← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

(وتقدم: من لزم الاستغفار) أي: وترك الإصرار، (ومن أكثر منه) أي: من الاستغفار، (جعل الله له من كل ضيقٍ) أي: من كل أمرٍ شديدٍ دينيٍّ أو دنيوي، [(مخرجًا)] (١) أي: مخلصًا ومنجىً ومناصًا. (الحديث. د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن ابن عباس (٢). (وتقدم: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم … الحديث. ط) أي: رواه الطبراني عن أبي ذر (٣). (وتقدم حديث الرجل الذي جاءه ﵇ فقال: يا رسول الله، أحدنا يذنب؟ قال: يكتب عليه. ثم يستغفر) أي: "منه" كما في نسخة، (قال: يُغفر له) بصيغة المجهول، وقيل بالمعلوم، وفي نسخة: "قال: ثم يغفر له". (طس، ط) أي: رواه الطبراني في "الأوسط"، و"الكبير" جميعًا عن عقبة بن عامر (٤).

стр. 1367

(يقول الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني) أي: بلسانك، (ورجوتني) أي: بجنانك، (غفرت لك على ما كان منك) أي: من تقصيرٍ في أركانك، أو تكاسل في إحسانك، (ولا أبالي) أي: من أحدٍ؛ لأنه لا يسأل عما يفعل، ولا معقب لحكمه، والشرك مستثنًى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [أي: إلا بالتوبة] (١) ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] أي: بالتوبة وبدونها. (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك) أي: وصلت من كثرتها أو عظمتها، (عَنَان السماء) بفتح أوله، أي: ما عنَّ لك منها وظهر إذا رفعت رأسك إليها، وقال المصنف: "بفتح العين: السحاب، يريد المبالغة في الكثرة" (٢). (ثم استغفرتني) أي: ظاهرًا وباطنًا، (بالتوبة غفرت لك) وهذا شامل لجميع المذنبين من الظالمين، والأول للمقصرين من السابقين، ثم أشار إلى مرتبة المخلصين المقتصدين بقوله: (يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض) بضم القاف، أي: ما يقارب مِلْأَهَا، مصدر قارب يقارب" (٣)، انتهى. وفيه: أن مصدر "قارب" إنما يكون بكسر القاف كقاتل قتالًا، وأما

стр. 1368

الفُعال بالضم فهو للمبالغة كعجاب مبالغة عجيب، وأيضًا هو معارض لقوله: "ما يقارب ملأها" فإنه المعنى الإسمي لا المصدري. وقال صاحب "السلاح": "بضم القاف، أي: ما يقرب ملأها، وحكى فيه صاحب "المطالع" الكسر"، انتهى. والظاهر أن مراد صاحب "المطالع" أن الكسر لغة في ذلك المعنى لا أنه بمعنى المصدر؛ لأن معناه في هذا المقام لا يظهر، وقد ذكر النووي في "رياض الصالحين" أن قُراب الأرض: "بضم القاف، وروي بكسرها، والضم أشهر، وهو ما يقارب ملأها". وفي "القاموس" (١): "أن القَراب كـ "سحاب" بمعنى: القرب، وقراب الشيء بالكسر وقرابه بالضم: ما قارب قدره". وقوله: (خطايا) تمييز، (ثم لقيتني) أي: يوم القيامة أو عند الموت؛ فإن: "من مات فقد قامت قيامته"، (لا تشرك بي) حال أو استئناف بيان، (شيئًا) أي: من الإشراك أو من الأشياء، (لآتيك) بالمد على صيغة المتكلم المضارع من الإتيان، وفي نسخة: "لأتيتك" أي: لأجيئك أو لجئتك، (بقرابها مغفرة. ت) أي: رواه الترمذي عن أنس (٢)، وكذا أحمد،

стр. 1369

والدارمي، عن أبي ذر (١). (إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه) أي: لملائكته أو في ذاته، (أَعِلَمَ عبدي) بهمزة الاستفهام التقريري قبل الفعل الماضي، وفي "أصل الجلال" بلا استفهام، والمعني: قد علم عبدي (أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟) أي: يعاقب فاعله إن شاء أو إن لم يتب. (غفرت لعبدي) أي: حيث تاب كما يدل عليه قوله: (ثم مكث) بفتح الكاف وضمها كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أي: لبث، (ما شاء الله) أي: من الزمان، (ثم أصاب ذنبًا، فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي). قال القرطبي: "فائدةُ هذا الحديث: أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبحَ من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة= لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم، والإلحاح في سؤاله، والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه". (فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي). قال النووي: "في هذا الحديث: أن الذنوب ولو تكررت مئة مرة، بل

стр. 1370

ألفا وأكثر، وتاب في كل مرة قبلت توبته، ولو تاب من الجميع توبةً واحدةً صحت توبته"، انتهى. وقوله: (ثلاثًا) ليس ظرفًا لقوله: "غفرت" كما [يتبادر إلى] (١) وهم من لا فهم له، بل بيان لما وقع من تكرار السؤال والجواب في الحديث بين العبد والرب. وقوله: (فليعمل ما شاء) مترتب على عادته المعروفة من الوقوع في المعصية والرجوع إلى التوبة، وليس المراد به الأمر على وجه الإباحة بالمخالفة، بل قد يطلق الأمر للتلطف وإظهار العناية والشفقة، كما تقول لمن تراقبه وتتقرب إليه وهو يباعد عنك ويقصر في حقك: "افعل ما شئت، فلست أعرض عنك، ولا أترك ودادك". وهو في الحديث بهذا المعنى، أي: إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل ثم استغفرت عنه غفرت لك، فإني أغفر الذنوب جميعًا ما دمت تائبًا عنها، مستغفرًا إياها. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة (٢). (طوبى) فُعْلَى من الطيب، قلبت ياؤه واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها؛ ففي "الصحاح": "يقال: طوبى لك وطوباك".

стр. 1371

قلت: وفي التنزيل ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩]؛ فقيل: "طوبى: اسم شجرة في الجنة"، وقيل: " [اسم] (١) الجنة" على ما ذكره في "النهاية"، وقيل: كلمة إنشاء لأنه دعاء معناه: أصاب خيرًا". والأظهر أن معناه: الحالة الحسنى. (لمن وجد) أي: صادف، (في صحيفته استغفارًا كثيرًا) قال السبكي الكبير: "الاستغفار: طلب المغفرة باللسان أو بالقلب أو بهما. فالأول: فيه نفع؛ لأنه خير من السكوت، ولأنه يعتاد فعل الخير. والثاني: نافع جدًّا. والثالث: أبلغ منه لكنهما لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة، فإن العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه … ". إلى أن قال: "والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ، لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ: "أستغفر الله" معناه التوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة". ثم قال: "وذكر بعض العلماء: أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، والمشهور أنه لا يشترط"، كذا ذكره ميرك عن الشيخ. قلت: الآية دالة على أن الاستغفار غير التوبة، وأنها تتم بدونه لعطفها عليه بـ "ثم" المشير بها إلى أنها أعلى مرتبة منه ومغايرةً له، فمعنى الآية: استغفروا بلسانكم وتوبوا إليه بجنانكم، فإن الجمع بينهما أولى في مرتبة إحسانكم.

стр. 1372

(ق) أي: رواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن بسر -بضم الموحدة وسكون السين المهملة- بإسناد صحيح، ورواه النسائي أيضًا في "عمل اليوم والليلة"، ورواه البيهقي أيضًا (١). (وتقدم حديث الذي شكى إليه ﵇ ذَرَب لسانه) بفتحتين أي: حِدّته، وفي "السلاح": "بفتح الذال المعجمة والراء: هو الفحش". (فقال: أين أنت من الاستغفار؟) أي: حيث إنه يصلح لرفعه ودفعه. (مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني، كلاهما عن حذيفة (٢). (وكيفية الاستغفار) أي: الوارد على طريق الاختصار، (أستغفر الله، أستغفر الله) أي: على قصد التكرار والإكثار. (مو م) أي: رواه مسلم موقوفًا عن الأوزاعي، قال ميرك: "ثقة فقيه كوفي، من كبار أتباع التابعين، واسمه عبد الرحمن بن عمرو" (٣). وقد سبق رواية مسلم، والأربعة، عن ثوبان مرفوعًا: "أنه ﵇ قال

стр. 1373

بعد فراغ صلاته: أستغفر الله ثلاث مرات" فلا وجه لنسبته إلى الأوزاعي. (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيّوم) بنصبهما صفة أو مدحًا، وفي نسخة برفعهما بدلًا من الضمير، أو على المدح، أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوف. (وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف) بفتح الزاي وسكون الحاء وبالفاء، أي: فر من الجهاد ولقاء العدو في الحرب، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو، أي يمشون، يقال: "زحف إليه زحفًا، إذا مشى نحوه"، كذا في "النهاية" (١) والتحقيق: أن أصلَه من زحف الصبي قبل أن يمشي، ولما كان سير الجيش الكبير والجمع الكثير، يُرى في بادئ الرأي أنه بطيء= أطلق عليهم الزحف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثم رأيته في "النهاية": "الزحف: الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، من زحف الصبي، إذا دبّ على استه قليلًا قليلًا". وقال المظهر: "هو اجتماع الجيش في وجه العدو، أي: من حرب الكفار له من حيث لا يجوز الفرار بأن لا يزيد العدو على مثلي عدد المسلمين". (د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي؛ كلاهما عن زيد مولى النبي ﵇، قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"،

стр. 1374

يعني: من طريق بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي، عن جدي، أنه سمع رسول الله ﷺ (١). قال الحافظ المنذري: "إسناده جيد متصل، فقد ذكر البخاري في "تاريخه" أن بلالًا سمع أباه يسارًا، وأن يسارًا سمع من أبيه زيدٍ مولى رسول الله ﷺ ، وقد اختلف في يسارٍ والد بلال أنه بالباء الموحدة، أو بالياء المثناة التحتانية، وذكر البخاري في "تاريخه" أنه بالموحدة، والله أعلم". وقال المصنف في "تصحيح المصابيح": "ليس زيد هذا زيد بن حارثة والد أسامة، بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث، ذكره البغوي في "معجم الصحابة"، وقال: "لا أعلم له غير هذا الحديث"". وقال العسقلاني في "التقريب": "زيد والد يسار مولى النبي ﷺ : صحابي له حديث، وذكر أبو موسى المديني أنه كان عبدًا نوبيًّا". (ثلاث مرات. ت (٢)، مو ط) رواه الترمذي من حديث زيد المذكور

стр. 1375

مرفوعًا، ورواه الطبراني موقوفًا من قول ابن مسعودٍ. وقال صاحب "السلاح": "ورواه الحاكم من حديثه، وقال: "صحيح على شرطهما"". (١) وقال ميرك: "ورواه الحاكم عن ابن مسعودٍ، وقال: "على شرطهما" إلا أنه قال: "يقولها ثلاثًا"". وقال صاحب "السلاح": "رواه الترمذي من حديث أبي سعيدٍ، وقال فيه: "ثلاث مراتٍ"". (٢) وقال ميرك: "رواه الترمذي من حديث أبي سعيد بلفظ: "من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت عدد ورق الشجر، وإن كانت عدد رمل عالج، وإن كانت عدد أيام الدنيا"، وليس فيه ذكر الفرار من الزحف، ثم قال الترمذي بعد إيراده: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"". (خمس مرات، غفر له وإن كان) أي: ولو كان (عليه) أي: من الذنوب (مثل زبد البحر) أي: في الكثرة والعظمة، وهو بالرفع على أنه اسم "كان"،

стр. 1376

وخبره "عليه" مقدّم. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي سعيد (١). (وإن كنّا) مخففة من الثقيلة بقرينة اللام في قوله: (لنَعُدّ) بفتح النون وضم العين وتشديد الدال، أي: لنحصي، (لرسول الله ﷺ ) أي: لقوله، (في المجلس الواحد: ربّ اغفر لي) وهو منصوب المحل على أنه مفعول، والمعني: اغفر لي فيما مضي (وتب علي) أي: وثبتني على التوبة فيما يبقى، أو وارجع على بالرحمة بتوفيق الطاعة، (إنك أنت التواب) أي: وهَّاب التوبة وموفقها، وقابلها ومثبتها. (الرحيم. د، حب) أي: كثير الرحمة على أهل الطاعة والراجعين عن المعصية والغفلة وهو رواية أبي داود وابن حبان المرموزين فوقه على النسخ المصححة، و"الغفور" (٢) بدلًا عنه برواية الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، على ما رمز رموزهم فوقه في الأصول المعتمدة، فهذا خلاف عارضٌ في أثناء الحديث، وتتمته المتفق عليها: (مئة مرة) لنعد على المفعول المطلق. (عه، حب) أي رواه: الأربعة، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عُمَر، قال الترمذي: "حسن غريب صحيح" (٣). (وما أحسن قولَ الربيع) بالراء والموحدة على وزن البديع، (بن خُثَيم)

стр. 1377

بضم المعجمة وفتح المثلثة: ابن عائذ بن عبد الله أبو يزيد الكوفي ثقة عابد (١)، قال له ابن مسعود: "لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك" (٢)، كذا في "التقريب" للعسقلاني. ﵁ كذا في النسخ الحاضرة كلها مع أنه ليس من الصحابة. ولعل المصنف دعا له بهذا الدعاء لكمال رضاه عنه في قوله: (لا يقل أحدكم) أي: بلسانه من غير مواطأة جنانه، (أستغفر الله) أي: لئلا يكون كالمستهزيء بربه، (وأتوب إليه) فإنه بمجرد هذا اللفظ يكون من توبة الكذّابين، (فيكونَ) بالنصب على جواب النفي، والضمير لقوله المركب من الجملتين، (ذنبَا) أي: من جهة إخبار استغفاره، (وكذبًا) أي: من جهة دعوى توبته، وهو بفتح الكاف وكسر الذال، وفي نسخة صحيحة بكسر فسكون، ويمكن أن يكون قوله: "كذبًا" عطف تفسير لـ "ذنبًا". (بل يقول: اللهم اغفر لي) أي: ليكون نصًّا في طلب المغفرة، ويخرج عن كونه إخبارًا، وكذا في قوله: (وتب على) أي: بتوفيق الطاعة،

стр. 1378

وبالرجوع على [بالرحمة] (١). (وليس) أي: معنى هذا القول، (كما فهم بعض أئمتنا) وهو الإمام النووي (٢) على ما سيأتي، (أن الاستغفار على هذا الوجه يكون كذبًا) أي: فقط، (بل هو ذنب) أي: إثم آخر أيضًا، وإلا فكل كذب ذنب، (فإنه إذا استغفر من قلبٍ لاهٍ لا يستحضر طلب المغفرة، ولا يلجأ إلى الله بقلبه، فإن ذلك ذنب عقابُه الحرمان). أقول: قد تقدم عن السبكي أن الاستغفار على كل حالٍ له نفعٌ. نعم، مع حضور القلب مع الرب نور على نور، فترك الكمال لا يعد ذنبًا، فإن العلماء أجمعوا على أن من ذكر الله أو استغفره بلسانه من غير إحضار جنانه لا يكون مذنبًا، بل يكون عابدًا باعتبار بعض أعضائه، وكذلك الجمهور من العلماء على عدم اشتراط حضور القلب في الصلاة إلا في مبدئها حال النية. ثم قول المصنف: (وهذا كقول رابعة (٣): استغفارنا يحتاج إلى استغفارٍ كثيرٍ) صحيحٌ، لكن ليس مما يدل على أنها عدت الاستغفار اللساني ذنبًا شرعيًّا، بل أرادت به أن حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقربين؛ فإن الغفلة عندهم معصية بل جعلها بعضهم كفرًا، وقد علم كل أناس مشربهم، كما يعلم كل طائفة من العلماء مذهبهم.

стр. 1379

وهنا مسلك دقيق للصوفية حيث قالوا: "إن الاستغفار من الذنب ذنبٌ آخرُ لتضمنه دعوى الوجود والقدرة والفعل لما سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله". (وأما إذا قال: أتوب إلى الله، ولم يتب فلا شك أنه كذب) أقول: وكذا إذا قال: أستغفر الله، ولم يطلب المغفرة بأن يكون خالي الذهن، فلا شك أنه كذب، وأما إذا أريد بهما الدعاء -وإن كان بلفظ الإخبار- فلا يكون ذنبًا، ولا كذبًا، فيوافق حينئذٍ قوله: (وأما الدعاء بالمغفرة والتوبة فإنه وإن كان غافلا) أي: لاهيًا غيرَ مستحضر لطلب المغفرة، وحصول التوبة، ويستحق عليه المقت في الجملة، (فقد يصادف وقتًا) أي: يجد زمانًا لإجابة الدعاء ضمنًا، (فيقبل) بصيغة المجهول أي: فيقبل حينئذٍ دعاؤه، وإن لم يكن مقيّدًا بحضور قلبه وسائر شروطه. (فمن أكثر طرق الباب) أي: دقه للدخول وملازمة الوصول (يوشك أن يلج) أي: يقرب أن يدخل إلى الباب، ويصل إلى مرتبة الثواب، وحسن المآب كما قيل: "من لج ولج". وفيه: أن هذا المعنى يعم الدعاء والذكر والصلاة والتلاوة وسائر الوسائل مما دُوِّن فيه الرسائل، ويقصده كل طالب وسائل، سواء يكون بلفظ الإخبار أو على جهة الإنشاء. (ويوضح ذلك) أي: يبين ما قررناه، ويعين ما حررناه، (إكثاره ﷺ في المجلس الواحد منه) أي: من قوله أستغفر الله، (مئة مرة) أي: لما كان

стр. 1380

له من حضور القلب مع شهود الرب، (وقطعه) أي: وقطع حكمه، المن قال: أستغفر الله وأتوب إليه بالمغفرة وإن كان قد فر من الزحف، مرة أو ثلاث مرات) أي: باختلاف الروايات. ولا شك أن كون الاستغفار والتوبة على وجه الكفارة إنما يكون مشروطًا بالاستحضار دون الغفلة وأما كونه بدونه ذنبًا فلا دلالة عليه، ولا إشارة إليه، فالأمر موقوف لديه. (فها) أي: فخذ أو فتنبه، (قد كشف لك الغطاء) بكسر الغين المعجمة، و"كشف" بصيغة المجهول أي: أزيل لأجلك الحجاب، ورفع لك النقاب، عن وجه الصواب في العطاء. قال المنصف: "بيانه أن قول القائل: "أستغفر الله وأتوب إليه" لا بد أن يكون على حقيقته في استحضاره بقلبه لا بمجرد القول بحيث تكون التوبة بشروطها، وهي: الندم على ما تقدم منه، والإقلاع في الحال، والعزم على أن لا يعود. [وأضاف إليها بعضهم] (١): مفارقة المكان الذي صدر عنه [فيه] (٢) المعصية. وزاد آخرون: هجر قرناءِ السوء الذين كانوا معه في المعصية. وشرط قوم: أن لا يعود بعدها إلى ذلك الذنب. فهذا يغفر له وإن كان قد فرَّ من

стр. 1381

الزحف، وإن كان ذنوبه أكثر من زبد البحر، وأما الدعاء فلا يشترط فيه هذه الشروط" (١). قلت: وفيه بحثان: أحدهما: أن التوبة بشروطها سبب تحقق المغفرة ووجوبها، لأنه لا يستحق المغفرةَ أحدٌ بدون وجودها، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذه المغفرة قد تكون بلا سبب، وقد توجد بسبب ذكر أو عبادة مع حضورٍ أو غفلةٍ، فإن فضل الله واسع، ورحمته عظيمة. وثانيهما: أن الدعاء أيضًا له شرائط لقبوله، وأركان لحصول وصوله، فلا كل دعوة مقبولة، ولا كل مسألة محصولة؛ فقد روى الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ"، وقال: "هذا حديث غريب" (٢). ولا يخفى أن الغرابة لا تنافي الحسن [والصحة] (٣)، وأما ما قال صاحب "الأذكار": "إنه غريب ضعيف"، فلعل ضعفه من جهة أخرى،

стр. 1382

مع أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا مع أن الإجماع على أن الاستجابة الكاملة إنما تكون مع الدعوة بوجود الشروط التامة. (فاختر لنفسك ما يحلو) بالتذكير، وفي نسخة بالتأنيث (١)، أي: ما يعجبك أو ما تستحسنه نفسك؛ ففي "الصحاح": "يقال: حَلَا عيني، وفي عيني، يحلو حلاوة، إذا أعجبك"، وقد أغرب الحنفي حيث قال: "إن كان بالياء آخر الحروف فهو من الحلاوة، يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، وإن كان بالتاء المثناة من فوقُ، فهو من قولهم: حلوته أحلوه حلوانًا"، ثم قال: "والحلوان مصدرٌ كالغفران، ونونه زائدة، وأصله من الحلاوة"، كذا في "النهاية" (٢). (وفي كتاب "الزهد" عن لقمان: عود لسانك [باللهم] (٣) اغفر لي فإن لله ساعاتٍ لا يرد فيهن سائلًا) (٤). قلت: وكذلك ورد في الحديث: "إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها" (٥)، وهو يعم الأدعية والأذكار، وسائر العبادات، على أي حالة من الحالات.

стр. 1383

وليس في هذا كله ما يناقض قول الإمام النووي حيث قال في "الأذكار": عن الربيع بن خثيم أنه: "لا تقل: أستغفر الله وأتوب إليه، فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم تفعل، بل قل: اللهم اغفر لي، وتب علي". قال النووي: "هذا أحسن، وأما كراهة "أستغفر الله"، وتسميته كذبًا، فلا يوافق عليه، لأن معنى أستغفر الله: أطلب المغفرة من الله، وليس هذا كذبًا". قال: "ويكفي في رده حديث ابن مسعود بلفظ: "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه، وإن كان فر من الزحف"، أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه الحاكم" (١). وقال ميرك: "هذا في لفظ: "أستغفر الله"، وأما "أتوب إليه" فهو الذي عني الربيع أنه كذبٌ، وهو كذلك إذا قاله، ولم يفعل التوبة كما قال، وفي الاستدلال للرد عليه بحديث ابن مسعود نظر؛ لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شرط التوبة، ويحتمل أن يكون مراد الربيع مجموع اللفظين لا خصوص "أستغفر الله"، فيصح كلامه كله". قلت: ويدل عليه عدوله عنهما بقوله: "اللهم اغفر لي، وتب علي". والتحقيق أنه لم يرد به الذنب الشرعي الحقيقي، بل قصد التقصير الطريقي، والتنبيه على أن الدعاء حال الغفلة، أولى من الأذكار بلفظ الإخبار، خصوصًا عن التوبة، والله أعلم.

стр. 1384

(فضل القرآن العظيم وسُورٍ منه وآيات) أي: هذا فصل فضل القرآن العظيم جملة، وفضائل بعض السور منه وبعض الآيات منها أو منه مخصوصة. (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة) أي: يحضر حضورًا مَعْنَوِيًّا، أو حسِّيّا صوريّا، (شفيعًا لأصحابه) أي: ممن يقرأ القرآن غيبًا أو عينًا. (م) أي: رواه مسلم عن أبي أُمامة الباهلي (١). (يقول الله ؛ من شغله القرآن) أي: لفظًا أو حفظًا، مبنًى أو معنًى، أو عملًا، أو تخلقًا، (عن ذكري) أي: من سائر الأذكار، (ومسألتي) أي: من بقية الأدعية، (أَعْطيْتُهُ أفضلَ ما أعْطِي) على صيغة المضارع المعلوم المتكلم الواحد، أي: أفضل ما أعطيه (السائلين) أي: والذاكرين، فهو من باب الاكتفاء، أو المراد بـ "السائلين" الطالبون في ضمن الذكر أو الدعاء، بلسان القال، أو ببيان الحال. ثم قوله: (وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه) جُملةٌ استئنافيةٌ قائمةٌ مقامَ العلة للجملة السابقة، أي: سواء يكون من تتمة كلام الله على أنه حينئذٍ فيه التفات، أو على أنه من كلام النبي ﷺ ، وهو الأظهر؛ لئلا يحتاج إلى ارتكاب الالتفات، أو على أنه من كلام بعض الرواة على ما نُقل عن البخاري أنه قال: "هذا من كلام أبي

стр. 1385

سعيد الخدري الراوي، أدرجه في الحديث ولم يثبت رفعه". لكن فيه نظر؛ فإن هذه الجملة بانفرادها ذكرها السيوطي في "جامعه" -برواية البيهقي في "سننه"، وأبي يعلى في "معجمه"- عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: "فضل القرآن على سائر الكلام، كفضل الرحمن على سائر خلقه". هذا، وقال المظهر: "يعني: من اشتغل بقراءة القرآن ولم يفرغ إلى الذكر والدعاء، أعطاه الله تعالى مقصوده ومراده أحسن وأكثر مما يُعطي الذي يطلبون من الله حوائجهم، والمعني: أنه لا يَظن القارئ أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه إياها، بل يعطيه أكمل الإعطاء؛ فإنه من كان الله كان الله له"، انتهى. وعن الشيخ عبد الله بن خفيف الشيرازي قدس سرّه: "إنْ شَغَل القرآن القيام بواجبات إقامة فرائضه واجتناب محارمه، فإن من أطاع الله فقد ذكره وإن قلَّتْ صلاته وصومه، ومن عصاه فقد نَسيه وإن كثرت طاعته". (ت، مي) أي: رواه الترمذي، والدارمي؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري، ولفظ الدارمي: "ذكري عن مسألتي"، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" أيضًا، وقال العسقلاني (١): "رجاله ثقات، إلا عطية العوفي [فقية] (٢) ضعيف" (٣).

стр. 1386

قال المصنف: "وفي رواية: "من شغله القرآن وذكري عن مسألتي"، والجمع بين ذلك: أن تلاوة القرآن أفضل من الذكر بلا خلاف كما تقدم في أول الكتاب، إلا فيما شُرِعَ لغيره، ثم الذكر أفضل من الدعاء إلا فيما شرع فيه الدعاء. والحاصل أن قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا، وقد يَعْرِضُ للمفضُول ما يجعله أولى من الفاضل بل يُعَيّنه، فلا يجوز أن يُعْدَل عنه إلي الفاضل. مثالها: أن التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن فيهما؛ فإنها مَنْهي عنها نَهْيَ [كراهةٍ] (١) أو تحريمٍ، وكذلك التسبيح والتحميد في محلهما أفضل من القراءة، وكذلك التشهد، وكذا "رَبّ اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني" بين السجدتين= أفضل من القراءة والذكر. وأما الذكر عقيب السلام من الصلاة، من التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير= أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذا إجابة المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة، وإن كان فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه؛ إذ لكل مقامٍ مقالٌ، فليُعْلم ذلك" (٢).

стр. 1387

(تعلموا القرآن) أي: أوّلًا، (واقرءوه) أي: ثانيًا، وفي نسخة صحيحة: "فاقرءوه"، أي: [فَدَاوِمُوا] (١) على قرأته ومتابعته، فإن المتابعة هي المقصودة الأصلية من التلاوة؛ ولذا قال: (فإن مثل القرآن) أي: وصفه العجيب الشأن، (لمن تعلمه فقرأه، وقام به) أي: عملًا أو تعليمًا؛ لما في حديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وفي كلام عيسى ﵇: "من عَلِم وعَمِل وعَلّم، يُدْعى في الملكوت عظيمًا". (كمثلِ جِرَابٍ) بكسر الجيم، واحد الأجربة، معروفٌ، وفتحه خطأ، ذكره المصنف، ومن لطائف أهل اللغة: "لا يفتح الجراب ولا يكسر القنديل"، أي: وعاء، وفي "نسخة الجلال": "الجراب" [مُعَرَّفًا] (٢)، قال الطيبي: "وخُصَّ الجراب بالذكر احترامًا؛ لأنه من أوعية المسك"، (مُلِئَ) بضم ميم، وكسر لام، فهمز، أي: امتلأ (مِسْكًا) تمييز، أي: طيبًا عظيمًا (يَفُوح رِيحُه) أي: يظهر [ريحه] (٣) (في كل مكان). (وَمَثَلُ من يتعلمه فَيَرْقُدُ) وفي نسخة: "ويرقد" (وهو في جوفه) جُملة حالية، أي: ينام ويغفل عنه، ولا يشتغل به على الوجه المذكور؛ لأن من كان كذلك كأنه نائمٌ، وذلك بقرينة مقابلته لقوله: "فقرأ وقام به"، فهو أولى من قول المصنف: ""قام به" يعني قيام الليل"، بدليل قوله: "فيرقد

стр. 1388

وهو في جوفه" (١)؛ فإنَّ صرف الثاني عن الظاهر أولى من حيث المعني من عكسه، كما اختاره، على أن مآل العبارتين واحد؛ فإن من جملة القيام به علمًا وعملًا قيام الليل صلاةً وقراءةً؛ [أو] (٢) لأن بركة القيام بقراءته في الليل سبب لبركة القيام بمتابعته في النهار. (كمثل جرابٍ أُوكي) بصيغة المجهول، أي: شُدَّ بالوكاءِ، وهو: الخيط الذي يشد به الوعاء (على مِسْكٍ) أي: مشتملًا عليه مانعًا من فوح الري لديه. قال المظهر: "يعني: صَدْرُ القارئ كجراب، والقرآن في صدره كالمسك في الجراب؛ فإن من قرأَ يصل بركته منه إلى بيته وإلى السَّامِعِين، ويحصل استراحة وثوابٌ إلى حيث يصل إليه صَوته، فهو كجرابٍ مملوءٍ من المسك، إذا فُتِحَ رأسهُ تصل رائحته إلى كل مكان حوله، ومن تعلم القرآن ولم [يقرأه] (٣) لم يصل بركته منه، لا إلى نفسه ولا إلى غيره، فيكون كجراب [مشدودٍ] (٤) رَأسهُ وفيه مسك، فلا تصل رائحته منه إلى أحد". (ت، س، ق، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن

стр. 1389

حبان، عن أبي هريرة (١). (من قرأ حَرْفًا من كتاب الله فله) أي: "به"، كما في نسخة، والمعنى: فللقارئ بسبب ذلك الحرف أو بدله (حسنة) أي: عدلًا، (والحسنة بعشر أمثالها) أي: فضلًا، وهذا أقل ما ورد من المضاعفة، والمراد بالحرف حرف البناء المعَبَّر عنه بحرف الهجاء، فقوله: "أَلِف حرف ولام حرف وميم حرف"، مُسَمياتها لما تقرر من أن لفظ "ألف ولام وميم" أسماء لهذه المسميات، فحمل الحروف في الحديث على المذكورات مجازًا؛ لأنه المراد منه في مثل "ضرب"، في: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كل واحد من "ضَهْ" وَ"رَهْ" وَ"بِهْ". فعَلى هذا إن أريد بـ ﴿أَلَمْ﴾ مُفْتَتح سُورة الفيل يكون عدد الحسنات ثلاثين، وإن أريد به مفتتح سُورة البقرة وشِبْهها يبلغ العدد تسعين، كذا حَقَّقَهُ الطيبي وغيره من الشراح. وقال المصنف: "أراد بالحرف الكلمة، بدليل قوله ﷺ : (لا أقول: ﴿ألم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، فلو كان المراد الحرف الهجائي لكان ﴿ألم﴾ تسعةَ أَحْرُفٍ، وقد بَيَّنْتُ ذلك وأوضحته في آخر كتاب "النشر"" (٢).

стр. 1390

(ت) أي: رواه الترمذي من حديث ابن مسعود، وقال: "حسن صحيح غريب، ووقفه بعضهم عليه" (١). (لا حسد) أي: لا غبطة، وهي: تمني النعمة من غير إرادة زوالها عن صاحبها، (إلا في اثنين) قال المصنف: "المراد بالحسد هنا هو الغبطة؛ فإن حقيقةَ الحسدِ أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنَّى زوالها عنه"، والمعنى: ليس الحسد يضر إلا في اثنين" (٢)، انتهى، أي: في شخصين. ويؤيده قوله: (رَجُلٍ) بالجر على البدل، وفي نسخة: بالرفع، على تقدير "أحدهما" أو "منهما"، وفي نسخة صحيحة: "اثنتين"، وهو "أصل الجلال"، بل قال العسقلاني: "إنه مُعْظم روايات البخاري"؛ فالتأنيث باعتبار النفسَين أو النَّسَمَتَيْن، فتتوافق الروايتان أو المعنى في خصلتين، فيحتاج إلى تقدير مُضاف أي: خصلة رجل. (آتاه الله القرآن) أي: أعطاه قراءته أو حِفْظَهُ أو علمه، (فهو يقوم به) أي: علمًا وعملًا، (آناء الليل) أي: ساعاته، قال الأخفش: "واحدها إنًى مثل [مِعًى] (٣)، وقال بعضهم: إِنًى، وإِنْوٌ"، ذكره المصنف (٤)، وقال

стр. 1391

الطيبي: "واحدها إنًى، وأَنًى، وإنْيٌ، وإِنْوٌ، أربع لغات". (وآناء النهار) وفي نسخة: "أطرافَ النهار". (وَرَجُلٌ) بالوجهين، (آتاه مالًا فهو يُنْفِقهُ) أي: في الطاعات، كما ورد مُصَرّحًا به في الأحاديث الأخر على ما في "التصحيح"، (آناء الليل وآناء النهار). والمعنى: لا ينبغي أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل صاحب نعمةٍ نعمةً، إلا أن تكون النعمة مما يتقرب به إلى الله تعالى، كتلاوة القرآن والتصدق بالمال -أي: الحلال- وغيرهما من الخيرات، كذا ذكره المظهر، وفيه إشارة إلى أن ذكر الرجلين بطريق الحَصْر بناءً على نعمتي [العلم والمال] (١)، وإيماءً إلى أن العلم خير من المال، وأن العالم أفضل من العابد. فارتفع ما استشكل الحنفي بأن: "الحصر المذكور فيه محتاج إلى بيان؛ لأن المجاهد في سبيل الله والشهيد في سبيله مثلًا وغيرهما في حكم هذين الصنفين، بل بعض الأحاديث تدل على زيادة فضلهم"، انتهى. ولا يخفى أنّ جميع العبادات لا تخرج عن العلم بالقرآن المشتمل على الطاعات البدنية قولًا وفعلًا، كما أشار إليه ﷺ بقوله: "فهو يقوم به"، ولعل ذكر المال من باب التخصيص بعد التعميم، أو للمقابلة المشعرة بأن صاحب المال المنفق في سبيله ولو كان ليس بعالمٍ لكن ينبغي أن [يغتبط] (٢)

стр. 1392

به، لكن قد سبق في أول الكتاب حديث: "لو أنَّ رَجُلا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر الله، كان الذاكر لله أفضل"، ولا يبعد أن يرجع التقسيم إلى الفقير الصابر والغني الشاكر؛ فإن الغالب عدم الجمع بين العلم والمال، والله أعلم بالحال. وقيل المعنى: "لو كان الحسد مجوزًا لجاز عليهما، فيكون مُبَالغة في بيان فضل كُلّ من هذين الوصفين"، وفي الإتيان بـ "الإيتاء"، إيماء إلى أن كلا منهما عَطِيّة إلهية، ونعمة ربانية، وأنه تعالى يخص من يشاء بما يشاء من النعم الدِّينية والمنح الدنيوية. (خ، م) رواه البخاري، ومسلم؛ كلاهما عن ابن عمر، قال المصنف في "تصحيح المصابيح": "ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه" (١). (يُقال) أي: في الآخرة (لصاحب القرآن) أي: من يلازمه بالتلاوة والعمل به، وقيل: العالم بمعانيه، (اقرأ وارْتَقِ) أمر من الارتقاء، أي: اصعد، وهو كذا في جميع النسخ، لا من الثلاثي المجرد كما يُوهمُه كلام المصنف حيث قال: "من الرقِيّ، وهو: الصعود، وهذا يدله على أن حُفاظ القرآن المرتلين [له] (٢) لهم أعلى منزلة في الجنة" (٣)، انتهى.

стр. 1393

يعني: كما يدل عليه قوله: (ورتل كما كنت ترتل في الدنيا) منَ الترتيل وهو: التأنّي في القراءة، (فإنّ منزلتك) أي: مرتبتك المنتهية، ودرجتك العالية، وفي نسخة: "فإن منزلك" (عند آخر آية تقرأُ) أي: عند انتهائها بقدر آيها، وفيه إيماء إلى قول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. فقيل: "ورد في الأثر: أن درجات الجنة بعدد آي القرآن، فمن لازم القرآن في الدنيا عِلْمًا وعَملا، يستولي على أقصى درجات الجنة"، وقيل: "المراد أن الترقي ثابت دائمًا، فكما أن قراءته في حال الاختتام استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له، كذلك حال القراءة والترقي في المنازل التي لا تتناهى، وهذه القراءة كالتسبيح للملائكة لا يشغلهم عن مُسْتَلَذَّاتهم، بل هي أعظم مُسْتَلَذَّاتهم، ثم إن هذا للقارئ حق قراءته، وهو: أن يتدبر معناه ويتأَتّى بما هو مقتضاه، لا الذي يقرؤه والقرآن يلعنه". (د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي، عن ابن عمر، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال ميرك: "ورواه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان أيضًا" (١). (الذي يقرأ القرآن وهو ماهِرٌ به) "أي: حاذقٌ في حفظه كامل في تلاوته،

стр. 1394

لا يتوقف فيه ولا يشق عليه قراءته؛ لجودة إتقانه، وحسن حفظه"، ذكره المصنف (١). (مع السَّفَرة) بفتحتين، أي: الرسل أو الكتبة (الكرام) جمع كريم، (البَرَرَة) جمع بارّ، كالطلبة جمع طالب، من البرّ، وهو: الطاعة. وقال المصنف: "السفرة جمع سافر، وهو: الرسول، والسفرة: الرسل ﵈؛ لأنهم يُسْفِرُون إلى الناس برسالات الله، وقيل السَّفرة: الكتبة، والبررة: المطِيعُون، ويحتمل أن يكون له منازل في الآخرة يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله " (٢). (والذي يقرؤهُ ويتعتع فيه، وهو عليه شاقٌّ) أي: يتردد في تلاوته ويشق عليه لضعف حفظه، (له أجران) أي: أجر بالقراءة، وأجر بما عليه من المشقة، وليس المعنى: أن الذي يشق عليه القراءة يكون له من الأجر أكثر من الماهر، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا، فإنه مع السفرة وله أُجور كثيرة، ولم تكن هذه المنزلة لغيره، وكيف يلتحق به من لم يَعْتَنِ بكتاب الله تعالى وحِفظه وإتقانه، وكثرة تلاوته ودراسَتِهِ، حتى صار ماهرًا فيه"، انتهى كلام المصنف (٣). (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم؛ [كلاهما] (٤) عن عائشة رضي الله

стр. 1395

عنها، ورواه الأربعة أيضًا، ذكره ميرك (١). (الفاتحة) في كثير من النسخ كُتِبَتْ بالحمرة وهو غير مُلائم؛ لأنه يوهم أن يكون عُنوانًا، والحال أنه ليس كذلك، بل [هو] (٢) من نفس الحديث، والمعنى: سورة الفاتحة، أو فاتحة: الكتاب، أو القراءة، [أو] (٣) الصلاة، ثم العَلَم للسورة المَعْهُودة، إما الفاتحة -كما أن فاتحة الكتاب أيضًا كذلك-، أو فاتحة الكتاب، والفاتحة اختصار منها، وإن اشتهر فيما بينهم أن الأعلام لا [تتغير] (٤).

стр. 1396

(أعظم سورة من القرآن) أي: في الكيفية؛ لما قيل: أن جميع القرآن مندرج فيها إجمالًا؛ لما اشتملت على اسم الذات، وعُمْدة الصفات، وذكر المبدأ والمعاد، وعبادة العباد، والاستعانة المشعرة بالإعانة والإمداد، وبيان الصراط المستقيم، وتقسيم السالكين إلى أرباب النعيم وأصحاب الجحيم، على ما يقتضيه صفات الكمال، المشتملة على نُعوت الجمال والجلال. (هي السَّبْع) وفي نسخة: "وهي السَّبع"، بيان لعدد آياتها، (المثاني) توضيحٌ لبعض صفاتها، فقال القاضي: "سُمّيت بالسبع المثاني؛ لأنها سبع آيات بالاتفاق، غير أنَّ منهم من عَدَّ التسمية آية دون: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومنهم من عكس، و"مثنى" في الصلاة أو النزول؛ فإنها نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، وبالمدينة لما حُوِّلت القبلة" (١).

стр. 1397

(والقرآن العظيم) مَعْطُوف عليه إحدى صفتي الشيء على الآخر، انتهى، ومن باب إطلاق الكُلّ على الجزء، ومثله قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]، على قول من قال: المراد بالقرآن: سورة يوسف، ولعل المراد بقوله: "والقرآن العظيم"، أي: مجملًا" لما بيّناه مفصّلا. وقال التوربشتي في "شرح المصابيح": اختلفوا في المثاني، فمنهم من ذهب إلى أنها من التثنية، بأن يكون جمع مثنى، أو مُثناة على صيغة المفعول منهما، بمعنى: مُرَدَّد ومكرر، ومنهم من ذهب إلى أنها من الثناء، بأن يكون جمع مُثْنٍ أو مُثْنِيَة على أنها اسم فاعل من الإثناء، وقد قيل في تأويلها على القول الأول أنها تثنَّى على مُرور الأوقات، وتُكررَّ فلا تنقطع، وتُدْرَس فلا تندرس، وقيل: لما تتثَنَّى وتجدَّدَ من فوائدها حالًا فحالًا، وقيل: لاقتران آية الرحمة باَية العذاب، وقيل: ينخرط في سلك المثاني ذكر حقوق الربوبية، وأحكام العبودية، وبيان سبيل السعادة والشقاوة ومصالح المعاد والمعاش، وذكر الدارين، ووصف المنزلين (١). وذهب ذاهب في تأويلها إلى قول النبي ﷺ : "ما من آية إلَّا ولها ظهر وبطن" (٢)، وقيل في تأوليها على أنها من الثناء: إنها

стр. 1398

[تشتمل] (١) على ما هو ثناء على الله تعالى، فكأنها تثني على الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أو أنها تدعو بوصفها المعجز من غرابة النظم وغزارة المعنى إلى الثناء عليها، ثم على من يتعلمها ويعمل بها ويتلوها ويُعَلّمها. والثاني فيما ورد به الحديث أنها الفاتحة، يحتمل وجهين سوى ما ذكرناه: أحدهما: أنها سُمّيت مثاني؛ لأنها تكرر في الصلاة. والآخر: لاشتمالها على قسمي الثناء والدعاء، ويقرب من ذلك ما صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "قال الله تعالى: قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين … "، انتهى. فإن قيل: ففي الحديث: "هي السبع المثاني"، وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]؟ أجيب: بأنه لا اختلاف بين الصيغتين، إذا جُعلت: ﴿مِنَ﴾ للبيان، وإن كانت للتبعيض كما ذهب إليه كثير من المفسرين، فيجوز أن يقال: إن الآية واردة على إطلاق المثاني على القرآن كله، لا على إطلاقها على الفاتحة فقط، وأمَّا العطف في الحديث، فمن قبيل عطف وصف على

стр. 1399

وصف، لا من قبيل عطف الشيء على نفسه. ولا يبعُد أن يقال: إن جُعِلَتْ ﴿مِنَ﴾ تبعيضية فرُوعي فيها ألفاظها، وإن جُعِلَتْ تَبْيينِيَّة فاعتبر معانيها، وبهذا يجمع بين الآية والحديث، لا سيما وقد ورد في "الصحيح": "أنه ﷺ فسر الآية به". وحينئذٍ لا يرد أن المثاني أطلقت على جميع القرآن في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لاقتران آية الرحمة بالعذاب، أو لتكرار القصص والأحكام، وتبيين الحلال والحرام. ثم قيل: "وإنما قال ﷺ : "أعظم سورة" اعتبارًا بعظمة قدرها، وكثرة أجرها، وتفردها بالخاصية التي لا يشاركها فيها غيرها، ولاشتمالها على معانٍ كثيرةٍ في ضمن مبانٍ يَسيرةٍ. قال المصنف: "قوله: "الفاتحة أعظم سورة من القرآن"، وقوله في آية الكرسي: "أعظم آية، وسيدة آي القرآن"، وما جاء في فضل سورة الإخلاص = يدل على عظمها وفضلها في نفسها، وهذه مسألة اختلف الأئمة فيها، وهي أنه: هل يجوز تفضيل بعض القرآن على بعضٍ؟ فمنع ذلك أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والأصوليين، وتأولوه بمعنى عظيم وفاضل ونحوه؛ لأن فضل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في شيء من كلام اللهُ نقصٌ. وأجاز ذلك أبو إسحاق بن راهويه وجماعة، واختاره ابن عبد السلام بمعنى: أن الثواب المتعلق بها أكثر.

стр. 1400

لكن القول الأحسن أن القرآن كله كلام الله، والثواب على كل حرف عشرُ حسنات. وقد يكون بعضه أنفع من بعض عند الحاجة، فلا تقوم سورة الإخلاص مقام آية المواريث مثلًا، وآية الطلاق، وآية الخلع ونحوها، بل هذه الآيات ونحوها في وقتها وعند الحاجة أنفع من تلاوة سورة الإخلاص" (١). (٢) قلت: لابد من انضمام معنى سورة الإخلاص في كل حال من الأحوال، وكذا معنى سورة الفاتحة وآية الكرسي، بخلاف الآيات المذكورة، فإنها نافعة عند الحاجات المسطورة.

стр. 1401

وأيضًا نِسْبَة الأعظمية في المراتب العلمية إنما هي باعتبار شرف المعلومات العلية، فأين سورة الفاتحة عن سورة البقرة، وسورة الإخلاص عن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، وآية الكرسي عن آية المداينة، وقس على هذا ثواب قراءة السور القرآنية والآيات الفرقانية؛ فإنها تختلف في الكمية والكيفية، يدركها أرباب الذوق وأصحاب الحال، دون المحبوسين في ضيق البال وحضيض القال. ولذا قال الشّبْلي لما قيل له: "لِمَ لم يُفْتح باب الإفادة [لتنفع] (١) أصحاب الاستفادة؟ فقال: والذي نفسي بيده، لحضور قلبي في استغراق نور ربي خيرٌ من عُلوم الأولين والآخرين". وهذا المعنى هو زبدة كلام الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وباقي الأحكام والأمور إنما هي من العوارض في سير السالكين، فاقصد المقصد الأقصى، والمسند الأعلى، والمقام الأسنى، والحالة الحسنى الموجبة للزيادة في الدنيا والعقبَى. (خ، د، س، ق) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي سعيد المُعَلَّى، وهو صحابي أنصاري مدني على ما ذكره ميرك (٢). (أُعْطِيتُ فاتحة الكتاب من تحت العرش) أي: بعد ما كانت مُعَلقةً من

стр. 1402

تحت العرش. (مس) أي: رواه الحاكم عن مَعْقِل بن يسار (١). (بَيْنَا جبريلُ) أي: بين أوقات فيها جبريل (قاعد عند النبي ﷺ ) وتحقيقه أن "بينا" و"بينما" و"بَيْنَ" معناها: الوسط. و"بين": ظرف، إما للمكان، كقولك: جلست بين القوم وبين الدار، أو للزمان كما هنا، أي: الزمان الذي كان جبريل ﵇ قاعدًا عند النبي ﷺ . (سمع) أي: جبريل (نَقِيضًا) أي: صوتًا (من فوقه) أي: من جهة السماء، قال المصنف: "هو -بالنون والقاف والضاد المعجمة-: الصوت، كصوت الباب إذا فتح، ومنه نقيض السقف: تحريك خشبه" (٢). (فرفع) أي: جبريل (رأسه فقال) أي: جبريل (هذا) أي: صاحب هذا الصوت (مَلك نزل) أي: أراد النزول (إلى الأرض، لم ينزل قطّ إلا اليوم) فالضمائر الثلاثة إلى جبريل، وقيل: الأولان راجعان إلى النبي ﵇، والضمير في "قال" لجبريل. وأما في قوله: (فسلم، وقال) فَلِلْمَلَكِ لا غير، (ابشر) من الإبشار، والخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: افرح (بِنُوريْنِ) أي: بحصول أمرين

стр. 1403

مُنَوِّرَيْنِ؛ لأن كل واحد منهما نور يسعى بين يدي صاحبه، أو مرشد يدله على طريق مولاه على وجه يحبه ويرضاه، ويشغله عما سواه. (أُوتِيتَهُمَا) أي: أعطيتهما خاصّة؛ لقوله: (لم يُؤتَهُمَا نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب) يجوز فيه وفي أمثاله الحركات الثلاث، والبدل أولى على ما لا يخفى، (وخواتيم سورة البقرة) جمع: خاتَم، بفتح التاء وكسرها، وقيل: جمع خاتام، وهو لغة في الخاتم. قال المصنف: "يريد الثلاث الآيات: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ … ﴾ إلى آخرها" (١)، وقال ميرك: "كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة المقروءة عند الشيخ، وكذا في أصل مسلم والنسائي والحاكم"، انتهى. وهو كذلك في "أصل الجلال" وسائر النسخ المعتمدة، وفي "أصل الأصيل" بلفظ: "وآخر سورة البقرة". (لن تقرأ) وفي نسخة: "ولن تقرأ" (بحرف منهما) قال ميرك: "الباء زائدة، كقولك: أخذتُ بزمام الناقة، وأخذتُ زمامها، ويجوز أن تكون لإلصاق القراءة به"، انتهى. وتبعه الحنفي. وفيه: أن القراءة تتعَدَّى بنفسها وبالباء؛ ففي "القاموس": "قرأه، وبه كنصره ومنعه، قراءة: تلاه". وفي "أصل الجلال": "لن تقرأ الحرف منهما" (إلا أُعْطِيتَهُ) بصيغة

стр. 1404

المجهول، وقيل: أراد بالحرف الطرف منها؛ فإن حرف الشيء طرفه. وكنَّى به عن جملة مُسْتقلة بنفسها، أي: أُعْطِيتَ ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسْأَلة، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وكقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، ونظائر ذلك، ويكون التأويل فيما شذ من هذا القبيل من حَمْدٍ وثناءٍ أن يُعْطى ثوابه، ذكره التوربشتي. ويمكن أن يُرَاد بالحرف: حرف التهجّي، ومعنى قوله "أعطيته" حينئذٍ: أعطيت ما تسأل من حوائجك الدنيوية والأخروية، أوس معناه: إلا أعطيت ثواب ذلك الحرف. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي؛ كلاهما من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم أيضًا، وقال: "صحيح" (١).

стр. 1405

(البقرة) (إنّ الشيطان) أي: جنس الشياطين أو رئيسهم، فغيره أولى، (يَفِرُّ) بتشديد الراء من الفرار، وقال المصنف: "بفتح الياء وكسر الفاء، أي: يهرب" (١) (من البيت الذي يقرأ) بصيغة المفعول، أي: [يُتْلَى] (٢) فيه (البقرة) أي: سُورتها. قال المصنف: "يدل على جواز إطلاق مثل ذلك على سور القرآن، فيقال: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، دون قوله: سورة كذا، كما يجوز سورة الفاتحة وسورة آل عمران من غير كراهة. وكرهه بعضهم، وقال: إنما يقال السورة التي يذكر فيها آل عمران، والصحيح -بل الصواب- هو الأول" (٣)، انتهى. والفرار يجوز أن يحمل على ظاهره، وأن يؤول بعدم الإغواء، واليأس عن الإضلال. (م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة (٤). (اقرءوها) أي: "اقرءوا سورة البقرة" كما في "المشكاة"، (فإن
следующие страницы →