← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1332

(وهي) أي: الكلمات الأربع، هي (مع ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن) أي: تلك الكلمات مع لا حول ولا قوة إلا بالله، (الباقيات

стр. 1333

الصالحات) أي: منها أو تفسيرها. (وهن) أي: الخمس (يحططن) أي: يضعن (الخطايا كما تحط الشجرة ورقها) أي: بإذن ربها، (وهن من كنوز الجنة) أي: من أسباب حصولها، ومن موجبات وصولها. أو: معانيها برموزها من كنوز الجنة الحاضرة على ما قال بعض العارفين في قوله تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]: "جنة عاجلة، وجنة آجلة". (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي الدرداء (١). (تجزئ) بضم حرف المضارعة وكسر الزاي بعدها همز، وهو بالتأنيث في ["الأصيل"] (٢)، وبالتذكير عند "الجلال"، أي: تكفي، (من القرآن) أي: من جملته، (من لا يستطيعه) أي: بكليته، ولا يقدر على جمعيته. ففي "المغرب": "يقال: هذا يجزئ من هذا، أي: يقضي أو ينوب عنه". وفي نسخة: "لمن لا يستطيعه"، وتؤيده الرواية الآتية. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن أبي أوفى.

стр. 1334

(وكذلك) أي: هي، يعني الكلمات الخمس، (مع: اللهم ارحمني) أي: بترك المعصية، (وارزقني) أي: رزقًا حسنًا، (وعافني) أي: من كل بلية، (واهدني) أي: إلى طريقة مرضية، أو ثبتني على الكتاب والسنة. (تجزئ) يتعلق به كذلك، (من القرآن لمن لا يستطيعه) أي: جميعه أو بعضه، فإن مضمونها هو المقصود الأعظم من الكلام المكرم. (من أخذه) أي: ما ذكر وعمل على وفق ما سطر، (فقد ملأ يده من الخير. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي؛ كلاهما عن عبد الله بن أبي أوفى (١)، قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا" أي: سوى مما يجب عليَّ في الصلاة، فعلمني ما يجزئ عنه، أي: بالاشتغال به في سائر الأحوال.

стр. 1335

قال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل: اللهم، ارحمني وارزقني وعافني واهدني. فلما قام قال: هكذا بيده. فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد ملأ يده من الخير"، رواه النسائي، وأبو داود واللفظ له، ذكره ميرك. (وهن أيضًا بغير الدعاء) أي: المذكور، (مع: وتبارك الله، قُيِّض) بضم قاف وتشديد تحتية فمعجمة، أي: قُدِّرَ وَوُكِّلَ، (عليهن) أي: على محافظة تلك الكلمات، (مَلَك) ووقع في بعض النسخ: "قبض" (١) بالموحدة، وهكذا صحح في نسخة "السلاح"، ذكره ميرك. فهو بصيغة الفاعل، ولا يمنعه وجود "على"، لكون تعديته بدونه، فإنه قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بغيره. ففي "القاموس": "قبضه بيده تناوله، وله وعليه: أمسكه" (٢). (فضمهن) أي: لمهن (تحت جناحه، وصَعِدَ بهن، لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن) أي: لما يَشَمُّون من رَائِحَتِهن، (حتى يحيا بهن وجهُ الرحمن) بصيغة المجهول من التحية، ورفع "الوجه" على نيابة الفاعل، ولعل المراد بالوجه الذات، أو التقدير: وجه عرشه، وهو المناسب؛ لقوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].

стр. 1336

وقال صاحب "الكشف" البزدوي: "إن "حيَّاه" في الأصل بمعنى: استقبله، والمحيا: الوجه، فاستعير هنا للعرض في الحضرة الإلهية، والوقوع في معرض القبول وكأن الباء للتعدية"، انتهى. وقال بعض المحققين: "كذا رواه الحاكم، لكن الطبراني رواه: "حتى يحيي بهن وجهَ الرحمن"، بالنصب" (١). وقال في "الترغيب": "ولعله الصواب". وزاد في "سلاح المؤمن": "يرفعه، ثم تلا عبد الله بن مسعود: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر: ١٠] ". (مو مس) أي: رواه الحاكم موقوفًا من قول عبد الله بن مسعود، وقال: "صحيح الإسناد". ولفظه: عن عبد الله بن مسعود، قال: "إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب الله؛ إن العبد إذا قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، قيض عليهن مَلَك، فضمهن تحت جناحه، فصَعِدَ بهن، لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيا بهن وجه الرحمن، ثم تلا عبد الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ".

стр. 1337

أقول: الظاهر أن هذا الحديث ولو كان بسنده موقوفًا لكنه في حكم المرفوع؛ إذ مثله لا يقال من قِبَل الرأي، وإنما ذكر الآية استشهادًا، وبينها اعتضادًا وتنبيهًا على أن ما ورد من السنة إنما هو بيان لما في كتاب الله، والله أعلم بالصواب. (إن الله اصطفى من الكلام) أي: من جنس ما يتكلم به، أو من الكلمات الواردة في كلام الله، (أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كتب له عشرون حسنة) أي: لاشتماله على كلمتين، كل كلمة حسنة مضاعفة بعشرة على أقل أصناف المضاعفة. (وحطت) أي: وضعت ومحيت (عنه عشرون سيئة. ومن قال: الحمد لله فمثل ذلك) بالرفع، أي: فحكمه مثل ما تقدم من الإثبات والمحو. وفي نسخة بالنصب، أي: فيكون حكمه مثل ما ذُكِرَ. وهذه الجملة موجودة في أكثر النسخ المصححة، وفي نسخة صحيحة مقروءة مكتوبة في الهامش، مرموز فوقها رمز الطبراني، ومكتوب تحتها: "أصل الطيبي وحاشية الجلال"، والله أعلم بالحال. (ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قِبَل نفسه) بكسر القاف وفتح موحدة، أي: من صميم قلبه مخلصًا لربه زيادة على ما سبق. وقال المصنف: "أي: من عنده، زيادة على ما تقدم" (١). وقال الحنفي:

стр. 1338

"فيه تأمل"، ولم يذكر ما فيه؛ ليتأمل ويعرف ما يوافقه أو ينافيه. (كتبت له ثلاثون حسنة، وحطت عنه ثلاثون سيئة) أي: بزيادة عشرة في مقابلة قوله: "رب العالمين"، حيث عد المضاف والمضاف إليه منزلة الكلمة الواحدة، أو لأن المقصود بالذات هو المضاف، وذكر المضاف إليه تبعًا للبيان في هذا الشأن. (س، أ، مس، ر) أي رواه: النسائي، وأحمد، والحاكم، والبزار؛ كلهم عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا (١). (أما يستطيع أحدكم) أي: ألم يقدر (أن يعمل كل يوم مثل أُحُد) بضمتين، أي: جبل أُحُد في العظمة، (عملًا؟ قالوا: يا رسول الله، ومن يستطيع ذلك؟! قال: كلكم) أي: كل فرد من أفرادكم، (يستطيعه. قالوا: يا رسول الله، ماذا؟!) أي: أي العمل ذاك أو هذا؟ (قال: سبحان الله أعظم من أُحُد) أي: ثوابًا، (ولا إله إلا الله أعظم من أُحُد، والحمد لله أعظم من أُحُد، والله أكبر أعظم من أُحُد. ر، ط) أي رواه: البزار، والطبراني؛ كلاهما عن عمران بن حصين (٢).

стр. 1339

(سبحان الله مئة) بالنصب، أي: مئة مرة، (تعدل) بالتأنيث؛ نظرًا إلى الكلمة، وفي نسخة بالتذكير اعتبارًا باللفظ أي: يساوي (مئة رقبة) أي: عتق مئة نَسَمة، (من ولد إسماعيل) بفتحتين، وبضم فسكون، أي: من ذريته، (والحمد لله مئة تعدل مئة فرس مسرجة ملجمة) بصيغة المفعول فيهما، أي: موضوعة عليها السرج واللجام، (يحمل) بصيغة المجهول أي: يركب، (عليها في سبيل الله) أي: [في] (١) الغزو أو الحج أو طلب العِلْم. (والله أكبر مئه تعدل مئه بَدَنة) أي: ناقة أو بقرة، (مقلدة) بتشديد اللام المفتوحة مأخوذة من القلادة، وهي التي في العنق. والتقليد أن يُعَلَّقَ في العنق شيءٌ لِيُعْلَمَ أنه هدْي، كذا في "الصحاح ". (متقبلة) بفتح الموحدة المشددة، أي: مقبولة، وما أحسن مقابلة التسبيح بعتق من لا يستحق الرق، وبمشاكلة التكبير للبدنة التي هي أكبر ما يهدى في تعظيم الرب سبحانه!. (س، ق، مس، ط، مص) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، والطبراني، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أم هانئ أخت علي [بن] (٢) أبي طالب، واسمها فاختة، وقيل: هند (٣).

стр. 1340

(تنحر بمكة) بصيغة المجهول من النحر، والضمير لمئة بدنة. (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي أمامة بهذه الزيادة. (ولا إله إلا الله تملأ) بالتأنيث، وقيل: بالتذكير نظرًا إلى الكلمة والقول، والمعنى: يملأ ثوابها لو قدر جسمًا (ما بين السماء والأرض) أو باعتبار معناها من الوحدة في الألوهية ونفي الشركة، والإثنينية تشمل ما بين السماء والأرض، أي: من العلويات والسفليات، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [لزخرف: ٨٤]. (س، ق، مس، أ، ط) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، والطبراني، كلهم عن أم هانئ أيضًا (١). (بَخ بَخ) بفتح الموحدة وبسكون المعجمة فيهما. وفي نسخة بكسرهما منوَّنًا، أي: طوبى، (بخمس) قال المصنف: "يقال عند الفَرَح، والرضا بالشيء، ويكرر عند المبالغة بفتح الباء مبنية علي السكون، فإن

стр. 1341

وصلتها بما بعد جررت ونونت، فقلت: بخ بخ" (١)، انتهي. وذكر في المقدمة أن فيها لغات: إسكان الخاء وكسرها منونًا وغير منون، وبضمها منونًا، وبتشديدها مضمومًا ومنونًا، واختار الخطابي إذا كرر: تنوينَ الأولى وتسكينَ الثانية. وفي "القاموس" (٢): "بخ أي: عظم الأمر وفخم، يقال وحدها، وتكرر "بخ بخ" الأول منون والثاني مسكن. وقل في الإفراد: بَخ ساكنة، وبَخِ مكسورة [وَبَخٍ مُنَوَّنَة، (٣)، وبَخ منونة مضمومة، ويقال: بَخ بَخْ مُسَكَّنَيْنِ، وبَخٍ بَخٍ مُنَوَّنَيْنِ، وبَخٍّ بَخٍّ مُشَدَّدَّيْنِ، كَلِمَة تُقَالُ عند الرضي والإعجاب بالشيء أو الفخر والمدح". (ما أثقلهن) فعل تعجب لإفادة المبالغة في ثقلهن، (في الميزان: لا إله إلا الله) ولعل تقديمها لأنها مبدأ علم التوحيد، وعليها مدار التسبيح والتحميد والتمجيد. (وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح) بالجر علي محل "لا إله إلا الله" المبدل من الخمس، وفي نسخة برفع "الولد" علي تقدير منها، وفي أخرى بالنصب بتقدير: "أعني"، والمراد به الصالح المؤمن، (يتوفى) بصيغة المجهول أي: يقبض أو يموت، (للمرء المسلم) متعلق بالولد،

стр. 1342

(فيحتسبه) أي: يطلب ثوابه بالصبر والشكر والرضا بالقضاء. قال المصنف: "عطف على "يتوفى" أي: يطلب رضا الله وثوابه" (١)، انتهى. والحاصل: أن ثواب هذه الكلمات وأجر الصبر على فقد الولد الذي عد من الثمرات من أثقل ما يكون في ميزان الأعمال، وأحسن ما يرجى منه في حسن المآل، والله أعلم بالحال. (س، حب، مس، ر، أ، ط) أي رواه: النسائي وابن حبان والحاكم، من حديث أبي سلمى راعي النبي ﷺ ، وقيل: اسمه حريث. والبزار وأحمد والطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ كذا ذكره ميرك، وفي نسخة صحيحة نسب الأولان إلى أبي سلمي، والباقون إلى ثوبان (٢). (إن مما تذكرون من جلال الله) كلمة "من" تبيينية أو تبعيضية لـ "ما تذكرون"، وكأن المراد بالجلال ما يدل على عظمته وكبريائه، والظرف خبر مقدم على الاسم، وهو قوله: (سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله ينعطفن حول العرش) قال المصنف: "أي: يدُرن حوله" (٣). انتهى. وفي نسخة: "من حوله"، وهو الملائم لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ

стр. 1343

حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]. (لهن) أي: لتلك الكلمات، (دَوِيٌّ) بفتح وكسر وتشديد أي: صوت (كدويِّ النحل) وهو ذباب العسل، وفي "القاموس" (١): "دوي الريح: حفيفها، وكذا من النحل والطائر". (تذكر) بكسر الكاف المشددة، والضمير المفرد باعتبار كل واحدة أو الجماعة، والمفعول مقدر، أي: تذكر الله أو ملائكته، (بصاحبها) أي: بحاله وتحسين مآله، والباء للتعدية كما في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] فما قال بعضهم من أنها زائدة، فزيادة بلا فائدة، وإن كان قد يتعدى بنفسه، حيثما قال صاحب "الصحاح": "ذكرت الشيء بعد النسيان، وتذكرته، وأذكرته غيري، وذكرته بمعنًى". وقال المصنف: "دوي: بفتح الدال، صوت ليس بالعالي كصوت النحل ونحوه، وهذا يدل على أن الأقوال والأعمال نفسها تتجسد بقدرة الله تعالى كما تقدم، والله أعلم. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا … ﴾ [آل عمران: ٣٠] الآية. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] [الآيتين] (٢). وحديث: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا

стр. 1344

جعل يوم القيامة شجاعًا أقرع"" (١)، انتهى كلامه. وفي استدلاله على طبق مقاله نظر، إذ في الآيتين مضاف مقدر أي: جزاء ما عملت من طاعة وسيئة وثواب خيره ولثمره، وأما الحديث الذي ذكره فمعناه صور ماله شجاعًا أي: حية، وليس فيه ما يدل على تجسيم الأقوال والأعمال والله أعلم بالأحوال. نَعَم، الحديث الذي في الأصل يحتمل أن يكون من هذا القبيل، وأن يصور ثوابها على وجه التمثيل. (أما يحب أحدكم أن يكون أو لا يزال) بالنصب و"أو" للشك من الراوي، أي: [أن] (٢) لا يزال، (من يذكر به) أي: عند ربه لمزيد فضله. (ق، مس) أي رواه: ابن ماجه، والحاكم، عن النعمان بن بشير (٣). (استكثروا) أي: اطلبوا الكثرة (من الباقيات الصالحات) أي: قولًا وفعلًا، (الله أكبر، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي: منها هذه الكلمات. قال المصنف: "أي: أكثروا منها، وهي للعبد صالحة تنفعه عند الله

стр. 1345

تعالى. قال غير واحد من السلف: "هي الصلوات الخمس". وقال ابن عباس: "هي ذكر الله والصلاة على رسوله ﷺ ، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، وجميع الأعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال العوفي، عن ابن عباس: "هي الكلم الطيب". والأحاديث الواردة أنها: "سبحان الله والحمد لله … " الحديث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "هي الأعمال الصالحة كلها". واختاره ابن جرير، وهذا هو الظاهر والأعم، وهذه الكلمات منها؛ والله أعلم" (١). (س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري (٢). (قل) أي: كثيرًا، (لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة) لما فيها من الرموز الخفية، والأسرار الجلية. قال المصنف: "أي: أجرها مدخر لقائلها والمتصف بها كما يدخر الكنز" (٣). (ع، أ، ر، ط) أي رواه: الجماعة عن أبي موسى الأشعري (٤)، وأحمد

стр. 1346

والبزار عن أبي هريرة (١)، والطبراني عن معاذ (٢)، ورواه النسائي عن أبي هريرة وأبي ذرّ أيضًا (٣)، كذا ذكره ميرك.

стр. 1347

(باب) أي: فإنها باب، (من أبواب الجنة) أي: نوع مدخل من مداخلها، وصنف من أصناف أسباب حصول مراتبها. (أ، ط، س) أي رواه: أحمد، والطبراني، والنسائي، عن معاذ بن جبل (١). (غراس الجنة) أي: فإنها من مغروساتها، وأصول موجباتها. (حب، أ، ط) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، والطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري، وكذا رواه الترمذي وصححه، عنه (٢): "أن النبي ﷺ ليلة أسري به مرّ على إبراهيم ﵇، فقال: يا محمد، مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة. قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة بالله".

стр. 1348

(وتقدم أنها دواء من تسعة وتسعين داءً، أيسرها) أي: أقلها وأسهلها (الهم) أي: هم الدنيا، أو هم الدَّين بفتح الدال. (مس، ط) أي رواه: الحاكم، والطبراني، كلاهما عن أبي هريرة (١). (كنت عند النبي) وفي نسخة: "عند رسول الله"، ﷺ فقلتها) أي: كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، (فقال: [أتدري]) (٢) أي: [أتعلم] (٣) (ما تفسيرها؟ قلت: الله ورسوله أعلم) أي: بحقيقة معناها، ومقتضى مبناها، (قال: لا حول) أي: لا تحويل ولا انصراف للعبد، (عن معصية الله إلا بعصمة الله) أي: بحفظه إيّاه، (ولا قوة على طاعة الله) أي: عبادته، (إلا بعون الله) أي: بمعونته. قال النووي: "هي كلمة استسلام وتفويض، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، وليس له حيلة في دفع شرٍّ، ولا قوةٌ لا في جلب خيرٍ إلا بإرادة الله" (٤).

стр. 1349

(ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود، وفي نسخة: "وعن قيس بن سعد أيضًا" (١). (وهي) أي: كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، (مع: ولا منجا) بفتح الميم مقصورًا، اسم مكان من النجاة، أي: لا مفر ولا مخلص، ولا ملاذ ولا معاذ (من الله) أي: من قضائه، (إلا إليه) أي: إلى رضائه أو إلى قدره، أو لا خلاص من السوء إلا بالاستغراق في حضرة المولى، ومنه قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وقوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرّ﴾ [القيامة: ١١، ١٢]، ومنه ما ورد: "لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك". (كنز من كنوز الجنة) قال ميرك: "سمى هذه الكلمة كنزًا؛ لأنها كالكنز في نفاسته، وصيانته عن أعين الناس، أو أنها من ذخائر الجنة، أو من محصلات نفائس الجنة". وقال النووي: "المعنى أن قولها يحصّل ثوابًا نفيسًا يدخر لصاحبه في الجنة". (س، ر) أي رواه: النسائي، والبزار، عن أبي هريرة (٢).

стр. 1350

(من قال: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا) وفي نسخة صحيحة: "رسولًا" في الهامش بدل "نبيًّا" ورمز عليه الميم والدال، (وجبت له الجنة) أي: ثبتت أو حصلت وجوبًا بمقتضى الوعد. (س، م، د، مص) أي رواه: النسائي، ومسلم، وأبو داود، وابن أبي شيبة، عن أبي سعيد الخدري (١). (من قال: اللهم رب السماوات والأرض) أي: خالقهما، ومربي أهلهما، (عالمَ الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية، (إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا؛ أني) بفتح الهمز، (أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني) أي: تتركني، (إلي نفسي) أي: من غير توفيقٍ لي على الطاعة، ومن غير حفظٍ عن المعصية، (تقربني من الشر) أي: توقعني فيه، (وتباعدني من الخير) أي: بحيث لا يتصور وقوعه مني. (وإني) بكسر الهمز، (إن أثق) أي: "لا أثق" كما في نسخة، فَـ "إنْ" نافية أي: لا أعتمد ولا أتمسك، (إلا برحمتك فاجعل) أي: أثبت إلى عندك عهدًا) أي: بقبول الإيمان، ودخول الجنان، والخلاص من النيران، (توفينيه) من الإيفاء، ويجوز تشديد الفاء، أي: تجازينيه بذلك العهد وافيًا (يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد) أي: الوعد والعهد (إلا قال

стр. 1351

الله) استثناء مِنْ "مَنْ" الشرطية، المراد بها عموم القضية، فكأنه قال: ما قاله أحد إلا قال الله يوم القيامة لملائكته) أي: المقربين، وفي نسخة: "للملائكة"، (إن عبدي عهد عندي) أي: معي، (عهدًا) أي: أوفيه إياه، (فأوفوه إياه) أي: بعدم إدخاله النار، (فيدخله الله الجنة). (قال سهيل) أي: أحد الرواة من تبع التابعين، (فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن) وهو من أجلاء التابعين، (أن عوفًا) هو من التابعين أيضًا، (أخبرني بكذا وكذا) أي: عن ابن مسعود مرفوعًا، (فقال) أي: القاسم، (ما في أهلنا) أي: ليس من أقاربنا، أو في أهل بيتنا، (جارية) أي: بنت صغيرة أو خادمة أو مملوكة، (إلا وهي تقول كذا) أي: الدعاء، (في خِدرها) بكسر معجمة فسكون دال مهملة، أي: سترها أو بيتها. (أ) أي: رواه أحمد عن ابن مسعود (١). قال المصنف: "بكسر الخاء المعجمة وإسكان الدال، وهو ناحية في البيت، يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر، فتكون فيه مخدرة"، انتهى. وأغرب الحنفي حيث قال: "وهذا لا يلائم ما ذكر في "المهذب " من أن الخِدْرَ هو الستارة"، انتهى. ففي "القاموس" (٢): "الخدر بالكسر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، وكل ما واراك من بيت ونحوه".

стр. 1352

(ولما جلس الرجل) أي: المعهود في الحضرة الشريفة، (وقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا) أي: في الكمية، (طيبًا) أي: في الكيفية، بالبراءة من الرياء والسمعة، (مباركًا فيه) أي: في الحمد حتى يشمل النعم، بل ويعم البلاء والألم، فيكون حمدًا في السراء والضراء، (كما يحب ربُّنا ويرضي) أي: حمدًا مثل ما يحبه ربنا ويرضى به، فهو صفة بعد صفة لـ "حمدًا"، وجوز الحنفي أن يكون قيدًا لـ "طيبًا مباركًا فيه"، وفيه ما فيه. (فقال ﷺ : والذي نفسي) أي: روحي أو ذاتي، (بيده) أي: بيد قدرته، وتصرف إرادته، (لقد ابتدرها) أي: تسارع إليها وتسابق فيها (عشرة أملاك) وتعجل بعضهم بعضًا في [كتابة] (١) تلك الكلمات، ورفعها إلى حضرة رب العزة لعظمة قدرها، وكثرة أجرها. قال المصنف: "من [المبادرة] (٢)، وهي العجلة والاهتمام إليه" (٣). وقال الحنفي: "الظاهر أن يقال: من الابتدار بمعني المبادرة"، انتهى. وفيه: أن الافتعال يكون بمعني المفاعلة، لما بينهما من الفرق المُبَيَّنِ في علم الصَّرْف، فهذه بادرة منهما عفا الله عنا وعنهما، ولعل وجه اختصاص عدد العشرة؛ لأنه أقل الكثرة من الأعداد فوق الآحاد، أو لأنها أدنى مراتب عدد الأخبار المتواترة عند بعض العلماء المعتبرة.

стр. 1353

قال المصنف: "الذي خطر لي في وجه كونهم عشرة أن عدد الكلمات عشرة، و"فيه" زائدة؛ ولذلك حذف في بعض الروايات، والله أعلم" (١)، انتهى. ولا يخفى أن الأظهر أن يقال: عدم اعتداده لعدم اعتباره؛ حيث إنه فضلةٌ يجوز ذكره وحذفه، مع أن اعتبار الكلمات على ما قاله لا يوافق اصطلاح النحاة؛ لأن "الحمد" كلمتان عندهم، وكذا قوله: "لله"، وكذا "حمدًا" حيث يعد التنوين كلمة، وكذا "فيه" و"ربنا"، فالشيخ جعلها عشر كلمات باصطلاح القراء حيثما يطلقون الكلمة على ما لا يجوز الفصل بين أجزائها. (كلهم) أي: كل واحد منهم، أو جميعهم (حريصٌ) وأفرد الضمير باعتبار لفظ الكل، (على أن يكتبوها) أي: على كتابتهم ثوابها وأجرها لقوله: (فما دَرَوا) بفتحتين من الدراية، أي: فما علموا (كيف يكتبونها) أي: لما رأوا فيها من الأنوار الكثيرة، والأسرار [العزيزة] (٢) مما يتضمنها هذه الكلمات اليسيرة، (حتى رفعوها إلى ذي العزة) أي: على وجه إجمالها. (فقال: اكتبوها) أي: ألفاظها، (كما قال عبدي) أي: من غير تعرض لقدر أجرها. (حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، عن أنس (٣).

стр. 1354

الاستغفار (وتقدم سيد الاستغفار. خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن شداد بن أوس (١). (إني لأستغفر الله) أي: في اليوم سبعين مرة، وترك ذكره هنا اعتمادًا على ما بعده. (ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس، هذا المقدار فقط من آخر الحديث (٢). وفي رواية له ولغيره بزيادة: (وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة. ص، طس) أي رواه: أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، (٣) عنه أيضًا. وفي رواية: "أكثر من سبعين مرة". (خ، س، ق، طس) أي رواه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني في "الأوسط"؛ كلهم عن أبي هريرة (٤)، والنسائي عن أنس أيضًا (٥). وفي رواية: "مئة مرة". (طس، مص) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"،

стр. 1355

وابن أبي شيبة، عنه أيضًا (١). هذا، ويحتمل أن الاستغفار له ﷺ من الأمور المباحة من أكل، أو شرب، أو جماع، أو نوم، أو راحة، أو مخالطة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة أعدائهم تارة، ومداراتهم أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه من الاشتغال بذكر ذي الجلال على وجه الكمال، ومن التضرع إليه، ومن الحضور والاستغراق لديه، ومن المشاهدة والمراقبة عليه، فيرى ذلك بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومجلس الأنس ذنبًا، حتى يعد الصوفية الشعور بالأمور النفسية نوعًا من الشرك، وإثبات الاثنينية؛ فقال بعض أصحاب الأحوال: "وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وإنما الكمال هو البقاء بالمولى بعد الفناء عن السوى، وهو حقيقة معنى "لا إله إلا الله"". ولا يبعد أن يكون استغفارُه تشريعًا لأمته، أو من ذنوب الأمة، فهو بمنزلة الشفاعة. (توبوا إلى ريكم، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة) الظاهر أن المراد بها -وكذا بالسبعين- الكثرة. (عو) أي: رواه أبو عوانة عن ابن عمر، والأغر المزني معًا. ورواه مسلم عنه أيضًا، وفي روايته: "وتوبوا إلى الله" والباقي سواء. (ما أصر من استغفر، وإن عاد) وفي نسخة: "ولو عاد"، (في اليوم سبعين مرة. د) أي: رواه أبو داود عن أبي بكر الصديق ﵁، ورواه

стр. 1356

الترمذي أيضًا (١). (إنه) أي: الشأن (ليُغانُ) بضم الياء؛ على أنه مبني للمفعول، وأسند إلى الظرف، وهو قوله: (على قلبي) فمحله الرفع على كونه نائبًا للفاعل، والجملة خبر لـ"إن"، ومفسر لضمير الشأن، واللام لتأكيد البيان، والمعنى: لَيُحْجَبُ وَيُغَطَّى على قلبي حتى يشتغل عن ربي، فإن الغين لغة في الغيم، ويقال: غِينَ على كذا غطي عليه. وخلاصة المرام في هذا المقام: أن ملاحظة غين الأغيار مانعة عن مطالعة شهود عين الأخيار، كما قال العارف ابن الفارض (٢):

стр. 1357

وَلَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إِرادةٌ … على خاطِرِي سَهْوًا حكمتُ بِرِدَّتِي فلا فَرْقَ بين العين والغين إلا مشاهدة الوحدة الأصلية الذاتية، والكثرة العارضة الحاصلة في الكمية، فإن الغين المعجمة مع زيادتها بالنقطة الحسية وصلت إلى المرتبة المزية المعنوية الألفية. والحاصل أن الغين نقاب لطيف نوراني بخلاف الرين فإنه حجاب كثيف ظلماني؛ ولذا قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥]. هذا، وقد قال المصنف موافقًا لما في "النهاية": "الغين بالنون: غشاءٌ رقيقٌ يكون دون الغيم بالميم، والمغيم فوقه، يقال: غيمت السماء إذا أطبق عليها الغيم، والرين بالراء والنون فوقه، وهو الطبع والختم والسد، وقيل: الغين شجر ملتف، يريد ﷺ ما يغشاه من السهو ونحوه الذي لا

стр. 1358

يخلو منه بشر؛ لأنه ﷺ كان قلبه مشغولًا بالله ، فإن عرض له وقتًا عارضٌ بشري يشغله من أمور الأمة ومصالحها، عدّ ﷺ ذلك ذنبًا [فتضرع] (١) إلى الاستغفار" (٢). (وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) جملة أخرى معطوفة أو حالية. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن الأغر المزني، وقيل: الجهني، له صحبة، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث، ذكره ميرك (٣). (والذي نفسي بيده، لو أخطأتم) أي: إن أذنبتم ذنوبًا كثيرةً (حتى تملأ خطاياكم) أي: سيئاتكم من كثرتها أو عظمتها، (مما بين السماء والأرض) أي: كمية أو كيفية، (ثم استغفرتم الله) أي: ظاهرًا وباطنًا، (لغفر لكم) فإنه مقتضي صفتي الغفار والغفور؛ ولذا قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، ولاستلزام هذه الصفة الإلهية وجود المعصية في الأفراد البشرية. قال: (والذي نفس محمد بيده) أي: تحت قدرته، وفي تصرف إرادته، (لو لم تخطئوا) أي: سواء أن تستغفروا أو لا تستغفروا، (لجاء الله بقوم

стр. 1359

يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم) وهذا أحد معاني الحديث القدسي، والكلام الإنسي: "غلبت رحمتي -أو: سبقت رحمتي- غضبي". ثم اعلم أنه ضبط قوله: "لو لم تخطئوا" بضم حرف المضارعة وكسر الطاء وضم الهمزة، على ما في أكثر النسخ المصححة والأصول المعتبرة، وهو المطابق لما في اللغة [المشتهرة] (١)، وفي بعض النسخ بضم التاء والطاء من غير همزة، وهو تصحيح الأصيل، والأول تصحيح الجلال، والله أعلم بالحال. وقد ذكر المصنف في "تصحيح المصابيح" عند شرح قوله: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي": "أنه بضم التاء وكسر الطاء وبالهمزة، هذه الرواية المشهورة، ويجوز فيها حذف الهمزة وضم الطاء تخفيفًا، وهو أيضًا لغة مشهورة، وحكي فيها فتح التاء وفتح الطاء، يقال فيها: خطأ يخطأ إذا فعل ما يأثم به"، انتهى. وفي "التاج": "خطأ السهم من باب سأل، لغة في "خطئ" من باب علم". وفي "القاموس": "الخَطْءُ وَالْخَطَأُ والخَطَاءُ: ضد الصواب، وقد أخطأ وخطئ وأخطيت لُغَيَّةً أو لُثْغَةٌ، والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه، وخطئ من ذنبه وأخطأ: سلك سبيل خطأ عامدًا أو غيره"، انتهى (٢). وفي قوله: "لُغَيَّةً أو لثغة" ردٌّ على قول المصنف: "إنه لغة مشهورة"، ثم

стр. 1360

قوله: "فيغفر لهم" بصيغة المجهول في "أصل الجلال"، وبالمعلوم عند "الأصيل" وهو الأظهر. (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري (١). (والذي نفسي) وفي نسخة: "نفس محمد [بيده] (٢) "، (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء) أي: الله، (بقومٍ) الباء للتعدية فيهما أي: لأذهبكم وأفناكم، وأظهر قومًا آخرين (يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) بالوجهين السابقين. ولعل السر في هذا أن الملائكة معصومون عن المعصية والشياطين غير مستغفرين عن السيئة وغير قابلين للمغفرة، فلا بد من برزخٍ جامع بين حصول المعصية ووصول المغفرة، وهذا حال عوام المسلمين، فإن الأنبياء معصومون كالملائكة، والكفار لا يقبلون الغفران كالشياطين المردة. (م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة (٣). (من استغفر الله) أي: بصدق الرغبة، (غفر الله له) أي: البتة. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن ابن عمر (٤).

стр. 1361

(من أحبّ أن تسرّه) أي: تعجبه وتفرحه (صحيفته) أي: ما في صحيفة أعماله" (فليكثر فيها من الاستغفار) أي: لئلا يكون من أهل الإصرار، وليكون استغفاره محوًا لذنوبه فيصير من الأخيار الأبرار. (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن الزبير بن العوام (١). (ما من مسلم يعمل ذنبًا إلا وقف الملك) بصيغة الفاعل من الوقوف، بمعني: التوقف، وفي نسخة على البناء للمجهول من الوقف، بمعني: الحبس، أي: منع الملك، (الموكل بإحصاء ذنوبه ثلاث ساعات). (فإن استغفر الله من ذنبه ذلك) أي: الواقع حينئذٍ، (في شيء من تلك الساعات) متعلق بـ "استغفر"، (لم يوقفه) من الإيقاف، بمعني: الإعلام، أي: لم يعلمه الله تعالى، أو الملك الموكل بإحصاء الذنوب المسلم، (عليه) أي: على ذلك الذنب. ويجوز أن يكون بالتشديد من التوقيف، ففي "المغرب": "وقّفه أي: عرفه إياه، من وقفت القارئ توقيفًا: إذا أعلمته موضع الوقوف، ومنه: أوقفته على ذنبه، أي: عرفته إياه". وفي "القاموس" (٢): "وقفته أنا: فعلت به ما وقف كوقفته وأوقفته،

стр. 1362

وفلانًا على ذنبه: أطلعته، والدار: حبسه كأوقفه، وهذه رديئةٌ". (ولم يعذب) بصيغة المجهول، أي: لم يعاقب المسلم، وفي نسخة: "ولم يعذبه" (يوم القيامة. مس) أي: رواه الحاكم عن أم عصمة العَوْصِية (١) بفتح العين وسكون الواو وبالصاد المهملة، نسبة إلى عَوْص بن عوف بن عذرة، بطن من كلب (٢)، كذا في هامش "أصل الأصيل". قال صاحب "السلاح ": "وكانت قد أدركت رسول الله ﷺ "، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". (إن إبليس قال لربه إيماء إلى صفة جلاله من العزة والغلبة، والكبرياء والعظمة، المقتضية لخلق أهل الضلالة، وإبقاء أسباب الغواية. (وعزتك وجلالك) كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ [ص: ٨٢] وفي موضع: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [اأعراف: ١٦]، (لا أبرح) أي: لا أزال لكوني مظهر الجلال، ومظهر الضلال، (أغوي بني آدم) أي: أضلهم بخلاف الملائكة فإنه لا يقدر عليهم بالكلية. وأما الشياطين فهم مجبولون على المعصية، قال المصنف: "بضم الهمزة، وكسر الواو: أضلهم" (٣) (ما دامت الأرواح فيهم) أي: فإنه حينئذٍ

стр. 1363

وقت التكليف. (فقال له ربه: فبعزتي وجلالي) ولعل ذكرهما للمشاكلة، وإلا فمقتضى ظاهر معنى المقابلة أن يقول: "فبرحمتي وجمالي"، (لا أبرح أغفر) أي: "لهم" كما في "أصل الأصيل"، (ما استغفروني). ويحتمل -الله أعلم- أن التعبير بالعزة والجلال هنا للإشعار بأن -عزته وجلاله اقتضى ارتكاب الذنوب ومباشرة العيوب، ومع هذا جلاله متضمن لجماله لظهور كماله على ما ورد من حديث: "سبقت -أو غلبت- رحمتي غضبي". (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى، عن أبي سعيد الخدري (١). (وتقدم حديث الرجل الذي جاء النبي) أي: أتاه، وفي نسخة: "جاء إلى النبي"، ( ﷺ فقال: واذنوباه!) بسكون الهاء [وسبق] (٢) بيانه، (فقال: أين أنت من الاستغفار؟ مس) أي: رواه الحاكم عن جابر (٣). (وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: واذنوباه!) بسكون الهاء بعد زيادة

стр. 1364

الألف في آخر المندوب لمد الصوت المطلوب في الندبة حال الوقف لبيان المدة دون الوصل إلا لضرورة الشعر، واختص المندوب وهو المتفجع عليه ثبوتًا بـ "وا" ممتازًا به عن المنادى لعدم دخوله عليه بخلاف "يا" فإنه مشترك بينهما فيقال: يا حسرتاه، ويا مصيبتاه!. (واذنوباه!) التكرير للتأكيد أو للتكثير، ويؤيده قوله: (فقال: قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجي عندي من عملي) أي: من عباداتي، (فقالها) أي: الكلمات، (ثم قال: عد) بضم فسكون، أمر من العود، أي: قل مرة أخرى (فعاد) أي: فقالها ثانيًا (ثم قال: عد، فعاد، فقال: قم فقد غفر الله لك) رواه الحاكم عن جابر بن عبد الله الأنصاري (١). (ما من حافظَيْن) أي: من الملائكة، (يرفعان إلى الله في يومٍ) وكذا في ليلة، ولعل وجه تخصيصه وقوع أكثر الأعمال فيه، ولذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، أو هو من

стр. 1365

باب الاكتفاء، أو ترك ذكر الليل للمقايسة. (صحيفةً) أي: لأعمال بني آدم، (فيرى) أي: الله، بأن يتعلق علمه التنجيزي الظهوري على وفق علمه الأزلي البطوني فينظر صاحبها، (في أول الصحيفة، وفي آخرها استغفارًا) وفي نسخة بصيغة المجهول في "فَيَرَى"، وبرفع "استغفار". (إلا قال ﵎: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة) أي: من الذنوب والعيوب، فينبغي أن يستغفر ربه أول ما يستنبه عن نومه كما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وآخر ما يريد أنه يرقد ليكون إشارةً إلى خاتمة خيرٍ من الاستغفار وسائر الأذكار. (ر) أي: رواه البزار عن أنس ﵁ (١). (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب الله بكل مؤمن ومؤمنة حسنةً) أي: في مقابلة استغفاره لهم. (ط) أي: رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت (٢).

стр. 1366

(وتقدم: من لزم الاستغفار) أي: وترك الإصرار، (ومن أكثر منه) أي: من الاستغفار، (جعل الله له من كل ضيقٍ) أي: من كل أمرٍ شديدٍ دينيٍّ أو دنيوي، [(مخرجًا)] (١) أي: مخلصًا ومنجىً ومناصًا. (الحديث. د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن ابن عباس (٢). (وتقدم: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم … الحديث. ط) أي: رواه الطبراني عن أبي ذر (٣). (وتقدم حديث الرجل الذي جاءه ﵇ فقال: يا رسول الله، أحدنا يذنب؟ قال: يكتب عليه. ثم يستغفر) أي: "منه" كما في نسخة، (قال: يُغفر له) بصيغة المجهول، وقيل بالمعلوم، وفي نسخة: "قال: ثم يغفر له". (طس، ط) أي: رواه الطبراني في "الأوسط"، و"الكبير" جميعًا عن عقبة بن عامر (٤).

стр. 1367

(يقول الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني) أي: بلسانك، (ورجوتني) أي: بجنانك، (غفرت لك على ما كان منك) أي: من تقصيرٍ في أركانك، أو تكاسل في إحسانك، (ولا أبالي) أي: من أحدٍ؛ لأنه لا يسأل عما يفعل، ولا معقب لحكمه، والشرك مستثنًى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [أي: إلا بالتوبة] (١) ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] أي: بالتوبة وبدونها. (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك) أي: وصلت من كثرتها أو عظمتها، (عَنَان السماء) بفتح أوله، أي: ما عنَّ لك منها وظهر إذا رفعت رأسك إليها، وقال المصنف: "بفتح العين: السحاب، يريد المبالغة في الكثرة" (٢). (ثم استغفرتني) أي: ظاهرًا وباطنًا، (بالتوبة غفرت لك) وهذا شامل لجميع المذنبين من الظالمين، والأول للمقصرين من السابقين، ثم أشار إلى مرتبة المخلصين المقتصدين بقوله: (يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض) بضم القاف، أي: ما يقارب مِلْأَهَا، مصدر قارب يقارب" (٣)، انتهى. وفيه: أن مصدر "قارب" إنما يكون بكسر القاف كقاتل قتالًا، وأما

стр. 1368

الفُعال بالضم فهو للمبالغة كعجاب مبالغة عجيب، وأيضًا هو معارض لقوله: "ما يقارب ملأها" فإنه المعنى الإسمي لا المصدري. وقال صاحب "السلاح": "بضم القاف، أي: ما يقرب ملأها، وحكى فيه صاحب "المطالع" الكسر"، انتهى. والظاهر أن مراد صاحب "المطالع" أن الكسر لغة في ذلك المعنى لا أنه بمعنى المصدر؛ لأن معناه في هذا المقام لا يظهر، وقد ذكر النووي في "رياض الصالحين" أن قُراب الأرض: "بضم القاف، وروي بكسرها، والضم أشهر، وهو ما يقارب ملأها". وفي "القاموس" (١): "أن القَراب كـ "سحاب" بمعنى: القرب، وقراب الشيء بالكسر وقرابه بالضم: ما قارب قدره". وقوله: (خطايا) تمييز، (ثم لقيتني) أي: يوم القيامة أو عند الموت؛ فإن: "من مات فقد قامت قيامته"، (لا تشرك بي) حال أو استئناف بيان، (شيئًا) أي: من الإشراك أو من الأشياء، (لآتيك) بالمد على صيغة المتكلم المضارع من الإتيان، وفي نسخة: "لأتيتك" أي: لأجيئك أو لجئتك، (بقرابها مغفرة. ت) أي: رواه الترمذي عن أنس (٢)، وكذا أحمد،

стр. 1369

والدارمي، عن أبي ذر (١). (إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه) أي: لملائكته أو في ذاته، (أَعِلَمَ عبدي) بهمزة الاستفهام التقريري قبل الفعل الماضي، وفي "أصل الجلال" بلا استفهام، والمعني: قد علم عبدي (أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟) أي: يعاقب فاعله إن شاء أو إن لم يتب. (غفرت لعبدي) أي: حيث تاب كما يدل عليه قوله: (ثم مكث) بفتح الكاف وضمها كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أي: لبث، (ما شاء الله) أي: من الزمان، (ثم أصاب ذنبًا، فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي). قال القرطبي: "فائدةُ هذا الحديث: أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبحَ من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة= لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم، والإلحاح في سؤاله، والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه". (فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي). قال النووي: "في هذا الحديث: أن الذنوب ولو تكررت مئة مرة، بل

стр. 1370

ألفا وأكثر، وتاب في كل مرة قبلت توبته، ولو تاب من الجميع توبةً واحدةً صحت توبته"، انتهى. وقوله: (ثلاثًا) ليس ظرفًا لقوله: "غفرت" كما [يتبادر إلى] (١) وهم من لا فهم له، بل بيان لما وقع من تكرار السؤال والجواب في الحديث بين العبد والرب. وقوله: (فليعمل ما شاء) مترتب على عادته المعروفة من الوقوع في المعصية والرجوع إلى التوبة، وليس المراد به الأمر على وجه الإباحة بالمخالفة، بل قد يطلق الأمر للتلطف وإظهار العناية والشفقة، كما تقول لمن تراقبه وتتقرب إليه وهو يباعد عنك ويقصر في حقك: "افعل ما شئت، فلست أعرض عنك، ولا أترك ودادك". وهو في الحديث بهذا المعنى، أي: إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل ثم استغفرت عنه غفرت لك، فإني أغفر الذنوب جميعًا ما دمت تائبًا عنها، مستغفرًا إياها. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة (٢). (طوبى) فُعْلَى من الطيب، قلبت ياؤه واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها؛ ففي "الصحاح": "يقال: طوبى لك وطوباك".
следующие страницы →