← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

(وهي) أي: الكلمة المذكورة، وهو نقل بالمعنى، والأصل: لا إله إلا الله، (أفضل الحسنات) أي القولية. (أ) أي: رواه أحمد عن بريدة. (أسعد الناس بشفاعتي من قالها) أي: كلمة "لا إله إلا الله"، قيل: "دل على اشتراط النطق بالتوحيد"، (خالصًا) أي: "مخلصًا" كما في نسخة، (من قلبه أو نفسه) شكٌّ من الراوي، ولفظ "الجامع": "خالصًا مخلصًا من قلبه". قال البيضاوي: "أسعد هنا بمعنى سعيد؛ إذ لم يسعد بشفاعته مَن لم يكن من أهل التوحيد. أو المراد: من قال ممن لم يكن له عمل يستحق به الرحمة، ويستوجب به الخلاص من النار؛ فإن احتاجه إلى الشفاعة أكثر، وانتفاعه بها أوفر". وقال العسقلاني: "المراد بهذه الشفاعة بعض أنواعها، وهي التي يقول ﷺ : "أمتي أمَّتي". فيقال له: "أخرج من النار من كان في قلبه وزن كذا من الإيمان"، فأسعد الناس بهذه الشفاعة من يكون إيمانه أكمل. وأما الشفاعة العظمى في الإراحة من كرب الموقف، فأسعد الناس بها من [يستبق] (١) إلى الجنة، وهم الذين يدخلونها بغير حساب، ثم الذين يلونهم وهم الذين يدخلونها بغير عذاب بعد أن يحاسبوا ويستحقوا العذاب، ثم من يصيبه فيح النار ولا يسقط فيها".

стр. 1262

والحاصل: أن قوله: "أسعد الناس" إشارة إلى اختلاف مراتبهم في السبق إلى الدخول، باختلاف مراتبهم في الإخلاص؛ ولذلك أكّده بقوله: "من قلبه"، مع أن الإخلاص محله القلب؛ لكون إسناد الفعل إلى الجارحة أبلغ في التأكيد. وبهذا التقرير يظهر موقع قوله "أسعد"، وأنه على بابه من التفضيل، ولا حاجة إلى قول بعض الشراح: "أسعد بمعنى سعيد"؛ لكون الكل يشتركون في شرطية الإخلاص؛ لأنا نقول: يشتركون فيه، لكن مراتبهم فيه متقاوتة، والله أعلم. (خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة (١)، وفي رواية له: "خالصًا من قِبَلِ نفسه". وهو بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: قال ذلك [باختياره] (٢) فن غير إكرأه، ولا رياء، ولا سمعة. ووقع في رواية أحمد وابن حبان وصححه بلفظ: "شفاعتي لمن شهد أن لا إلى إلا الله مخلصًا [يُصَدِّقُ] (٣) قلبه لسانَه، ولسانه قلبَه". (يخرج من النار) بفتح ياء وضم راء، كذا في "أصل الجلال"، وفي "أصل الأصيل" وأكثر الأصول بصيغة المجهول من الإخراج، وبهما

стр. 1263

قرئ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] في السبعة. والأكثر على بناء الفاعل في الآية، وعلى البناء المفعول في الحديث؛ لما فيه من النكتة البديعة، لا يفهمها إلا أصحاب الإدراكات السريعة. وقال العسقلاني (١): "بفتح أوله وضم الراء، ويروى بالعكس، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: "أخرجوا"". (من قالها) أي: الكلمة الطيبة، (وفي قلبه وزن شعيرة من خير أو من إيمان) الظاهر أنه شك من الراوي، أو اختلاف في الرواية، فـ "أو" للتنويع بأن يكون في رواية: "من خير"، وفي أخرى: "من إيمان"، وهو الأصح لما سيأتي، [فمرادهما] (٢) واحد، ومعناهما متحد. والمراد: أن يكون في قلبه شيء قليل من التصديق، وهو الإيمان الإجمالي، وهو على مراتب أيضًا؛ ولهذا قال: (ويخرج من النار من قالها وفي قلبه وزن بُرَّة) بضم موحدة وتشديد راء، أي: حنطة، (من خير أو من إيمان) أو المعنى: من إرادة عمل خير، أو من قصد إكمال إيمان بفعل إحسان (ويخرج من النار من قالها وقي قلبه وزن ذرّة من خير أو من إيمان) وهي بفتحٍ فتشديد، وفي نسخة بضم فتخفيف، والأُولى هي الأَوْلى، وهي أقل الأشياء الموزونة. وقيل: "هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس". ويروى عن ابن عباس أنه قال: "إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها، فالساقط

стр. 1264

هو الذر". ويقال: "أربع ذرات وزن خردلة"، كذا ذكره العسقلاني (١). والأظهر أن يقال: "الخردلة: قدر أربع ذرات"؛ ليوافق الحديث؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. هذا، وقد قال المصنف: "بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، قيل: ليس لها وزن، يراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في الكوة النافذة، وهذا على سبيل المبالغة، وقيل: الذر واحده الذرة، وهو النمل الأحمر الصغير". وقد سئل ثعلبٌ عنها فقال: "إن مئة نملة وزن حبة، والذرة واحدة منها". ويُذكر عن الإمام الكبير شعبة بن الحجاج صَحَّفَهَا بِـ "ذُرَةٍ" وهي من الحَبِّ المعروف، بضم الذال وتخفيف الراء" (٢)، انتهى. ولا يخفى أنه لا يظهر وجه تصحيفها، ولا مانع أن يكون من باب اختلاف ألفاظ الرواة مع أن الذرة في الجثة أصغر من الحنطة؛ فلا يخالف المناسبة في الترقي إلى القلة. (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، عن أنس (٣). وظاهر إيراد الشيخ -قدس سره- يقتضي أن الحديث مذكور في البخاري بهذه العبارة، وإنه ليس كذلك؛ فإنه أخرج الحديث من طريق

стр. 1265

هشام، عن قتادة، عن أنس بلفظ: "من خير". قال: "وقال أبان، عن قتادة، قال: أبنا أنس، عن النبي ﷺ : "من إيمان" مكان "من خير". هذا، ولعله وقع في بعض طرق هذا الحديث: "مثقال ذرة مثقال برة" بدل "وزن ذرة ووزن برة". وتوهم المصنف أنه ذكرهما في "الحصن"، والحال أنهما ليسا موجودين فيه، فقال قوله: "مثقال ذرة، مثقال برة، قال في "النهاية" (١): "المثقال في الأصل: مقدار من الوزن، أي شيء كان من قليل أو كثير، فمعنى مثقال ذرة: وزن ذرة، والناس يطلقونه على الدينار خاصة وليس كذلك" (٢). (ما من عبد) أي: ليس عبد، (قالها ثم مات على ذلك) أي: القول أو الاعتقاد به، (إلا دخل الجنة) أي: ولو آخرًا، (وإن زنى، وإن سرق) بفتح الراء، أي: وإن ارتكب الكبائر النفسية والمالية. (وإن زنى، وإن سرق) إيماء إلى أن الأول من حقوق الله، والثاني من حقوق العباد، (وإن زنى، وإن سرق) كرر ثلاثًا للتأكيد، وردًّا على الخوارج والمعتزلة حيث يوجبان عذاب صاحب الكبيرة على وجه التأبيد. (م) أي: رواه مسلم عن أبي ذر (٣).

стр. 1266

(جددوا إيمانكم) أي: أكثروا مما يتجدد ويتحسن به إيمانُكم، (قيل: يا رسول الله، وكيف [نجدد] (١) إيماننا؟) أي: تصديقنا دائمًا ثابت معنا، ففيه إيماء إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا ينعتق ولا يتجدد حقيقة (٢)، (قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله) أي: فإنه يتقوى به الإيمان، ويتنور بسببه الإيقان، ويتحصل به مرتبة الكشف ورتبة الإحسان، وكمال الحضور والعرفان. (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني، عن أبي هريرة، ولفظ "الجامع": "جددوا إيمانكم، أكثروا من قول: لا إله إلا الله. رواه: أحمد، والحاكم في "مستدركه"، عن أبي هريرة" (٣).

стр. 1267

(ليس لها) أي: لهذه الكلمة، (دون الله) أي: من عنده، (حجاب) أي: مانع، (حتى تخلُص) بضم اللام، أي: حتى تصل (إليه) أي: إلى الله، كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وصعودها إليه كوصولها، مجاز عن قبوله إياها، أو صعود الكَتَبة بصحيفتها إلى حيث أمر الله به من عليين وغيرها. (ت) أي: رواه الترمذي عن أبي مالك الأشعوي (١). (قولها) أي: قول لا إله إلا الله (لا يترك ذنبًا) أي: إلا ويمحوه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، (ولا يشبهها عمل) أي: لأنها أفضل الأعمال، بل ليس للأعمال إلا يها إكمال، أو لا يشبهها عمل من أعمال الظاهر؛ لأنها أفضل أعمال الباطن، أو لأنها ينفع بدون العمل عند أهل السنة بخلاف العكس إجماعًا. (مس) أي: رواه الحاكم عن أم هانئ ﵂ (٢).

стр. 1268

(لو أن أهل السماوات السبع والأرضين) بفتح الراء ويسكن، (السبع في كِفَّة) بكسر فتشديد فاء، أي: في طرف من طرفي الميزان، (ولا إله إلا الله) أي: ثوابها، أو نورها، أو بطاقتها وهي ورقة كتابتها، (في كفة) أي: في طرف آخر منه، (مالت) أي: هذه الكفة، (بهم) أي: بأهل السماوات والأرضين الواقعين في تلك الكفة، والباء للتعدية، أي: أمالتهم وغلبتهم. فتفسير بعضهم بقوله: "أي: رجحت وزادت تفسير باللازم". وفي "القاموس" (١): "الكفة -بالكسر-: من الميزان معروف ويفتح، ومن الصائد: حبالته ويضم، ومن الدف: عوده، وكل مستدير ونقرة يجتمع فيها الماء. وَكُفَّةُ القَمِيصِ بِالضَّمِّ: ما استدار حول الذيل، أو كل ما استطال كحاشية الثوب". وقال المصنف: "الكفة بكسر الكاف، يعني: كفة الميزان؛ لاستدارتها، وكل مستديرة كفة بالكسر، كما أن كل مستطيلة كفة بالضم. وقد ورد الوزن في مواضع من القرآن، كقوله تعالى ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] الآية، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]، وفي الصحيح: "كلمتان ثقيلتان في الميزان"، وحديث البطاقة: "فتوضع البطاقة في كفة". فالموزون سواء كانت هي الصحائف أو الأعمال تجعل أجسامًا، كما

стр. 1269

يجيء ثواب القرآن في صورة الرجل الشاب، فيقول: "أنا الذي أظمأت نهارك، وأسهرت ليلك". وكما يجيء ثواب البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان كما سيأتي، وكما في حديث القبر: "يأتيه العمل الصالح في صورة شاب حسن … " الحديث، وكما في إتيان الموت في صورة كبش أملح، وغير ذلك. وللعلماء في قلب الأعراض أجسامًا قولان؛ منهم من يُجَوِّزُ ذلك، فيكون نفسُ العَمَلِ قُلِبَ عينًا قائمة بنفسها. ومنهم من لم يُجَوِّزُه فيقول: جُعِلَ منه. ومن هذا الباب صعود الأعمال إلى الله تعالى. وكذلك قد جاء صور الأعمال كما في الحديث الذي يأتي: "إن لـ "سبحان الله"، و"الحمد لله" … " الحديث "دويًّا حول العرش". وهذا ظاهر يشهد له القرآن والحديث، والله أعلم" (١). (حب، س، ر) أي رواه: ابن حبان والنسائي، كلاهما عن أبي سعيد (٢)،

стр. 1270

والبزار عن ابن عمر. (ما قالها عبد قط) أي: أبدًا، (مخلصًا) أي: حال كونه مخلصًا، لا منافقًا ولا مرائيًا، (إلا فُتِحَت) بصيغة المجهول مخففًا، وقد يشدد، (له) أي: لأجله، أو لصعود عمله، (أبواب السماء حتى تُفضي) من الإفضاء، بمعنى الوصول، [قال] (١) تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، والمعنى: حتى تصعد تلك الكلمة، (إلى العرش) قال المصنف: "بضم التاء، أي: تصل". (ما اجتنبت الكبائر) بصيغة المجهول من الاجتناب ورفع الكبائر، أي: ما دام مجتنبًا منها، أو تائبًا عنها. وفيه تحذير عن ارتكاب الكبائر، واشعار إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. (ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن أبي هريرة (٢).

стр. 1271

(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت) وهو من زيادة الترمذي، (وهو على كل شيء قدير. من قالها عشْرَ مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) بفتحتين أو بضم فسكون، أي: من أولاده، وخص لأنه أبو العرب وجد نبينا ﷺ ، فإعتاقهم أفضل من غيرهم. (خ، م، ت، س، أ) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد، عن أبي أيوب (١). وهو كذا بتقديم التاء على السين في "نسخة جلال" وأكثر الأصول. (ومرة) أي: ومن قالها مرة، (كعتق نسمة) بفتحتين، أي: كان قولها كإعتاق مملوك من ولد إسماعيل، أو أعم منهم (٢). قال المصنف: "بفتح النون والسين: النفس والروح، أي: كعتق ذي روح، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، ولكن المراد: الناس، والله أعلم" (٣). قلت: وفي "القاموس" (٤): "النسمة محركة: نفس الروح والإنسان

стр. 1272

والمملوك، ذكرًا كان أو أنثى"، انتهى. فالحمل على المعنى الأخير أولى. (أ، مص) أي رواه: أحمد، وابن أبي شيبة؛ كلاهما عن البراء بن عازب (١). (ومئة مرة) أي: ومن قالها مئة مرة، (كانت) أي: تلك الكلمة أو المئة المرة، (له عِدْل عشر رقاب) بكسر العين، وفي نسخة صحيحة بفتحها، أي: مثل عتق عشْر رقاب، وهي رقبة بمعنى العنق في الأصل، فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان؛ تسمية للشيء ببعضه. وفي "النهاية" (٢): "العدل -بالكسر وبالفتح في الحديث- وهما بمعنى المثل، وقيل: هو بالفتح ما عادله من جنسه، بالكسر: ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس". (وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حِرْزًا) بكسر الحاء المهملة وسكون الراء فزاي، هو التعويذ على ما في "المهذب"، والموضع الحصين على ما ذكره الطيبي، وقال المظهر: "أي: حفظًا ومنعًا". (من الشيطان، ولم يأت أحد [بأفضل] (٣) مما جاء به إلا أحد عَمِل أكثر من ذلك. عو) أي: رواه أبو عوانة، ولم ينسب في الهوامش إلى أحد من الصحابة.

стр. 1273

وقال ميرك: "هذا الحديث رواه الجماعة إلا أبا داود؛ كلهم عن أبي هريرة، فلا أدري كيف عزاه الشيخ إلى "مسند أبي عوانة"؟! " (١). (هي التي علمها نوح ابنه) أي: سامًا أو حامًا أو يافثًا لا كنعان، فإنه ليس من أهله. ثم رأيت أن ميرك شاه ﵀ قال: "المراد به سام أبو العرب، وَصِيُّ نوح بعده ﵇ ". (فإن السماوات) يحتمل أن يكون من تتمة التعليم، أو ابتداء كلام على وجه التعليل للتتميم، (لو كانت في كفة) أي: وتلك الكلمة في كفة أخرى (لرجحت بها) أي: غلبتها وزادت عليها، والضمير للسماوات. (ولو كانت) أي السماوات، (حَلْقة) بفتح فسكون، أي: كحلقة من حديد أو غيره، ووضعت تلك الكلمة باعتبار جسم ثوابها على تلك الحلقة (لضمتها) بتشديد الميم، أي: لجعلت الكلمة المذكورة تلك الحلقة المسطورة مضمومة، بأن يصير بعضها منضمًّا إلى بعض آخر منها، لثقل تلك الكلمة على الحلقة. وفي رواية وهي نسخة أيضًا: "لفصمتها"، بفتح الفاء والصاد والميم، أي: لكسرتها بلا انفصال. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة، عن جابر (٢). (لا إله إلا الله، والله أكبر، كلمتان إحداهما ليس لها نهاية) كذا في "أصل

стр. 1274

الجلال"، وأكثر النسخ، وفي "أصل الأصيل": "ليس لأحديهما نهاية". (دون العرش) أي: "لا إله إلا الله" بقرينة الحديث السابق كما ذكره ميرك، (والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض) أي: نورًا، أو ثوابًا، أو لو فرض كونها جسمًا. (ط) أي: رواه الطبراني، عن معاذ. (وهما) أي: الكلمتان السابقتان، (مع لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما على الأرض أحد يقولها) أي: الكلمات الثلاث، (إلا كفِّرت) بتشديد الفاء المكسورة، أي: محيت، (عنه خطاياه ولو كانت) أي: خطاياه، (مثل زبد البحر) أي: في الكثرة، وفيه إيماء إلى أن عفوه سبحانه بمنزلة البحر العظيم، وأن جميع الذنوب في مرتبة الزبد بالنسبة إلى ذلك الجسم الجسيم، فعند موج العناية تضمحل ذنوب أهل البداية والنهاية. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١). (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله) بتشديد الراء، أي: منعه، (من النار) أي: من دخولها، أو من [عذابها] (٢)، أو من خلودها. وفي نسخة: "على النار"، (حديث معاذ) أي:

стр. 1275

هذا الذي تقدم حديث معاذ، أي: مما سمعه من رسول الله ﷺ وبعد سماعه. (قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس) أي: ألا أبشرهم، أي: أفلا أعلِمُهُمْ بهذا الحديث فيستبشروا، أي: فيفرحوا، وهو منصوب بحذف النون في جواب الاستفهام أو النفي. (قال: إذًا) بالتنوين، (يتكلوا) بتشديد الفوقية وكسر الكاف، أي: يعتمدوا، وهذا من قبيل: "إذًا أكْرِمَكَ" بالنصب في جواب: "أنا أُحسن إليك"، فكأنه قال: إن أحسنت إليَّ أُكْرِمْكَ، فهو جواب وجزاء. فالمعنى: إن بشرتهم وأخبرتهم بهذا الحديث اتكلوا على مجرد هذه الكلمة، وفتروا عن أداء سائر أنواع العبادة. وعند بعض الرواة: "ينكلوا" بإسكان النون وضم الكاف أي: يمتنعوا من العمل أعتمادًا على ما يتبادر من ظاهره. ثم اعلم أنه ورد على ظاهر الحديث إشكال، وهو أن الأدلة القطعية عند أهل السنة دلت على أن طائفة من عصاة المؤمنين الموحدين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة. وأجيب: بأن ظاهره غير مراد، فكأنه قال: أن ذلك مقيد بمن عمل الأعمال الصالحة، ولأجل خفاء ذلك لم يُؤْذِنْ لمعاذ بالتبشير. وقيل: "إنه مطلق مقيد بمن قالها تائبًا ثم مات". وقال الحسن: "معناه: من قال الكلمة وأدى حقها". وقيل: "المراد

стр. 1276

تحريم خلود في النار لا أصل دخولها". وقيل: "إن ذلك قبل نزول الفرائض"، وفيه نظر؛ لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض. وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى الأشعري، رواه أحمد بإسناد حسن. وكان قدومه في السنة التي قدم [فيها] (١) أبو هريرة. وقيل: "إنه خرج مخرج الغالب؛ لأن الموحدين يعملون الطاعات، ويجتنبون السيئات". قيل: "ويحتمل أن يكون المراد أن الموحدين يستحقون أن يحرم عليهم النار لولا أن يمنع مانع". (وأخبر [بها] (٢) معاذ عند موته) أي: لبعض أصحابه المخصوصين، المخلصين، المعتمدين بأنهم لا يعتمدون على ظواهر الأحاديث، لا لعموم الناس، فلا يكون فيه مخالفة [النهي] (٣). والضمير في "موته" لمعاذ، لا للنبي ﷺ ، كما توهم بعضهم. (تأثمًا) بالنصب؛ على أنه مفعول له، أي: خروجًا عن عهدة إثم كتمان العلم الوارد فيه الوعيد؛ [لقوله] (٤) ﷺ : "من كتم علمًا، ألجم بلجام من نار" (٥).

стр. 1277

فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ". (ألقاها إلى مريم) جملة استئنافية مبنية لأمره وشأن أمه، والمعنى: أوصلها إليها، وحصلها فيه، والضمير إلى الكلمة المراد بها عيسى، (وروح منه) أي: لما كان له من إحياء الموتى. وقيل: لأنه ذو روح، وجسد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الحي. وإنما اخترع اختراعًا من عند الله سبحانه، وإشارة إلى أنه [مقرّبه] (١)، كما قال تعالى في حقه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦]، وهذا كله من كرمه وجوده في تكميل وجوده، ففيه تعريض لليهود في حطهم إياه عن منزلته، وتنبيهٌ للنصارى على أنه من جملة مخلوقاته. والحاصل: أنه ليس من أب، وإنما نفخ في أمه الروح. وقيل: "الروح بمعنى الرحمة". وقيل: "أي.: مخلوق من عنده"، وعلي هذا تكون إضافته إليه سبحانه تشريفًا، كناقة الله، وبيت الله، وإلا فالعالم كله له سبحانه، ومِن عنده تعالى. (وأن الجنة حق) أي: ثابتة وموجودة، وهو مصدر للمبالغة في حقيقتها وحقيتها، (والنار) بالنصب ويرفع، (حق) المراد بهما الإيمان باليوم الآخر والبعت بعد الموت، وسائر مواقف يوم القيامة، من الميزان

стр. 1278

(من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده) على ما في الأصول المعتمدة، أي: منفردًا [لا يشاركه في وحدانيته أحد] (١)، (وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله) أي: [الخالص] (٢) المشرَّف بوصف الرسالة والعبودية، وفيه تعريض بالنصارى، وإيذان بأن إيمانهم مع القول بالتثليث أو الابنيّة (٣) له سبحانه شرك محض لا يخلصهم من النار. (وابن أمته) أي: جاريته الصالحة المستفادة من الإضافة التشريفية، ففيه ردٌّ على اليهود في بهتانهم، وعلى النصارى في إثبات الصاحبة له تعالى، وتقرير لعبوديته. (وكلمته) سمي بالكلمة لغاية فصاحته، أو فَرط استغراب الكلام منه حال طفوليته، كما سُمي العادل عدلًا للمبالغة، والإضافة والتعظيم، أو لأنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أبٍ، وأنطقه فتكلم من غير أوانه، وأحيا الموتى على يده. وقيل: "لما انتفع بكلامه سمي بها، كما يقال: فلان سيف الله، وأسد الله". وقيل: "إشارة إلى ما خصه الله تعالى بقوله في صغره: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ … ﴾ [مريم: ٣٠] إلى آخره، أو لأنه خلق بكلمة "كن"، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾

стр. 1279

في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء". رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان في "صحيحيهما". وقال الترمذي واللفظ له: "حسن غريب". وقال الحاكم: "على شرط مسلم". كذا ذكره بعض المحققين، ولم يذكر المصنف الترمذي، ولعل المراد بهذه الكلمة غير كلمة الإقرار، فإنها شرط أو شطر للإيمان على ما اختلف فيه ذوو الإيقان، فلو كانت هذه تلك، لعمت المؤمنين، وصار كلهم ناجين. وقد تواترت الأحاديث بأن بعضهم يكونون معذبين، ثم لا شك في صدور تكرار هذه الكلمة أيضًا في أفراد المسلمين، فالمراد بها كلمة خالصة [مخلصة] (١) خالية عن رياء وسمعة، وعن صميم قلب وحضور رب تعلق بها القبول، وحصل بها الوصول، فكان كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] ولذا قال عمر ﵁: "لو كانت لي حسنة واحدة لكفتني لهذه الآية". وحاصله: ما قال بعض العارفين: "إن الله سبحانه وعز شأنه أبهم الساعة المرجوة في ساعات الجمعة، وليلة القدر في ليالي السنة، وتعلق القبول والرضا بالحسنة، والسخط والغضب بالسيئة، والولي مستور بين أفراد الخليقة؛ لما فيه من الحكمة البليغة".

стр. 1280

وفي "النهاية": "يؤتى برجل يوم القيامة، ويخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفي نسخة زيادة: "وحده"، (وأن محمدًا) وفي نسخة صحيحة: "وأشهد أن محمدًا"، (عبده ورسوله. ق، حب، مس) أي رواه: ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن عبد الله بن عمرو بالواو (١). قال المصنف في "تصحيح المصابيح": "هذا حديث حسن عظيم، رجال إسناده موثوقون"، انتهى. ولفظ الحديث: قال رسول الله ﷺ : "إن الله سيُخْلِصُ رجلًا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، وينشر عليه تسعة وتسعين سجلًّا، كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ ظلمك كتيتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم. فتخرج بطاقة فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". فيقول: أحضر وزنك. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع كل السجلات؟ قال: فإنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة

стр. 1281

(وحديث البطاقة) بكسر الموحدة، أي: القطعة على ما في "السلاح". وقال المصنف: "بكسر الباء، رقعة صغيرة تثبت فيها مقدار ما يجعل فيه. قيل: سميت بذلك لأنه يُشَبَّهُ بـ "طاقة من الثوب"، فعلي هذا الباء زائدة" (١)، انتهى. وفي "النهاية" (٢): "البطاقة: رقعة صغيرة تثبت فيها مقدار ما يجعل فيه إن كان عينًا فوزنه أو عدده، وإن كان متاعًا فثمنه. قيل: سميت بذلك لأنها تُشَدُّ بطاقة من الثوب، فتكون الباء حينئذ زائدة". قال الحنفي: "ولعل ما وقع في نسخ "المفتاح": "تشبه" بدل "تشد" سهو من النساخ". قلت: هذا بعيد لاتفاق النسخ، مع أن التشبيه أيضًا صحيح، فالسهو غير صريح. (التي تثقل بالتسعة والتسعين سجلًّا) "بكسر السين والجيم وتشديد اللام، وهو الكتاب الكبير" (٣)، ذكره المصنف. أي: تغلب السجلات، وتصير ثقيلة بسبب خفتها. (كل سجل مَدّ البصر) بفتح الميم وتشديد الدال المضمومة، أي: قدر ما يراه الناظر، وهو عبارة عن طول كل سجل وعرضه، (أشهد) أي في البطاقة: "أشهد" (أن لا إله إلا الله).

стр. 1282

قال المصنف: "أي: خروجًا من الإثم وتجنبًا له. يقال: تأثم فلان، إذا فعل فعلًا خرج به من الإثم، كما يقال: تحرج إذا فعل ما يخرج [به] (١) من الحرج" (٢)، انتهى. قيل: "وإنما رواه معاذ مع كونه منهيًّا؛ لأنه علم أن هذا الإخبار يتغير بتغير أهل الزمان، والقوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، لم يعتادوا تكاليفه، فلما تثبتوا أخبرهم، أو رواه بعد ورود الأمر بالتبليغ". (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن أنس (٣). (من شهد بها) أي: بهذه الكلمة، (وهي: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، كذلك) أي: كما هو مقتضى هذه الكلمة وحقها، أو كما هو حق الشهادة، (حرمه الله على النار) أي: منعًا مطلقًا أو مقيدًا بالخلود. (م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن عبادة بن الصامت (٤).

стр. 1283

والصراط وغيرهما، ففيه ردٌّ على الزنادقة ومنكري الحشر. (أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء) أي: أراد الله سبحانه، أو شاء القائل بها. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي؛ كلهم عن عبادة بن الصامت، وفي نسخة بتقديم "الميم" (١). (من شهد) وفي رواية مسلم: "من قال: أشهد"، (أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له) تأكيدان، وهما من رواية البخاري [والنسائي] (٢)، (وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله) هذا أيضًا من روايتهما، وزاد مسلم: (وابن أمته) وتقدم الكلام عليه. وكذا قوله: (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة) وفي رواية مسلم: "وأن الجنة"، (حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان) حال من الضمير المفعول في "أدخله"، والمعنى كائنًا على ما كان، (من عمل) أي: من صلاح أو فساد؛ لأن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة. ويحتمل أن يكون معناه: يدخل أهل الجنة على حسب أعمال كل منهم في الدرجات. كذا حققه الشيخ ابن حجر العسقلاني (٣)، والأول

стр. 1284

أظهر؛ ولذا قيل: في هذا الحديث دليل على المعتزلة في أمرين: أحدهما: أن عصاة أهل القبلة لا يخلدون في النار؛ لعموم قوله: "من شهد". وثانيهما: أنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة؛ لقوله: "على ما كان من عمل". (أو: من أبواب الجنة الثمانية، أيِّها) بالجر، أي: أي أبوابها، (شاء. خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن عبادة أيضًا (١). قال ميرك: "ظاهر إيراد الشيخ يقتضي أن لفظ "أو داخل في الحديث إما للشك، أو للتنويع، وليس كذلك في أصل البخاري، فإنه روى الحديث من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ إلى قوله: "على ما كان من عمل". ثم قال البخاري: "قال الوليد -أي: ابن جابر- عن عمير، عن جنادة، وزاد: "من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء". والظاهر: أن مراد البخاري أن رواية الأوزاعي انتهت إلى قوله: "من عمل"، وزاد ابن جابر، عن عمير، عن جنادة جملة: "من أبواب الجنة … " إلى آخره. وليس في الروايتين شك ولا تخيير ولا تنويع"، انتهى.

стр. 1285

فتأويل إيراد الشيخ أنه "أدخله الله الجنة على ما كان من عمل" أي: في رواية فقط، أو: "من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء" في رواية أخرى بهذه الزيادة، فـ "أو" للتنويع إشعارًا باختلاف الرواية. (كان ﷺ يقول) أي: أحيانًا، (لا إله إلا الله وحده) أي: لا شريك له، (أعزَّ جنده) أي: جعله غالبًا، (ونصر عبده، وغلب الأحزاب) وهي الطوائف المجتمعة على محاربة الأنبياء، على ما قاله صاحب "الصحاح". (وحده) أي: من غير قتال من الآدميين، كما وقع يوم الأحزاب في قصة الخندق، حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]. (فلا شيء) أي: في نظر العارف، (بعده) أي: بعد وجوده، وحصول شهوده، ورؤية كرمه وجوده، فالكل منه وإليه؛ فيجب التوكل والاعتماد عليه؛ إذ لا نفع ولا ضر لغيره؛ فلا يطلب النصر إلا من عنده. وهذا المعنى ونحوه هو المناسب للمقام على وَفق المرام، بخلاف ما قيل من أن معناه: فلا شيء باق بعده، فهو بمعنى الآخر، لكنه خلاف الظاهر، مع ما فيه من الإيهام المتبادر. وقال بعض شراح الحديث: "اختلفوا في المراد بالأحزاب ها هنا، فقيل: هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا واجتمعوا في غزوة الخندق، ونزلت في شأنهم الآيات في سورة الأحزاب، فاللام إما جنسية والمراد: كل من تحزب من الكفار، أو عهدية والمراد

стр. 1286

من تقدم وهو الأقرب". وقال النووي: "هذا هو المشهور. وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شرع من بعد غزوة الخندق؛ لظاهر قوله تعالى في الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ﴾. وقال القرطبي: "يحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء، أي: اللهم اهزم الأحزاب، والله أعلم". كذا ذكره ميرك. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة (١). (حديث الأعرابي) أي: البدوي الذي قال: يا رسول الله، (علمني كلامًا أقوله) أي: وألازم وأداوم عليه، (قال: قل: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا) حال مؤكدة من الضمير في "أكبر"، (والحمد لله كثيرًا) مفعول مطلق، أي: حمدًا كثيرًا. (سبحان الله) وفي نسخة: "وسبحان الله"، وفي أخرى: "وسبحان الله" (رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم) وفي رواية البزار: "العلي العظيم"، كذا في الهوامش من النسخ، فكان ينبغي أن يلحق برمز مسلم في آخر الحديث، وفي نسخة: رمز البزار بعد قوله: إلا بالله، وهو ليس في "أصل جلال". فحاصله: أن رواية البزار انتهى إلى هنا، بخلاف رواية مسلم، والله أعلم.

стр. 1287

ثم زاد في "المشكاة": "قال -أي: الأعرابي-: فهؤلاء -أي: هذه الكلمات- لربي، فما لي؟ "، فقال: [قل] (١): (اللهم اغفر لي) أي: بمحو السيئة، (وارحمني) أي: بتوفيق الطاعة، (واهدني) أي: ثبتني على الهداية، أو دلني على طريق النهاية، (وارزقني) أي: علمًا نافعًا ومالًا حلالًا. وزاد في "المشكاة": "أو عافني"، بشك الراوي في زيادة "عافني"، أي: خلصني من التعلق بالخلق فيما لا ينفعني، واصرفهم عني فيما يضرني. (م) أي: رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، وفي هامش نسخة: "رواه مسلم والبزار عن سعد" (٢). (من قال: سبحان الله وبحمده، كتبت له) بصيغة المجهول، أي: أثبتت تلك الكلمة أو الجملة لقائله (عشْرًا)، أي: عشْر حسنات، (ومن قالها عشرًا، كتبت له مئة، ومن قالها مئة، كتبت له ألفًا) أي: بمقتضى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، وهذا أقل ما ورد من أنواع المضاعفة، (ومن زاد) أي: على المئة، (زاده الله) أي: بهذا الحساب المرة بعشر، ذكره المصنف (٣).

стр. 1288

(ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، كلاهما عن ابن عمر ﵄ (١). (من قالها مئة مرة حُطَّت) بصيغة المجهول، أي: وضعت ومحيت، (خطاياه، وإن كانت) أي: ولو كانت الخطايا (مثل زبد البحر) أي: في الكثرة والعظمة. (عو) أي: رواه أبو عوانة عن أبي هريرة، والحديث متفق عليه كما في "المشكاة"، فكأن المصنف غفل عنهما؛ فنسب إليه. (٢) وقال ميرك: "رواه البخاري من حديث أبي هريرة، ولا أدري وجه رقم أبي عوانة". (هي أحب الكلام إلى الله. م، ت، س، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن أبي ذر (٣). (وهي) أي كلمة: "سبحان الله وبحمده" (أفضل الكلام الذي اصطفى الله) أي: اختاره من الذِّكْر، (لملائكته)، وأمرهم بالمداومة عليه ومواظبته لغاية فضله، وليس في الحديث ما يدل على حصره؛ فاندفع قول

стр. 1289

الحنفي: "يعلم منه أن الملائكة يتكلمون بهذه الكلمة لا غير"، انتهى. وقد ثبت عنهم كلمات أُخَرُ من الأذكار والتسبيحات والدعوات، ليس هذا محل بسطها. (م، عو) أي رواه: مسلم، وأبو عوانة، عن أبي ذر أيضًا. (هي التي أمر نوح بها) أي: بمداومتها ومواظبتها، (ابنه) المراد به: سام أبو العرب، وصي نوح بعده ﵉، (فإنها صلاة الخلق) أي: عبادة جميع المخلوقات من الحيوانات والنبات والجمادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النحل: ٤٩]. (وتسبيح الخلق) اللام للإستغراق أيضًا، فلا تخرج ذرة من ذرات الكائنات إلا وهي مسبحة لله، خاضعة لأمره، منقادة لحكمه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ … ﴾ [الإسراء: ١٤٤] الآية. والتسبيح بالمقال عند أرباب الكمال من الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقيل: بلسان الحال؛ حيث يدل على وجود الصانع، وعلى قدرته وحكمته، كما قيل: ففي كلّ شيءٍ له آيةٌ … تدلُّ على أنّه واحدُ ولا مَنْعَ من الجمع، وقد جمع الله بينهما في قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، (وبها) أي: ببركتها، (يرزق الخلق) أي: بنعمة الإمداد بعد تحقق الإيجاد. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن جابر (١).

стр. 1290

(من قالها غُرِسَت) بصيغة المفعول، أي: خلقت أو أنبتت؛ لما في الرواية الآتية: ["نبتت"] (١)، (له شجرة في الجنة. ر) أي: رواه البزار عن ابن عمرو، بالواو. (من هاله الليل أن يكابده) قال المصنف: " [من هاله] (٢) من الهول، وهو الأمر الشديد، ويكابده؛ أي: يقاسي شدته" (٣)، انتهى. وفي "القاموس" (٤): "هاله: أفزعه". فالمعنى: من أفزعه الليل من أن يكابده، ويعالج سهره، ويواظب سحره، ويجوز كون "أن يكابده" [بدلًا] (٥) من "الليل"، والأول أظهر، وتقدير "مِنْ" قبل "أن" أشهر، خلافًا للحنفي، حيث قال: "أو لام التعليل مقدر، وهو في مقام تعليل هول الليل مقرر، وكذا إعراب ما بعده محرر". (أو بخل بالمال أن ينفقه) أي: في سبيل الله، (أو جَبُنَ) بضم موحدة على ما في الأصول المعتبرة، ويؤيده اقتصار "القاموس" (٦) عليه، حيث قال: "جبن ككرم جبنًا بالضم، وبضمتين".

стр. 1291

وقال المصنف: "بضم الباء وفتحها، من الجبن، وهو ضد الشجاعة" (١)، انتهى. والظاهر أن الفتح سهو قلم. والمعنى [من خاف] (٢): (عن العدو أن يقاتله فليكثر) أمر من الإكثار (منها) من تلك الكلمة (فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب تنفقه في سبيل الله) بالخطاب، وفي نسخة صحيحة: بالغَيْبة، وهو الظاهر، وفي نسخة أنه بالتاء الفوقانية "أصل الأصيل"، وفي حاشية: أن الظاهر بالياء التحتانية كما في بعض النسخ، لكن صحح في "أصل الأصيل" و"الجلال" بالتاء الفوقانية، وقال ميرك: "قوله: "تنفقه" كذا وقع في أصل سماعنا، وأصل مولانا جلال الدين القائني بالتاء المثناة الفوقانية، ووقع في بعض النسخ بالتحتانية"، انتهى. ولعله وقع الخطاب للراوي على جهة الإلتفات، ولا يبعد أن يكون على صيغة الغائبة، والمعنى: تنفقه النفس في مرضاة الله. (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي أمامة (٣).

стр. 1292

(أحب الكلام إلى الله: سبحان ربي وبحمده. عو) أي: رواه أبو عوانة عن أبي ذر (١). (من قال: سبحان الله العظيم نبت) بفتح الموحدة، أي: ظهر (له غرس) بفتح فسكون، بمعنى مغروس أي: شجرة (في الجنة. أ) أي: رواه أحمد عن معاذ بن أنس (٢). (من قال: سبحان الله) زاد ابن أبي شيبة وصف: "العظيم"، (وبحمده؛ غرست له نخلة في الجنة) دلّ على أن [التمرة] (٣) من ثمرة الجنة، كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وخصت النخلة: لكثرة منافعها، وطيب طعمها، وكثرة ميل العرب إليها. وقد قال العلماء: إنما خص النخلة؛ لأنها أنفع الأشجار وأطيبها؛ ولذلك ضرب الله تعالى مثل المؤمن وإيمانه بها وثمرتها في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية. والكلمة الطيبة في الآية: كلمة التوحيد، على ما ذكره الطيبي. قيل: "والخبيثة هي الحنظل". (ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن

стр. 1293

حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن جابر. وفي نسخة: "حب، مس، مص، ت، س" (١). (فإنها عبادة الخلق) هذا كالتفسير لما سبق من قوله: "فإنها صلاة الخلق"، (وبها تقطع أرزاقهم) أي: تقسم وتقدر، وهو بصيغة المجهول من الإقطاع لا من القطع، وأصل الإقطاع: تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك، ثم استعمل في كل ما يعين للشخص، وهذا معنى ما تقدم من قوله: "وبها يرزق الخلق". (ر) أي: رواه البزار عن ابن عمرو، بالواو، والظاهر أن هذا من تتمة الحديث السابق، فكان حق المصنف أن يذكر رمزه فيما تقدم، والله أعلم (٢).

стр. 1294

(كلمتان) أي: جملتان مفيدتان، (خفيفتان على اللسان) أي: لقلة حروفهما، (ثقيلتان في الميزان) أي: لكثرة أجورهما، وفيهما من صنيع البديع صَنْعَةُ الطباق، على طبق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ الآية. وقال المصنف: "أي: لا كلفة في النطق بهما لخفة حروفهما، وذلك [لأنه] (١) ليس فيهما حرف الإستعلاء، ولا من الإطباق غير الظاء، ولا من أحرف الشدة سوى الباء والدال، وما أحسن المطابقة بين الخفة والثقل، ﷺ ما أفصحه"، انتهى. ولا يخفى ما تكلف من تخفيف الحروف باعتبار صفاتها مع قطع النظر عن ذواتها، والحال أن فيهما تعدد الشدة وتحقق الإطباق المفخم بالإتفاق. وقال الفاضل الطيبي: "الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريان هذا الكلام بما يخف على الحامل من بعض [الحمولات] (٢)، فلا يشق عليه، فذكر المشبه وأراد المشبه به. وأما الثقل فعلى حقيقته؛ لأن

стр. 1295

الأعمال تتجسم عند الميزان". (حبيبتان) أي: محبوبتان (إلى الرحمن) والمراد: أن قائلهما محبوب الله، ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير إليه. وخص الرحمن بالذكر للتنبيه على سعة رحمة الله تعالى، حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل؛ لما فيهما من التنزيه والتحميد والتعظيم. قال الكرماني: "وأنثها لمناسبة الخفيفة والثقيلة؛ لأنهما بمعنى الفاعلة لا المفعولة، فإن قلت: الفعيلة بمعنى المفعولة، لاسيما إذا كان موصوفه مذكورًا معه يستوي فيه المذكر والمؤنث، فما وجه لحوق علامة التأنيث؟ قلت: التسوية بينهما جائزة لا واجبة، أو وجوبها في المفرد لا في المثنى، أو هذه التاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية"، انتهى. ففي القول الآخر نظر ظاهر. (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. خ، م، ت، مص) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن أبي شيبة، عن أبي هريرة، وهذا آخر حديث من "صحيح البخاري". (من قالها) أي: تلك الكلمات، ولو كانت جملتين، وكان الظاهر أن يقول: من قالهما، (مع أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، كتبت) أي: الجمل الثلاث، (كما قالها) أي: من غير زيادة ونقصان فيها، (ثم عُلِّقت) بصيغة المجهول من التعليق، أي: جعلت معلّقة، (بالعرش) أي: بطرف

стр. 1296

من أطرافه كرامةً لصاحبها، وصيانةً لقائلها. (لا يمحوها ذنب عمله صاحبها) فيه إيماء إلى أن قائلها يكون محفوظًا من الكفر المحبط لجميع الأعمال؛ إذ غيره من المعاصي ولو كانت كبيرة لا تحبط العبادات على مذهب أهل السنة والجماعة، (حتى يلقى الله يوم القيامة) بنصب الجلالة في النسخ المصححة. فالمعنى: حتى يلقى صاحبها الله يوم القيامة حال كون تلك الكلمات (مختومةً كما قالها) وفي نسخة برفع الجلالة، فالتقدير: حتى يلقاها الله مختومةً ثابتة مثل ما قالها في الدنيا. (ر) رواه البزار عن ابن عباس، وفي نسخة بالدال (١). (وقال ﷺ لجويرية) تصغير جارية، وهي بنت الحارث زوجة النبي ﷺ ، وكان اسمها برة فَغَيَّرَهَا النبي ﷺ إلى جويرية، فصارت عَلَمًا لها؛ فلذا لا ينصرف (٢).

стр. 1297

(وقد خرج) أي: النبي ﵇، (من عندهما بُكرة) بضم الموحدة، أي: أول النهار، (حين صلى الصبح) أي: سنته، [و] (١) أراد أن يصلي فرضه، والجملة حالية. وكذا قوله: (وهي) أي: جويرية، (في مسجدهما) بفتح الجيم، وروي بكسرها، أي: فوق سجادتها أو في مكان صلاتها، (تسبح، ثم رجع) عطف على قوله: "خرج"، (بعد أن أضحى وهي جالسة) قال الطيبي: "أي: دخل الضحى، أي: وقته". وقال المظهر: "صلّى صلاة الضحى". والأظهر ما قال المصنف، أي: دخل في الضحوة، [وهي] (٢) ارتفاع النهار" (٣)، انتهى. ومقول "قال" قوله: (ما زِلْتِ) وهو بكسر التاء؛ على أن الخطاب لجويرية، على تقدير الاستفهام، أي: أَثَبَتِّ في مكانك، وما زلتِ، (على الحال التي فارقتك عليها؟) أي: من التسبيح، (قالت: نَعَم). (قال: لقد قلتُ بعدك) أي: بعد [مفارقتك] (٤)، أي: بعد سؤالك هذا (أربع كلمات -ثلاث مرات- لو وُزِنت) بضم فكسر، أي: لو قُوبِلَت

стр. 1298

تلك الكلمات. وفي "أصل الجلال": "لو وَزَنْتِ"، بصيغة المعلوم للمخاطبة، فالتقدير: لو وزنتِها أنتِ، (بما قلت) أي: بجميع ما سبحت (منذ اليومِ) بالجر على ما هو [الاختيار] (١)، كما ذكره الطيبي، أي: من ابتداء النهار، (لوزَنَتهن) بفتح الزاي والنون، أي: ساوتهُن في الوزن، أو غلبتهن فيه. وقال القاضي: "أي: لترجحت وزادت عليهن في الأجر والثواب. يقال: وزنه فوزن، إذا غلب عليه، ثم الضمير راجع إلى "ما" باعتبار المعنى". (سبحان الله وبحمده عدد خلقه) [نصب] (٢) على المصدر، وكذا قوله: (ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) أي: أعد تسبيحه وتحميده: عدد خلقه، وأقدر مقدار ما يرضى لنفسه، وثقل عرشه، وقدر مداد كلماته. ومداد الشيء ومدده: ما يمد به ويزاد ويكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي … ﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية. قال الزمخشري: "أي: مثلها وعددها". ثم المراد بكلماته كتبه وصحفه المنزلة، ويطلق أيضًا على أوامره، بل وعلى جميع موجوداته. والأظهر أن المراد بكلماته جميع معلوماته. وقال الطيبي: "أي: سبحته تسبيحًا يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه،

стр. 1299

ومداد كلماته، ويوجب رضا نفسه، أو يكون ما يرتضيه لنفسه"، انتهى. والأظهر أن نصب "عدد" على نزع الخافض ويقدر القدر فيما بعده، أي: سبحان الله بعدد مخلوقاته، وقدر ما يرضي به ذاته، وثقل عرشه المحيط بجميع موجوداته، ومقدار ما يمد به من كلماته ومعلوماته، والمقصود عدم الإستحصاء ونفي الإستقصاء، وفيه إشعار بأن [التصور] (١) في المعنى المفيد لزيادة الكيفية له مزية على زيادة الألفاظ في الأذكار والأدعية باعتبار الكمية. (م، عه، عو) أي رواه: مسلم، والأربعة، وأبو عوانة، عن جويرية ﵂ (٢). (سبحان الله عدد خلقه) فإن كلًّا من مخلوقاته يسبح له باعتبار ذاته وصفاته بلسان قاله، أو ببيان حاله؛ إذ لا يتصور مصنوع بدون صانع موصوف بكماله، (سبحان الله رضا نفسه) أي: مقدار رضاه، أو لأجل ما يحبه ويرضاه، (سبحان الله زنة عرشه) أي: ما يوازنه وما يوازيه من ملكه وملكوته. (سبحان الله مداد كلماته) أي: مقدار كلماته التي لا تعد ولا تحصى، ولا تحد ولا تقصى. وقيل: "المداد مصدر بمعنى المد، أي: يمد مداد كلماته". وقيل: "المراد قدر كلماته، ومثلها في الكثرة". قال العلماء:

стр. 1300

"واستعماله هنا مجاز؛ لأن كلمات الله تعالى لا تعد ولا تحصى. والمراد المبالغة في الكثرة؛ لأنه ذكر أوّلًا ما يحصره العدد الكثير من الخلق ثم زنة العرش، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم منه، أي: وما لا يحصيه عد كما لا تحصى كلمات الله تعالى"، ذكره النووي في "شرح مسلم". (م، س، مص، عو) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن أبي شيبة، وأبو عوانة، عنها أيضًا. (والحمد لله كذلك) أي: عدد خلقه إلى آخره. (س) أي: رواه النسائي عنها أيضًا. (سبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله، والله أكبر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. س) أي: رواه النسائي عنها أيضًا. (وقال ﷺ لامْرَأَةٍ دخل عليها وبين يديها نوًى) اسم جمع لنواة، وهي عظم التمر، (أو حصى) اسم جمع لحصاة، وهي الأحجار الصغار، (تسبح) أي: المرأة، (به) أي: بأحدهما، و"أو" للشك، ويمكن أن يكون بمعنى الواو، و"أو" للتنويع، أي: تارة بهذا وتارة بآخر. واستدل بهذا الفعل منها المؤيد بتقريره ﷺ لها على استحباب المسبحة، وأنها ليست باعتبار أصلها بدعة، ولو وقع الإتفاق على أنها مستحسنة؛ إذ لا فرق بين النوى المنظومة والمنثورة، وكذا بين الأحجار المنحوتة المدورة وغيرها الموضوعة على أصل الخلقة، لا سيما والسلك يفيد الجمع وعدم التفرق والحفظ والحمل، وهو مطردة
следующие страницы →