من أطرافه كرامةً لصاحبها، وصيانةً لقائلها.
(لا يمحوها ذنب عمله صاحبها) فيه إيماء إلى أن قائلها يكون محفوظًا من الكفر المحبط لجميع الأعمال؛ إذ غيره من المعاصي ولو كانت كبيرة لا تحبط العبادات على مذهب أهل السنة والجماعة، (حتى يلقى الله يوم القيامة) بنصب الجلالة في النسخ المصححة.
فالمعنى: حتى يلقى صاحبها الله يوم القيامة حال كون تلك الكلمات (مختومةً كما قالها) وفي نسخة برفع الجلالة، فالتقدير: حتى يلقاها الله مختومةً ثابتة مثل ما قالها في الدنيا. (ر) رواه البزار عن ابن عباس، وفي نسخة بالدال (١).
(وقال ﷺ لجويرية) تصغير جارية، وهي بنت الحارث زوجة النبي ﷺ ، وكان اسمها برة فَغَيَّرَهَا النبي ﷺ إلى جويرية، فصارت عَلَمًا لها؛ فلذا لا ينصرف (٢).
стр. 1297
(وقد خرج) أي: النبي ﵇، (من عندهما بُكرة) بضم الموحدة، أي: أول النهار، (حين صلى الصبح) أي: سنته، [و] (١) أراد أن يصلي فرضه، والجملة حالية. وكذا قوله: (وهي) أي: جويرية، (في مسجدهما) بفتح الجيم، وروي بكسرها، أي: فوق سجادتها أو في مكان صلاتها، (تسبح، ثم رجع) عطف على قوله: "خرج"، (بعد أن أضحى وهي جالسة) قال الطيبي: "أي: دخل الضحى، أي: وقته". وقال المظهر: "صلّى صلاة الضحى". والأظهر ما قال المصنف، أي: دخل في الضحوة، [وهي] (٢) ارتفاع النهار" (٣)، انتهى.
ومقول "قال" قوله: (ما زِلْتِ) وهو بكسر التاء؛ على أن الخطاب لجويرية، على تقدير الاستفهام، أي: أَثَبَتِّ في مكانك، وما زلتِ، (على الحال التي فارقتك عليها؟) أي: من التسبيح، (قالت: نَعَم).
(قال: لقد قلتُ بعدك) أي: بعد [مفارقتك] (٤)، أي: بعد سؤالك هذا (أربع كلمات -ثلاث مرات- لو وُزِنت) بضم فكسر، أي: لو قُوبِلَت
стр. 1298
تلك الكلمات. وفي "أصل الجلال": "لو وَزَنْتِ"، بصيغة المعلوم للمخاطبة، فالتقدير: لو وزنتِها أنتِ، (بما قلت) أي: بجميع ما سبحت (منذ اليومِ) بالجر على ما هو [الاختيار] (١)، كما ذكره الطيبي، أي: من ابتداء النهار، (لوزَنَتهن) بفتح الزاي والنون، أي: ساوتهُن في الوزن، أو غلبتهن فيه.
وقال القاضي: "أي: لترجحت وزادت عليهن في الأجر والثواب.
يقال: وزنه فوزن، إذا غلب عليه، ثم الضمير راجع إلى "ما" باعتبار المعنى".
(سبحان الله وبحمده عدد خلقه) [نصب] (٢) على المصدر، وكذا قوله: (ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) أي: أعد تسبيحه وتحميده: عدد خلقه، وأقدر مقدار ما يرضى لنفسه، وثقل عرشه، وقدر مداد كلماته. ومداد الشيء ومدده: ما يمد به ويزاد ويكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي … ﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية.
قال الزمخشري: "أي: مثلها وعددها". ثم المراد بكلماته كتبه وصحفه المنزلة، ويطلق أيضًا على أوامره، بل وعلى جميع موجوداته. والأظهر أن المراد بكلماته جميع معلوماته.
وقال الطيبي: "أي: سبحته تسبيحًا يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه،
стр. 1299
ومداد كلماته، ويوجب رضا نفسه، أو يكون ما يرتضيه لنفسه"، انتهى.
والأظهر أن نصب "عدد" على نزع الخافض ويقدر القدر فيما بعده، أي: سبحان الله بعدد مخلوقاته، وقدر ما يرضي به ذاته، وثقل عرشه المحيط بجميع موجوداته، ومقدار ما يمد به من كلماته ومعلوماته، والمقصود عدم الإستحصاء ونفي الإستقصاء، وفيه إشعار بأن [التصور] (١) في المعنى المفيد لزيادة الكيفية له مزية على زيادة الألفاظ في الأذكار والأدعية باعتبار الكمية.
(م، عه، عو) أي رواه: مسلم، والأربعة، وأبو عوانة، عن جويرية ﵂ (٢).
(سبحان الله عدد خلقه) فإن كلًّا من مخلوقاته يسبح له باعتبار ذاته وصفاته بلسان قاله، أو ببيان حاله؛ إذ لا يتصور مصنوع بدون صانع موصوف بكماله، (سبحان الله رضا نفسه) أي: مقدار رضاه، أو لأجل ما يحبه ويرضاه، (سبحان الله زنة عرشه) أي: ما يوازنه وما يوازيه من ملكه وملكوته.
(سبحان الله مداد كلماته) أي: مقدار كلماته التي لا تعد ولا تحصى، ولا تحد ولا تقصى. وقيل: "المداد مصدر بمعنى المد، أي: يمد مداد كلماته". وقيل: "المراد قدر كلماته، ومثلها في الكثرة". قال العلماء:
стр. 1300
"واستعماله هنا مجاز؛ لأن كلمات الله تعالى لا تعد ولا تحصى. والمراد المبالغة في الكثرة؛ لأنه ذكر أوّلًا ما يحصره العدد الكثير من الخلق ثم زنة العرش، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم منه، أي: وما لا يحصيه عد كما لا تحصى كلمات الله تعالى"، ذكره النووي في "شرح مسلم".
(م، س، مص، عو) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن أبي شيبة، وأبو عوانة، عنها أيضًا.
(والحمد لله كذلك) أي: عدد خلقه إلى آخره. (س) أي: رواه النسائي عنها أيضًا.
(سبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله، والله أكبر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. س) أي: رواه النسائي عنها أيضًا.
(وقال ﷺ لامْرَأَةٍ دخل عليها وبين يديها نوًى) اسم جمع لنواة، وهي عظم التمر، (أو حصى) اسم جمع لحصاة، وهي الأحجار الصغار، (تسبح) أي: المرأة، (به) أي: بأحدهما، و"أو" للشك، ويمكن أن يكون بمعنى الواو، و"أو" للتنويع، أي: تارة بهذا وتارة بآخر.
واستدل بهذا الفعل منها المؤيد بتقريره ﷺ لها على استحباب المسبحة، وأنها ليست باعتبار أصلها بدعة، ولو وقع الإتفاق على أنها مستحسنة؛ إذ لا فرق بين النوى المنظومة والمنثورة، وكذا بين الأحجار المنحوتة المدورة وغيرها الموضوعة على أصل الخلقة، لا سيما والسلك يفيد الجمع وعدم التفرق والحفظ والحمل، وهو مطردة
стр. 1301
للشيطان ومرضاة للرحمن؛ ولذا لَمَّا رُئِيَ في يد الجنيد وسئل عنه، فقال: "شيء وَصَلْنَا به من البداية إلى [الهداية] (١)، لا ينبغي لنا تركه في النهاية؛ فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية".
والحاصل أنه ﵇ قال للمرأة: (ألا أخبرك بما هو أيسر) أي: أهون، (عليك من هذا أو أفضل) قال المظهر: "شك من الراوي". وقال الطيبي: "يمكن أن يكون بمعنى "بل"، وإنما كان أفضل؛ لأنه اعتراف بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحصي ثناءه وتسبيحه، وفي العد بالنوى إقدام على أنه قادر على الإحصاء"، انتهى.
وفيه بحث ظاهر؛ فالأظهر أن يقال: إنه ﷺ أراد لها التنبيه على أن مراعاة زيادة الكيفية أولى وأكمل وأيسر وأفضل من معاناة الكمية، مع ما فيها من إيهام القدرة على الإحصاء، أو من الاكتفاء على عدد من الحصى ولو بالاستحصاء، فكأنها قالت: بلى. أو ما توقف ﷺ على جوابها لكونه من المعلوم في بابها.
(فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء) أي: في الجهة العليا، (وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض) أي: في الجهة السفلى، (وسبحان الله عدد ما بين ذلك) أي: ما بين ما ذكر من السماء والأرض من السحاب والطيور والهواء، (وسبحان الله عدد ما هو خالق) أي: بعد ذلك في الدنيا والعقبى، ولعل تقييد التسبيح بالعدد الصريح إشعار لتنزيهه عن مشابهة مخلوقاته ومناسبة
стр. 1302
موجوداته، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
(والله أكبر مثل ذلك) منصوبٌ نَصْبَ "عدد" في القرائن السابقة على المصدر، ذكره ميرك عن الطيبي. والأظهر أن التقدير يقول: "والله أكبر" مثل ما سبق من قوله: "عدد ما خلق في السماء … " إلى آخره.
وكذا قوله: (والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك) ثم الظاهر أن مثل ذلك من تصرفات الرواة على قصد الإختصار، كما يدل عليه حديث أبي الدرداء وأبي أمامة كما سيأتي ذكرهما.
(د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن سعد بن أبي وقاص (١).
(ودخل) وزاد في نسخة: " ﷺ "، (على صفيّة) أي: بنت حيي بن أخطب، أم المؤمنين، (وبين يديها أربعة آلاف نواة) بالإضافة، (تسبح بهن) أي: الله سبحانه، (فقال: قد سبحت منذ وقفتُ
стр. 1303
على رأسِك أكثر من هذا) أي: من مجموع هذا العدد المجتمع عندك من النوى لملاحظة المعنى دون الإقتصار على مراعاة المبنى ومحافظة العدد على قصد الإحصاء.
وليس المراد أنه ﷺ قاله على طريق خرق العادة من طي اللسان، أو بسط الزمان، أو بناء على تفضيل ثوابه في كل مكان بدليل نقل الراوي.
(قالت) أي: صفية، (علمني. قال: قولي: سبحان الله عدد ما خلق) أي: وتصوري جميع أفراد مخلوقاته كما سبق. (د، مس) أي رواه: أبو داود، والحاكم، عن صفية (١).
(وقال لأبي الدرداء: أعلمك شيئًا) أي: من الذكر المجمل المفيد للكثرة المستفادة من زيادة الكيفية، (هو أفضل من ذكر الله) أي: ذكرك الله (الليل) أي: في الليل، وَقُدِّمَ لأنه أفضل، أو لأنه الأصل، (مع النهار، والنهار مع الليل: سبحان الله عدد ما خلق) أي: بعدد مخلوقاته،
стр. 1304
(وسبحان الله ملء ما خلق) أي: قدر ملء موجوداته، (وسبحان الله عدد كل شيء) وكأنه أعم مما سبق؛ لشموله ما سيوجد ويلحق، (وسبحان الله ملء كل شيء) أي: أحاط به علمًا، (وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه) أي: من عدد [مكنوناته مكوناته] (١) وأسماء صفاته وذاته.
(وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه. والحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء، والحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه. ر، ط) أي رواه: البزار، والطبراني، عن أبي الدرداء.
(وقال لأبي أمامة: ألا أخبرك) بهمزة الإستفهام للتقرير أو "ألا" للتنبيه، (بأكثر وأفضل) بالواو المفيد للجمع، وفي "أصل الجلال": "أو أفضل"، (من ذكرك الليل مع النهار والنهار مع الليل، أن تقول) أي: هو قولك: (سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء) أي: من الإنس والجن، والملائكة، والحيوانات، والنباتات، والجمادات، وسائر الموجودات.
(وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء) أي: لو قدر ثوابه جسمًا، (وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كل شيء، وسبحان الله ملء كل شيء، والحمد لله مثل ذلك) أي: مثل ما تقدم من قوله: "عدد ما خلق … " إلى آخره.
стр. 1305
(س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي أمامة الباهلي: "أن رسول الله ﷺ مرّ به وهو يحرك شفتيه، فقال: ماذا تقول يا أبا أمامة؟ قال: أذكر ربي. قال: ألا أخبرك … " إلى آخره (١).
(وكذا) أي: مثل ما سبق من التسبيح والتحميد المذكوين. (رواه: ط) أي: رواه الطبراني، (إلا أنه) أي: الطبراني، (قال موضع: سبحان الله) بنصب "موضع"؛ على نزع الخافض، وفي نسخة: "في موضع: سبحان الله".
(الحمد لله) أي: قدم قوله: "الحمد لله عدد ما خلق … " إلى آخره، (ثم قال: وتسبح) أي: أنت، (مثل ذلك، وتكبر مثل ذلك، وكذا) أي: مثل رواية الطبراني الأخير.
(رواه: أ) أي: رواه أحمد (سوى التكبير)، حيث لم يقل: وتكبر مثل ذلك.
وحاصله: الاختلاف في التقديم والتأخير وزيادة التكبير، والله أعلم.
(وقالت) أي: "سلمى" كما في رواية للطبراني؛ ولهذا رمز فوقها بالطاء، مع أن الحديث كله للطبراني. وأما ما في بعض النسخ من وضع الرمز بعدها،
стр. 1306
فلا وجه له، (أم بني رافع) وفي نسخة: "أم ابن أبي رافع" (١)، (يا رسول الله، أخبرني بكلمات) أي: بجمل مفيدات يسيرات جامعات مانعات، (ولا تُكثر علي) أي: في الكلمات المعدودات، وهو نهي من الإكثار.
стр. 1307
(فقال: قولي عشر مرات) أي: لأنه أقل مرتبة الأعداد فوق الآحاد، (الله أكبر) أي: أعظم من أن تدرك عظمته، (يقول الله: هذا) أي: هذا الذكر المشتمل على الكبرياء، (لي) أي: خاصّة.
(وقولي: سبحان الله عشر مرات، يقول الله: هذا) أي: هذا الذكر المتضمن للتنزيه المطلق والتقديس المحقق، (لي) أي: بلا شريك فيه.
(وقولي: اللهم اغفر لي. يقول الله: قد فعلت) ولما كان أمر الغفران [قِسمةً] (١) بين الرب والعبد، لم يقل: هذا لي؛ فإنه بينهما نصفين على ما ورد في سورة الحمد، (فتقولين عشر مرات، ويقول: قد فعلت) الظاهر أنه تعالى يقول في كل مرة: "قد فعلت". وكذا الكلام في قوله: "هذا لي"، والله أعلم. (ط) أي: رواه الطبراني عنه أيضًا (٢).
(أفضل الكلام: سبحان ربي وبحمده، سبحان ربي وبحمده) كرره مرتين إشعارًا بأن المراد تكثيره وتقريره. (ط) أي: رواه الطبراني (٣).
(وسبحان الله والحمد لله تملآن) بصيغة التأنيث، وفي نسخة صحيحة
стр. 1308
بالتذكير، أي: يملأ ثواب الجملتين أو اللفظتين، وفي نسخة: "يملأ" بصيغة الإفراد، فالمعنى: يملأ كلٌّ منهما، (مما بين السماء والأرض) أي: لو قدر أجره جسمًا، وسببه أنهما اشتملا على التنزيه الجزيل والثناء الجميل، وقال النووي: "سببهما ما اشتملتا عليه من التنزيه والتفويض".
(والحمد لله تملأ) بالتأنيث، والتذكير: "يملأ" (الميزان) أي: بانفراده، ففيه إشعار بكونه أفضلَ من "سبحان الله"؛ لأن القضية الموجبة أولى في النسبة من القضية السالبة، نظرًا إلى أن الوجود خير من العدم، ولما يستلزم من إثبات الكمال نفي النقصان والزوال، ولذا يقدم الدليل المثبت على النافي.
هذا، وقد قال النووي في "شرح مسلم": "ضبطنا في "تملآن" و"تملأ" بالتاء المثناة الفوقانية، وهو صحيح، فالأول ضمير مؤنثتين غائبتين، والثاني ضمير هذه الجملة. وقيل: "يجوز التذكير في يملآن"" (١).
(م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي مالك الأشعري ﵁ (٢).
(أحب الكلام إلى الله أربع) أي: أربع كلمات، (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن) أي: بأي الكلمات، (بدأت) أي: وبأيهن أخرت أو وسطت، لكن الترتيب المذكور أفضل
стр. 1309
وأكمل للمناسبة الظاهرة من تقديم التنزيه وإثبات التحميد، ثم الجمع بينهما بكلمة التوحيد المشتمل على التسبيح والتحميد، ثم الختم بكونه سبحانه أكبرَ من أن يعرف حقيقة تسبيحه وتحميده؛ إشعارًا بأن كمال المعرفة هو العجز عن المعرفة، كما أشار إليه ﷺ بقوله: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
وما قاله العارفون: "ما عرفناك حق معرفتك". وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [لأنعام: ٩١] أي: ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يقال: إن الضمير لليهود؛ فإن المعنى الأعم أنسب.
(م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن سمرة بن جندب (١).
(هي) أي: الكلمات الأربع، (أفضل الكلام) أي: أفضل كل ما يتكلم به الإنسان، (بعد القرآن) أي لكونه من كلام الله سبحانه، فهو في المعنى استثناء متصل أو منقطع، (وهي) وفي "أصل الجلال": "وهن"، (من القرآن) أي: متفرقة فيه لا مجتمعة؛ لورود: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧]، ولمجيء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كثيرًا، ولقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
стр. 1310
وأما قوله: "الله أكبر"، فغير موجود بهذا المبنى، ولكنه بحسب المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] ومن قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]، أو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وهذا بعيد من قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].
والحاصل: أن المجموع بهذا الترتيب ليس من القرآن، ولذا قال المصنف: "أي: كل منها جاءت في القرآن" (١)، انتهى.
وقيل: "الثلاث الأول وإن وجدت في القرآن لكن الرابعة لم توجد فيه، ولعل الحديث مبني على التغليب"، انتهى. وَبُعْدُهُ لا يخفى.
(أ) أي: رواه أحمد عن سمرة أيضًا (٢).
(من قالها) أي: ذكر الكلمات الأربع، (كُتِب له بكل حرف) أي: من حروفها الهجائية البنائية، (عشْر حسنات. ط) أي: رواه الطبراني عن ابن عمر (٣).
(هي) وفي نسخة صحيحة: "لَأَنْ أَقُولَهَا"، على أن اللام للابتداء و"أَنْ"
стр. 1311
مصدرية، أي: لقولي إياها، (أحبُّ إليَّ) أي: عندي، (مما طلعت عليه الشمس) أي: من الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها.
وقال العارف الجامي قدس الله سره السامي: "أي: مما طلعت عليه شمس الوجود، وإلا فالدنيا أحقر من أن [تقابل] (١) بذكر الله الودود".
وقال [ابن العربي] (٢): "أطلق المفاضلة بين قول هذه الكلمات وبين ما طلعت عليه الشمس. ومن شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى، ثم يزيد أحدهما على الآخر" (٣).
فأجاب ابن بطال: "بأن معناه أنها أحب إليه من كل شيء؛ لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة، فأخرج الخبر من ذكر الشيء بذكر الدنيا؛ إذ لا شيء سواها إلا الآخرة" (٤).
وأجاب ابن العربي (٥) بما حاصله: "أن "أفعل" قد يراد به أصل الفعل لا المفاضلة، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ
стр. 1312
مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ولا مفاضلة بين الجنة والنار، أو الخطاب واقع على ما استقر في نفوس أكثر الناس، فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها، وأنها المقصود، فأخبر بأنها عنده خير مما [تظنون] (١) أنه لا شيء أفضل منه.
وقال بعض المحققين: "يحتمل أن يكون المراد أن هذه الكلمات أحبّ إليَّ من أن يكون لي الدنيا وأتصدق بها".
والحاصل: أن الثواب المترتب على قول هذا الكلام أكثر من ثواب تصدق جميع الدنيا، أو أن يكون المراد: أحب إلي من جميع الدنيا واقتنائها والتقائها، وكانت العرب يفتخرون بجميع الأموال، والله أعلم بالأحوال.
(م، ت، س، مص، عو) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، وأبو عوانة، عن أبي هريرة (٢).
(إن الجنة طيبة التربة) أي: قابلة لظهور [النباتات] (٣) الطيبات منها، كما قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، (عذبة الماء) فيه إيماء إلى أن الماء الحلو هو السبب في الإنبات، (وأنها) أي: باعتبار بعض مواضعها المتعلقة بتعليق أعمال العباد في إتيان أسباب إنباتها.
стр. 1313
(قِيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر، ومنه قوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩].
قال البيضاوي: "هي بمعنى القاع، [وهو] (١) الأرض المستوية". وقال المصنف: "جمع قاع، وهو المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض" (٢).
قلت: هو ينافي بظاهره قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] وأما ما ذكره بعض اللغويين من أن: "القاع مستنقع الماء"، فالظاهر أنه لا يلائم المقام؛ حيث إنه لا يصلح للإنبات.
(وإن غِراسها) بكسر الغين، جمع الغَرْس بالفتح، بمعنى المغروس، والضمير إلى القيعان، (هذه) أي: ثواب الكلمات الأربع ونحوها من الباقيات الصالحات ونتائجها من الثمرات. (ت) أي: رواه الترمذي عن ابن مسعود (٣).
(يغرس لك بكل واحدة) أي: من الكلمات الأربع، (شجرة في الجنة)
стр. 1314
أي: زيادة على أشجارها. (ق، مص، طس) أي رواه: ابن ماجه، وابن أبي شيبة، والطبراني في "الأوسط"، عن أبي هريرة (١).
(خذوا جُنّتكم) قال المصنف: "بضم الجيم وتشديد النون: الوقاية، أي: ما تقيكم" (٢) (من النار، قولوا: يعني هذه) أي: يريد النبي ﷺ بمفعول "قولوا" هذه الكلمات، وهو من كلام الراوي، (فإنهن) أي: لأن هذه الكلمات (يأتين) أي: يحضرن بعد أن يجسمن أو يجسم ثوابهن (يوم القيامة مجنبات) قال المصنف: "بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون المشددة جمع مجنبة، وهي مجنبة الجيش التي تكون في الميمنة والميسرة. وقيل: هي الكتيبة التي تأخذ ناحية الطريق" (٣)، انتهى. وهو موافق لما في "النهاية".
стр. 1315
لكن صحح صاحب "سلاح المؤمن"، وكذا المنذري بفتح النون، وقالا: "أي: مقدمات أمامكم". وقال في "الترغيب": "وفي رواية الحاكم: "منجيات". ورواه الطبراني في "الصغير" بجمع اللفظين".
(ومعقبات) قال المصنف: "بكسر القاف وتشديدها، سميت بذلك لأنها تعاد مرة بعد أخرى. وقيل: لأنها تقال [عقب] (١) الصلاة" (٢)، انتهى.
والظاهر أن المراد بها هنا أن يأتين عَقيب [ذاكرها] (٣) كما يدل عليه قوله: "مجنبات". والمقصود أنهن يقين صاحبهن عن يمينه ويساره ووراء ظهره على سبيل التوزيع، أو لكثرتهن يَحُطْنَ به، ولم يذكر قدامه لأنه من جهة الجنة متوجهًا إليها.
(وهن الباقيات الصالحات) أي: المذكورة في القرآن على حذف مضاف مقدر، أي: تفسيرها كما ورد الخبر بها في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]، وهي وإن كانت بحسب اللفظ تعمها وغيرها من الأقوال والأعمال، ولكن فسرت بهذه الكلمات على وجه البيان والمثال.
(س، مس، صط، طس) أي رواه: النسائي، والحاكم، والطبراني في
(وكل تسبيحة صدقة) أي: مثل صدقة في الثواب، أو في الدلالة على تصديق صاحبها وصدق محبته لله سبحانه (وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة. م، د، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، عن أبي ذر (١) وصدر الحديث: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة … ".
стр. 1318
صلاة التسبيح
(وهن) أي: الكلمات الأربع، (اللواتي) جمع "التي" الموصولة الموضوعة لمفرد المؤنث، (يُقَلن) بضم ففتح على صيغة المجهول، أي: يذكرن، (في صلاة التسبيح، وذلك أنه ﷺ قال لعمه العباس) إلى هنا من كلام المصنف.
(يا عباس يا عماهْ) بسكون الهاء وقفًا، (ألا أعطيك) بضم همز وكسر طاء، أي: عطية رضية، (ألا أمنحك) بفتح همز ونون، أي: أعطيك منحة سنية.
"وأصل المنح: أن يعطى الرجل شاة أو ناقة ليشرب لبنها، ثم يردها إذا ذهب دَرُّها، ثم كثر استعماله حتى قيل في كل عطاء" كذا في "المغرب".
(ألا أحبوك) بفتح الهمزة وسكون الحاء وضم الموحدة من: حباه كذا، إذا أعطاه. و"الحباء: العطية" على ما في "النهاية". والمعنى: عطية هنية، وفي نسخة: "ألا أخبرك"، والظاهر أنه تصحيف.
(ألا أفعل بك) بالباء على ما في الأصول المعتمدة والنسخ المعتبرة، وفي نسخة باللام، فقيل: "هي الرواية الصحيحة".
(عشر خصال) بالنصب، على أنه مفعول تنازعت فيه الأفعال السابقة عليه، والمعنى في الجميع: أصيرك ذا عشر خصال. وإنما ذكره بألفاظ مختلفة تقريرًا وتأكيدًا وتحريضًا وتأييدًا على الاستماع إليه والمواظبة عليه.
стр. 1319
والخصلة هنا ليست بمعنى السجية الخلقية، بل المراد بها ما يقع إليه حاجة الإنسان، فقد قال التوربشتي: "الخصلة: هي الخلة، وهي الاختلال العارض للنفس، إما لشهوتها لشيء، أو لحاجتها إليه". فالخصلة كما تقال للمعاني التي تظهر من نفس الإنسان، تقال أيضًا: لما تقع حاجته إليه.
(إذا أنت فعلت)، وقدم التأكيد للتأييد، (ذلك) أي: ما ذكر من عشر خصال على الوجه الآتي، وهو أن يقول الكلمات الأربع: عشْرًا عشْرًا فيما سوى القيام، (غفر الله لك) على ما في "أصل جلال"، وليس في "أصل الأصيل"، (ذنبك) أي: ذنوبك، بقرينة قوله على وجه الإبدال، أو على طريق التفسير بـ "أعني".
(أوله وآخره) أي: مبتدأه ومنتهاه، وذلك [إن فسر الذنب بما] (١) لا يواقعه الإنسان دفعة واحدة، وإنما يتأتى منه شيئًا فشيئًا. ويحتمل أن يكون معناه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ذكره التوربشتي.
(قديمه وحديثه) أي: "جديده" كما في بعض النسخ، وهو "أصل الأصيل"، (خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته) والمقصود: استغراقه وإحاطته، فهذه الخصال العشر.
وقد زاده إيضاحًا بقوله: (عشر خصال) بعد حصر هذه الأقسام،
стр. 1320
كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وما أحسن مقابلةَ العشرة الكاملة بالعشرة المبشرة.
(أن تصلي أربع ركعات) أي: بتسليمة واحدة على ما هو ظاهر من الإطلاق ليلًا أو نهارًا. وقيل: " [تصلي] (١) في النهار بتسليمة، وفي الليل بتسليمتين". وقيل: "الأولى أن [يصلي] (٢) مرة بتسليمة، وأخرى بتسليمتين".
(تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة) قيل لابن عباس: ما هذه [السور] (٣) بعد الفاتحة؟ قال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، والعصر، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، والإخلاص. وفي رواية: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، والعاديات، والنصر والإخلاص". كذا ذكره بعض شراح "المشكاة".
(فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم) أي: قبل الركوع، والجملة حالية، (قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة) بسكون الشين وتكسر، (ثم تركع فتقولها) أي: بعد سبحان ربي العظيم ثلاثًا، ويحتمل الإكتفاء بها عنه، (وأنت راكع) أي: قبل رفع الرأس، (عشرًا) أي: عشر مرات.
(ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تهوي) بفتح التاء وكسر
стр. 1321
الواو، أي: تنخفض وتنحط حال كونك، (ساجدًا) أي: مريدًا للسجود؛ ففي "الصحاح": هوى بالفتح يهوي بالكسر هُوِيًّا، إذا سقط إلى أسفل".
(فتقولها) أي: في السجود، (عشرًا، ثم ترفع) أي: "رأسك" كما في نسخة صحيحة، (من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد) أي: ثانيًا، (فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا قبل أن تقوم) وسيأتي الكلام عليه.
(فذلك) أي: فمجموع ما ذكر (خمس وسبعون مرة في كل ركعة تفعل ذلك) استئناف بيان، أي: تصنع ما ذكر من التسبيحات العشرة، (في أربع ركعات) أي: في مواضعها المقدرة المقررة.
(إن استطعت أن تصليها) أي: هذه الصلاة المسماة بصلاة التسبيح، (في كل يوم) أي: أو ليلة، (مرة فافعل، فإن لم تفعل) أي: بأن لم تستطع، (ففي كل شهر مرة) أي: افعل، وفي نسخة صحيحة: "ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل، ففي كل شهر مرة" (فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة؛ فإن لم تفعل، ففي عمرك مرة) فيه إشعار بأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وأن أقل العمل بالحديث في فضائل الأعمال أن يأتيَ به مرة، ومن زاد زادَ الله في حسناته.
(د، ق، مس، حب) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس. (١)
وروى الترمذي نحوه عن أبي رافع فقط، وقال: "حديث غريب. وفي الباب عن ابن عباس وعبد الله بن [عَمْرو] (١) والفضل بن عباس (٢).
стр. 1325
وروى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح وذكر الفضل فيه"، انتهى كلام الترمذي.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "هذا حديث حسن، وقد أساء ابن الجوزي بذكره في "الموضوعات". وقال الدارقطني: "أصح شيء ورد في فضائل السور فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأصح شيء ورد في فضائل الصلاة فضل صلاة التسبيح"".
وقال عبد الله بن المبارك: "صلاة التسبيح مرغب فيها، يستحب أن يعتادها في كل حين، ولا يتغافل عنها". قال: "ويبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم، وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثًا ثلاثًا، ثم يسبح التسبيحات المذكورة".
وقيل له: إن سهى في هذه الصلاة هل يسبح في سجدتي السهو عشرًا عشرًا؟ قال: "لا؟ إنما هي ثلاث مئة تسبيحة".
وقال السبكي: "صلاة التسبيح من مهمات المسائل من الدين، وحديثها أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه. ويستحب أن [يتعاهدها] (١) ولا يتغافل عنها.
وقد ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: "إن صلاها ليْلًا فأحب إلي أن يسلم من كل ركعتين، وإن صلاها نهارًا فإن شاء سلم، وإن شاء لم
стр. 1326
يسلم، غير أن التسبيح الذي يقوله بعد الفراغ من السجدة الثانية يؤدى إلى جلسة الاستراحة".
وكان عبد الله بن المبارك يسبح قبل القراءة خمس عشرة، ثم بعد القراءة عشرًا، والباقي كما في الحديث، ولا يسبح بعد الرفع من السجدتين، ذكره الترمذي".
قال السبكي: "وجلالة ابن المبارك تمنع من مخالفته الحديث، وأنا أحب العمل بما تضمنه حديث ابن عباس، ولا يمنعني من التسبيح بعد السجدتين الفصل بين الرفع والقيام، فإن جلسة الاستراحة حينئذٍ مشروعة في هذا المحل.
وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس تارة، [وبعمل] (١) ابن المبارك أخرى، وأن يفعلها بعد الزوال قبل صلاة الظهر، وأن يقرأ فيها تارة بالزلزلة والعاديات [والفتح، أي: النصر] (٢) والإخلاص، وأن يكون دعاؤه بعد التشهد قبل السلام، ثم يسلم ويدعو [لحاجته] (٣)؛ ففي كل شيء ذكرته وردت سنة"، انتهى.
أما كونها بعد الزوال، فقد أخرج أبو داود عن أبي الجوزاء، عن رجل
стр. 1327
له صحبة يروي: "أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ائتني غدًا أحبوك وأثيبك وأعطيك، حتى ظننت أنه يعطيني عطية، قال: إذا زالت الشمس، فقم فصل أربع ركعات … "، [فذكر] (١) نحوه. وقال: "ثم ترفع رأسك فاستوِ جالسًا، ولا تقم حتى تسبح عشرًا، وتكبر عشرًا، وتهلل عشرًا، ثم تصنع ذلك في الأربع الركعات، فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنبًا غفر لك. قلت: فإن لم أستطع أن أصليها في تلك الساعة؟ قال: صلها من الليل والنهار".
أقول: ولعل وجه اختصاص وقت الزوال ليناسبه التسبيح والتنزيه عن نقص صفات الكمال، والله أعلم بالحال.
وقال في "الإحياء": "إنه يقول في أول الصلاة: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يسبح خمس عشرة قبل القراءة، وعشرًا بعدها، والباقي عشرًا عشرًا كما في الحديث. ولا يسبح بعد السجدة الآخرة قاعدًا. وهذا هو الأحسن، وهو اختيار عبد الله بن المبارك".
ثم قال: "وإن زاد بعد التسبيح: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فحسن، وقد ورد ذلك في بعض الروايات".
وأما الدعاء فقد ذكره شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في "الكلام الطيب" عن الإمام أحمد أنه يقول بعد صلاة التسبيح قبل السلام: "اللهم
стр. 1328
إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وجد أهل الخشية، وطلبة أهل الرغبة، وتعبد أهل الورع، وعرفان أهل العلم حتى أخافك.
اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملًا أستحق به رضاك، حتى أناصحك بالتوبة خوفًا منك، وحتى أخلص لك النصيحة حياءً منك، وحتى أتوكل عليك في الأمور كلها، حسن ظن بك، سبحان خالق النار"، انتهى.
وذكره أيضًا ابن أبي الصيف اليمني نزيل مكة المشرفة في كتابه "اللمعة في رغائب يوم الجمعة" أنه: "يستحب صلاة التسبيح عند الزوال يوم الجمعة، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: التكاثر، وفي الثانية العصر، وفي الثالثة الكافرون، وفي الرابعة الإخلاص، فإذا كملت الثلاث مئة تسبيحة قال بعد فراغه من التشهد قبل أن يسلم: "اللهم إني أسألك … " الدعاء، إلا أنه قال: "حبًّا لك" موضع "حياءً منك"، وقال: "سبحان خالق النور"، وزاد: "ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يسلم".
وقال بعض المحققين: "حديث صلاة التسبيح أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، وزاد الطبراني في "الأوسط": "أنه ﷺ كان يدعو فيها بعد التشهد وقبل السلام، فيقول: "اللهم … ، إلى: "خالق النور" ".
стр. 1329
قال شيخنا مفتي بلد الله الأمين مولانا قطب الدين: "والأقرب من الاعتدال أن يصليها من الجمعة إلى الجمعة، وهذا الذي كان عليه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فإنه كان يصليها عند الزوال يوم الجمعة ويقرأ فيها ما تقدم، والله سبحانه أعلم" (١).
(وهي) أي: الكلمات الأربع، هي (مع ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن) أي: تلك الكلمات مع لا حول ولا قوة إلا بالله، (الباقيات
стр. 1333
الصالحات) أي: منها أو تفسيرها.
(وهن) أي: الخمس (يحططن) أي: يضعن (الخطايا كما تحط الشجرة ورقها) أي: بإذن ربها، (وهن من كنوز الجنة) أي: من أسباب حصولها، ومن موجبات وصولها.
أو: معانيها برموزها من كنوز الجنة الحاضرة على ما قال بعض العارفين في قوله تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]: "جنة عاجلة، وجنة آجلة". (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي الدرداء (١).
(تجزئ) بضم حرف المضارعة وكسر الزاي بعدها همز، وهو بالتأنيث في ["الأصيل"] (٢)، وبالتذكير عند "الجلال"، أي: تكفي، (من القرآن) أي: من جملته، (من لا يستطيعه) أي: بكليته، ولا يقدر على جمعيته.
ففي "المغرب": "يقال: هذا يجزئ من هذا، أي: يقضي أو ينوب عنه". وفي نسخة: "لمن لا يستطيعه"، وتؤيده الرواية الآتية. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن أبي أوفى.
стр. 1334
(وكذلك) أي: هي، يعني الكلمات الخمس، (مع: اللهم ارحمني) أي: بترك المعصية، (وارزقني) أي: رزقًا حسنًا، (وعافني) أي: من كل بلية، (واهدني) أي: إلى طريقة مرضية، أو ثبتني على الكتاب والسنة.
(تجزئ) يتعلق به كذلك، (من القرآن لمن لا يستطيعه) أي: جميعه أو بعضه، فإن مضمونها هو المقصود الأعظم من الكلام المكرم.
(من أخذه) أي: ما ذكر وعمل على وفق ما سطر، (فقد ملأ يده من الخير. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي؛ كلاهما عن عبد الله بن أبي أوفى (١)، قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا" أي: سوى مما يجب عليَّ في الصلاة، فعلمني ما يجزئ عنه، أي: بالاشتغال به في سائر الأحوال.
стр. 1335
قال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل: اللهم، ارحمني وارزقني وعافني واهدني. فلما قام قال: هكذا بيده. فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد ملأ يده من الخير"، رواه النسائي، وأبو داود واللفظ له، ذكره ميرك.
(وهن أيضًا بغير الدعاء) أي: المذكور، (مع: وتبارك الله، قُيِّض) بضم قاف وتشديد تحتية فمعجمة، أي: قُدِّرَ وَوُكِّلَ، (عليهن) أي: على محافظة تلك الكلمات، (مَلَك) ووقع في بعض النسخ: "قبض" (١) بالموحدة، وهكذا صحح في نسخة "السلاح"، ذكره ميرك.
فهو بصيغة الفاعل، ولا يمنعه وجود "على"، لكون تعديته بدونه، فإنه قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بغيره. ففي "القاموس": "قبضه بيده تناوله، وله وعليه: أمسكه" (٢).
(فضمهن) أي: لمهن (تحت جناحه، وصَعِدَ بهن، لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن) أي: لما يَشَمُّون من رَائِحَتِهن، (حتى يحيا بهن وجهُ الرحمن) بصيغة المجهول من التحية، ورفع "الوجه" على نيابة الفاعل، ولعل المراد بالوجه الذات، أو التقدير: وجه عرشه، وهو المناسب؛ لقوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].