(ولما تُوُفّي) بضم تاء وواو وتشديد فاء مكسورة وفتح ياء على صيغة المجهول الماضي، من التوفي المأخوذ من الوفاة، أي: قبض، وفي نسخة بفتحتين فتشديد فاء مفتوحة، وقد سبق تحقيقه، أي: مات، ( ﷺ ، عزتهم) بتشديد الزاي، أي: عزت الصحابةَ، (الملائكةُ) أي: بعضهم، على احتمال أنهم رأوهم أم لا؟، حيث قالوا: (السلام عليكم ورحمة ﷺ وبركاته، إن في الله) أي: في وجوده وشهوده، وكرمه وجوده، أو فيما عنده لعبده، (عزاءً) بفتح عين وتخفيف زاي، أي: تسملية (من كل مصيبة) أي: من جهة إصابة كل مصيبة، وفقدان كل حبيبة بخلاف عكسه، فإنك إذا فقدته وجدت كل شيء فائتًا، فمن فقده أي شيء وجده، ومن وجده أي شيء فقده، ولذا قال الشاعر:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتَهُ عِوَضُ … وَلَيْسَ لله إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ
ويؤيده عطف تفسيره بقوله: (وخَلَفًا) أي: عوضًا (من كل فائتٍ، فبالله فثقوا) بكسر المثلثة وتخفيف القاف، أي: فبوعده وعهده فاعتمدوا، وفي بعض الروايات: "فاتقوا" بدل "فثقوا"، على ما في "المشكاة".
(وإياه فارجوا) أي: لا ترجوا سواه، وفي بعض الروايات بدله: "فارجعوا" أي: إليه لا إلى غيره، في خيره وشره، وجميع حكمه وأمره.
قال ميرك: "كذا وقع في نسخ "الحصن": "فثقوا"، ووقع في "المشكاة": "فبالله فاتقوا" ". قال الطيبي: "الفاء: جواب الشرط، وبالله: حال قدمت على عاملها، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:
стр. 1227
٥٦] "، أي: إذا كان الله مُعَزِّيًا وَمُخْلِفًا ومدركًا، فخصوه بالتقوى مستعينين به، والفاء في "فاتقوا" وردت لتأكيد الربط، وكذا في قوله "فارجوا"".
(فإنما المحروم من حرم) بصيغة المجهول، أي: منع (الثواب) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ، ومنه قوله: "اللهم لا تحرمنا أجره"، (والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مس) أي: رواه الحاكم عن جابر (١).
стр. 1228
(دخل رجل) كذا في "أصل الأصيل" بلا وَاوٍ وهو الظاهر، وفي "أصل الجلال": "ودخل رجل"، (أشهب اللحية) أفعل، وصف من الشهبة، في الألوان: البياض الذي غلب السواد، (جسيم) أي: قوي شديد، عظيم جسيم، (صبيح) أي: حسن الوجه وسيم، (فتخطى) أي: جاوز، (رقابهم) والمعنى: أنه تعدّاهم إلى مكان يرونه ويراهم، (فبكى) أي: لفقد المصطفى ﷺ ، (ثم التفت إلى الصحابة) أي: من كبرائهم وعظمائهم، (فقال: إن في الله عَزَاءً من كل مصيبة، وعوضًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا) أي: فارجعوا بحسن الإقبال وتحسين الأعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]، ومنه قوله سبحانه ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤].
(وإليه) أي: إلى ثوابه أو لقائه، (فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء) أي: حال الابتلاء، (فانظروا) أي: فتفكروا وتأملوا كيف تقوموا بحقه من الصبر والشكر والرضا بالقضاء، أو فانظروا إلى المبلي ولا تنظروا إلى البلاء، إن كنتم من أهل الولاء. (فإنما المصاب) بضم الميم، أي: صاحب المصيبة في الحقيقة، (من لم يجبر) بصيغة المجهول، أي: لم يصلح حاله بتوفيق الصبر وتحصيل الأجر، (وانصرف).
(فقال أبو بكر وعلي: هذا الخضر) بفتح الخاء وكسر الضاد، ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء أوفتحها، وإنما سمي به لأنه جلس على
стр. 1229
فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء، والفروة: وجه الأرض.
وكنيته أبو العباس، واسمه بَلْيَا -بموحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء منقوطة من تحت- ابن ملكان، بفتح الميم وإسكان اللام وبالكاف، كذا حققه الكرماني في "شرح البخاري".
(عليه¬ السلام) يحتمل أن هذا من قولهما وهو الأظهر، أو من قول المصنف، أو من قبله من المخرجين.
وفي الجملة: فيه دلالة على أنه نبي تابع لنبينا ﷺ ، لقوله: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي"، ولنزول عيسى على وفق متابعته، وجعله أحدًا من أفراد ملته.
قال سعدي جلبي من علمائنا: "الجمهور على أنه نبي"، وقد سمع من الشيخ محمد البكري، قدس سره السري: "إن ما قيل: أن الخضر هو ابن فرعون ضعيفٌ، بل ليس بشيء، والصحيح: أنه ابن آدم من صلبه، ثم الصحيح: أنه نبي، ويعيش إلى أن يقاتل الدجال". وقال الكرماني: "اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه نبي على قولين مرسلًا وغير مرسلٍ، وقيل: إنه ولي، وقيل: إنه من الملائكة".
واحتج من قال بأنه نبي بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وبكونه أعلم من موسى، والولي لا يكون أعلم من النبي.
وأجيب: بأنه [يجوز أن] (١) يكون قد أوحى الله إلى نبي هذا العصر أن يأمر الخضر بذلك.
стр. 1230
قلت: وهذا مع كونه [احتمالًا بعيدًا] (١) جدًّا لو كان موجودًا لأمر موسى بالاجتماع به دون الخضر، وذكر الثعلبي ثلاثة أقوال في أن الخضر كان في زمن إبراهيم، أم بعده بقليل، أو كثير، وقال: "إنه نبي مُعَمِّرٌ على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان".
وقال ابن الصلاح: "جمهور العلماء والصالحين على أنه حي، والعامة معهم". وقال النووي: "الأكثرون من العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح"، انتهى.
وقال الحنفي: "دل الحديث على أنه حي". قلت: لا دلالة للحديث على أنه حي الآن، بل على أنه كان حيًّا في ذلك الزمان لتحققه في ذلك المكان، ولا خلاف في ذلك الشان.
(مس) أي: رواه الحاكم عن أنس. قال ميرك: "وليس بصحيح". وقال العسقلاني: "هذا الحديث واهي الإسناد" (٢).
стр. 1231
(ومن رفع الميت) أي: وضعه (على السرير) أي: النعش، (أو حمله) أي: حمل السرير معه، أو حمل الميت على السرير أو بدونه، (فليقل: باسم الله. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن عمر (١)، وبكر بن عبد الله المزني [التابعي] (٢)، ذكره ميرك.
وفي "السلاح": "عن ابن عمر: أنه سمع رجلًا يقول: ارفعوا على اسم الله؛ فقال: لا تقولوا: ارفعوا على اسم الله؛ فإن اسم الله على كل شيء، ولكن قولوا: ارفعوا باسم الله. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: إذا حملت السرير فقل: باسم الله. رواهما ابن أبي شيبة".
(وإذا صلى عليه) أي: على الميت، وهو فرض كفاية، وشرط صحتها: إسلام الميت، وطهارته، ووضعه أمام المصلي؛ فلهذا القيد لا يجوز على غائب عندنا، ولا على حاضر محمول على دابة وغيرها، ولا موضوع وراء المصلي.
وأركانها: القيام، والتكبير، والدعاء، وقالوا: يُقَدِّمُ الثناء والصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنهما من سنة الدعاء.
(كبر) أي: بعد النية المقرونة برفع اليد اتفاقًا، (ثم قرأ الفاتحه) أي: وجوبًا عند الشافعية، ويقصد الثناء عندنا، قال صاحب "الهداية":
стр. 1232
"والصلاة أن يكبر تكبيرة يحمد الله عَقِيبَها".
قال ابن الهمام عن أبي حنيفة: "يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … " إلى آخره. قالوا: "لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء؛ إذ لم تثبت القراءة عن رسول الله ﷺ ".
وفي "موطأ مالك" عن نافع: "أن ابن عمر كان لا يقرؤها في الصلاة على الجنازة" (١).
(ثم) أي: بعد التكبيرة الثانية، (صلى على النبي ﷺ ) أي: كما يصلي في التشهد، وهو الأولى.
(ثم) أي: بعد التكبيرة الثالثة، يدعو للميت ولنفسه ولأبويه وللمسلمين، ولا توقيت في الدعاء سوى أنه بأمور الآخرة، وإن دعا بالمأثور فهو أحسن.
وحينئذ (قال: اللهم عبدك) أي: هذا الميت مملوكك، (وابن أمتك) أي: جاريتك، فتخصيص الأم لأنه أدعى إلى الرحمة والرأفة، (يشهد) أي: "كان يشهد" كما في نسخة، (أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، ويشهد أن محمدًا عبدك ورسولك).
(أصبح) أي: صار، (فقيرًا) أي: محتاجًا شديدًا، (إلى رحمتك، وأصبحت) أي: صرت، بل كنت (غنيًّا عن عذابه) ووقع هذا لمحافظة المشاكلة مع قوله: "أصبح فقيرًا"، والمعنى: وأنت غني عن عذابه، (تخلى) أي: اعتزل (من الدنيا وأهلها).
(إن كان زاكيًا) أي: "محسنًا" كما في رواية. وقال المصنف: "أي: طاهرًا من الذنوب" (١)، (فزكه) بتشديد الكاف المكسورة، أي: "فزد في إحسانه" كما في رواية، وقال المصنف: "فطهره بالمغفرة، ورفع
стр. 1235
الدرجات" (١)، انتهى.
ولا يخفى عدم المناسبة بين تفسيره "زاكيًا" بـ "طاهرًا من الذنوب" وبين قوله: "فطهره بالمغفرة"، وأغرب الحنفي بقوله: "الأولى أن يقال: أي زد في زكاته وطهارته".
(وإن كان مخطئًا) أي: مسيئًا، (فاغفر له) أي: إساءته، (اللهم لا تحرمنا) بفتح التاء وكسر الراء، أي: لا تمنعنا، (أجره) أي: ثوابه، وأما ما ضبطه بعضهم بضم أوله فغير صحيح رواية ودراية، ففي "القاموس" (٢): "حرمه الشيء -كضربه وعلمه- حرمانًا: منعه حقه، وأحرمه لُغَيَّةٌ".
(ولا تضلنا) من الإضلال، أي: لا توقعنا في الإضلال، وهو معنى ما في رواية: "ولا تفتنا" بتشديد النون، (بعده) أي: بعد موته. (مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس (٣).
(الله اغفر له) أي: ذنوبه، (وارحمه) أي: برفع الدرجة زيادة على المغفرة، (وعافه) أي: من العذاب، (واعف عنه) أي: مما وقع له [من التقصير] (٤) في الطاعة، (وأكرم) من الإكرام، (نُزُلَه) بضمتين، وهو ما
стр. 1236
يهيأ للضيف من الطعام، أي: أحسن نصيبَه من الجنة.
وقال المصنف: "بضم النون والزاي، وهو في الأصل قرى الضيف، يعني: الأجر والثواب والمغفرة" (١).
(ووسِّع) بكسر السين المشددة، (مُدْخَله) بضم ميم وفتح خاء معجمة، وفي نسخة صحيحة بفتحها، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
قال المصنف: "بضم الميم، يعني: موضعًا يدخل فيه، وهو قبره الذي يدخله الله فيه" (٢).
وقال ميرك: "لكن المسموع من أفواه المشايخ، والمضبوط في الأصول: فتح الميم، وكلاهما صحيح المعنى".
قال صاحب "الصحاح": "المدخل: الدخول، وموضع الدخول أيضًا، يقول: دخلت مدخلا حسنًا ومدخل صدق، والمدخل: الإدخال، والمفعول من أدخله يقول: أدخلته مدخل صدق"، انتهى. ويجوز أن يكون بالضم موضع الإدخال، وهو المناسب لهذا المقام.
(واغسله) بهمز وصل، أي: اغسل ذنوبه وطهر عيوبه، (بالماء والثلج والبرد) بفتحتين، والغرض منه تعميم أنواع الرحمة والمغفرة في مقابلة أصناف المعصية والغفلة.
стр. 1237
(ونقِّه) بتشديد القاف المكسورة، أمر من التنقية، بمعنى التطهير، والهاء يحتمل أن يكون ضميرًا للميت، وأن يكون هاء السكت، (من الخطايا) أي: من أثرها، (كما نقيت الثوب الأبيض) أي: نظفته حقيقة، وفي رواية ابن الهمام: "كما ينقى الثوب الأبيض"، (من الدنس) بفتحتين أي: الدرن، قال المصنف: "بفتح الدال والنون: الوسخ، يريد المبالغة في التطهير من الخطايا والذنوب" (١).
(وأبدله) أمر من الإبدال، أي: عوّضه، (دارًا) أي: من القصور، أو من سعة القبور، (خيرًا من داره) أي: في الدنيا الفانية، (وأهلًا) أي: من الغلمان والخدم، (خيرًا من أهله، وزوجًا) أي: زوجة من الحور العين، أو من نساء الدنيا في الجنة، (خيرًا من زوجِه) أي: زوجته، أو زوجًا من رجال أهل الجنة خيرًا من زوجها في الدنيا حقيقةً أو حكمًا.
(وأدخله الجنة) أي: أولًا، (وأعذه) أمر من الإعاذة، أي: وخلصه (من عذاب القبر، وعذاب النار) إما بعد إدخاله فيها، أو بإنجائه منها.
(م، ت، س، ق، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن عوف بن مالك الأشجعي (٢)، وفي "شرح
стр. 1238
الهداية" لابن الهمام: "قال عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت".
(اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا) أي: لأحيائنا وأمواتنا، معشر المسلمين، (وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا) أي: حاضرنا، (وغائبنا).
قال التوربشتي: "سئل الطحاوي عن معنى الاستغفار للصغار مع أنهم لا ذنب لهم؟ فقال: إن النبي ﵇ سأل ربه أن يغفر لهم الذنوب التي قضيت لهم أن يصيبوها بعد الانتهاء إلى حال الكبر". (١)
قال ميرك: "كل من القرائن الأربع في هذا الحديث يدل على الشمول والاستيعاب، فلا يحمل على التخصيص نظرًا إلى مفردات التركيب، كأنه قيل: "اللهم اغفر للمسلمين كلهم أجمعين"، فهي من الكنايات الرمزية يدل عليه جمعه في قوله: "اللهم من أحييته منا … " إلى آخره".
قلت: لا كلام في إفادة العموم والشمول، لكن المغفرة لا تقابل إلا بالمعصية، وهي غير متحققة من نحو الأطفال، فحمله المحقق على صغار يصيرون كبارًا يتصور منهم وقوع الذنب (٢). وأقول: الأظهر أن
стр. 1239
يراد بصغيرنا شبابنا، وبكبيرنا شيوخنا فيرتفع الإشكال، والله أعلم بحقيقة الحال.
(اللهم من أحييته منا فأحيه) بقطع الهمزة، (على الإسلام) وفي رواية الترمذي، والحاكم: "على الإيمان"، (ومن توفيته) بتشديد الفاء، أي: قبضت روحه، (منا فتوفّه على الإيمان) وفي روايتهما: "على الإسلام"، ولا شك أن رواية غيرهما أولى لمناسبة الحياة بالإسلام، ويلائمه الوفاة بلإيمان.
(اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) وفي رواية النسائي: "ولا تفتنا بعده". (د، ت، س، أ، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة (١).
стр. 1240
قال ابن الهمام: "وفي حديث إبراهيم الأشهل، عن أبيه، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلي علي الجنازة قال: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا". رواه الترمذي، والنسائي.
قال الترمذي: "ورواه أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وزاد فيه: "اللهم من أحييته منا فأحيه علي الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه علي الإيمان"، وفي رواية لأبي داود نحوه، وفي أخرى: "ومن توفيته منا فتوفه علي الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره ولا [تضلنا] (١) بعده".
(اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها) أي: مع سائر الأنام، (وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها) "أي: أمرت بقبضها" (٢) ذكره المصنف، فالإسناد مجازي، (وأنت أعلم بسرها وعلانيتها) بتخفيف الياء.
(جئنا) أي: حضرنا، (شفعاء) أي: فيها، (فاغفر) أي: فاغفر ذنبها، أو فاغفر لنا أجمعين. (د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي؛ كلاهما عن أبي هريرة (٣).
стр. 1241
(لها. س) أي: رواه النسائي عنه بهذه الزيادة.
(له. د) أي: رواه أبو داود بهذه الزيادة.
فتأنيث الضمير باعتبار النفس، أو الروح التي هي الأصل؛ ليكون أيضًا على وفق الضمائر السابقة، والتذكير: باعتبار الشخص، أو التأنيث للمرأة والتذكير للرجل على تقدير تعدد الواقعة الدال عليه اختلاف الرواية.
(اللهم إن فلان ابن فلان) في نسخة بإثبات الألف، وفي أخرى بحذفها، وفي أخرى: "إن فلانًا ابن فلان"، وبتنوين الثاني في الجميع، (في ذمتك) أي: في عهدك من الإيمان، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] أي: ميثاقي.
(وحبل جوارك) بكسر الجيم، أي: في أمانك من القرآن، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال الطيبي: "الحبل: العهد، والأمان، والذمة".
و"حبل جوارك" بيان لقوله: "ذمتك"، نحو: أعجبني زيد وكرمه، أي:
стр. 1242
في كنف حفظك وعهد طاعتك مات.
وقال المصنف: "أي: خفارتك وطلب غفرانك، وفي أمانك، وقد كان من عادة العرب أن يخفر بعضها بعضًا، [فكان] (١) الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيّد كل قبيلة فيأمن به ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى الأخرى، فيفعل مثل ذلك، فهذا حبل الجوار، أي: ما دام مجاورًا أرضه، ويجوز أن يكون من الإجارة، وهو الأمان والنصرة" (٢).
(فَقِهِ) بهاء الضمير، وفي نسخة صحيحة بهاء السكت أي: فاحفظه، (من فتنة القبر) أي: اختباره أو عذابه، (وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء) أي: لقولك ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
(والحمد) أي: وأهل الحمد بالتزكية والثناء، أو بالشكر والجزاء لمن ثبت على الإيمان وقام بحق القرآن، والجملة حالية من فاعل "قِهْ" أو استئنافية.
ويمكن أن يكون المعنى: وأنت أهل الوفاء لقولك: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وأهل الحمد: أي: اللائق به ليس إلا أنت، ومن كان كذلك لا يرد سؤال السائل.
(اللهم فاغفر له) أي: بمحو سيئاته، (وارحمه) برفع درجاته، (إنك أنت الغفور الرحيم. د، ق) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، عن واثلة بن الأسقع، أنه قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول:
стр. 1243
اللهم … " إلى آخره، وسكت عليه أبو داود وأقره الترمذي (١).
(اللهم عبدك وابن أمتك، احتاج إلى رحمتك) أي: احتياجًا كاملًا، (وأنت غني عن عذابه) وعن مؤاخذته بأعماله، (إن كان محسنًا فزد في إحسانه) أي: في إحسان جزائه، أو في جزاء إحسانه.
(وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه) أي: عن إساءته أو مؤاخذته. (مس) أي: رواه الحاكم عن يزيد بن رُكانة، وهو المطلب بن عناف، وقال: "إسناده صحيح" (٢)، ويزيد وركانة صحابيّان. ذكره ميرك.
стр. 1244
(اللهم عبدك، وابن عبدك، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به مني) أي: ظاهرًا وباطنًا، وإنما هذا بطريق العرض.
(إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فاغفر له، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. حب) أي: رواه ابن حبان عن أبي هريرة (١).
قال ابن الهمام: "واستحسن بعض المشايخ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، إلى آخره، أو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] إلى آخره. ثم يكبر رابعًا، ثم يسلم تسليمتين ينوي بهما الميت مع القوم.
وقد روى محمد بن الحسن، أنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النَّخَعِي: "أن الناس كانوا يصلون على الجنازة خمسًا وستًّا وأربعًا، حتى قبض النبي ﷺ ، ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر الصديق ﵁، ثم ولي عمر بن الخطاب ﵁ ففعلوا ذلك.
فقال لهم عمر: إنكم معشر أصحاب محمد، متى تختلفون يختلف الناس بعدكم والناس حديث عهد بالجاهلية، فأجمعوا على شيء يُجْمِعُ عليه مَنْ بَعْدَكُمْ، فأجمع رأي أصحاب محمد أن ينظروا آخر جنازة كبّر عليها النبي ﷺ حتى قبض؛ فيأخذون به، ويرفضون ما سواه، فنظروا
стр. 1245
فوجدوا آخر جنازة كبّر عليها رسول الله ﷺ أربعًا".
وفيه انقطاع بين إبراهيم وعمر، وهو غير [ضائر] (١) عندنا، وقد روى أحمد من طريق آخر موصولًا (٢).
وروى الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس قال: "آخر ما كبّر النبي ﷺ على الجنائز أربع تكبيرات، وكبر عمر على أبي بكر أربعًا، وكبر ابن عمر على عمر أربعًا، وكبر الحسن بن علي على على أربعًا، وكبر الحسين بن علي على الحسن أربعًا، وكبرت الملائكة على آدمَ أربعًا". سكت عليه الحاكم (٣)، وأعله الدارقطني بالفرات بن السائب، قال: "متروك".
وأخرجه البيهقي في "سننه"، والطبراني عن النضر بن عبد الرحمن،
стр. 1246
وضعفه البيهقي قال: "وقد روي من وجوه كلها ضعيفة إلا أن اجتماع أكثر الصحابة ﵃ على الأربع كالدليل على ذلك" (١).
(وإذا وضعه) أي: الميت، (في قبره، قال) أي: الواضع، (باسم الله) أي: وضعته، أو أدخلته، أو دفنته باسم الله، (وعلى سنة رسول الله ﷺ ) وفي رواية الترمذي: "وعلى ملة رسول الله).
قال المصنف: "الملة: الدين، والسنة: الطريقة، يعني: ما سَنَّهُ ﷺ " (٢)، انتهى. وقيل: "الملة والدين متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار، فإن
стр. 1247
الشريعة من حيث إنها [يطاع] (١) لها: دين، ومن حيث إنها تكتب وتملي: ملة، والإملاء بمعنى الإملال".
(د، ت، س، حب) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ إذا وضع الميت في قبره قال: باسم الله، وبالله، وعلى سنة رسول الله" (٢). واللفظ لأبي داود. ذكره ميرك. والتاء مؤخر عن السين في "نسخة الجلال".
(باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله. مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عمر أيضًا (٣).
(﴿مِنْهَا﴾) أي: من الأرض، (﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾) أي: ابتداءًا، ﴿وَفِيهَا﴾
стр. 1248
نُعِيدُكُمْ﴾ أي: عند موتكم، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]) أي: عند البعث كالإخراجة الأولى.
(باسم الله، وفي سبيل الله) أي: في طريق بها أمر الله، (وعلى ملة رسول الله. مس) أي: رواه الحاكم عن أبي أمامة (١) قال: "لما وُضِعَتْ أُمُّ كلثوم بِنْتُ رسول الله ﷺ في القبر، فقال رسول الله ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ " إلى قوله: "وعلى ملة رسول الله". قال أبو أمامة: "فلما بُنِيَ عليها لحدها طفق يطرح إليهم [الجبوب] (٢)، ويقول: سووا خلال اللَّبِنِ".
قال: "أما إن هذا ليس بشيء، ولكنه يطيب بنفس الحي". وفي بعض النسخ: قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ … ﴾ إلى آخره مقدم على قوله: "باسم الله" في صدر الكلام.
(فإذا فرغ) بصيغة الفاعل، ويجوز علي بناء المفعول، (من دفنه) وفي نسخة: "فَإِذَا فَرَغَ دَفْنُهُ"، (وقف) أي: النبي ﵇، (على القبر، فقال: استغفروا) أي: (الله) كما في نسخة صحيحة، (لأخيكم) أي: لذنوب أخيكم المؤمن.
стр. 1249
(وسلوا) ضبط بالوجهين، أي: اطلبوا (له التثبيت) وفي نسخة صحيحة وهو "أصل الجلال" الموافق لـ "سلاح المؤمن": "بالتثبيت" يجعل الله إياه ثابتًا على التوحيد في جواب الملكين.
(فإنه الآن) أي: الزمان الذي نحن فيه، والقريب (يسأل) أي: عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، بقولهما: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟.
وفيه إيماء إلى قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقال الطيبي: "أي: اطلبوا من الله أن يثبته على جواب الملكين بالقول الثابت، وضمن "سلوا" معنى الدعاء، كما في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] أي: ادعوا له بدعاء التثبيت أي: قولوا: ثبته الله بالقول الثابت"، انتهى. أو قولوا: اللهم ثبته بالقول الثابت.
قال المصنف: "فيه دليل على أن الرُّوح عائد إلى الجسد عَقِيبَ الدفن للسؤال، كما هو مذهب أهل السنة" (١).
(د، مس، ر، سني) أي: رواه أبو داود، والحاكم، والبزار، والبيهقي في "السنن الكبير"، عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه (٢) قال: "كان
стр. 1250
النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: … " [إلخ] (١).
(وَيقْرَأ) بصيغة الفاعل، وفي نسخة علي بناء المجهول، (على القبر) أي: على طرفه، (بعد الدفن: أول سورة البقرة) أي: إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، (وخاتمتها. سني) أي: رواه البيهقي في "السنن الكبير" (٢)، وليس في الهوامش منسوبًا إلى أحد من الصحابة.
والمتبادر أنه من رواية عثمان أيضًا، لكن قال النووي في "الأذكار" (٣):
стр. 1251
"روينا في "سنن البيهقي": أن ابن عمر استحب أن يقرأ بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها". قال ميرك: "وظاهر إيراده يقتضي الوقف، خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ قدس سرهما"، فتأمل.
стр. 1252
ثم اعلم أن التلقين المتعارف بعد الدفن ليس فيه حديث صحيح، ولا قياس صريح؛ ولذا [ما أورده] (١) الشيخ، والله أعلم.
(وإذا زار القبور) أي: قبور مقبرةٍ، زيارةً مجملة، (فليقل: السلام على أهل الديار) قال المصنف: "يريد بالديار المقابرَ، وهو جائز لغة". قال الخطابي (٢): "إنه يقع على الربع العامر المسكون والخراب"، وأنشد على ذلك قول النابغة، شعر:
* يا ديار مَيَّةَ بالعلياء فالسَّنَدُ *
ثم قال: شعر:
* أقْوَتْ وطال عليها سالف الأَمَدِ * (٣)
انتهى كلامه.
و"مَيَّةُ": اسم امرأة. و"العلياء": بالفتح، أرض مرتفعة، وهي و"السند" موضعان، و"أقوتِ الدارُ" أي: خلت.
(أو: السلام عليكم أهلَ الديار) منصوب على النداء، أو المدح. وفي نسخة مجرور على البدلية. وفي أخرى: مرفوع على المدح.
(من المؤمنين والمسلمين) أي: من الجامع بين [الانقياد] (٤) الباطن
стр. 1253
والظاهر، فالعطف لتغاير الوصفين، نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١]، فإن الجمهور على أن الإيمان والإسلام واحد.
نَعَم، قد يطلق الإسلام على المعنيين جميعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩]،، وقد يطلق على الانقياد الظاهري فقط، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] إلا أن الإيمان مستلزم للإسلام، وإن كان الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان بخلاف أحكام الإسلام من حيث أعماله وحصوله إكماله.
وبهذا يتبين قول المصنف: "قيل: فيه دليل على أن المؤمن والمسلم بمعنًى، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ. وعندي: أنه من عطف العام على الخاص؛ لأن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس. وفي المؤمنين [من هو] (١) كامل وناقص" (٢).
(وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) بلامين؛ [على أن] (٣) الأولى للتأكيد في خبر "إن" للتأييد، وفي نسخة على وَفق رواية: "لاحقون".
قال المصنف: "قالوا: التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال أمر الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
стр. 1254
[الكهف: ٢٣ - ٢٤] ". وقال بعضهم: "بل إلى تلك التربية بعينها". وقيل: "خرج مخرج الكلام، كقول القائل: إن أحسنت إلي شكرت إن شاء الله".
وأبعد من قال: إنه كان معه ﷺ مؤمنون، فخاطب المؤمنين، وكان استثناؤه منصرفًا إلى المنافقين". وعندي؛ أنها تعود على مدلول المؤمنين، أي: على الإيمان، والله أعلم" (١)، انتهي.
ولا يخفى أن التوجيه الذي اختاره خلاف ظاهر العبارة، ومع ذلك مبني على مذهب الشافعي وأتباعه في أن الإيمان يدخله الاستثناء، فيقال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، ومنعه الأكثرون، وعليه أبو حنيفة وأصحابه ﵏.
(نسأل الله لنا ولكم العافية) أي: من العقوبة في الدنيا والآخرة. (م، س، ق) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه، عن بريدة بن الحصيب (٢)، وزاد ابن ماجه في رواية: "أنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ".
(أنتم لنا فرط) بفتحتين جمع فارط بمعنى: سابق، (ونحن لكم تبع) بفتحتين جمع تبع ولاحق، (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا.
(السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا) أي: بالموت، (والمستأخرين) أي: منا بالحياة بعد،
стр. 1255
والمقصود منهما الإحاطة بالأحياء والأموات من المؤمنين والمؤمنات.
وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] أي: من استقدم ولادة وموتًا ومن استأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد.
(وإنا إن شاء الله) أي: إذ شاء وحين أراد (بكم) (للاحقون. م، س، ق) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة (١).
(السلام عليكم دارَ) [بنصب الدار] (٢) على النداءِ حلًّا للمكانِ مَحَلًّا للحالِ مجازًا، أو على تقديرِ المضافِ، نحوَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، (قومٍ مؤمنين، وأتاكم) بالقصر أي: جاءكم، (ما توعدون غدًا) أي: من الثواب أو العقاب.
وأخطأ الحنفي حيث ضبط بالمد وقال: "من الإيتاء بمعنى الإعطاء"؛ فإنه مخالفة للرواية والدراية، (مؤجلون) بتشديد الجيم المفتوحة، وهو خبر مبتدإٍ محذوف، أي: أنتم مؤجلون باعتبار أجوركم أيضًا.
(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن عائشة أيضًا.
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين) قال المصنف: "منصوب على النداء، أي: يا أهل دار، فَحُذِفَ المضافُ وَأُقِيمَ المضاف إليه مقامه". وقيل:
стр. 1256
"منصوب على الاختصاص، ويجوز جره على البدل من الضمير في "عليكم"، قاله صاحب "المطالع"، انتهى. و"المطالع" كتاب في علم الكلام، وقيل: في اللغة.
(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) بلام واحد. (د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة (١).
(السلام عليكم يا أهلَ القبور) دلّت هذه الروايات على اتحاد سلام الأحياء والأموات، فما ورد من أن: "عليكم السلام سلام الموتى"، مؤول بما بينته في "المرقاة شرح المشكاة".
(يغفر الله لنا) أي: الأحياء، (ولكم) أي: الأموات، (أنتم سلفنا) بفتحتين، قيل: "سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وأقربائه وإخوانه وأقرانه، وبه سمي الصدر الأول بالسلف الصالح".
وقيل: "هو من السلف كأنه أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يجازى عليه بالصبر". والحاصل: أنكم مقدمون علينا في هذا السفر.
(ونحن بالأثر) بفتحتين، وفي نسخة بكسر فسكون، أي: على عقبكم.
(ت) أي: رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ (٢).
стр. 1257
ثم اعلم أن زيارة الميت كزيارته في حال حياته يستقبله بوجهه، فإن كان في الحياة إذا زاره يجلس منه على البعد؛ لكونه عظيم القدر، فكذلك في زيارته يقف أو يجلس على البعد [منه] (١)، وإن كان يجلس منه على القرب في حياته كذلك يجلس بقربه في زيارته (٢).
стр. 1258
وإذا زاره يقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاثَ مرات، ولو قرأها اثنتي عشْرة مرة لكان أحسن (١)، ويقرأ سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
ويقول: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وكفّر سيئاتكم، وتقبل حسناتكم، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (٢).
وربنا اغفر لنا ولوالدينا، ولمشايخنا ولأستاذينا، ولأولادنا
стр. 1259
ولأحفادنا، ولإخواننا ولأخواتنا، ولأعمامنا ولعماتنا، ولأخوالنا ولخالاتنا، ولسائر أقاربنا، ولأصحابنا ولأحبابنا، ولمن له حق علينا، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات؛ إنك مجيب الدعوات ورافع الدرجات.
اللهم اغفر لأهل البقيع، أو أهل المُعَلَّى ونحوهما، ثم يقول: اللهم صلِّ على روح محمدٍ في الأرواحِ، وصلِّ على جسد محمد في الأجساد، وصلِّ على قبر محمدٍ في القبور، وصل على تربة محمد في الترابِ، وصل على جميعِ الأنبياء والمرسلين، وعلي ملائكتك المقربين، وعلي عبادك الصالحين، وعلي أهل طاعتك أجمعين. ربنا توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وأدخلنا الجنة، آمين. برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 1260
(الذكر الذي ورد فضلُه غيرَ مخصوص بوقت ولا سبب ولا مكان)
اعلم أن لفظ "غير" منصوب على أنه حال من الفاعل، وهو قوله: "فضله"، أو من ضميره.
وأما "الذكر": فهو خبر مبتدإٍ محذوف هو هذا، [أو مبتدأ خبره محذوف هو "هذا"] (١) أو مبتدأ والمفعول صفته أو خبره مجموع ما ذكره بعده بقوله: (لا إله إلا الله هي أفضل الذكر) أي: أنواع الذكر، ولا يشكل بالقرآن لأنها من جملته، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
وقد يقال: إنه أفضل؛ لأن الدخول في الإسلام به حصل، وبدولة الإيمان بسببه وصل، فعلي هذا هي عبارة عن الشهادتين، والاكتفاء بأولى [العمدين] (٢) وأحرى الجزأين؛ ولذا قيل: إنه علم التوحيد، وبه علم التفريد.
(ت) أي: رواه الترمذي عن جابر، ولفظ "الجامع": "أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله. رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن جابر" (٣).
стр. 1261
(وهي) أي: الكلمة المذكورة، وهو نقل بالمعنى، والأصل: لا إله إلا الله، (أفضل الحسنات) أي القولية. (أ) أي: رواه أحمد عن بريدة.
(أسعد الناس بشفاعتي من قالها) أي: كلمة "لا إله إلا الله"، قيل: "دل على اشتراط النطق بالتوحيد"، (خالصًا) أي: "مخلصًا" كما في نسخة، (من قلبه أو نفسه) شكٌّ من الراوي، ولفظ "الجامع": "خالصًا مخلصًا من قلبه".
قال البيضاوي: "أسعد هنا بمعنى سعيد؛ إذ لم يسعد بشفاعته مَن لم يكن من أهل التوحيد. أو المراد: من قال ممن لم يكن له عمل يستحق به الرحمة، ويستوجب به الخلاص من النار؛ فإن احتاجه إلى الشفاعة أكثر، وانتفاعه بها أوفر".
وقال العسقلاني: "المراد بهذه الشفاعة بعض أنواعها، وهي التي يقول ﷺ : "أمتي أمَّتي". فيقال له: "أخرج من النار من كان في قلبه وزن كذا من الإيمان"، فأسعد الناس بهذه الشفاعة من يكون إيمانه أكمل.
وأما الشفاعة العظمى في الإراحة من كرب الموقف، فأسعد الناس بها من [يستبق] (١) إلى الجنة، وهم الذين يدخلونها بغير حساب، ثم الذين يلونهم وهم الذين يدخلونها بغير عذاب بعد أن يحاسبوا ويستحقوا العذاب، ثم من يصيبه فيح النار ولا يسقط فيها".
стр. 1262
والحاصل: أن قوله: "أسعد الناس" إشارة إلى اختلاف مراتبهم في السبق إلى الدخول، باختلاف مراتبهم في الإخلاص؛ ولذلك أكّده بقوله: "من قلبه"، مع أن الإخلاص محله القلب؛ لكون إسناد الفعل إلى الجارحة أبلغ في التأكيد.
وبهذا التقرير يظهر موقع قوله "أسعد"، وأنه على بابه من التفضيل، ولا حاجة إلى قول بعض الشراح: "أسعد بمعنى سعيد"؛ لكون الكل يشتركون في شرطية الإخلاص؛ لأنا نقول: يشتركون فيه، لكن مراتبهم فيه متقاوتة، والله أعلم.
(خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة (١)، وفي رواية له: "خالصًا من قِبَلِ نفسه". وهو بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: قال ذلك [باختياره] (٢) فن غير إكرأه، ولا رياء، ولا سمعة.
ووقع في رواية أحمد وابن حبان وصححه بلفظ: "شفاعتي لمن شهد أن لا إلى إلا الله مخلصًا [يُصَدِّقُ] (٣) قلبه لسانَه، ولسانه قلبَه".
(يخرج من النار) بفتح ياء وضم راء، كذا في "أصل الجلال"، وفي "أصل الأصيل" وأكثر الأصول بصيغة المجهول من الإخراج، وبهما
стр. 1263
قرئ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] في السبعة.
والأكثر على بناء الفاعل في الآية، وعلى البناء المفعول في الحديث؛ لما فيه من النكتة البديعة، لا يفهمها إلا أصحاب الإدراكات السريعة.
وقال العسقلاني (١): "بفتح أوله وضم الراء، ويروى بالعكس، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: "أخرجوا"".
(من قالها) أي: الكلمة الطيبة، (وفي قلبه وزن شعيرة من خير أو من إيمان) الظاهر أنه شك من الراوي، أو اختلاف في الرواية، فـ "أو" للتنويع بأن يكون في رواية: "من خير"، وفي أخرى: "من إيمان"، وهو الأصح لما سيأتي، [فمرادهما] (٢) واحد، ومعناهما متحد.
والمراد: أن يكون في قلبه شيء قليل من التصديق، وهو الإيمان الإجمالي، وهو على مراتب أيضًا؛ ولهذا قال: (ويخرج من النار من قالها وفي قلبه وزن بُرَّة) بضم موحدة وتشديد راء، أي: حنطة، (من خير أو من إيمان) أو المعنى: من إرادة عمل خير، أو من قصد إكمال إيمان بفعل إحسان
(ويخرج من النار من قالها وقي قلبه وزن ذرّة من خير أو من إيمان) وهي بفتحٍ فتشديد، وفي نسخة بضم فتخفيف، والأُولى هي الأَوْلى، وهي أقل الأشياء الموزونة. وقيل: "هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس". ويروى عن ابن عباس أنه قال: "إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها، فالساقط
стр. 1264
هو الذر". ويقال: "أربع ذرات وزن خردلة"، كذا ذكره العسقلاني (١).
والأظهر أن يقال: "الخردلة: قدر أربع ذرات"؛ ليوافق الحديث؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
هذا، وقد قال المصنف: "بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، قيل: ليس لها وزن، يراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في الكوة النافذة، وهذا على سبيل المبالغة، وقيل: الذر واحده الذرة، وهو النمل الأحمر الصغير". وقد سئل ثعلبٌ عنها فقال: "إن مئة نملة وزن حبة، والذرة واحدة منها". ويُذكر عن الإمام الكبير شعبة بن الحجاج صَحَّفَهَا بِـ "ذُرَةٍ" وهي من الحَبِّ المعروف، بضم الذال وتخفيف الراء" (٢)، انتهى.
ولا يخفى أنه لا يظهر وجه تصحيفها، ولا مانع أن يكون من باب اختلاف ألفاظ الرواة مع أن الذرة في الجثة أصغر من الحنطة؛ فلا يخالف المناسبة في الترقي إلى القلة. (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، عن أنس (٣).
وظاهر إيراد الشيخ -قدس سره- يقتضي أن الحديث مذكور في البخاري بهذه العبارة، وإنه ليس كذلك؛ فإنه أخرج الحديث من طريق
стр. 1265
هشام، عن قتادة، عن أنس بلفظ: "من خير".
قال: "وقال أبان، عن قتادة، قال: أبنا أنس، عن النبي ﷺ : "من إيمان" مكان "من خير".
هذا، ولعله وقع في بعض طرق هذا الحديث: "مثقال ذرة مثقال برة" بدل "وزن ذرة ووزن برة". وتوهم المصنف أنه ذكرهما في "الحصن"، والحال أنهما ليسا موجودين فيه، فقال قوله: "مثقال ذرة، مثقال برة، قال في "النهاية" (١): "المثقال في الأصل: مقدار من الوزن، أي شيء كان من قليل أو كثير، فمعنى مثقال ذرة: وزن ذرة، والناس يطلقونه على الدينار خاصة وليس كذلك" (٢).
(ما من عبد) أي: ليس عبد، (قالها ثم مات على ذلك) أي: القول أو الاعتقاد به، (إلا دخل الجنة) أي: ولو آخرًا، (وإن زنى، وإن سرق) بفتح الراء، أي: وإن ارتكب الكبائر النفسية والمالية.
(وإن زنى، وإن سرق) إيماء إلى أن الأول من حقوق الله، والثاني من حقوق العباد، (وإن زنى، وإن سرق) كرر ثلاثًا للتأكيد، وردًّا على الخوارج والمعتزلة حيث يوجبان عذاب صاحب الكبيرة على وجه التأبيد. (م) أي: رواه مسلم عن أبي ذر (٣).