكان، ولا خلاف في ذلك الشان. (مس) أي: رواه الحاكم عن أنس. قال ميرك: "وليس بصحيح". وقال العسقلاني: "هذا الحديث واهي الإسناد" (٢).
следующие страницы →