يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي ﵇: أخبروه أن الله يحبه".
(وقال) أي: النبي ﷺ (لرجلٍ) قيل اسمه: كلثوم، وقيل: كرزم، والأول أصح، ذكره ميرك، (كان يُلازم قراءتها) أي: قراءة سورة الإخلاص (مع غيرها في الصلاة) أي: في صلاة الفرض أو النفل، إمامًا أو منفردًا، والمقول: (حبك إياها أدخلك الجنة) أي: صار سببًا لدخولك الجنة.
(خ، ت) أي رواه: البخاري، والترمذي، عن أنس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أحبُّ هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، قال: إنّ حبك إياها أدخلك الجنة"، كذا في "المشكاة" (١).
وقال ميرك: "واعلم أن البخاري رواه معلقًا -وقد وصله: الترمذي، والبزار، والبيهقي، وقال الترمذي: "صحيح حسن غريب عنه"- أنه: "كان رجلًا من الأنصار يؤمّهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح بسورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلّمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتُ، وكانوا
стр. 1437
يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يَؤُمَّهُمْ غيره.
فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟
فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة"".
(وسمع) أي: النبي ﵇، (رجلًا يقرؤها) أي: سورة الإخلاص، (فقال: وجبت الجنة) أي: ثبتت، [و] (١) وجبت بوعده سبحانه (أي: له) هذا من كلام بعض الرواة، أي: للرجل القارئ.
(ت، طا، س، مس) أي رواه: الترمذي، ومالك في "الموطأ"، والنسائي، والحاكم، عن أبي هريرة، قال: "أقبلت مع رسول الله ﷺ ، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ … ﴾ إلى آخره، فقال رسول الله ﷺ : وجبت، فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: الجنة، فقال أبو هريرة: فأردتُ أن أذهب إلى الرجل فأبشرَه، ثم فرقتُ أن تفوتني الغداءُ مع رسول الله ﷺ ، فآثرتُ الغداء مع رسول الله ﷺ ، ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب"، واللفظ لمالك، كذا في "السلاح" (٢).
(والذي نفسي بيده، إنها) بكسر الهمزة في جواب القسم، (لتعدل) بفتح اللام الأولى للتأكيد، أي: لتساوي (ثلث القرآن. خ، د، س) أي
стр. 1438
رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، عن أبي سعيد الخدري (١).
(من أراد أن ينام على فراشه) بكسر الفاء، أي: على مرقده، (فنام على يمينه) أي: مُعْتمدًا على يده اليمنى، ومتكئًا على جهتها، (ثم قرأ مئة مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) أي: إلى آخرها، (إذا كان يوم القيامة، يقول الرب: يا عبدي، ادخل على يمينك) أي: على شق أيمنك، (الجنة) قال المصنف: "مناسبته ظاهرة من حيث إنه نام عن يمينه وقرأَهَا" (٢)، انتهى.
وقيل: "على يمينك حال من فاعل "ادخل"، فطابق هذا قوله: "فنام على يمينه"، يعني: إذا أطعت رسولي، واضطجعت على يمينك في فراشك، وقرأت السورة التي فيها صِفَاتي = فأنتَ اليوم من أصحاب اليمين، فاذهب من جانب يمينك إلى الجنة"، ذكره المظهر.
(ت) أي: رواه الترمذي عن أنس (٣).
стр. 1439
(الفلق والناس)
(ألا) بتخفيف اللام، على أن مجموعها كلمة واحدة، وهي حرف التنبيه، ويجوز أن يكون الهمزة للإنكار استفهامًا، و"لا" حرف نفي، والمراد بهما التقرير، (أعلمك خير سورتين) أي: في باب التعوذ (قُرِئتا) قال المصنف: "قوله: "خير سورتين قرئتا"، وقوله بعد: "ألم تر آياتٍ نزلت الليلة: الفلق والناس" = قال النووي: "فيه دليل واضح على كونهما من القرآن، وردٌّ على من نسب إلى ابن مسعود خلاف هذا، وفيه أن لفظة: "قل" من القرآن ثابتة في أول السورتين بعد البسملة، وقد اجتمعت الأمة على هذا"، انتهى. وما نسب إلى ابن مسعود لا يصح، بل تواتر عنه عندنا أنهما من القرآن، ولا يتم ختمُ القرآن إلا بهما، وصحت الأحاديث بذلك من طُرق، وانعقد إجماع المسلمين على ذلك" (١)، تم كلامه.
وفي "جواهر الفقه": "يكفر من أنكر كون المعوذتين من القرآن غير مُؤوَّل"، وقال بعض المتأخرين: "كفر مُطْلقا أوّل أو لم يُؤوّل"، وفي بعض الفتاوى: "وفي إنكار المعوذتين من القرآن اختلاف المشايخ"، والصحيح: أنه كفرٌ، كذا في "مفتاح السعادة".
стр. 1440
(د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن عقبة بن عامر (١).
(اقرأ بهما) أي: بالمعوذتين، (ولن تقرأ بمثلهما) أي: في بابهما، والمعنى: لن تقرأ بتعوّذ مثل هاتين السورتين، بل هاتان السورتان أفضل التعاويذ. (س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان، عن جابر (٢).
(وكان ﷺ يتعوذ من الجانّ) أي: أبي الجن، وهو إبليس، أو من جنسهم الشامل لجميع الشياطين، وفي "المغرب": "الجان: أبو الجن، وحية بيضاء صغيرة".
(وعين الإنسان) أي: التي تصيب الناس بسُوءٍ، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١]، (حتى نزلت المعوّذتان) قال المصنف: "بكسر الواو، يعني: الفلق والناس، فإذا كان معهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قيل: المعوِّذات" (٣)، (أخذ بهما وترك ما سواهما. ت، س، ق) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي سعيد (٤).
стр. 1441
(ما سأل) بفتح همزة أو بألف، (سائل) أي: ما دَعا دَاعٍ ولا طَلب طالبٌ، (وما استعاذ مُستعيذ) أي: وما استجار مُسْتجير (بمثلهمَا) قال المظهر: "أي: ليس تعويذ مثلهما، بل هُما أفضل التعاويذ".
(س، مص) أي رواه: النسائي، وابن أبي شيبة، عن عقبة بن عامر، وليس رمز النسائي في بعض النسخ (١).
(اقرأ بهما كلما نمت) أي: أردت المنام، وهو بكسر النون، وفي "أصل الجلال": بضمها، وهو سهو قلم؛ إذ النوم مصدر نام ينام، كخاف يخاف، من باب علم، بخلاف قمت؛ فإنه من قام يقوم، كقال يقول.
وأما الموت فجاء: من مات يموت ويمات؛ فلذا جاء الوجهان في مُتّ، نعم هو في المغالبة بضم النون، يقال: "ناومته فنمته بالضم"، أي: غلبته على ما في "القاموس".
وأما ما يتوهم من اعتبار المشاكلة، فليس له وَجْهٌ وَجيهٌ؛ لأن أصل السجع المعتبر بالفواصل بدونه حاصل، فالتزام الضم من لزوم ما لا يلزم [مع ما] (٢) فيه من فساد المعنى كما تقدم، والله سبحانه أعلم.
стр. 1442
(وكلما قمتَ) أي: من النوم. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنه أيضًا. (اقرأ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾؛ فإنك لن تقرأ بسورة أحبّ إلى الله) أي: في باب الاستعاذة، (وأبلغ) أفعل تفضيل من المبالغة، (منها) أي: من تلك السورة، وهو "أصل الجلال"، وفي نسخة: "منه"، أي: من ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، (فَإِنِ استطعت أن لا تفوتك) أي: قراءة هذه السورة على وجه المداومة والمواظبة (فافعل).
(مس) أي: رواه الحاكم عن عقبة أيضًا، وقال: "صحيح الإسناد"، ورواه ابن حبان أيضًا، ولفظه: "فإن استطعت أن لا تفوتك في الصلاة فافعل" (١).
(لن تقرأ شيئًا أبلغَ) أي: في التعوّذ، (عند الله من ﴿قل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. (ي) أي: رواه ابن السني عنه أيضًا (٢).
(ألم تر) كلمة تعجب وتعجيب، أي: ألم تعرف (آياتٍ نزلت الليلة) أي: البارحة، (لم تَر مثلهن قط) قال المصنف: "بالتاء مفتوحة ونصب "مثلهن"، وروي: "ألم يُرَ" بالياء مضمومة ورفع "مثلهن"، وروي بالنون
стр. 1443
مفتوحة" (١)، انتهى، فيكون بنصب "مثلهن".
(الفلق والناس) بالنصب، على الإبدال من الآيات، أو بتقدير: أعني. (م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، عن عقبة أيضًا (٢).
стр. 1444
(والأدعية التي هي غير مخصوصةٍ بوقتٍ ولا سببٍ)
(اللهم إني أعوذ بك) أي: ألتجئ إليك (من العجز) أي: في العبادة، (والكسل) بفتحتين، أي: التثاقل في الطاعة على ما لا ينبغي فيه الكسل، ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة، فلا يكون معذورًا، بخلاف العاجز؛ فإنه معذورٌ لعدم القوة وفقدان الاستطاعة.
(والجبن) ضد الشجاعة، (والهرم) بفتحتين أيضًا، والمراد به: صَيْرورة الرجل خَرفًا من كبر السن، على ما ذكره المظهر، بحيث لم يميز بين الأمور المعقولة والمحسوسة والمنقولة.
(والمغرم والمأثم) بوزن المقتل فيهما على أنهما مصدران، بمعنى: الغرامة في حق الخالق أو الخلق، والإثم القاصر أو المتعدي، وقيل: "المغرم هو: الشيء الذي يغرم به للإنسان، أو لله تعالى".
وقال المصنف: "الاستعاذة من الكسل لما فيه من عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه، ومن "الهرم"، وهو -كما في الحديث الآتي-: الاستعاذة من أرذل العُمر؛ لما في ذلك من اختلال العقل والخرف، وعدم الضبط والحفظ، وما يحدث على الحواس من الضعف وتشويه الصورة، والعجز عن كثير من الطاعات، والتقصير في بعضها" (١).
стр. 1445
قلتُ: المراد بـ "تشويه الصورة" تغييرها، كما هو مُشَاهَد في صُوَرٍ كثيرةٍ منهم، لا كما وهم الحنفي؛ حيث صَحَّف التشويه بالتسوية، فقال: "أي: عدم تميز الصورة عن مثلِها، واشتباه الأمثال بعضها بعضًا عنده"، انتهى. فإنه لا يخفى أن عدم تميز الصورة ليس مما يُستعاذ منها؛ لأنه أمر غير ضروري ولا مكروه شرعي ولا طَبَعِيٍّ، بل إنه يقرب إلى حال الفناء، المطلوب عند أرباب البقاء، بخلاف التشويه؛ فإنه تقبيح صوري يشبه الممسوخ الخلقي.
ثم قال المصنف: "ومن "المغرم" فقد فسره النبي ﷺ : "إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب، وإذا وعد فأخلف"، واشتغل القلب بالدَّين، وقد يموت قبل أدائه فتبقى ذمته مرتهنة به، ومن "المأثم" أي: الشيء الذي يأثم به الآن، أو هو: الإثم نفسه فوضع الاسم موضع المصدر" (١).
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وفتنة النار) "يعني: فتنة تؤدي إلى النار، والفتنة في الأصل هي الامتحان والاختبار" (٢).
(وفتنة القبر) "وهو سؤال الملكين الفَتَّانَيْن"، ذكره المصنف (٣)، وإنما قيل للملكين: الفتَّانين بتشديد الفوقانية؛ لأنهما أرسلا للامتحان فيبالغان في الافتتان، (وعذاب القبر) قيل أي: فتنة تؤدي إلى عذاب القبر، وإلى
стр. 1446
عذاب النار كيلا يتكرر.
ويحتمل أن يُراد بفتنة النار: لسُؤال الخزنة على سبيل التوبيخ، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾ [الملك: ٨].
(وشر فتنة الغِنَى) "مثل: الأشر، والبطر، والشح بحقوق المال، أو إنفاقه فيما لا يحل من: إسراف، وباطل، ومُفَاخرة به" (١)، ([ومن شر] (٢) فتنة الفقر) "كـ: التسخط، وقلة الصبر، والوقوع في حرام وشبهة للحاجة" (٣)، ذكره المصنف.
وقال بعض المحققين: "قيَّد فيهما بالشر؛ لأن كلا منهما فيه خير باعتبار، وشر باعتبار، فالتقييد في الاستعاذة منه بالشر يُخْرِجُ ما فيه من الخير سواء كَثُر أو قلّ".
قلت: وقد بين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]، وفي قوله ﷺ : "كاد الفقر أن يكون كفرًا".
ثم قيل: "المراد: فقر النفس"، وهو الذل لا يردُّهُ ملك الدنيا بحذافيرها، وليس في الحديث ما يدل على تفضيل أحدهما على الآخر".
قلت: لأن كلَّ ما هو مانع عن الحُضور فهو شُؤم عند أهل السرور،
стр. 1447
نعم الفقر أسلم بالنسبة إلى الغنى؛ حيثما يَجُرُّ الغِنَى إلى الطغيان والسلطنة، والفقر إلى الغَناءِ والمسكنة.
ولهذا وقعت ترْبيَةُ الله لأكثر الأنبياء ولعامَّة الأولياء بوصف الفقر الظاهري والغِنَى الباطني دُون أرباب الدنيا، حيث ابْتُلُوا بالغِنى الظاهري والفقر الباطني.
ولذا قال بعض الشراح عند قوله "ومن شرّ فتنة الفقر": "كالحسد على الأغنياء، والطمع في أموالهم، والتذلل لهم بما [يتدنَّسُ] (١) به عِرْضُه، وينثلم به دينُهُ، وعدم الرضى بما قسم الله له، إلى غير ذلك مما لا يحمد عاقبته".
وقال الطيبي: "إن فسرتَ الفتنة بالمحنة والمصيبة، فشرّها أن لا يصبر الرجل على لَأْوائِهَا، ويجزع من بلائها، وإن فسَّرْتَ بالامتحان والاختبار، فشرها أن لا يحمد في السراء والضراء".
وقال الغزاليّ قدس سره العاليّ: "فتنة الغِنى الحِرْصُ على جمع المال وحُبه على أن يكسبه من غير حله، ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر: يراد به الفقر الذي لا يَصْحبُه صَبْر ولا ورع، حتى يتورَّط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب"، نقله التوربشتي (٢).
стр. 1448
(ومن شر فتنة المسيح الدجال) سبق تحقيقه مبنًى ومعنًى، قال ابن بطّال: "وإنما تعوذ النبي ﵇ من هذه الأمور تعليمًا لأمته؛ فإن الله تعالى آمنه من جميع ذلك وبذلك جزم عياض"، قلتُ: ومن وقوع ذلك بأمته، ذكره العسقلاني.
(اللهم اغسل خطاياي) أي: أنواع ذنوبي، (بماء الثلج) بفتح فسكون (والبرد) بفتحتين، قال المصنف: "خصهما بالذكر تأكيدًا للطهارة ومُبَالغة فيها؛ لأنهما ماء مفطوران على أصل خلقتهما، لم يُسْتعملا ولم تنلهما الأيدي ولا خاضتهما الأرجل، كسائر المياه التي خالطها التراب، وجرت في الأنهار، وجمعت في الحياض" (١)، انتهى.
وقال ابن دقيق العيد: "عبَّر بذلك عن غاية المحو؛ فإنّ الثوب الذي يتكرر عليه المُنْقِي يكون في غاية من النقاء".
ولهذا قال: (ونَقِّ قلبي من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض) بصيغة المجهول الغائب، وفي نسخة بصيغة المعلوم المخاطب، (من الدنس) بفتحتين، أي: الوسخ والدرن، وقال العسقلاني: "كأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم؛ لكونها مُسَبّبة عنها، فعبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المياه الباردة غاية البرودة".
(وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) المراد بالمباعدة: محوما حصل منها والعِصْمة عما سيأتي، وهو مجاز؛ لأن
стр. 1449
حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أنَّ التقاء المشرق والمغرب مُستحيل، فكأنه أراد أنه لا يبقى لها أثر منه بالكلية.
قال الكرماني: "وكرر لفظة "بين"؛ لأن العطف على الضمير المجرور يُعاد فيه الخافض"، ثم قال: "ويحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث الإشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالغسل للماضي، والتنقية للحال، والمباعدة في الاستقبال"، وقال ابن دقيق العيد: "يحتمل أن يكون المراد: أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ".
(ع) أي: رواه الجماعة عن عائشة (١).
(اللهم أعوذ بك من العَجْز) هو: "عدم القدرة على الخير، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، وكلاهما يُستحبُّ التعوذ منه" (٢)، ذكره المصنف.
(والكسل) تقدم، (والجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة، ويضمان على ما في "القاموس"، (والهرم) بفتحتين، وسبق.
(وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) قال
стр. 1450
المصنف: "أي: الحياة والموت، واختلف في المراد بفتنة الموت، فقيل: فتنة القبر، وقيل: الفتنة عند الاحتضار" (١)، انتهى.
وأراد بالاحتضار: حُضُور الموت وظهور علامته، وأن كلا من المصدرين الميميَّيْن وُضع موضع الاسم، وقيل: "هما اسما زمان، أي: زمان الحياة وزمان الموت من أول النزع وهَلُمَّ جَرّا".
قال ابن بطال: "هذه كلمة جامعة لمعاني كثيرة، وينبغي للمرءِ أن يرغب إلى رَبِّه في دفع ما نزل به ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان ﷺ يتعوذ من جميع ما ذكر دفعًا عن أمته وتشريعًا لهم؛ حيث بيَّن لهم صفة المهم من الأدعية".
(خ، م، د، ت، حب، مس، صط) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطبراني في "الصغير"؛ كلهم عن أنس (٢).
(وأعوذ بك) هذا من تتمة الحديث السابق في بعض الروايات، لكن هذا لفظ الطبراني في "الصغير"، ولفظ الباقين (من القسوة) بفتح فسُكون بمعنى القساوة، وهي: غلظة القلب وشِدّته وحدّته، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
стр. 1451
﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
(والغفلة) أي: عن الذكر، وعن المذكور بفقد الحضور، أو عن الغفلة في الطاعة والسهو عنها، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال المصنف: "يعني: قَسْوَة القلب، وهو: غِلَظُهُ وشدَّتُه، وعدم الرحمة على الخلق، والغفلة هي: الذهول عن الطاعة" (١)، (والعَيْلة) "بفتح العين المهملة: الفاقة، وهكذا العالة، والعوذ منه كالعوذ من الفقر، وقد تقدم" (٢).
(والذلّة) "من الذل، وهو: ضد العز، يعني: الهُونُ، كما وقع في دعائه ﷺ لما رجع من الطائف: "اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على الناس" (٣)، انتهى. وهي بكسر الذال، والمراد بها: أن يكون ذليلًا، بحيث يَسْتخفه الناس ويَحْقِرُونَهُ ويعيبونه، ويشغلونه عما يَعْنِيه، ولا ينتفعُون بأوامره ونواهيه.
(والمسكنة) قال المصنف: "يعني: الحال السيئة، من الذل والخضوع
стр. 1452
والحاجة" (١)، قلت: وكأن في الاستعاذة منهما إشعار بقوله تعالى في حق الأعداء: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، وقيل: "الذلة: الشُّح، والمسكنة: الحرص"، أقول: "الذلة" هي: المذلة عند الأغنياء، و"المسكنة" هي: السكون إليهم، والتملق لديهم، والاعتماد عليهم.
(وأعوذ بك من الفقر) أراد به فقر النفس، أعني: الشَّرَهَ أو عدم اتصافها بصفات الكمال، وهو يقابل غنى النفس، الذي هو: قناعتها أو اتصافها بصفات الكمال، أو أراد به: قلة المال، وكثرة العيال، أو الحاجة إلى الناس.
(والكفر) هو ضد الإيمان، أو كفران النعمة ضد الشكر، (والفسوق) قال المصنف: "أي: الخروج عن الاستقامة وارتكاب المعاصي، (والشِقاق) بالكسر من الشقة، وهو: الشدة والثقل" (٢)، انتهى.
والأظهر أنه بمعنى الخلاف كما في "المهذب"؛ لأنه يقع كل من المخالفين في شِق، أي: ناحية، على ما حققه الطيبي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]، والشقاق أيضًا يجيء بمعنى العداوة الباعثة على الخلاف، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]، على أحد القولين.
стр. 1453
(والسمعة والرياء) قال المصنف: "هو بضم السين، وهو: أن يفعل الفعل من الطاعة؛ ليسمعه الناس ويروه، لا يريد به الإخلاص، وكذلك الرياء" (١).
قلت: المعنى الذي ذكره يصلح بطريق اللّف والنشر أن يكون معنًى للسمعة والرياء، وهو مطابق لما في أصل الاشتقاق المأخوذ منهما المعنيان، وإن كان كل واحد منهما يطلق على المعنيين جميعًا عند انفراده، لكن عند اجتماعهما يعطى كلّ ذي حق حقه.
ثم "الرياء": بكسر الراء وبعده همزة عند جمهور القراء، وذهب بعضهم إلى إبداله ياء في الوقف، إو مطلقًا، ويجري عليه ألسنة العامة.
(وأعوذ بك من الصمَمَ) بفتحتين، قال المصنف: "وهو عدم السمع"، (والبَكَم) بفتح الباء والكاف: الخرس" (٢)، [انتهى] (٣)، أي: عدم النطق، وخُصّا لأنهما بابان للاستفادة والإفادة، ولا يبعد أن يراد بهما: عدم سماع الحق ونفي كلام الحق، كما قيل في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾.
(والجنون) أي: المزيل للعقل من إدراك الباطن الفائت به حسن السيرة، (والجذام) أي: المزيل للصورة الظاهرة على وجه النفرة؛ ففي "القاموس": "الجذام كغراب، علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء
стр. 1454
وسُقوطها عن تقرح"، انتهى.
والحاصل أنه ﷺ استعاذ من حصول عوارض هذه البلايا، مع التضمن لما هو [ذكر] (١) للنعماء، وشكر على ما منحه من العطايا، وطلب المزيد بالثبات، والدوام على تلك الصفات إلى حين الممات.
ثم عَمَّمَ سالكًا سبيل الإجمال، إظهارًا لعجزه عن عَدِّ نِعَمِه سبحانه على وجه الكمال، فقال: (وسيئ الأسقام) كـ: البرص، والعمى، والفالج، وإنما قيد الأسقام بالسيئ؛ لأن الأمراض مطهرة للسيئات، ومرقية للدرجات، وأكثر الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، فالتعوذ من جميع الأسقام ليس من دأب الكرام، قال المصنف: ""سيئ الأسقام": قبيحها، أعاذنا الله تعالى منها" (٢).
وقال ميرك نقلًا عن المظهر: "إن الإضافة ليست بمعنى "من"، كما في قولك: خاتم فضة، بل هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأسقام السيئة، ولم يستعذ من الأسقام على الإطلاق؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان [فيه] (٣) على نفسه بالصبر خفَّتْ مؤنتُه مع عدم إزمانه، كالحمى والصداع والرمد، وإنما استعاذ من المزمن، فينتهي بصاحبه إلى حالة يفرُّ منه الحميم، ويقل دونها المؤن والمداوي، مع ما يورث من
стр. 1455
الشين، ومنها: الجنون الذي يزيل العقل، ولا يأمن صاحبه القتل، ومنها: البرص والجذام، وهما علتان لازمتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة وتغيير الصورة، وقد اتفقوا على أنهما يَعْدِيان إلى الغير، والله العاصم".
(وضَلَع الدين) "بفتح الضاد واللام، هو: ثقله، وهو في الأصل: الاعوجاج والميل، أي: يثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال" (١)، ذكره المصنف، وحاصله كثرة ديون العباد بحيث يشغله ويمنعه حضور العبادة وحصول الاستقامة، بسبب كثرة المطالبة الواقعة في الذمة؛ ولذا ورد في الحديث: "لا هَمَّ إلا هَمَّ الدَّين".
(حب، مس، صط) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، والطبراني في "الصغير"، عن أنس (٢).
(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) بضم فسُكون وبفتحهما، وتقدم الفرق بينهما، (والعجز والكسل والبُخْل) بضم فسُكون وبفتحهما، (والجُبْن) بضم فسُكون ويجوز ضمهما، وهو: ضد الشجاعة.
(وَضَلَع الدَّيْن) قال العسقلاني: "هو -بفتح المعجمة واللام-: الاعوجاج، يقال: ضَلَع بفتح اللام، أي: مال، والمراد به ها هنا: ثِقَل
стр. 1456
الدَّين وشدَّته، وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاءه، لا سيما مع المطالبة، فقد قال بعض السلف: "ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه""، والقائل لهذا القول هو: سعيد بن المسيب ﵁، كذا ذكره الكرماني في شرحه على البخاري.
(وغلبة الرجال) قيل: "الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، فكأنه إشارة إلى العَوْذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا، وفيه إيماء إلى العوذ عن الجاه المُفْرِط عن الذل المهين"، وقال ميرك: "أي: شدة تَسلُّطِهمْ، استعاذ ﷺ من أن يغلبه الرجال لما في ذلك من الوهن في النفس".
قال الكرماني: "هذا الدعاء من جوامع الكلم، لأن أنواع الرذائل ثلاثةٌ: نفسانيةٌ، وبدنيةٌ، وخارجيةٌ، بحسب القوى التي للإنسان، وهي ثلاثة: العقلية، والغضبية، والشهوانية، فالهم والحزن متعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية، والعجز والكسل بالبدنية، والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عُضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية، فالأول: ماليٌ والثاني: جاهيٌ، والدعاء مشتمل على جميع ذلك".
(خ، د، ت، س) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن أنس، وقال في "المشكاة": "متفق عليه" (١).
стр. 1457
(اللهم إني أعوذ بك من البخل) أي: المورث للحرص، المانع عن الخير، (وأعوذ بك من الجبن) أي: المانع عن الشجاعة الباعثة على قهر أعداء الدين، [والمانع] (١) عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (وأعوذ بك أن أُرَدّ) بصيغة المجهول، أي: من أن أنقلب (إلى أرذل العُمُر) بضمتين، وبضم فسكون، وقد فسِّر بـ: الهرم، وعلل في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، ولا شك أنه حينئذٍ ليس له منفعة دينية ولا دنيوية، فالموت خيرٌ من [تلك] (٢) الحياة.
وأما قول الحنفي: "إنه ليس بمخصوص بالهرم؛ لأنه شامل للعمر الذي فيه البلايا، مثل: كثرة العيال، مع قلة المال، وعدم الصبر والابتذال" = فليس في محله؛ فإنّه يرد عليه قوله: "أن أُرَدَّ".
مع أن المعنى الذي ذكره ليس يُستفاد من الكلام، لا لغةً ولا عرفًا، وكثرة العِيَال مع قلة المال هو من أوصاف الرجال، لكن مع الصبر والشكر في كل حال، وقد يؤخذ عدم الصبر من الجبن، أو من قوله: (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) لأنها بظاهره شاملة لكل بَليَّةٍ، ومحنةٍ حِسِّية أو معنويّة، كائنة فيها مانعة عن أمور العقبى.
وقال العسقلاني: "قد فسر عبد الملك بن عُمَيْر أحد رواة هذا الحديث فتنة الدنيا بـ: "فتنة الدجال"، كما وقع عند الإسماعيلي: "قال شعبة:
стр. 1458
سألتُ عبد الملك بن عمير عن فتنة الدنيا، فقال: الدجال"، وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظمُ الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صَرِيحًا في حديث أبي أمامة، قال: "خطبنا رسول الله ﷺ … "، فذكر الحديث، فيه: "أنه لم يكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذُرية آدم أعظم من فتنة الدجال" (١)، انتهى.
ولعل وجهه أن بقية فتن الدنيا أمر سهل بالنسبة إليها؛ فإنه يكلف الإنسان على الإيمان به، والكفر بربه، وإلا فالعذاب والعقاب، مع أن الوقت زمن القحط والبلاء وعنده -بحسب الظاهر- الوسع والعطاء، فكأنه ﵇ تعوذ منه وعلّم أمته الحذر، مع أنه لم يوجد إلا في آخر الزمان عند ظهور المهدي ونزول عيسى ﵇ إيماء إلى أن كل بلاء ديني أو دنيوي بالنسبة إلى فتنة الدجال أمره سهل، فيكون تسلية للأمة، وهذا من كمال الرحمة، وتمام الرأفة.
(وأعوذ بك من عذاب القبر) فإنه مُقَدّمة عذاب النار. (خ، ت، س) أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، عن سعد بن أبي وقاص.
(اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرَم) بفتحتين (وعذاب القبر، اللهم آت) أمر من الإيتاء، أي: أعط (نفسي تقواهما) أي: توفيقها بإلهامها والقيام بها، قال ميرك: "ينبغي أن يفسر التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾
стр. 1459
[الشمس: ٨]، وهي الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور والفواحش؛ لأن الحديث هو البيان للآية".
(وزكّها) أمر من التزكية، أي: طهرها من الذنوب ونقها من العُيُوب، (أنت خير من زكاها) فيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، وإشارة إلى أن ضمير الفاعل في "زكاها" إلى "مَنْ"؛ ليستقم "أنت خير من زكاها"، وأما إذا كان راجعًا إلى الله تعالى فيتعين أنه هو المزكي لا غير على ما هو في الحقيقة كذلك، وأن الإسناد إلى غيره مجازي.
(أنت وليّها) أي: المتصرف فيها ومُصْلحها ومربيها (ومولاها) أي: ناصرُها وعاصمُها، وقال الحنفي: "عطف تفسيري".
(اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) أي: علم لا أعمل به ولا أعلِّمه، ولا يهذب الأخلاق والأقوال والأفعال، أو علم لا يحتاج إليه في الدين، أو لا يَرِدُ في تعلمه إذنٌ شرعيّ، وسيأتي فيه زيادة بيان.
(وقلبٍ لا يخشع) أي: لا يطمئن بذكر الله، ولا يسكن بما قدّره وقضاه، وأمره ونهاه، (ومن نفسٍ لا تشبع) أي: بما آتاه الله، حيث لا تقنع ولا تفتر عن الجمع؛ لشدة ما فيها من الحرص، أو يراد بها النهمة وكثرة الأكل، والمبالغة في حُصُول الشهوة.
(ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها) الضمير عائد إلى الدعوة واللام زائدة، وفي "جامع الأصول": "دعوة لا يستجاب"، ذكره ميرك.
وفيه: أن الاستجابة قد تتعدى باللام، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾،
стр. 1460
وقد تقدم الفرق بينها وبين الإجابة، وليس ما في "جامع الأصول" نصّ على المقصود، إذ يحتمل أن يكون من باب الحذف والإيصال، وكذا ما ورد هنا في "مصنف ابن أبي شيبة": "ودعاء لا يستجاب"، على أنه يجوز تقدير: "له" في هذا المقام، والله أعلم بالمرام.
(م، ت، س، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن زيد بن أرقم (١).
(اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل، وسوء العُمُر) بضم الميم وسكونه، أي: أرذله، وهو: الهرم، وقال المصنف: "أي: عمر غير مرضي، لا يعمل فيه عمل صالح" (٢)، انتهى.
وهو بضم السين ويجوز فتحها، ففي "الصحاح": "ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوءًا، بالفتح، نقيض: سَرَّهُ، والاسم: السُّوء بالضم، ومن فتح فهو من المَسَاءَةِ، وقد قُرئَ بهما: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] " (٣)، والحاصل: أنه عمر يَسوء صاحبه ولا يفرح به طالبه في العُقبى.
(وفتنة الصدر) قال المصنف: "يعني ما يوسوس به الشيطان في قلبه، كما في الحديث: "من وساوس الصدر"" (٤)، انتهى.
стр. 1461
وقيل: "موت القلب وقساوته"، وقيل: "ما ينطوي عليه من غلّ وحسد وخُلق سيئ"، وقيل: "هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] "، وهي: الإنابة إلى دار الغرور التي هي سجن المؤمن، والتجافي عن دار الخلود، وهي: التي عرضها كعرض السماء والأرض، عكس حال من شرح الله صدره حيث يميل إلى دار العُقبى، ويزهد في دار الدنيا، ويستعد للموت قبل نزوله.
(وعذابِ القبر) أي: مما يوجبه. (د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن عمر ﵁ (١).
(اللهم أعوذ) وفي نسخة: "إني أعوذ" (بعزتك) أي: بقوتك وقدرتك، وسلطانك وغلبتك، (لا إله إلا أنت، أن تضلني) بضم التاء، من الإضلال، وهو: متعلق بـ "أعوذ"، أي: من أن تضلني، وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العِزّ.
(أنت الحي لا تموت) ولفظ "المشكاة": "أنت الحي الذي لا يموت"، (والجن) أي: الشامل للملائكة، (والإنس) أي: وأتباعهم من الحيوانات والحشرات (يموتون. م، خ، س) أي رواه: مسلم، والبخاري، والنسائي، عن ابن عباس، واللفظ لمسلم؛ ولذا قُدِّمَ على البخاري.
(اللهم إنا نعوذ بك من جَهْد البلاء) قال المصنف: "بفتح الجيم،
стр. 1462
ورُوي بضمها، وقد روي عن ابن عمر أنه فسره بـ: "قلة المال، وكثرة العِيال"، وقيل: "الحالة الشاقة"" (١).
أقول: لا بد [لتفسير] (٢) ابن عمر من قيد: عدم الصبر ووجود الجزع والفزع؛ لئلا يشكل بأكثر أحوال الأنبياء والأولياء، وكذا قوله: "الحالة الشاقة"، وإلا فأشد الناس بلاءً الأنبياء فالأمثل فالأمثل، فتأمل، وقيل: "هو ما يختار الموت عليها".
(ودَرَك الشقاء) بفتح الراء، وفي نسخة بسكونها، قال صاحب "السلاح": "الدرك -بفتح الراء-: اسم، وبالسكون: المصدر"، وفي "النهاية": "الدرك هو: اللحوق والوصول إلى الشيء، يقال: أدركته إدراكًا ودركًا"، انتهى.
والشقاء والشقاوة بالفتح نقيض السعادة على ما في "الصحاح"، وقال العسقلاني: "بمعجمة وقاف، وهو: الهلاك، وقد يطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك".
وقال المصنف: "المحفوظ فيه فتح الراء، وروي بإسكانها، يعني: أن يدركني شقاء وقد [يرد] (٣)
стр. 1463
[أيضا] (١) في أمور الآخرة" (٢).
(وسوء القضاء) "يحتمل في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل، ويحتمل أن يكون في الخاتمة" (٣)، انتهى، وقال بعضهم: "هو ما يسوء الإنسان، أو يوقعه في المكروه".
وقال ابن بطال: "المراد بالقضاء: المَقْضِيّ؛ لأن حكم الله كله حسن لا سوءَ فيه"، وقال غيره: "القضاء: الحكم بالكليّات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل"، وقيل بعكس ذلك كما بيَّنَّاهُ في "المرقاة شرح المشكاة".
(وشماتة الأعداء) قال المصنف: "هي فرح العدوّ ببليّة تنزل بعدوّه، من شَمِتَ بكسر الميم يشمت بفتحها" (٤). (خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة، ورواه مسلم والنسائي أيضًا (٥).
وقال بعض المحققين: "اعلم أنه يفهم من طرق هذا الحديث في "الصحيحين" أن المرفوع من الحديث ثلاثة جُمل من الجمل الأربع، والرابعة زادها سفيان بن عيينة -أحد رواة هذا الحديث- من قبل نفسه، لكن لم يبين فيها أنها ما هي، وقد بين الإسماعيلي في روايته نقلًا عن سفيان
стр. 1464
أن الجملة التي زادها سفيان من قِبَله هي جملة: "شماتة الأعداء"".
أقول: جلالة سفيان تمنعه أن يزيد من قبل نفسه ما يدرج في لفظ النبوة، بل إنما هي زيادة روايته على سائر الرواة، وزيادة الثقة مقبولة، وسيأتي إثبات هذه الجملة في حديث آخر من غير طُرق الصحيحين، والله أعلم.
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل) معنى استعاذته "من شر ما لم أعمل" مخرج على وجهين:
أحدهما: أن يبتلى به في مستقبل الزمان.
والثاني: أن يتداخله العُجْب في ذلك، ذكره التوربشتي.
وفصَّلَه الأشرف، فقال: "استعاذ من أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله؛ فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون"، وقيل: "أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأل أن يرى ذلك من فضل الله تعالى"، نقله ميرك.
(م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة ﵂ (١).
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما [عملت]) (٢) أي: من المعاصي، أو: من الطاعة المترتب عليها الغُرور والعُجب. (ومن شر ما لم [أعمل]) (٣)
стр. 1465
أي: من العبادات المفروضة عليَّ.
(س، مص) أي رواه: النسائي، وابن أبي شيبة، عن عائشة أيضًا ﵂ (١).
(اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي: الدينية، أو الدنيوية النافعة في الأمور الأخروية، (وتحوُّل عافيتك) بتشديد الواو المضمومة، أي: تبدل ما رزقتني من العافية إلى البلاء.
وفي رواية أبي داود: "وتحويل"، مصدر باب التفعيل للتعدي والتفعل لمطاوعه، لكن الثاني أوفق، وبمقابله الزوال أحق.
فإن قلتَ: ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلتُ: الزوال يقال في شيء كان ثابتًا في شيءٍ ثم فارقه، والتحوّل تغير الشيء وانفصاله عن غيره، فمعنى زوال النعمة ذَهابُها من غير بدل، وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض.
وقال المصنف: ""تحوُّل" بضم الواو مشددة، يعني: تحولها وانتقالها" (٢)، (وفُجاءة نقمتك) "بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة، من فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وروي بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مَدّ" (٣)، انتهى.
و"النقمة": بكسر فسكون، وفي نسخة بفتح فكسر، ككلمة وكلم، وخصّ
стр. 1466
فجاءة النقمة بالذكر؛ لأنها أشد من أن تُصيب تدريجًا، كما ذكره المظهر. و"النقمة": العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: يعاقبه، على ما ذكره الجوهري.
ثم قوله: (وجميع سخطك) أي: جميع أسباب غضبك، إجمالٌ بعد تفصيل، وتعميم بعد تخصيص. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عمر، وكذا الترمذي على ما في "الجامع" (١).
(اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي) بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغيبة، وسائر أسباب العصيان، أو بأن لا أسمع كلمة الحق، وأن لا أقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ومن شر بصري) بأن أنظر إلى (٢) محرم، أو أرى إلى أحدٍ بعين الاحتقار، أي: لا أتفكر في خلق السماء والأرض بنظر الفكر والاعتبار.
(ومن شر لساني) بأن أتكلم فيما لا يعنيني، أو أسكت عما لا يغنيني، (ومن شر قلبي) باشتغاله بغير أمر ربي، (ومن شر مَنِيّى) بأن أوقعه في غير محله، أو يوقعني في مقدمات الزنا؛ من النظر واللمس والمشي والعزم وأمثال ذلك.
قال في "سلاح المؤمن": "أراد به فَرْجَه، ووقع في رواية أبي داود:
стр. 1467
"يعني: فرجه"، وقال بعض العلماء: "المني: جمع المنية، وهي طول الأمل"، وقال المصنف: "المني: ماء الرجل، يريد: وضعه فيما لا يحل" (١)، انتهى.
وفيه: أن الأولى من حيث المعنى أن لا يخص المني بماء الرجل، على ما في "المهذب"؛ لأن هذا الدعاء شامل أيضًا للنساء، وأيضًا شرّه ليس منحصرًا فيما ذكره، بل يعمّ مقدّماته أيضًا، على ما قدمناه.
(ت، د، س، مس) أي رواه: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، عن شكل بن حميد (٢).
(اللهم أعوذ) وفي نسخة: "إني أعوذ" (بك من الفقر) يحتمل أن يراد به: فقر النفس، أعني: الشره الذي يقابل غِنى النفس، الذي هو: قناعتها، يعني: من نفس حريص على جمع المال، ممتنع عن تحصيل الكمال، أو يراد: قلة المال، فالمراد: الاستعاذة من الفتن المتفرّعة عليها، كالجزع بقلة الصبر، وعدم الرضا بالقضاء.
(والفاقة) أي: شدة الحاجة إلى الخلق، (والذلة) أي: بأن يكون ذليلًا حتى يحقره الناس، قال بعض العلماء: "والمراد بهذه الأدعية تعليم
стр. 1468
الأمة"، انتهى.
وأما ما ورد من أن: "المؤمن لا يخلو من علةٍ أو قلة أو ذلة"، فالمراد بالعلة: المرض، وبالقلة: قدر القوت والكفاية من المال؛ حيث لا يقدر على الطاعات المالية، والإنفاق في سبيل الله، وطريق مرضاة مولاه، وبالذلة: عدم الجاه والاعتبار عند عامة الناس.
(وأعوذ بك من أن أَظْلِمَ) بصيغة [المعلوم] (١)، أي: أحدًا، (أو أُظْلَم) بصيغة المجهول، أي: من أحد، و"أو" للتنويع، وقال الحنفي: "بمعنى الواو". (د، س، ق، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن أبي هريرة (٢).
(اللهم إني أعوذ بك من الهدم) بفتح فسكون، وفي نسخة بفتحتين، قيل: وروي بالفتح، وهو اسم ما انهدم، وفي "القاموس": "الهَدَم بالتحريك: ما يهدم من جوانب البئر فسقط فيها".
(وأعوذ بك من التردي) أي: السقوط من موضعٍ عالٍ، أو: الوقوع في نحو بئرٍ، قال المصنف: "الهدْمُ -بإسكان الدال-: هدم البيت وغيره، يعني: الموت بالهدم. والتردّي -بفتح التاء والراء وتشديد الدال مكسورة-: من تردَّى يتردى، إذا سقط أو تهور من جبل" (٣).
стр. 1469
(وأعوذ بك من الغَرَق) بفتحهما مصدر: غَرِق في الماء، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]، (والحرق) بالتحريك أيضًا: مصدر حرق في النار، وقد يُطلق على النار، أو لهبها على ما في "القاموس"، وفي "النهاية": "وإنما يُقالُ: الحرق بالنار والحرق معًا".
وإنما استعاذ من الهلاك بهذه الأشياء -مع ما فيه [من نيل] (١) الشهادة- لأنها مجهدة مقلقة، لا يكاد الإنسان يصبر عليها ويثبت عندها، فلعل الشيطان ينتهز فرصةً منه فيحمله على ما يخله ويضره بدينه؛ ولأنه يُعدّ فُجْأة، وهي: "أخذة أسف"، على ما ورد في الحديث.
وقيل: [لعله] (٢) ﵊ استعاذ منها؛ لأنها في الظاهر أمراض ومصائب ومحن وبلايا، كالأمراض السابقة المستعاذة منها، وأما ترتيب الشهادة عليها.
فالبناء على: أن الله تعالى يثيب المؤمن على المصائب كلّها حتى الشوكة يُشاكها، لكن مع هذا فالعافية أوسع، مع أن ظاهر هذه المذكورات مشعرة بالغضب صورة.
(والهرم) تقدم. (وأعوذ بك أن) ولفظ "المشكاة": "من أن" (يتخبَّطني الشيطان) بتشديد الموحدة، أي: يجعلني مُخَبَّطا مغلوبًا، أو مجنونًا، أو معتوهًا، أو ضالًّا، (عند الموت) وقال الطيبي: "هو: أن يضرب البعير
стр. 1470
الشيء تحت يده فيسقطه".
وقال المصنف: "أي: يلعب بي، وَيفْتِنُني ويغلبني، وأصله من الصَّرْعِ" (١)، انتهى. وقال الحنفي: "الأولى أن يقال: أصله من الخبط، بمعنى الصَّرْع".
قلت: كلاهما لا يظهر له وجه، ففي "القاموس": "خبطه يخبطه: ضربه شديدًا، وكذا البعير بيده الأرض، كتخبط: وطئه شديدًا، والشيطانُ فلانًا: مسه بأذًى، كتخبطه"، انتهى.
نعم قد يتولد الصَّرْع من مسه كما يُسْتفاد من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
(وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدبِرًا) أي: فارًّا من الزحف، أو تاركًا للطاعة، أو مرتكبًا للمعصية، أو رجوعًا إلى الدنيا بعد الإقبال على العقبى، واختيار الغفلة والهوى إلى السوى [عن] (٢) حضور المولى.
قيل: "هذا وأمثال ذلك تعليمٌ للأمة، وإلا فرسول الله ﷺ لا يجوز عليه الخبط والفرار من الزحف ونحوهما"، والأظهر: أن هذا كله تحدث بنعمة الله، وطلب الثبات عليها، والتلذذ بذكرها المتضمن لشكرها، الموجب لمزيد النعم، المقتضي لإزالة النقم.
стр. 1471
(وأعوذ بك أن أموت) أي: من أن أموت (لَدِيغًا) "أي: ملدوغًا، فعيل بمعنى مفعول، من لدغته العقرب تلدغه، فهو ملدوغ، إذا ضربته بسمها" (١)، ذكره المصنف.
وفي "القاموس": "لدغته العقرب والحية"، فهو مستعمل في ذوات السموم من العقرب والحية وغيرهما، والاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب اللدغ، فيكون من قبيل الفجأة، وإلا فصحَّ أنه ﷺ مات شهيدًا من أثر الأكل من الشاة المسمومة لليهودية، وكذا موت الصديق الأكبر من أثر لسع الحية في الغار.
(د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن أبي اليسر، كذا في أكثر النسخ، وهو الموافق لما في "المشكاة"، وفي نسخة: "كلهم عن أُبي بن كعب بن عمرو الأنصاري"، ونسب إلى ميرك، والله أعلم (٢).
(اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق) وهي: الأحوال الباطنة، (والأعمال) أي: الأفعال الظاهرة، (والأهواء) وهي: "جمع الهوى، مصدر هواه، إذا أحبه، ثم سُمي بالهوى المشتهى، محمودًا كان أو مذمومًا، ثم غلب على غير المحمود"، كذا في "المغرب".
стр. 1472
قال الطيبي: "الإضافة في القرينتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، وفي الثالثة: بيانية؛ لأن الأهواء كلّها منكرة"، انتهى.
وهو مبني على غلبة العُرف، ويمكن أن يبنى على أصل المعنى اللغوي، بمعنى المشتهيات النفسية، فحينئذٍ [يكون مشتملًا] (١) على المنكرات والمعروفات؛ إذ قد يُوَافِق الهوى الهدى؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
والأنسب أن تكون القرائن على طبقٍ واحدٍ، وأغرب الحنفي حيث قال: "أي: الأخلاق المنكرة، فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، ويجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها، بأن تكون الأخلاق منقسمة إلى قسمين: منكرة، وغير منكرة، وإنما العوذ من منكراتها"، انتهى. وغرابته لا تخفى على ذوي النهى. (ت، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم؛ كلُّهم عن قطبة بن مالك (٢).
(والأدواء) جمع: داء، والتقدير: ومن منكرات الأدواء، (ت) أي: رواه الترمذي، [هذه] (٣) الزيادة عنه أيضًا، قال ميرك: "اعلم أنه يفهم من كلام "صاحب السلاح" أن زيادة "والأدواء" في "المستدرك" للحاكم، لا في
стр. 1473
الترمذي؛ حيث قال بعد قوله "والأهواء": "رواه الترمذي، والحاكم، وابن حبان في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وزاد في آخره: "والأدواء"، وفي بعض الروايات: "والأرواء"، وهذا لفظ الترمذي"، فتأمل فيه، والله أعلم".
قلت: يمكن الجمع بأن كلًّا منهما روى زيادة "الأدواء"، كما يدل عليه لفظ "الجامع": "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. رواه: الترمذي، والطبراني، والحاكم، عن عَم زياد بن علاقة".
(اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شرِّ ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ ، وأنت المستعان) أي: المطلوب منك المعونة، (وعليك البلاغ) قال المصنف: "أي: الكفاية، ويحتمل أن يراد به ما يبلغ إلى المطلوب من خير الدنيا والآخرة"" (١).
(ولا حول ولا قوة إلا بالله. ت) أي: رواه الترمذي عن أبي أمامة، قال: "دعا رسول الله ﷺ بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، قال: ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كلّه، تقولون: اللهم إنا نسألك … " إلى آخره. رواه الترمذي، وقال: "حسن غريب"، ذكره ميرك شاه (٢).
стр. 1474
(اللهم إني أعوذ بك من جار السُّوء) بضم أوله، وفي نسخة بالفتح، أي: من جارٍ غير صالحٍ، أو من الجار المؤذي المسيء، (في دار الْمُقامة) بضم الميم، مصدر ميمي بمعنى الإقامة.
قال المصنف: "يجوز فيه ضم السين وفتحها، والضم أحسن، وهو الاسم من: ساءه يسوءه، كما في الحديث: "نعيذه من يوم السوء، وساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء". "في دار المقامة" أي: الإقامة" (١).
(فإنّ جارَ البادية) أي: الجار الواقع في البدو وحال السفر (يتحوّل) أي: من مكان إلى مكان، إيماءً إلى أنه سريع الزوال سهل التحمل عنه في الأثقال، فجار الإقامة أحق بالاستعاذة من جار البادية؛ لأنه في مقام التحول والانتقال، ولا يبعد أن يكون إشارة بالجار السوء إلى النفس التي هي أعدى الأعداء بين جنبي الآدمي، أو الشيطان المسلط الذي يجري مجرى الدم في أعضاء الإنسان. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة.
(أعوذ بالله من الكفر) أي: الشرك، أو الكفران، أو ستر الحق، أو الفقر الذي كاد أن يكون كفرًا، وهو المناسب لأن يكون قرينةً لقوله: (والدَّيْن) بالفتح؛ لكونه "شينُ الدِّين" بالكسر على ما ورد.
ولعل اقترانهما لأن الكفر هو عبادة المخلوق، والدَّين يورث المذلة عند الخلق فيكون خائفًا عنه، وراجيًا منه، فيقتضي نوعًا من الشرك، أو جمع
стр. 1475
بينهما نظرًا إلى حق الله وحق العبد؛ فإن الصّالح من يكون قائمًا بهما.
قال ميرك: "ساوى بين الدين والكفر، لأن الدائن شبيه بالمنافقين؛ لأنه "إذا غرم حدَّث فكذب، وإذا وعد أخلف"، كما ورد في الحديث، فالفقير الدائن أسوء حالًا من المنافق".
(س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي سعيد الخدري.
(اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين) أي: كثرته، فإنَّ قائله لا بد عند حاجته، (وغلبة العَدُوُّ) أي: من الكفار، أو من: الظلمة، والفسقة، [و] (١) المبتدعة، وفي رواية ابن حبان: "وغلبة العباد"، أي: تسلطهم، فهو يرجع إلى المعنى الأول.
(وشماتة الأعداء. مس، حب) رواه: الحاكم، وابن حبان، عن عبد الله بن عَمْرو بالواو، وفي نسخة بلا واو، وفي "سلاح المؤمن": "عن عبد الله بن عَمْرو: أن رسول الله ﷺ كان يدعُوا بهذه الكلمات: اللهُمَّ إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدوّ، وشماتة الأعداء. رواه الحاكم على شرط مسلم، ورواه ابن حبان، ولفظه: "وغلبة العباد"".
(اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع) أي: علم لا أعمل به ولا أعلِّمه، أو علم لا يحتاج إليه في الدين، أو علم ليس فيه إذن شرعيّ، أو علم لا يهذب أخلاقه الباطنة، فيسري في الأعمال الظاهرة في العاجل ويعود إلى