← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

(وأعوذ بك أن أموت) أي: من أن أموت (لَدِيغًا) "أي: ملدوغًا، فعيل بمعنى مفعول، من لدغته العقرب تلدغه، فهو ملدوغ، إذا ضربته بسمها" (١)، ذكره المصنف. وفي "القاموس": "لدغته العقرب والحية"، فهو مستعمل في ذوات السموم من العقرب والحية وغيرهما، والاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب اللدغ، فيكون من قبيل الفجأة، وإلا فصحَّ أنه ﷺ مات شهيدًا من أثر الأكل من الشاة المسمومة لليهودية، وكذا موت الصديق الأكبر من أثر لسع الحية في الغار. (د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن أبي اليسر، كذا في أكثر النسخ، وهو الموافق لما في "المشكاة"، وفي نسخة: "كلهم عن أُبي بن كعب بن عمرو الأنصاري"، ونسب إلى ميرك، والله أعلم (٢). (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق) وهي: الأحوال الباطنة، (والأعمال) أي: الأفعال الظاهرة، (والأهواء) وهي: "جمع الهوى، مصدر هواه، إذا أحبه، ثم سُمي بالهوى المشتهى، محمودًا كان أو مذمومًا، ثم غلب على غير المحمود"، كذا في "المغرب".

стр. 1472

قال الطيبي: "الإضافة في القرينتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، وفي الثالثة: بيانية؛ لأن الأهواء كلّها منكرة"، انتهى. وهو مبني على غلبة العُرف، ويمكن أن يبنى على أصل المعنى اللغوي، بمعنى المشتهيات النفسية، فحينئذٍ [يكون مشتملًا] (١) على المنكرات والمعروفات؛ إذ قد يُوَافِق الهوى الهدى؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. والأنسب أن تكون القرائن على طبقٍ واحدٍ، وأغرب الحنفي حيث قال: "أي: الأخلاق المنكرة، فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، ويجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها، بأن تكون الأخلاق منقسمة إلى قسمين: منكرة، وغير منكرة، وإنما العوذ من منكراتها"، انتهى. وغرابته لا تخفى على ذوي النهى. (ت، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم؛ كلُّهم عن قطبة بن مالك (٢). (والأدواء) جمع: داء، والتقدير: ومن منكرات الأدواء، (ت) أي: رواه الترمذي، [هذه] (٣) الزيادة عنه أيضًا، قال ميرك: "اعلم أنه يفهم من كلام "صاحب السلاح" أن زيادة "والأدواء" في "المستدرك" للحاكم، لا في

стр. 1473

الترمذي؛ حيث قال بعد قوله "والأهواء": "رواه الترمذي، والحاكم، وابن حبان في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وزاد في آخره: "والأدواء"، وفي بعض الروايات: "والأرواء"، وهذا لفظ الترمذي"، فتأمل فيه، والله أعلم". قلت: يمكن الجمع بأن كلًّا منهما روى زيادة "الأدواء"، كما يدل عليه لفظ "الجامع": "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. رواه: الترمذي، والطبراني، والحاكم، عن عَم زياد بن علاقة". (اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شرِّ ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ ، وأنت المستعان) أي: المطلوب منك المعونة، (وعليك البلاغ) قال المصنف: "أي: الكفاية، ويحتمل أن يراد به ما يبلغ إلى المطلوب من خير الدنيا والآخرة"" (١). (ولا حول ولا قوة إلا بالله. ت) أي: رواه الترمذي عن أبي أمامة، قال: "دعا رسول الله ﷺ بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، قال: ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كلّه، تقولون: اللهم إنا نسألك … " إلى آخره. رواه الترمذي، وقال: "حسن غريب"، ذكره ميرك شاه (٢).

стр. 1474

(اللهم إني أعوذ بك من جار السُّوء) بضم أوله، وفي نسخة بالفتح، أي: من جارٍ غير صالحٍ، أو من الجار المؤذي المسيء، (في دار الْمُقامة) بضم الميم، مصدر ميمي بمعنى الإقامة. قال المصنف: "يجوز فيه ضم السين وفتحها، والضم أحسن، وهو الاسم من: ساءه يسوءه، كما في الحديث: "نعيذه من يوم السوء، وساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء". "في دار المقامة" أي: الإقامة" (١). (فإنّ جارَ البادية) أي: الجار الواقع في البدو وحال السفر (يتحوّل) أي: من مكان إلى مكان، إيماءً إلى أنه سريع الزوال سهل التحمل عنه في الأثقال، فجار الإقامة أحق بالاستعاذة من جار البادية؛ لأنه في مقام التحول والانتقال، ولا يبعد أن يكون إشارة بالجار السوء إلى النفس التي هي أعدى الأعداء بين جنبي الآدمي، أو الشيطان المسلط الذي يجري مجرى الدم في أعضاء الإنسان. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة. (أعوذ بالله من الكفر) أي: الشرك، أو الكفران، أو ستر الحق، أو الفقر الذي كاد أن يكون كفرًا، وهو المناسب لأن يكون قرينةً لقوله: (والدَّيْن) بالفتح؛ لكونه "شينُ الدِّين" بالكسر على ما ورد. ولعل اقترانهما لأن الكفر هو عبادة المخلوق، والدَّين يورث المذلة عند الخلق فيكون خائفًا عنه، وراجيًا منه، فيقتضي نوعًا من الشرك، أو جمع

стр. 1475

بينهما نظرًا إلى حق الله وحق العبد؛ فإن الصّالح من يكون قائمًا بهما. قال ميرك: "ساوى بين الدين والكفر، لأن الدائن شبيه بالمنافقين؛ لأنه "إذا غرم حدَّث فكذب، وإذا وعد أخلف"، كما ورد في الحديث، فالفقير الدائن أسوء حالًا من المنافق". (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي سعيد الخدري. (اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين) أي: كثرته، فإنَّ قائله لا بد عند حاجته، (وغلبة العَدُوُّ) أي: من الكفار، أو من: الظلمة، والفسقة، [و] (١) المبتدعة، وفي رواية ابن حبان: "وغلبة العباد"، أي: تسلطهم، فهو يرجع إلى المعنى الأول. (وشماتة الأعداء. مس، حب) رواه: الحاكم، وابن حبان، عن عبد الله بن عَمْرو بالواو، وفي نسخة بلا واو، وفي "سلاح المؤمن": "عن عبد الله بن عَمْرو: أن رسول الله ﷺ كان يدعُوا بهذه الكلمات: اللهُمَّ إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدوّ، وشماتة الأعداء. رواه الحاكم على شرط مسلم، ورواه ابن حبان، ولفظه: "وغلبة العباد"". (اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع) أي: علم لا أعمل به ولا أعلِّمه، أو علم لا يحتاج إليه في الدين، أو علم ليس فيه إذن شرعيّ، أو علم لا يهذب أخلاقه الباطنة، فيسري في الأعمال الظاهرة في العاجل ويعود إلى

стр. 1476

الثواب الآجل. وقال بعض المحققين: العلم لا يذم لذاته، بل لأسباب ثلاثة: ١ - إما لكونه وسيلة إلى إيصال الضرر والشر، كعلم السحر والطلسمات؛ فإنهما لا يَصْلُحان إلا للإضرار. ٢ - وإما لكونه مضرًا بصاحبه في ظاهر الأمر، كعلم النجوم، وأقل مضاره أنه شروع فيما لا يعني، وتضييع العمر. ٣ - وإما لكونه دقيقا، لا يستقل به الخائض فيه، كالبحث عن الأسرار الإلهية. وقال بعضهم: "قد استعاذ ﷺ من نوع من العلوم، كما استعاذ من الشرك والنفاق ومساوئ الأخلاق، وهو العلم الذي لم يقترن به التقوى؛ فإنه باب من أبواب الدنيا وأرباب الهوى". (وقلبٍ لا يخشع، ودعاءٍ لا يُسْمَع، ونفسٍ لا تشبع) قال بعض العلماء: اعلم أن في كلٍّ من القرائن الأربع ما يُشْعِرُ بأن وُجُودَهُ مَبْنيٌّ على غَايَتَهُ، وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافًا بل يكون وبالًا؛ ولذلك استعاذ منه، وإن القلب إنما خلق لأن يتخشع للربّ، [وينشرح] (١) لذلك الصدر، ويقذف فيه النور، فإذا لم يكن كذلك كان قاسيًا فيجب أن يُسْتعاذ منه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وإن النفس يعتد بها إذا تجافت عن دار الغُرور، وأنابت إلى دار

стр. 1477

الخلود، فهي إذا كانت منهومة لا تشبع وحريصةً على الدنيا، كانت أعدى عدوّ المرء، فأولى الشيء يُستعاذ منه هي، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله، ولم يخشع قلبُه، ولم تشبع نفسه، والله الهادي إلى صراطٍ مستقيمٍ. (مس، مص) أي: رواه الحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلاهما عن ابن مسعود، وابن أبي شيبة عن أبي هريرة أيضًا. (ومن الجوع) أي: المفرط المانع من الحضور، وإليه أشار صاحب البُرْدَة: فَرُبَّ لمحمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التّخَمِ (فإنه بئسَ الضجيع) أي: المضاجع، وهو: الذي ينام معك في فراشٍ واحد، أي: بئس الصاحب؛ لأنه يمنع استراحة البدن، وراحة القلب؛ فإنَّ الجوع يُضعف القُوى ويكثر أفكارًا ردية، وخيالاتٍ فاسدةٍ، فيخل بوظائف العبادات، ومن ثمة حرم صوم الوصال. (مس، مص) أي: رواه الحاكم، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود، وهو من تتمة الحديث السابق، فلا وجه لتكرار الرمز، بل كان ينبغي أن يكتفى بالرمز هَا هُنا ليتبين أن رواية ابن أبي شيبة انتهت في هذا الدعاء (١).

стр. 1478

(ومن الخيانة) أي: في أمانة الخلق والخالق، (فبئست البطانة) أي: الخصلة الباطنة، وقال المصنف: "بكسر الباء: خاصّةُ الرجل، ويحتمل أن يراد خلاف الظهارة، وخلاف ما يظهره، فاستعاذته ﵇ من هذه الأشياء لتكمل صفاته في كل أحواله، وتعليمًا لأمته وإرشادًا؛ ليقتدوا فيحصل لهم خير الدنيا والآخرة" (١)، انتهى. والأظهر أن المراد بالاستعاذة هي طلب الثبات، والاستقامة على صفات الكمال في كل حالٍ، وللإعلام بأن هذه أوصافٌ ذميمةٌ، فمن وجدت فيه يعالج في إزالتها، ومن فقدت فيه يحمد الله على ذلك، ويطلب ثباتها. (ومن الكسل) أي: [في] (٢) العبادة البدنية، (والبخل) أي: في الطاعة المالية، (والجبن) أي: [في] (٣) الجهاد الأصغر والأكبر، (ومن الهرم) أي: ومن طول العمر في صرف المعصية، كما قال في موضع: "وسوء العمر" أو من ضعف الكبر المانع عن القيام بالعبادة. (ومن أن أُرَدَّ إلى أرذل العُمُر) أي: الذي لا يعلم شيئًا من العلوم النافعة، (ومن فتنة الدجال) وهي كل فتنة تؤدي إلى الكفر والضلال، (وعذاب القبر) أي: مما يؤدي إلى عقاب البرزخ، (وفتنة المحيا والممات) تعميم وتتميم. (اللهم إنا نسألك عزائم مغفرتك) أي: موجبات غفرانك، قال

стр. 1479

المصنف: "جمع عزيمة، وهي ما عزم الله على العباد أن [يعطوه] (١) ليغفر لهم" (٢)، انتهى. وهو كذا في النسخ بلفظ: "أن [يعطوه] (٣) " والظاهر أنه سَهْو، وأن الصواب: أن يطيعوه. (ومنجيات أمرك) "أي: ما فيه [نجاة من] (٤) أمرك" (٥)، قاله المصنف. والأظهر أن يقال: أي: مخلصات عُهْدة أمرك، (والسلامة من كل إثم) أي: معصية (والغنيمة من كل بر) أي: طاعة (والفوز) أي: الظفر (بالجنة، والنجاة) أي: الخلاص (من النار. مس) أي: رواه الحاكم عن ابن مسعود (٦). (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) أي: في الدنيا والعُقبى (وأعوذ بك من علمٍ لا ينفع) أي: فيهما. (حب) أي: رواه ابن حبان عن جابر (٧). (اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع) وهو أن لا يكون لله، (وعملٍ لا يرفع) أي: لبُطْلانه أو لعدم إخلاصه، (وقلبٍ لا يخشع) أي: لذكره،

стр. 1480

(وقولٍ لا يسمع) أي: كلامٍ لا يقبل أو دعاء لا يُسْتجاب. (حب، مس، مص) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن أنس (١). (نعوذ بالله من عذاب النار، نعوذ بالله من الفتن) أي: الدنيوية والأخروية، (ما ظهر منها وما بطن) أي: ما يتعلق بالأمر الظاهر أو الباطن، أو ما ظهر الآن، وما سيظهر في مستقبل الزمان، وفي بعض النسخ: "من [فتنة] (٢) ماظهر منها وما بطن". (نعوذ بالله من فتنة الدجال) أي: فإن غير فتنته سهلٌ في كل حالٍ، فهو تخصيص بعد تعميم للاهتمام به. (عو) أي: رواه أبو عوانة عن زيد بن ثابت (٣). (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا) أي: بالارتداد وعدم العلم كما كنا أول خلقتنا، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، (أو نفتن) بصيغة المجهول أي: نضل بالابتداع، أو بمخالفة الاتباع، (عن ديننا) فـ "أو" للتنويع، لا للشك كما توهم الحنفي، بل من قبيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وقيل: "أشار بذلك إلى أن الرجوع على العقب كناية عن مخالفة الأمر الذي تكون الفتنة سببه"، انتهى.

стр. 1481

وخلاصته: أنه استعاذ [بالارتداد] (١)، وبما يكون سببه من فتنة العباد. (مو خ م) رواه البخاري ومسلم موقوفًا من كلام ابن أبي مليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بالتصغير، أدرك ثلاثين من الصحابة، وهو ثقة فقيه، مات سنة سبع عشرة ومئة، ذكره ميرك، وفي بعض النسخ هنا تقديم وتأخير بين الدعاءين السابقين (٢). (اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع) أي لا لي ولا لغيري (ومن قلبٍ لا يخشع) أي عند ذكر ربي، (ومن نفسٍ لا تشبع) أي: من الدنيا أو من شهواتها، (ومن دعاء لا يُسمع) أي لا يستجاب، (اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع) أي جميعها، وهو تأكيد وتأييد، وبمنزلة فذلكة. (مص، طس) أي رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر (٣)، والطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس (٤). (اللهم اغفر لي ذنوبي) أي: كلّها (وخطئي) أي: ذنبي الواقع خطأ، أو الصغائر، (وعَمْدِي) أي: ذنبي المتعمّد أو الكبائر، فالعطف تفصيلي. (طس) رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس (٥). (اللهم إني أعوذ بك من دعاءٍ لا يُسْمَع) أي: مما يوجب رد الدعاء،

стр. 1482

(وقلبٍ لا يخشع) أي: مما يورث عدم خشوعه، (ونفس لا تشبع) أي: من الحرص المقتضي ذلك. (ط) رواه الطبراني عن جرير (١). (اللهم إني أعوذ بك من الكسل) أي: الضعف عن العبادة، (والهرم) أي: العجز عن العبادة، (وفتنة الصدر) أي: الباعثة على الشك والوسوسة، (وعذاب القبر). (ط) رواه الطبراني عن ابن عباس (٢). (اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء) بضم السين ويفتح، أي: من يوم يقع فيه ما يسوء من أمر الدين أو الدنيا، (ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء) وهي ساعة الغفلة عن الطاعة، (ومن صاحب السوء) أي: الذي يدل على السوء، (ومن جار السوء) أي: المسيء، (في دار المقامة) أي: مكان الإقامة على وجه الإدامة. (ط) رواه الطبراني عن عقبة بن عامر (٣). (اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون) وهو [في "أصل الجلال"] (٤)، كما في "الأذكار" ومعناه: زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية

стр. 1483

والعملية، وفي "المشكاة" وقع: (والجذام) كما في نسخة هنا، وسبق مبناه ومعناه، (وسيئ الأسقام) أي: سائر الأسقام السيئة. (د، س، مص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن أنس (١). (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق) "بكسر الشين، الخلاف والعداوة" (٢)، ذكره المصنف، (والنفاق) وهو مخالفة الظاهر للباطن دينًا وديانة، (وسوءِ الأخلاق) أي: وباقي الأخلاق السيئة، فهو من عطف العام على الخاص، للتنبيه على أن الشقاق والنفاق أعظمها ضررًا، لأنه يسري ضررهما إلى الغير. (د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة (٣). (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة). (د) رواه أبو داود عنه أيضًا (٤). (اللهم إني أعوذ بك من الأربع) اللام للعهد، بَيَّنَهُ بقوله: (من علم لا

стр. 1484

ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ودعاءٍ) وفي نسخة: "ومن دعاء" (لا يُسمع). (د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا (١). (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة) أي: [في] (٢) كل حال حسنة، (وفي الآخرة حسنة) أي: كل مرتبة مستحسنة، (وقنا عذاب النار) قال المصنف: "كان أكثر دعائه ﵇ لما جمعته من خيرات الدنيا والآخرة"، وقال النووي: "أظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها الصحة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة" (٣)، انتهى. وعندي أن أجمعها أن يراد بالحسنة عمومها في كلٍّ منهما وتنكيرها، مثل: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ للشمولى، وأعلاها أن يقال: حسنة الدنيا متابعة الأولى، وحسنة العُقبى الرفيق الأعلى، وعذاب النار حجاب المولى. (خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أنس قال: "كان أكثر دعائه ﵇: [ربنا] (٤) آتنا في الدنيا حسنة … " الحديث، كذا في "المشكاة"، وقال: "متفق عليه" (٥).

стр. 1485

(اللهم اغفر لي خطيئتي) أي: ذنبي ويجوز تسهيل الهمزة فيقال: خطيَّتي [بالتشديد] (١)، (وجهلي) أي: ما صدر مني من أجل جهلي، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال البغوي: "أجمع السلف على أن من عصى الله فهو جاهل". (وإسرافي) أي: مجاوزتي عن الحد (في أمري) يحتمل تعلّقه بما قبله، وبجميع ما تقدمه، (وما أنت أعلم به مني) أي: من المعاصي والسيئات والتقصيرات في الطاعات وهو تعميم وتتميم. (خ، م، مص) أي رواه: البخاري، ومسلم، وابن أبي شيبة، عن أبي موسى الأشعري (٢). (اللهم اغفر لي جَدّي وهَزْلي) كذا في "أصل الجلال"، وهو مطابق لما في "المشكاة" وأكثر النسخ، وفي "الأصيل": "هزلي وجدي"، وهو أوفق لمراعاة الفواصل. (وخطئي، وعمدي) الخطأ: نقيض الصواب، وقد يمدّ، والخطأ الذنب على ما في "الصحاح"، وقال ميرك: "كذا وقع في نسخ "الحصن" بلفظ ضد العمد"، لكن وقع عند أكثر رواة البخاري: "وخطاياي"، قال العسقلاني: "وقع في رواية الكشميهني: "خطئي"، وكذا أخرج البخاري في "أدب المفرد" بالسند الذي في الصحيح، وهو المناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على الأول.

стр. 1486

والخطايا جمع خطيئة، وعطف العَمْد عليها من عطف الخاص على العام؛ فإن الخطيّة أعم من أن يكون عمدًا أو خطأً، أو من عطف أحد العامين على الآخر"، انتهى. والمعنى أنه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصفين، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ [النمل: ١]. (وكل ذلك) أي: وكل ما ذكر من الأمور (عندي) أي: موجود أو ممكن، وهو كالتذييل للسابق، قال النووي: "أي: أنا متصف بهذه الأشياء فاغفرها لي، [قاله] (١) تواضعًا وهضمًا لنفسه، وعن علي كرم الله وجهه: "عد فوات الكمال وترك الأولى ذنوبًا"، وقيل: "أراد ما كان قبل النبوة"، وقيل: "تعليمًا لأمته ﷺ ". قلتُ: وما ذكره عليّ هو الأعلى، وبالاعتبار أولى؛ فإن حسنات الأبرار الطالبين سيئات الأحرار المقربين. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن عائشة (٢). (أنت المقدم، وأنت المؤخر) أي: تقدم من تشاء بتوفيقك إلى رحمتك، وتؤخر من تشاء عن ذلك، (وأنت على كل شيء قدير. خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم (٣)، عنها أيضًا، والظاهر أن هذه الزيادة من تتمة

стр. 1487

الحديث السابق؛ فلا وجه لتكرار الرموز، اللهم إلا أن يقال: هذه الزيادة في رواية دون الأخرى. (اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي موسى (١)، وهو في "المشكاة" متفق عليه وتقدم أيضًا. (اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) سبق مُستوفًى مبنًى ومعنًى. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم؛ كلاهما عن عائشة (٢). (اللهم مصرف القلوب) بتشديد الراء المكسورة، أي: محولها ومقلبها، (صرف قلوبنا على طاعتك) أي: احملها على عبادتك، واجعلها مائلة إلى طاعتك، وأول الحديث: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ثم قال: اللهم مصرف القلوب … " إلى آخره. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٣). (اللهم اهدني) أي: إلى مصالح أمري، أو ثبتني على الهداية إلى الصراط

стр. 1488

المستقيم إلى نهاية الخاتمة، (وسددني) أمر من التسديد وهو التوفيق والتأييد، وقال المصنف: "من السداد بالفتح، وهو الاستقامة" (١)، انتهى. ولعله أراد أن المعنى: اجعلني على السداد، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠] إلى آخره، وقال الطيبي: "فيه معنى قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، و ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي: اهدني هداية لا أميل بها إلى طرفي الإفراط والتفريط". (م) أي: رواه مسلم عن عليّ (٢). (اللهم إني أسألك الهدى) أي: في أمر العقبى، (والسداد) أي: في أمر الدنيا، بأن يكون لي منها ما يسدني عن الحاجة إلى غير المولى. (م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة (٣). (اللهم إني أسألك الهدى) أي: في العقائد والأخلاق الباطنة، (والتقى) أي: في الأوامر والنواهي، وسائر الأعمال الظاهرة، (والعفاف) بالفتح، ففي "الصحاح" يقال: "عَفَّ عن الحرام عفافًا أي: كفَّ"، فيكون تخصيصًا بعد تعميمٍ، ونقل عن أبي الفتوح النيسابوري أنه قال: "العفاف إصلاح النفس والقلب"، فهو تعميم بعد تخصيص. والأظهر أن يراد به التعفف عن السؤال وعدم التكفُّف بلسان الحال،

стр. 1489

كما أشار إليه قوله سبحانه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: أصلًا، لا بلسان القال، ولا ببيان الحال. (والغنى) أي: غنى القلب أو الاستغناء عن الخلق، وقال الطيبي: "أطلق الهدى والتقى ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهتدى إليه من أمر المعاش والمعاد، ومكارم الأخلاق، وكل ما يجب أن يتقى منه من الشرك والمعاصي ورذائل الأخلاق"، وطلب العفاف والغِنى تخصيص بعد تعميم، وهذا الدعاء من جوامع الكلم. (م، ت، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، وابن ماجة، عن ابن مسعود (١). (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) أي: ما يعتصم به في جميع أموري، والعصمة على ما في "الصحاح": "المنع والحفظ"، فقيل: هو مصدر هنا بمعنى الفاعل، وقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. (وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي) أي: مكان عيشي وزمان حياتي [بالكفاف] (٢) فيما يحتاج إليه، وبأن يكون حلالا ومعينا على طاعة الله، (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي) أي: مكان عودي، وزمان إعادتي، باللطف والتوفيق على العبادة، والإخلاص في الطاعة، وحسن الخاتمة،

стр. 1490

(واجعل الحياة) أي: طول عمري (زيادة لي في كل خير) أي: من إيقان العلم، وإتقان العمل، (واجعل الموت) أي: تعجيل موتي (راحةً لي من كل شر) أي: من الفتن والمحن والابتلاء بالمعصية والغفلة. وقال زين العرب: "بأن يكون الموت على شهادةٍ واعتقادٍ حسنٍ"، وقيل: "فيه إشارة إلى قوله ﷺ : "إذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون""، وهذا هو النقصان الذي يقابل الزيادة في القرينة السابقة، ومُجْمَله: اجعل عمري مصروفًا فيما تحب، وجنبني عما تكره، فهذا الدعاء أيضًا من الجوامع. (م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة. (اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني). (م) أي: رواه مسلم عن أبي مالك، عن أبيه (١)، قال ميرك: "من حديث أبي مالك سعد بن طارق، عن أبيه طارق بن أشيم - بالمعجمة والتحتانية بوزن أحمر - بن مسعود الأشجعي"، قال العسقلاني: "طارق بن أشيم صحابي له أحاديث، قال مسلم: لم يَرْو عنه إلَّا ابنه أبو مالك، وهو تابعي ثقة من صغار التابعين". (واهدني). (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا، ولعل هذه الزيادة من طريق آخر من طُرق الرواية. (رب أعني) بتشديد النون أمر من الإعانة أي: وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك، (ولا تعن علي) أي: ولا تغلب عليَّ من يمنعني من طاعتك، ويحجبني عن عبادتك من شياطين الإنس والجن.

стр. 1491

(وانصرني) أي: على نفسي وشيطاني وسائر أعدائي، (ولا تنصر عليَّ) أي: لا تسلط علي أحدًا من خلقك، (وامكر لي) قيل: مكر الله إيقاع البلاء بالأعداء من حيث لا يشعرون، (ولا تمكر عليَّ) قيل: هو استدراج العبد بالطاعة فيتوهم أنَّها مقبولة وهي مردودة، (واهدني ويسر الهدى لي) أي: سهل لي أسباب الهداية لأجلي، (وانصرني على من بغى عليَّ) أي: ظلم تعدى وطغى. (رب اجعلني لك ذَكَّارًا) بتشديد الكاف، فعَّال لمبالغة ذاكر، (لك شكّارًا) قال المصنف: "أي: كثير الذكر لله، شكّارًا كثير الشكر لله" (١) انتهى. (لك رَهَّابا) أي: "كثير الخوف" (٢)، والرهبة من المعصية أو من الغضب والسخط، (لك مِطْواعًا) بكسر أوله أي: كثير الطوع، وهو الطاعة، ذكره الطيبي، وفي رواية ابن أبي شيبة: "مُطيعًا إليك" على ما في "حاشية الجلال"، وقال المصنف: "مِطْواعًا بكسر الميم، أي: مطيعًا منقادًا لأمره تعالى" (٣). (لك مُخْبِتًا) من الخبت، وهو المطمئن من الأرض، قال تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] أي: اطمأنوا إلى ذكره، وسكنت نفوسهم إلى أمره، قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥]، أي: خافت، فالمخبت هو الواقف بين الخوف والرجاء،

стр. 1492

وقال المصنف: "أي: خاشعًا من الإخبات وهو الخشوع والتواضع" (١). (إليك أَوَّاهًا) بتشديد الواو أي: كثير التأوّه، قال صاحب "السلاح": "أي: بَكّاء"، وقيل: "هو فعَّال للمبالغة أي: قائلًا كثيرًا لفظ "أَوَّه"، وهو صوت الحزين"، أي: اجعلني متوجّعًا على التفريط، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. (منيبًا) أي: راجعًا إليك عن المعصية إلَّا الطاعة، وعن الغفلة إلَّا الحضرة، وتقديم الصلات على متعلقاتها للاهتمام وإرادة الاختصاص. (رَبّ تقبَّل توبتي) أي: اجْعَلْهَا قابلة للقبول، (واغسل حَوبَتي) بفتح الحاء المهملة، والحَوْبُ بالفتح والضم: الإثم، كذا في "السلاح"، وغسلها كناية عن إزالتها بالكلية بحيث لا يبقئ منها أثر، (وأجب دعوتي) أي: استجب دعائي، (وثبت حُجّتي) قال المصنف أي: "قولي [دائمًا] (٢) في الدنيا وعند جواب الملكين" (٣). (وسدد لساني) أي: اجعل لساني سديدًا حتى لا أنطق إلَّا بالصدق، وأن لا أتكلم إلَّا بالحق، (واهدِ قلبي) أي: فإنه الأصل، (واسْلُلْ) بضم اللام [الأولى] (٤)، أمر من سَلّ السيف، إذا أخرجه من الغمد، أي: أخرج.

стр. 1493

(سَخيمة صَدري) السَّخيمة: الضغينة من السخمة وهي السواد، قال المصنف: "بفتح السين المهملة، وبالخاء المعجمة هي الحقد في النفس، والسَّلُّ: الإخراج" (١)، انتهى. وإضافتها إلى الصدر لأن مبدأها القوة الغضبية التي في القلب الذي هو في الصدر، وسلها: إخراجها وتنقية الصدر منها، وفي رواية ابن أبي شيبة: "قلبي" موضع "صدري". (عه، حب، مس، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن ابن عباس (٢). (اللهم اغفر لنا وارحمنا، وارض عَنّا، وتقبَّل منّا) أي: عبادتنا (وأدخلنا الجَنَّة، ونجّنا) أي: خلصنا (من النار، وأصلح لنا شأننا) بالهمز ويبدل أي: أمرنا، (كله) أي: في الدنيا والأخري، قال المصنف: "الشأن: الحال، والأمر، والخطب" (٣). (ق، د) أي رواه: ابن ماجة، وأبو داود؛ كلاهما عن أبي أمامة الباهلي (٤).

стр. 1494

(اللهم أَلِّفْ) أمر من التأليف [أو من] (١) الألفة، أي: أوقع [التأليف] (٢)، (بين قلوبنا) أي: معشر المؤمنين (وأصلح ذات بيننا) أي: الأمور الواقعة والأحوال الكائنة بيننا، وقال الحنفي: "لفظة "ذات" مقحمة". (واهدنا سبل السلام) أي: طرق السلامة من [آلافة] (٣) في الدارين، أو طرق دار السلام، أو المراد بالسلام اسم الله، فالمقصود الطرق الموصلة إليه فإن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. (ونجنا من الظلمات) أي: من ظلمات الشكوك والشبهة والأوهام، والكفر والنفاق والآثام (إلى النور) أي: نور الإيمان والإيقان والطاعة والإحسان، قال الحنفي في كلمة "إلى": "تحتاج إلى تقدير أو تضمين". قلتُ: تضمن معنى الإخراج لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: خلصنا من الظلمات، مخرجًا وموصلًا لنا إلى النور. ولعل نكتة جمع "الظلمات" وإفراد "النور": أن مرجع إفراد [ذلك] (٤) هو العلم بالتوحيد، وظلمة الجهل أنواع من الكفر والمعاصي. (وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) بدلان من الفواحش،

стр. 1495

(وبارك لنا في أسماعنا) بزيادة سماع الحق والأدلة النقلية (وأبصارنا) لنرى الآيات آلافاقية، (وقلوبنا) لندرك الآياتِ الأنفسية، ونفهم الدلائل العقلية، (وأزواجنا وذرياتظ) أي: بأن تجعلهم قرة أعيننا بأن نراهم مطيعين لربنا، (وتب علينا) أي: وفقنا بالتوبة، وتقبلها منا، وثبتنا عليها، (إنك أنت التواب الرحيم). (واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها) أي: حامدين لها، وقال المصنف: "أي: قائلين" (١)، (قابليها) أي: قابلين لنعمتك، آخذين لها على نعت القبول ووصف الرضئ، وفي نسخة: "قائليها" على أنه اسم فاعل "قال"، وهو وقول المصنف لا يظهر لهما وجه وجيه. وفي نسخة وهو "أصل جلال": "فَأبْلِيها"، بفتح فاء فهمز فسكون موحدة، وكسر لام، فياء ساكنة، وكتب الجلال تحته: "لعله قابلها"، أي: بلا ياءٍ، قيل: "ولعل الياء حَصَلَتْ من إشباع الكسرة"، وحاصله أنه من الإبلاء بمعنى الإعطاء، فالمعنى: "فأعْطِ النعم" على وجه الزيادة، (وأتمها علينا) من الإتمام وهو حُسْن الاختتام. (د، حب، مس، ط) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والحاكم والطبراني، عن ابن مسعود (٢).

стр. 1496

(اللهم إني أسألك الثبات في الأمر) أي: أمر الدين (وأسألك عزيمة الرشد) قال المصنف: "بضم الراء وإسكان الشين: الصلاح والفلاح" (١)، انتهى. وفي "النهاية": "الرشد: خلاف الغيّ"، ويؤيده قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فالمعنى: أسألك الهداية المعزومة التي ليس فيها شيء من الرخصة، والمقصود لزومه، ففي "الصحاح": "عزمت علي الأمر عزمًا وعزيمة، إذا أردت فعله وقطعت عليه". (وأسألك شكر نعمتك) أي: عليَّ بالهداية وغيرها (وحسن عبادتك) بالإخلاص ورعاية الآداب، (وأسألك لسانًا صادقًا وقلبًا سليمًا) أي: عن الغش والحقد، وسائر الأخلاق الدنية، أو سالمًا من التوجُّه إلى الأمور الدنيوية، أو سليمًا من غير محبة المولي، وملاحظة الإحكام الدينية. وزاد الحاكم: (وخلقًا مستقيمًا) على ما في "حاشية الأصيل"، أي: معتدلًا متوسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط. (وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك مما تعلم) أي: من ارتكاب السيئات، ومن التقصيرات في الطاعات. (إنك أنت علام الغيوب) بضم الغين المعجمة وكسرها أي: ما غاب

стр. 1497

عن العباد. (ت، حب، مس، مص) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن شداد بن أوس، وزاد الحاكم: "وخلقًا مستقيمًا"، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ذكره ميرك (١). (اللهم اغفر لي ما قدمت) أي: من الأعمال السيئة، (وما أخرت) أي: من السنن السيئة، (وأسررت وأعلنت) أي: "وما أسررت وما أعلنت" كما في نسخة، والمراد: استيفاء الذنوب بأنواعها وأصنافها، (ومما أنت أعلم به مني. مس، أ) أي: رواه الحاكم، وأحمد، كلاهما عن أبي هريرة (٢)، ورواه الحاكم من حديث ابن عمرو أيضًا (٣). (لا إلا إلَّا أنت. أ) أي: رواه أحمد عنه أيضًا هذه الزيادة. (اللهم اقسم) أي: اجعل قسمًا ونصيبًا (لنا من خشيتك) أي: من خوفك المقرون بعظمتك (ما تحول) أي: تحجز وتمنع أنت أو هي، ويدل على الأول قوله: (ج) على ما في نسخة، ويؤيد الثاني ما ضبطه الجلال بصيغة التذكير على أن الضمير لـ "ما" أي: يحجب (بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا) بتشديد اللام المكسورة ويجوز

стр. 1498

تخفيفها أي: ما توصلنا (به جنتك). (ومن اليقين) أي: بك وبأنه لا رادّ لقضائك، وبأنه لا يصيبنا إلَّا ما كتب الله لنا، وبأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعة. (ما تهون) بتشديد الواو المكسورة، وقد ضبط بالتذكير والتأنيث أي: تسهل وتخفف (١)، (به علينا مصائب الدنيا) وفي نسخة: "مصيبات الدنيا"، وهو بالنصب وفي نسخة بالرفع على أن"تهون" بفتح فضم مضارع "هان" مذكرًا أو مؤنثًا، قال المصنف: "وروي "ما يهون علينا" عدم"به" يقتضي أن يكون ["يهون"] (٢) بالياء آخر الحروف، وإثبات "به" يقتضي أن يكون بالتاء المثناة فوق" (٣). (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا) لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده من طريقهما؛ لأن البراهين إما مأخوذة من الآيات المنزلة، وذلك من السمع، وإما من الآياتِ المنصوبة في الأفاق والأنفس، وذلك من البصر. (وقوتنا) أي: قوة قلبنا، ومحل لُبّنا، وموضع حُبّنا، ومدار إيماننا، ومكان إيقاننا، أو المراد قوة سائر قوانا من الحواس الظاهرة والباطنة

стр. 1499

وباقي الأعضاء البدنية، (ما أحييتنا) أي: ما دمت أحييتنا للاحتياج إليها في حالة الحياة دون الممات. (واجعله الوارث منا) قيل: الضمير للمصدر، أي: اجعل الجعل، وهو المفعول المطلق، والوارث هو المفعول الأول، و"منا" في موضع المفعول الثاني، أي: اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة عنا، كما قال تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦]. وقيل: "الضمير للتمتع الذي دلّ عليه "متعنا"، ومعناه: واجعل تمتعنا بها باقيًا لنا، مأثورًا فيمن بعدنا، أو محفوظًا لنا إلى يوم الحاجة، وهو المفعول الأول والوارث مفعولٌ ثانٍ، و" منّا": صلته". وقيل: الضمير لما سبق من الإبصار والإسماع والقوة، وإفراده وتذكيره على تأويل المذكور، والمعنى: أثبتنا لزومها عند الموت لزوم الوارث، كذا حققه القاضي. ويؤيد هذا الوجه الأخير الحديث الآتي: "واجعلهما الوارث" بجعل الضمير إلى"السمع والبصر"، والأظهر هنا أن يكون الضمير للتمتيع المأخوذة من قوله: "متعنا" كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، فإنه أنسب. والمعنى: اجعل التمتيع المذكور باقيًا لنا إلى آخر عمرنا، فيكون تأكيدًا لما قبله وتأييدًا.

стр. 1500

(واجعل ثأرنا) أي: انتقامنا ونصرنا، (على من ظلمنا) أي: مقصورًا عليه، ولا تجعلنا ممن تعدَّى في طلب ثأره، وأخذ به غير الجاني، كما كان معهودًا في الجاهلية، أو اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا؛ فندرك ثأرنا، وأصل الثأر الحقد والغضب، ثم استعمل في مطالبة دم القتيل. (وانصرنا على من عادانا) تعميم بعد تخصيص، (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) أي: لا تصبنا بما ينقص ديننا من أكل الحرام، واعتقاد السوء، والفترة في العبادة، والغفلة عن الطاعة. (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) الهم: القصد والحزن، أي: لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا، بل اجعل أكبر قصدنا أو حزننا مصروفًا في عمل الآخرة، وفيه أن قليلًا من الهم مما لا بد منه في أمر المعاش مرخصٌ له، بل مستحبّ على ما صرح به القاضي. (ولا مبلغ علمنا) بفتح الميم واللام بينهما موحدة ساكنة، وهو الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب، فيقف عندها أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا [نتفكر] (١) إلَّا في أحوال الدنيا، واجعلنا متفكرين في أمور العُقبى متفحصين عن المعلوم [الذاخرة] (٢) المتعلقة بأحوال الآخرة. ومجمله لا تجعل علمنا غير متجاوزٍ عن الدنيا وفي بعض النسخ: "ولا غاية رغبتنا" لكن قال المصنف في "تصحيح المصابيح": "لم أره في الحديث".

стр. 1501

(ولا تسلِّط علينا مَن لا يرحمنا) أي: من الكفار والفجار والظلمة بتوليتهم علينا، ولا تجعلنا مغلوبين لهم، ويجوز أن يحمل على ملائكة العذاب في القبر، أو في النار، ولا منع من إرادة معنى الجمع. (ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر، وقال الترمذي: "حسن"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري" (١)، وزاد في أوله: "اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني". (اللهم زدنا) أي: من العلم والعمل، أو زدنا معاشر المسلمين، بمعنى: كَثِّرْنَا، الملائم لقوله: (ولا تنقصنا) بفتح حرف المضارعة وضم القاف، من "نقص" المتعدي على ما في النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة، ففي "القاموس": "نقص لازم ومتعدٍّ". وقال المصنف: "بضم التاء وبالصاد، أي: زدنا من الخير ولا تنقصنا منه" (٢). قال الحنفي: "الصواب: بفتح التاء من النقص من باب طلب"، انتهى. ولا يخفى أن هذه التخطئة خطأٌ ظاهر؛ فإنه جاء في اللغة "نَقَضهُ، وَأَنْقَصَهُ،

стр. 1502

[وَنَقَّصَهُ، وَانْتَقَصَهُ] (١) " على ما في "القاموس"؛ فيحمل كلام الشيخ على تلك اللغة، ويمكن أن يكون رواية، حيث صح كونه دراية، فلا معنى لجزمه بقوله: "والصواب: بفتح التاء" على الإطلاق، والله أعلم بالصواب. (وأكرمنا) أمر من الإكرام، (ولا تُهِنَّا) بضم تاء وتشديد نون، على أنه نهي من الإهانة، قال الجوهري: "الهُونُ بالضم: الهوان، وأهانه: استخف". قال القاضي: "أصله لا تهوننا، نقلت كسرة الواو إلى الهاء، وحُذفت الواو لسكونها وسكون النون الأولى ثم أدغمت النون الأولى في الثانية". (وأعطنا) من الإعطاء، (ولا تحرمنا) بفتح التاء وكسر الراء على ما ضبط في الأصول المصححة، وفي "القاموس": "حرمه الشيء، كضربه وعلمه، حِرْمَانًا بالكسر: مَنَعَهُ حَقَّهُ، وَأَحْرَمَهُ: لُغَيَّةٌ". (وآثِرْنَا) بالمد وكسر المثلثة، أمر من الإيثار، بمعنى: الاختيار، (ولا تؤثر علينا) قال القاضي: "يعني لا تغلب علينا أعداءنا، وعطف النواهي على الأوامر للتأكيد، وقد حذف ثواني المفعولات في بعض الألفاظ إرادةً لإجرائها مجرى: "فلان يعطي ويمنع"، مبالغةً وتعميمًا. (وأرضنا) من الإرضاء أي: أرضنا (عنك) بمعنى: اجعلنا راضين بقضائك وقدرك، وبحكمك وأمرك، (وارضَ) بهمز وصل وفتح ضاد، أمر من الرضا، أي: كن راضيًا (عنا). (ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن عمر بن

стр. 1503

الخطاب لجنه (١)، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل عليه الوحي سُمِعَ عند وجهه دويٌّ كدويّ النحل، فأنزل عليه يومًا، فمكثنا ساعة، فَسُرِّيَ عَنْهُ، أي: كُشِفَ عَنْهُ ما اعتراه من الوحي، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا. ثم قال: أنزل عليّ عشر آيات، من أقامهن دخل الجَنَّة. ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حتى ختم عشر آيات". (اللهم ألهمني) أمر من الإلهام أي: أعلمني (رشدي) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحهما، وهما لغتان، وقرئ بهما ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، وفي "القاموس": "رشد كنَصَرَ وفَرِحَ رُشْدًا ورَشَدًا، ورشادًا: اهتدى". وأمَّا ما ذكره الحنفي من أن: "الرشد: بضم الراء وفتحها مع سكون الشين وبفتحتين أيضًا، والرواية هنا على الأول، فوقع في غير محله، فإن الفتح مع السكون غير صحيح، والرواية غير منحصرة على الأول، فتأمل. (وأعذني) بفتح همز فكسر عين، أمر من الإعاذة، أي: أجِرْني واحفظني (من شر نفسي. ت) أي: رواه الترمذي عن عمران بن حصين، وقال: "حسن غريب". (اللهم قني) أي: احفظني (شر نفسي، واعزم لي على رُشد أمري)

стр. 1504

يقال: عزمت على كذا، إذا فعلته وقطعت عليه، وهو أمر من العزم من باب ضَرَبَ، والمعنى: احكم لي على هداية أمري، وصلاح قدري. (اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما أخطأت، وما عَمَدتُّ) بفتح الميم أي: قصدت، وهو المناسب لما قبله، وفي نسخة: "وما علمت"، وهو الملائم لقوله: (وما جهلت) بكسر الهاء، فقوله: "وما أخطأت" [يعني] (١): أذنبت. (مس، س، حب) أي: الحاكم، والنسائي، وابن حبان (٢)، عن حصين بن عُبيد والد عمران المذكور، وهو صحابي خزاعي، لم يُصِبْ من نفى إسلامه. (أسأل الله) بصيغة المتكلم، خبر بمعنى الدعاء أي: أطلب من الله (العافية في الدنيا والآخرة) أي: في أمورهما، أو العافية من المعاصي في الدنيا، ومن العقوبة في العقبى. (ت) أي: رواه الترمذي عن العباس (٣)، فيمكن أن يُقرأ: "اسأل" بصغة الأمر؛ ليوافق ما سيأتي أنه ﷺ قال له: "يا عم، سلِ الله العافية في الدنيا والآخرة"، والله أعلم. (اللهم إني أسألك فعل الخيرات) بكسر الفاء، وفي نسخة بفتحها، ففي "الصحاح": "الفَعْلُ بالفتح: المصدر، وبه قرأ بعضهم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ

стр. 1505

فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، والفِعْل بالكسر الاسم". (وترك المنكرات) أي: أسألك التوفيق على فعل الأعمال المعروفة، وترك الأمور المنكرة، (وحب المساكين) يحتمل إضافته إلى المفعول والفاعل، والأول أنسب لما قبله لفظًا، وأقرب في ملاحظته معنًى. (وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة) أي: بلية أو عقوبة، (فتوفَّني غير مفتون) أي: فخُصّني بالوفاة حال كوني غيرَ مبتلًى، أو غيرَ مُعاقبٍ، (وأسألك حبك) أي: حبي إياك، أو حُبك إياي، فإنه الأصل النافع كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، (وحب من يحبك) الأظهر أنه من إضافة المصدر إلى مفعوله، كما أنه متعين في قوله: (وحب عملٍ يُقرِّب) أي: يقربني (إلى حبك) أي: إيَّاي. (ت، مس) أي: رواه الترمذي عن معاذ بن جبل، وقال: "حسن صحيح"، ورواه الحاكم عن ثوبان، وقال: "صحيح على شرط البخاري"، ذكره ميرك (١). (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل) بالجر عطف على "من يحبك"، ويؤيده الحديث السابق، وبالنصب عطف على ألف،

стр. 1506

أي: أسألك العمل (الذي يبلغني حبك) بتشديد اللام ويجوز تخفيفها أي: يوصلني إلَّا حبك إياي، أو حُبي إياك. (اللهم اجعل حبك) أي: حبي إياك (أحب إلي من نفسي) أي: من حب نفسي (وأهلي) قال القاضي: "عَدل عن: "اجعل نفسك أحب إليَّ من نفسي" مراعاة للأدب، حيمشا لم يرد أن يقال نفسه بنفسه ، فإن قيل: إنما عدل لأن النفس لا تطلق على الله تعالى. قلتُ: بل إطلاقه صحيح، وقد ورد في التنزيل مشاكلة، قال الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] "، انتهى. وفيه أن المشاكلة إنما تعتبر في الثاني دون الأول كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠"، و ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ … ﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية، مع أن إطلاق النفس جاء من غير مشاكلة في قوله ﷺ : "أنت كما أثنيت على نفسك". (ومن الماء البارد) أي: من حبه، وفيه إشعار بأنه كان يحبه حُبّا بليغًا، وقد قال بعض العارفين: "إذا شربت عذبًا باردًا أحمد ربي من صميم قلبي". وقال بعضهم: "أعاد "من " هنا ليدل على استقلال الماء البارد في كونه محبوبًا، وذلك في بعض الأحيان، فإنه يعدل بالروح للإنسان، وعن بعض الفضلاء: "إن الماء ليس له قيمة؛ لأنه لا يشترى إذا وجد، ولا يباع إذا فقد". (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم، كلاهما عن أبي الدرداء (١)

стр. 1507

قال: قال رسول الله ﷺ : "كان من دعاء داود ﵇ يقول: اللهم إني أسألك حبك … " إل آحمره. قال: وكان رسول الله ﷺ في إذا ذكر داود ﵇ يحدث عنه قال: "كان أعبد البشر"، انتهى. وهو يحتمل أن يكون في عصره وزمانه، وأن يراد أنه أشكر الناس، قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: بالغ في شكري، وابذل وُسعك فيه. (اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم فكما رزقتني [مما] (١) أحب) أي: من العطيات، (فاجعله قوةً لي فيما تحب) أي: من الطاعات، ([اللهم] (٢) وما زويت) أي: قبضته وصرفته، (عني مما أحب) أي: من النعم (فاجعله فراغًا فيما تحب) أي: من الأمر الأهم. قال القاضي: "والمعنى ما صرفت عني من محابي فنحِّه عن قلبي، واجعله سببًا لفراغي لطاعتك، ولا تشغل به قلبي؛ فيُشغل عن عبادتك". وتوضيحه ما ذكره ميرك بقوله: "المعنى: اجعل ما نحيته عني من محابي عونًا على شغلي لمحابك، وذلك أن الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوى عنه

стр. 1508

الدنيا يتفرغ لمحاب المولي، وكان ذلك الفراغ عونًا على الاشتغال بالأمور النافعة في العقبى". (ت) أي: رواه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي (١). (اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني) أي: الباقي عني، (وانصرني على من يظلمني) ورواية البزار: "ظلمني"، (وخذ منه) أي: ممن ظلمني (بثأري) الباء زائدة لتأكيد التعدية، وعند البزار: "وأرني فيه ثأري". (ت، مس، ر) أي رواه: الترمذي، والحاكم، والبزار؛ كلهم عن أبي هريرة (٢). (يا مقلب القلوب) أي: محولها من حال إلى حال (ثبِّت قلبي على دينك. ت، س، مس، أ، ص) أي رواه: الترمذي عن أم سلمة (٣)، والنسائي عن عائشة (٤)، والحاكم عن جابر (٥)، وأحمد عن أم سلمة أيضًا،

стр. 1509

وأبو يعلى عن جابر أيضًا، وكان الأولى أن يرتب الرموز بذكر: الترمذي، وأحمد، والنسائي، والحاكم، وأبي يعلى. (اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد) بتشديد الدال، قال المصنف: "أي: لا يتغير" (١)، (ونعيمًا لا ينفد) "بفتح الفاء وبالدال المهملة أي: لا يذهب ولا ينقص" (٢)، (ومرافقة نبينا محمد ﷺ في أعلى درجة الجَنَّة) قال المصنف: "أي: أعلى مراتب الجَنَّة، ولا يلزم من مرافقته ﷺ أن يكون في منزلته في الجَنَّة، فإن معناه أن يكون رفيقه في الجَنَّة؛ فيوفق للعمل بما ينال منه ذلك" (٣)، انتهى. (جنة الخلد) بدل من الجَنَّة، أو تأكيد، أو بدل من "درجة الجَنَّة"، أو من "أعلى"، والخلد: دوام البقاء. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود (٤). (اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانًا في حسن خلق) بضمتين وسكون اللام، (ونجاحًا) بفتح النون أي: ظفرًا بالحوائج الدينية، (تتبعه) بضم أوله من الإتباع أي: تعقبه أنت يارب، (فلاحًا) أي: فوزًا بالمقاصد الأخروية، (ورحمة منك) أي: بتوفيق الطاعة، (وعافيه) أي:

стр. 1510

صحة تُعين على العبادة (ومغفرة منك) أي: من عندك لتقصيراتي، (ورضوانًا) بكسر الراء، ويضم أي: رضًا لا سخط بعده. (س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم؛ كلاهما عن أنس (١). (اللهم انفعني بما علمتني) أي: عملًا وتعليمًا (وعلمني ما ينفعني) أي: كمالًا وتكميلًا، (وزدني علمًا) أي: لدُنِّيًّا، وَفَهْمَا عنديًّا (الحمد لله على كلّ حال) أي: موجب لمزيد كمال، (وأعوذ بالله من حال أهل النار) أي: فإن سائر الأحوال والأهوال سريعة الانتقال والزوال. (ت، ق، مص) أي رواه: الترمذي، وابن ماجة، وابن أبي شيبة، عن أبي هريرة (٢). (اللهم بعلمك الغيب) الباء للاستعطاف، أي: أنشُدُك بحق علمك المغيبات عن الخلق فضلًا عن المشاهدات، فإن علمك محيط بالجزئيات والكليات، بل بالموجودات [والمعدومات] (٣)، بل بما لم يكن لو كان كيف كان. (وقدرتك على الخلق) أي: خلق كلّ شيء، أو على المخلوقات جميعًا،
следующие страницы →