← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والأظهر أن يراد بقوله: "الجهاد" أعم من المجرد والمنضمّ، والمراد بالمستثنى: الأخير، بقرينة ما سبق من الحديث، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، ويرتفع الإشكال الوارد من حديثٍ يعارض الحديث المذكور بحسب الظاهر، حتى قال الحنفي: "بينه وبين ما ذكره المصنف تدافعٌ، ولا بد فيه من القول بترجيح أحدهما على الآخر، أو من القول بوهم راوٍ من رواة أحدهما، وهو أنه روى ابن أبي الدنيا، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إنّ لكل شيءٍ صقالةً، وصقالة القلوب ذكر الله، وما من شيءٍ أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"، واللفظ للبيهقي، وفي رواية: "ولا أن يضرب … " إلى آخره (١). وروى الترمذي عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ سئل: أيّ العباد أفضلُ

стр. 177

درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا، قلت: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟! قال: لو ضربَ بسيفه في الكفار وفي المشركين، حتى ينكسِر ويختَضِبَ دمًا، لكان الذاكر الله أفضلَ درجةً" (١). والحاصل: أنّ الذكر المجرّد أفضل من جميع العبادات المجرّدة عن الذكر، وأما إذا انضمّ الذكر مع عملٍ فلا شك أنه أفضلُ حينئذٍ من الذكر المجرد، ثم ينظر في نسبة الأعمال المنضمة باعتبار تفاوُتِ مراتبها، والعلم عند الله تعالى. (ط، مص، طس، صط) [أي] (٢) رواه: الطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة؛ كلاهما من حديث معاذٍ، والطبراني في "الأوسط"، وكذا في "الصغير" من حديث جابرٍ (٣)، قيل: "ورجال الطبراني في الكتابين رجال

стр. 178

الصحيح"، لكن لا يخفى أنه يتحصل من مجموع الرمز السابق واللاحق أنّ الحديث الأول بانفراده لأحمد عن معاذ، وبانضمامه إلى ما بعده للطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة عن معاذٍ أيضًا. وأن الحديث الآخر للطبراني في "الأوسط" و"الصغير" من حديث جابر، [وهو لا] (١) يُتصور أن يكون كلامًا مستقلًّا، فيحمل على أنّه مع انضمامه للسابق روايةُ جابرٍ، فكان [حقّ الشيخ] (٢) أن يذكر رمز "طس" و"صط" في الرموز السابقة أيضًا، أو يكتفي بأحمد في الأول، وبالبواقي في الآخر مرةً واحدةً، فتأمّل فإنه موضع زلل. (لو أن رجلًا في جره) بفتح الحاء، وفي نسخة بكسرها، قال المؤلف: "هو بفتح الحاء، ويجوز الكسر، وهو: طرف الثوب" (٣)، فالمعنى لو ثبت أن شخصًا في ثوبه (دراهم) أي: مثلًا، وكذا دنانير

стр. 179

وغيرها (يقسمها) بفتح الياء وكسر السين، وفي نسخة بضم الياء وفتح القاف وتشديد السين، أي: ينفقها ويفرقها على مستحقّيهما من غير [ذكره] (١) سبحانه، (وآخر) بالنصب ويرفع، أي: وأنّ رجلًا آخرَ، أو هناك رجل آخر، [أو وثبت] (٢) رجل آخر (يذكر الله) أي: من غير إنفاق دراهم تكون له أولًا، (كان الذاكر لله) أي: له خالصًا (أفضلَ) وفي نسخة صحيحة، وهي "أصل الأصيل": "كان الذاكر الله" بنصب الجلالة على المفعولية، أو على نزع الخافض. قال المؤلف: "وإنّما كان الذاكر الله أفضلَ؛ لأن ذاكر اللهِ يذكره اللهُ، وذكر الله تعالى للعبدِ أفضلُ من كل شيءٍ، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، قيل: "أي ذكر الله تعالى لعبده أعظمُ، والله أعلم" (٣). (ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي موسى، وفي "الجامع": "رواه في "الأوسط""، ويمكن الجمع إن لم يكن هناك وهم (٤).

стр. 180

(إذا مررتم برياض الجنة) أي: بساتينِها الموضوعةِ في الدنيا، الْمُورِثَة للجنانِ العاليةِ في العقبى (فارتعوا) أي: فافعلوا فيها ما يكون سببًا لحصولها من: التسبيح، والتحميد، والتهليل، ونحوها؛ لما جاء أن الجنة قيعان، وغراسها أذكاره تعالى، فالرتع كناية عن أخذ الحظّ الأوفر. (قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟) أي: سببُها أو مكانُ حصولها (قال: حِلَقُ الذّكر) "بكسر حاء وفتح لام، جمع حَلقة بفتح، كقَصعة وقِصَع، وهو: جماعة من الناس يستديرون كحَلْقة الباب، كذا في "النهاية"، وقال الجوهري: "جمع الحَلقة على الحَلَق بفتح الحاء على غير قياسٍ، وحكي عن أبي عمرٍ وأنّ الواحدَ حَلَقَةٌ بالتحريك، والجمع حَلَق بالفتح"" (١)، ذكره المؤلف. وفي الحواشي عن "الكشاف": "الحلق بفتح الحاء في الدرع، وبكسرها في النالس". قال صاحب "الكشف": "ذكر الجوهري وابن الحاجب أن كلًّا في كل، وهما لغتان". أقول: يمكن أن يكون كل في معنًى أشهر أو أكثر دون الآخرِ، فتدبر،

стр. 181

والمعنى: إذا مررتم بجماعةٍ يذكرون الله تعالى في مكانٍ، فاذكروا الله أيضًا أنتم موافقةً لهم، [أو اسمعوا] (١) أذكارهم متابعةً لهم؟ فإنّهم في رياض الجنة حالًا [ومآلًا] (٢)، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قيل: "جنّةٌ في الدنيا، وجنّةٌ في العقبى". (ت) أي: رواه الترمذي عن أنس، وكذا أحمد، والبيهقي عنه (٣)، قال ميرك [شاه] (٤): "وأخرج [الترمذيّ] (٥) من حديثِ أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قلت: وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ" (٦). قال بعض شراح الحديث: "حديث البابِ مطلقٌ في المكان والذكر، فيحمل المطلق على المقيد في الحديث".

стр. 182

أقول: الأظهر أن المطلق محمول على عمومه، والمقيدَ محمولٌ على الفردِ الأكملِ، أو أريد به المثال فتأمل، وقد روى الطبراني عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنةِ؟ قال: مجالسُ العلمِ" (١). قال المؤلف: "أراد برياضِ الجنة ذكرَ الله، وشبه الخوض فيه بالرتع في الخصب، والرتع: الاتساع في الخصب" (٢)، وقال الحنفي: "وضع الرتع موضع القول لأن هذا القولَ سببٌ لنيل الثواب الجزيل، وجعل المساجد رياضَ الجية بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة"، ثم الرياض: جمع روضة كالروضات، وأغرب الحنفي في جعله "الروضات" جمع الجمع، والله أعلم. وعن أنسٍ قال: "كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجلَ من أصحاب رسول الله ﷺ قال: تعالَ نؤمن بربّنا ساعةً، فقال ذات يومٍ لرجلٍ فغضب الرجل، فجاء إلى النّبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغبُ عن إيمانك إلى إيمانِ ساعةٍ؟! فقال النبي ﷺ : يرحم اللهُ ابنَ رواحةَ؛ إنه يحبّ المجالسَ التي تَتَباهى بها الملائكةُ" (٣).

стр. 183

ولعلّ قولَه هذا إيماءٌ إلى قولِهِ سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وإشارةٌ إلى ما روى أحمدُ، والحاكمُ، عن أبي هريرة مرفوعًا: "جدّدوا إيمانَكم؛ أكثروا من قولِ: لا إله إلا الله" (١). (يقول الله : سيعلم أهل الجمع) أي: الجمع الأكبر، وهو يوم القيامة (اليومَ) أي: في ذلك اليوم، وهو يوم الجمعِ يوم التغابنِ، ولعل العدول عن "يومئذٍ" لاستحضار الحال الآتية (مَنْ أَهْلُ الكَرَمِ؟) أي: من أهلٌ أن يكرم، أو من أَصْحَابُ الْكَرَمِ المشتغلون بذكر ربهم الكريم، قال المصنف: "أراد بأهل الجح أهل يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وأهلُ الكرمِ: الذين يَحْبُوهُم الله تعالى بكرامته" (٢). (قيل) وفي نسخة: "فقيل": (مَن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر من المساجد) بيان المجالس، وفي نسخة: "في المساجد"، أي: أهل المجالس الواقعة في المساجد؛ حيث إنّهم تركوا الدنيا

стр. 184

وأسواقها، واشتغلوا بالذكر المكرم في المساجد المكرمة والأماكن المعظمة، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. وفي الحديث إيماءٌ -كما في الآيات- إلى أن الذكر في المساجد أفضلُ من الذكر في غيرِها، وقد ورد في الحديث، على ما رواه الطبراني، والحاكم، عن ابن عمر مرفوعًا: "خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق" (١). (حب، ط، ص) أي رواه: ابن حبان، والطبراني في "الكبير"، وأبو يعلى الموصلي، عن أبي سعيد الخدري، وصحّحه ابن حبان، ورواه أحمد، والبيهقي أيضًا (٢).

стр. 185

(ما من آدميٍّ) زيادة "مِنْ" لإفادة تعميم النفي (إلا لقلبه) وفي نسخة: "إلا ولقلبه" (بيتان) أي: مكانان (في أحدهما المَلَكُ) أي: يُلهم الخير والذكر، (وفي الآخر الشيطان) أي: يوسوس الشرّ والغفلة، (فإذا ذكر الله) أي: الآدميُّ بقبول لُمَّةِ المَلَك (خنَس) بفتح النون، قال المصنف: "أي: انقبض وتأخّر" (١)، يعني: الشيطان، ولكثرة هذا الوصف فيه سمّي الخناسّ في سورة الناس. (وإذا لم يذكر) أي: "الله"، كما في نسخة صحيحة، وفي نسخة زيادة "تعالى"، والمعنى: إذا لم يذكر الآدميّ ربّه بالإعراض عن الإلهام الملكيّ الإلهيّ (وضع الشيطان منقاره في قلبه) قال المؤلف: "هو بِكسر الميم يريد فمَه، شبهه بمنقارِ الطّائر في لقط الحبّةِ بسرعةٍ من ها هنا وها هنا" (٢). (ووسوس له) أي: للآدميّ بما يؤدي للغفلة إلى أن يذكر ربّه، وهكذا حال الآدمي معه على الدوامِ، والحديث بظاهره يدل على شمول الأنبياءِ ﵈، ولكن عصمهم الله تعالى بدوامِ ذكره، وحفظهم عن وسوسة الشيطانِ وشرّه، ويؤيّده حديثُ ابن مسعود مرفوعًا: "ما منكم أحدا إلا وقد وكل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا

стр. 186

بخير" (١)، والرواية بفتح الميم وضمها في "أسلم" على أنه فعل ماض، أو مضارع متكلم. هذا، وقد قال الحنفي: "الوسوسة تعدى بـ"إلى"، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، أي: يريد إليهما، ذكره البيهقي. والوسوسة حديث النفس"، انتهى. والصواب ما في "القاموس": "الوسوسة: حديثُ النّفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوِسواس بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وسوس له وإليه". (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق، قال ميرك: "ظاهر إيراد الشيخ -قدس سره- يقتضي أن يكون الحديث في "مصنف ابن أبي شيبة" مرفوعًا، لكن أورده صاحبُ "السلاح" من قول عبد الله بن شقيق موقوفًا عليه، وقال في آخره: "رواه ابن أبي شيبة في كتاب "فضائل القرآن"، ورواه في "مصنفه"، ورجاله رجال الصحيح" (٢)، انتهى. فيحتمل على بُعد أن الحديث يكون في "مصنفه" مرفوعًا، وفي "فضائل القرآن" له موقوفًا، وله شاهد من حديث أنسٍ مرفوعًا بلفظ: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله تعالى خنس، وإن

стр. 187

نسي التقم قلبه"، أخرجه ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والبيهقي بأسانيدَ ضعيفةٍ (١). قال المنذري: "الخَطْم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة، هو الفَمُ" (٢)، وقال في "الحقائق": "الخطم: مقدّم الأنفِ والمنقارُ". (من صلى الفجر) أي: صلاة الصبح (في جماعةٍ، ثم قعد) أي: استمرّ على حال ذكره، سواءٌ يكونُ قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، والجلوس أفضلُ إلا إذا عارضه أمر كالقيام لطواف، أو لصلاة جنازة، أو لحضور درسٍ ونحوها (يذكر الله) حالٌ، (حتى تطلُع الشمس) بضم اللام، أي: حتى ترتفع قدر رمح، حتى يخرجَ وقتُ الكراهَةِ، (ثمّ صلّى ركعتين) وتسمى هذه [الصلاة] (٣) صلاةَ الإشراقِ، وهيَ أولُ صلاةِ الضّحى (كانت) أي: مثوبة فعله ذلك (له كأجر حجة) لقيامه بالفرض جماعة، (وعمرة) لأداءِ تلك السّنّة. وفيه لمذهبنا تقويةٌ، ولم أَرَ من تعرض لهذه النكتة، مع أنّ العلماء

стр. 188

اتّفقوا على أن الصلاة أفضلُ من سائر العباداتِ، لكن الحج أشقّ وأصعب على النّفس، ثمّ العمرة سنّة مؤكدة، وقيل: "فريضة"، وتلك الصلاة إنما هي سنة مستحبّة، لكن يكفي في التشبيه قدرُ هذه المناسبة. وقال الطيبي: "التشبيه في هذا الحديث وأمثاله ليس للتّسوية، بل من باب إلحاق الناقص بالكامل؛ ترغيبًا للعامل" (١). وفيه أنه لا يلائمه قوله: (تامة تامة تامة) أي: كاملةً، وذكرها ثلاثًا للمبالغةِ في تأكيد وصفِ كلٍّ من الحجة والعمرة، بأنها في مرتبتها غير ناقصة، ولا يبعد أن تكون الثلاثةُ وصفًا لـ"عمرة"؛ حيث وقعت في مقابلةِ ثلاث سننٍ من الجماعة والاستمرار وصلاة الإشراق، والله أعلمُ. قال المؤلف: "تأكيد لتحقق ذلك وهذا وأشباهه ورد كثيرًا في الحديث، مثل قوله: "من صام ثلاثةَ أيامٍ من كل شهرٍ، فكأنّما صام الدهر"، وفيمن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، وهذا الأجر بغير مضاعفةٍ، بخلاف من فعل حسنةً، فإن له الأجر بالمضاعفةِ: الحسنةُ بعشرِ أمثالها إلى سبعين ضعفًا، إلى سبع مئة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ" (٢). (ت) أي: رواه الترمذي عن أنس (٣).

стр. 189

(انقلب) بدلٌ من الجملة الجزائية الأولى، وهي "كانت له … " إلى آخره؛ بدليل عدم العطفِ، والمعنى: رجع ذلك الشخصُ (بأجر حجة وعمرة. ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة (١). وروى: أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن جابر بن سمرة: "أنه ﷺ كان إذا صلى الغدوة جلس في مصلاه، حتى تطلع الشمس" (٢). وفي "التنبيه " للفقيه: "عن عمر أنه ﵊ بعثَ سريةً، فتعجلت الكرة وأعظمت الغنيمةَ، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا سريةً قطّ أعجلَ كَرّة، ولا أعظم غنيمةً، من سريتك! قال: أفلا أخبركم بأعجل كرةً

стр. 190

منهم، وأعظمَ غنيمةً؟ قالوا: نعم، قال: أقوامٌ يصلون الصبح، ثم يجلسون في مجالسهم، فيذكرون الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يصلون ركعتين، ثم يرجعون إلى أهاليهم، فهؤلاء أعجلُ كرةً وأعظمُ غنيمةً" (١). قلت: ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا، وفيه إشارة إلى أنه لا يلزمه أن يقعد في مكانه الذي صلى فيه، بل له أن يتحوّل عن الصفّ إلى الموضع الذي أراد أن يجلس فيه لذكرٍ أو تلاوةٍ، أو تعلمٍ أو تعليمٍ، فإنّ المقصود الأصليّ إنما هو إشغال الوقت بالذكر الإلهي، ولو في بيته أو دكانه. نعم، في محلّه أكمل، وفي مسجده أفضلُ، وفيه إيماءٌ إلى أنّ المسجد كلّه مكانٌ واحدٌ، وموضعٌ [واحد] (٢) متحدٌ حكمًا. (ذاكر الله في الغافلين) أي: فيما بينهم من المشتغلين عن الله بالبيع ونحوه في الأسواق وغيرها (بمنزلة الصابر) أي: الغازي المجاهد (في الفارين) أي: في الجمع الذين فرُّوا من الكفّار، ولو كان فرارُهم جائزًا لهم في بعض الصور، فإن الصبر أعلى مرتبةً؛ لأنَّ الله مع الصابرين، والنصر مع الصبر. فالذاكر قاهر لجندِ الشيطان، وغالبٌ على المطلوب، والفارّ مقهورٌ ومغلوبٌ، قال المؤلف: "هو بتشديد الراء، أي: الفارين من الزحف إذا

стр. 191

التحم الحرب في قتال الكفار" (١). (ر، طس) أي رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، عن ابن مسعود (٢)، وروي عن مالك قال: "بلغني أن رسول الله ﷺ كان يقول: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين"، أورده رزين في كتابه، ذكره ميرك، ورواه الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود أيضًا بلفظ الأصل. ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر مرفوعًا: "ذاكر الله في الغافلين مثل الذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين كالمصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين كمثل الشجرة الخضراء في وسط

стр. 192

الشجر الذي قد تحاتَّ من الصريد -يعني: البرد الشديد- وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده من الجنة، وذاكر الله في الغافلين يغفر الله له بعدد كل فصيحٍ وأعجم"، كذا في "الجامع" (١). وأقول: وذاكر الله في الغافلين بمنزلة العالم في الجاهلين، وبمنزلة الشبعان بين الجائعين، وبمنزلة الحيّ بين الأموات -أي: في المقابر- وبمنزلة السلطان بين العساكر، وبمنزلة الجوهر بين الحجر والمدر. (ما من قومٍ جلسوا مجلسًا) ظرف أو مفعول مطلق، أي: جلوسًا، ويؤيد الأول قوله: (وتفرقوا منه) أي: من ذلك المجلس (ولم يذكروا الله فيه) وهو بالواو في "أصل الجلال" وفي نسخة "للأصيل"، فيحتمل العطفَ والحالَ، وأمّا على نسخة ترك الواو، فيتعين وقوعه للحال، (إلا كأنّما تفرقوا عن جيفة حمارٍ) استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، أي: لم يجتمع ما ذكر في حالٍ من الأحوال إلا في حالِ تشبههم في غفلتهم بحال تفرقهم عن جيفة حمارٍ منتنة، فإنهم حيث اشتغلوا بغير ذكر الله، لا سيما إذا كان الكلام في جيفة الدنيا، فكأنهم استعملوا من أكل الحمار الميت. وفيه تنفير عن الغفلة وترهيبٌ منه، وترغيبٌ في الذكر، فإن الذاكرين يشبهون حينئذٍ بمن أكل الطيبات، واستعمل [الملذات] (٢)، ثم تخصيص

стр. 193

الحمار لأنه أبلد الحيوانات، قال المصنّف: "أي: عن نتنها وقبحها، والجيفة جثة الميت" (١)، زاد في "النهاية": "إذا أنتن"، ومجمله أنه شبه مجلس الغفلة بالجيفة، والتفرقَ عنه بالتفرق عنها في الجملة، قيل: "وضمن "تفرقوا" معنى "تجاوزوا" أي: بعدوا، فَعُدِّيَ بـ"عن". (وكان) أي: ما ذكر من الجلوس والتفرق وعدم الذكر، أو ذلك المجلس، كما في رواية، قيل: وكان الأمر (عليهم حسرةً يوم القيامة) وفي نسخة برفع "حسرة" على أن "كان" تامة، أي: وقع عليهم حسرة وندامة حين لا تنفع الندامة. (مس، د، ت، حب، أ، س) أي رواه: الحاكم، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وأحمد، والنسائي، عن أبي هريرة (٢)، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وفي تقديم الحاكم إشارةٌ إلى أنّ لفظ الحديث له، لكن تأخير النسائيّ عن الكلّ لا يظهر له وجهٌ؛ إذ مقتضى الترتيبِ السابقِ أن يُذْكَرَ بعد الترمذي. قال ميرك: "ولفظ الترمذي: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم"، وقال: "حسن صحيح"".

стр. 194

أقول: وكذا رواه ابن ماجه (١) عن أبي هريرة وأبي سعيد، والمعنى: إن شاء عذبهم على ذنوبهم الماضية، لا على ترك الذكر، فإنه ليس بالمعصية، ولفظ أبي داود، والحاكم -على ما في "الجامع"-: "ما من قوم يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة". وروى الطبراني والبيهقي والضياء عن [سهيل] (٢) بن حنظلةَ مرفوعًا: "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى، فيقومون حتى بقال لهم: قوموا، قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدّلت سيئاتكم حسناتٍ" (٣).

стр. 195

ورواه الحاكم والضياء عن أنس، ولفظه: "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفورًا لكم" (١). (وما مشى أحدٌ) عطفٌ على قوله: "ما من قوم"، فهو من جملة الحديث السابق باعتبار بعض الرموز الآتية، فكأنه قال: زاد النسائي، وأحمد، وابن حبان: "وما مشى أحد"، (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية، أي: مشيًا أو مكانه أو زمانه (لم يذكر) أي: ذلك الأحد (الله فيه) أي: في ممشاه (إلا كان عليه تِرَة) بكسر الفوقية وتخفيف الراء منصوبة، وفي نسخة بالرفع، وفي نسخة: "تَبْعة" بفتح فسكون، وهي: معنى ترة، أو معناها: حسرة أو نقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، أي: لن ينقصَكم من أعمالكم. وقال المصنف: "الترة: النقص، وقيل: التبعة، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، مثل: وعدته عدة، ويجوز رفع "ترة" ونصبها على اسم كان وخبرها" (٢). (وما أوى أحدٌ) بفتح الهمزة، وفي نسخة بمدّها، ففي "النهاية": "يقال:

стр. 196

أوَى وآوَى بمعنًى واحدٍ، والمقصور منه لازم ومتعدّ"، يعني: والممدود لا يكون إلا متعديًا، فيحتاج إلى تقدير مفعولٍ في الحديث؛ بأن [يقال] (١): ما آوى أحد نفسه؛ ولهذا اقتصر العسقلاني على القصر في: "إذا أوى"، (إلى فِراشه) بكسر الفاء، أي: إذا جاءه (لم يذكر الله فيه) صفة لـ"أحد"، وقيل: "حال"، أي: حال كونه لم يكن ذاكرًا لله في حال مأواه، وفي منقلبه إلى مثواه (إلا كان عليه تِرَة) وكان يقول الصديق الأكبر: "ليتني كنت أخرسَ إلا عن ذكر الله". (س، أ، حب) أي رواه: النسائي، وأحمد، وابن حبان، عن أبي هريرة (٢) أيضًا هذه الزيادة المتقدمة المتأخرة عن الحديث الأول، فتأمل. وقدّم

стр. 197

رمز النسائي هنا إشارةً إلى أن هذا اللفظ له. (إن الجبل) أي: جبلًا من الجبال (ينادي الجبل باسمه) أي: المعروف في محلّه، كجبل أحد وأبي قبيس ونحوهما (أي فلانُ) كنايةً عن عَلَمِهِ؛ ولذا لم يُصْرَفْ؛ فإن"أي" هنا للنداء؛ لما في روايةٍ: "يا فلانُ"، (هل مر بك أحدٌ ذكر اللهُ؟ فإذا قال) أي: الجبل الثاني: (نعم، استبشر) أي: فرح الجبل الأول؛ لما حصل لصاحبه وقريبه من الخير النازل عليه مع رجاءِ أن يصل منه بعض المنافع إليه، وتحسر من عدم وقوع مثل هذا الأمر لديه، (الحديث) سيأتي تتمته. (ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود (١)، قال ميرك: "ويفهم من كلام صاحب "الأربعين" المسماة بـ "اللؤلؤة" أن هذا الحديث موقوفٌ على ابن مسعود، قلت: وكذا من الأحاديث التي نذكرها بعد، قال: لكن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي"، انتهى. قلت: لكن لا يدفع الاعتراض بأن الواجبَ على المصنف أن يأتي برمز "مَوْ" قبله، ليدلَّ على كونه موقوفًا من قبله. هذا، ورأيت شيخَ مشايخنا جلال الدين السيوطي ﵀ ذكر الحديث بكماله في "الدر المنثور في تفسير المأثور" (٢)، وقال: "أخرج

стр. 198

ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد في "الزهد"، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة"، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، عن ابن مسعود، قال: "إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلانُ، هل مرّ بك اليومَ أحد ذكر الله؟ فإذا قال: نعم، استبشر. قال عون: أفيسمعن الزور إذا قيل، ولا يسمعن الخير؟! [هن] (١) للخير أسمع، وقرأ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ [مريم: ٨٨] الآياتِ" (٢). وذكره الشيخ المذكور في كتاب "نتيجة الفكر في الجهر بالذكر" (٣): "وقال أخرج البيهقي عن ابن مسعود، قال: "إن الجبل ينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليومَ لله تعالى ذاكر؟ فإن قال: نعم، استبشر ثم، قرأ عبدُ الله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٩، ٩٠] (٤) الآية، وقال: [أيسمعون] (٥) الزور، ولا يسمعون الخير؟

стр. 199

وقال في "الدرّ" أيضًا: "أخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن محمد بن المنكدر، قال: بلغني أن الجبلين إذا أصبحا نادى أحدهما صاحبه، يناديه باسمه فيقول: أي فلانُ، هل مر بك اليومَ ذاكرٌ الله؟ فيقول: نعم، فيقول: لقد أقر الله عينك، لكن ما مَرَّ بي ذاكر الله اليوم". وفي "عوارف المعارف" لشيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي - قدس سره (١) -: "روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "ما من صباحٍ ولا رواحٍ إلَّا وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضًا: هل مر بك اليومَ أحد صلى عليك، أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة: نعم، ومن قائلة: لا، فإذا قالت: نعم، عَلِمَتْ أنّ لها بذلك فضلًا عليها، وما من عبد ذكر الله تعالى على بقعةٍ من الأرض، أو صلى لله عليها إلَّا شَهِدت له بذلك عند ربه، وبكت عليه يوم يموت" (٢).

стр. 200

ثم اعلم أنّ البغويَّ قال في تفسيره "معالم التنزيل" في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]: "فإنْ قيل: الحجر جمادٌ لا يفهم، فكيف يخشى؟ قيل: الله يفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه، ومذهبُ أهل السنة أن لله عِلمًا في الجمادات وسائر الحيوانات، سوى العقلاء لا يقف عليه غيرُه، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ كما قال جل ذكره: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وقال: ﴿وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، فيجب على المرء الإيمانُ به، ويكل علمه إلى الله سبحانه. روي: "أن النبي ﷺ كان على ثبير والكفار يطلبونه، فقال الجبل: أنزل عني؛ فإني أخاف أن تؤخذ عليّ، فيعاقبَني الله بذلك، فقال له جبل حراء: إليّ إليّ يا رسول الله"، انتهى (١). وكان الخوف غالبًا على ثبيرٍ، والرجاء على حراءٍ، وورد: "أُحُد هذا جبلُ يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجَنَّة، وهذا [عير] (٢) يبغضنا ونبغضه وإنه على باب من أبواب النار"، فسبحان

стр. 201

من خلق لكل من الجَنَّة والنار أهلًا، وجعل طريقهما لأهلهما سهلًا. (إن خيار عباد الله الذين يراعون) أي: يحافظون (الشمس، والقمر، والنجوم) أي: سيرها في محلها وطلوعها وغروبها (والأظلة) أي: وظلال الجدار والأشجار ونحوهما، وفي نسخة: "الأهلة" بدلٌ من "الأظلة"، (لذكر الله) أي: لمعرفة أوقات الصلوات، ووظائف العبادات، قال المصنف: "يريد وظائف الأذكار في هذه الأوقات، [حسبما ورد في الحديث] (١) " (٢). (مس) أي: رواه الحاكم عن عبد الله بن أبي أوفى، وقال: "صحيح الإسناد" (٣).

стр. 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 205

(ليس يتحسر) أي: يتندم (أهل الجَنَّة) أي: يوم القيامة قبل دخولها؛ لعدم الحسرة بعد وصولها (إلَّا على ساعةٍ مرت بهم، ولم يذكروا الله تعالى فيها) ولو سكتوا فيها لفوات ما كان يمكنهم من إحيائها، فكيف إذا اشتغلوا فيها بما لا يعنيهم، أو بما يأثمون فيه. والذكر يتناول جميع خصال الخير قولًا أو فعلًا، والمقصود: أن الدنيا ساعة، فاجعلها طاعةً، كيلا تحصل الندامة يوم القيامة. (ط، ي) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، وابن السني؛ كلاهما عن معاذٍ، وفي "الجامع" بلفظ: "ليس يتحسر أهل الجَنَّة على شيء إلَّا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها"، بدون الواو، وقال: رواه الطبراني،

стр. 206

والبيهقي عن معاذٍ (١). (أكثروا ذكر الله حتى يقولوا) أي: لكل واحد من الذاكرين: هو أو أنت (مجنونٌ) والمعنى: حتى يقول بعض الجاهلين والغافلين في حقكم: إنكم مجانين؛ ولذا قال الغزالي: "لو كان الصحابة في زماننا لكان الناس قالوا: هم مجانين، وهم قالوا للناس: ما هؤلاء [مؤمنون] (٢) بيوم الدين". قال المصنف: "أي: ينبغي أن يُكثر العبد من ذكر الله تعالي، ولا يبالي بمن يقول: هو مجنون، وإنما الأعمال بالنيات" (٣). قلت: وكفى به شرفًا، حيث ينسب إلى ما نسب به أفضل العقلاء عليه أكمل الثناء، حيث قال الجهلاء في حقه: إنه مجنون، كما في سورة ﴿ن﴾ و، وقالوا أيضًا في حق نوح ﵇: مجنون. (حِبْ، أ، ص، ي) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، وأبو يعلى، وابن السني؛ كلهم من حديث أبي سعيدٍ الخدري، وكذا الحاكم، والبيهقي عنه (٤)، وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "اذكروا الله ذكرًا يقول

стр. 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 208

المنافقون: إنكم تراءون"، كذا في "الجامع" (١). (كان) أي: النبي ﷺ غالبًا أو أحيانًا (يأمر) أي: أصحابه أو الصحابيات، كما سيأتي (أن يراعى) بصيغة المجهول، أي: يحافظ (التكبير) أي: قول "الله أكبر"، وأما قول الحنفي: "أي: التعظيم"، فغير ظاهر كما لا يخفى على الفهيم (والتقديس) أي: قول: "سبحان الملك القدوس"، أو: "سبوح قدوسٌ"، أو: "سبحان الله"، أو: "سبحان الله وبحمده"، أو: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (والتهليل) أي: قول: "لا إله إلَّا الله". (وأن يعقد) أي: عند الحاجة إلى العدد، ونائب الفاعل هو الضمير [العائد] (٢) إلى كُلٍّ من التكبير والتقديس والتهليل (بالأنامل) أي: بالأصابع أو برءوسها أو بمفاصلها، ففي "صحاح الجوهري": "الأنامل:

стр. 209

رءوس الأصابع"، وفي "القاموس": "الأنملة بتثليث الميم والهمز، تسع لغاتٍ فيها: الظفر، وجمعها: أنامل وأنملات". لكن قد يعبر عن الكل بالجزء، كعكسه في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، لإرادة المبالغة، ثم العقد بالمفاصل مشهورٌ: بأن يضع إبهامَه في كلّ ذكر على مفصل، وكذا العقد بالأصابع معروفٌ: بأن يعقدها ثم يفتحها، وأما العقد برءوس الأصابع: فإما باتكائها على ما يحاذيها من البدن، كما قرره الفقهاء في صلاة التسبيح ونحوها، وإما بوضعها في الكف فمآله إلى العقد بالأصابع، وإما بوضع الإبهام على الرءوس، والمقصود تحقق العدد بالعقد بأي طريقٍ كان، والله أعلم. (قال) أي: النبي ﷺ جوابًا عن سؤالٍ مقدَّرٍ: ما فائدة عقدها بخصوصها؟ (لأنهن مسئولات) أي: عن أعمال صاحبها (مستنطقات) بصيغة المفعول، أي: شاهدات على أقوال [متصرفها] (١)، ففيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. قال المصنف: "يريد المراعاة بالعدد، كما ورد منصوصًا في الأحاديث، نحو "مئة مرّة"، و"ثلاثًا وثلاثين مرّة"، و"أربعًا وثلاثين"، و"خمسًا وعشرين مرّة"، و"إحدى عشرة"، و"عشرًا"، و"سبعًا"، وغير

стр. 210

ذلك، وأن يعقد العدد بالأنامل، وهي الأصابع على ما هو معروف عند العرب قديمًا وحديثًا؛ لأن الأنامل مسئولات مستنطقات عما كان يستعملهن صاحبهن يوم تشهد عليهم ألسنتهم، [يبينه] (١) الحديث الآتي، وهو: "أن [ابن عمرو] (٢) ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيمينه"، ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبح، وقال العلماء: ينبغي أن يكون عدّ التسبيح [باليمين] (٣) " (٤)، انتهى. وفيه أن أخذ السبح بظاهره مُنافٍ لهذا الحديث؛ ولذا قيل: السبعة بدعة، لكنها مستحبة؛ لما سيأتي من حديث جويرية (٥): "أنها كانت تسبّح بنواةٍ أو حصاةٍ"، وقد [قررها] (٦) [النبي] (١) ﷺ على فعلها، والسبحة في

стр. 211

معناها، إذ لا يختلف الغرض من كونها منظومةً أو منثورةً، لكن هذا الحديث يفيد العدد بالأصايع على وجه تفضيله، كما أشير إليه بتعليله. (د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي (٢)؛ كلاهما عن يسيرة بنت ياسر، وليس لها في الكتب الستة إلَّا هذا الحديث، قال العسقلاني في "التقريب": "يسيرة - بالتصغير، ويقال: أسيرة بالألف - أمّ ياسرٍ صحابيةٌ

стр. 212

من الصحابياتِ، ويقال: إنها من المهاجرات". (عليكنّ بالتّسبيح) أي [بقول] (١): سبحان الله ونحوه (والتقديسِ) أي: سبّوح قدّوس ونحوه (والتهليلِ) خطابٌ للنِّساءِ، وهو اسم فعلً، وكلمةُ تحريضٍ وإغراءٍ، أي: الزمن التسبيح … إلى آخره، وليس المراد تحريضهن على هذه الألفاظِ الثلاثةِ فقط، بل المراد منه جنس الذكر بأي لفظٍ كان، وإشعارٌ بأن هؤلاء الكلمات من جملة الباقيات الصالحات، والمقصود انتفاء الغفلة في جميع الساعات والأوقات، كما يدلُّ عليه قوله: (ولا تغفُلن) بضم الفاء، أي: لا تتركن الذكر. (فتُنْسَيْن الرحمةَ) على صيغة المجهول، ونصب"الرحمة" على المفعول الثاني، والمعنى: إن تَرَكْتُنَّ الذكر لتُرِكْتُنَّ من الرحمة، وحرمتن ثوابَ الذِّكر، فإن الله قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، أي: تترك من الرحمة جزاءً لترك ذكرك وقت الغفلة. قال ميرك: "قوله: "لا تغفلن" نهي، وقوله: "فتنسين" جواب له، أي: لا يكن منكن غفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، ثم قال ما حاصله: [أن الإنسان] (٢) [مستعد] (٣)

стр. 213

للنسيان، فالأولى أن يقرأ "فتنسين" بضم التاء وفتح السين، على صيغة المجهول من المجرد؛ [وكذا] (١) صحح في "أصل الترمذي" وأصل سماعنا من "المشكاة"، لكن وقع في أصل سماعنا من هذا الكتاب، وصحح بفتح التاء على صيغة المعروف، فعك هذا يكون المراد: المعنى الثاني الذي ذكره البيهقي في "المجرد"، يعني: "ترك الشيء"، إذ إرادة المعنى الأول - يعني: النسيان بالمعنى المتعارف - لا يخلو عن تكلّف، انتهى. والتكلف أن يقال: فتنسين سبب الرحمة، وهو الذكر الدافع للغفلة على تقدير مضافٍ، وهو كثيرٌ في كلامهم على أن معنى "تتركن الرحمة" ليس على ظاهره، فلا بد من تأويلٍ، وهو أن يقال: فتنسين لترك الرحمة، ولا يخفى أن تكلّف الأخير أكثرُ من الأولِ مع ما في الأول من المشاكلة، والإحسان في مقابلة النسيان بالغفلة الناشئة عن نسيان الإنسان، ثم الأظهر أن يكون المجهول من [الإنساء] (٢) بقرينة ذكر الرحمة. (مص) أي رواه ابن أبي شيبة أيضًا عن يسيرة، قال ميرك: "واعلم أن لفظ الترمذي: "عن يسيرة، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة"، وفي "الأذكار": "سنده حسن"، فالعجب من الشيخ أنه نقل لفظ الترمذي ولم ينسبه إليه، ونسبه إلى

стр. 214

"مص" فقط". قلت: ولعل الترمذي له ألفاظٌ منها ما نقله المصنف عنه مطابقًا لرواية أبي داود، ومنها ما نقله صاحب"الأذكار" موافقًا للحديثين، وأما ابن أبي شيبة فليس له إلَّا ما نسبه المصنف إليه، ومدار الحديث عند الكل على يسيرة، فعِلَّةُ الإشكال صارت يسيرة. ثم اعلم أن في "الجامع الصغير" أوْرَدَ لفظ الحديث كما في "الأذكار"، ثم قال: "رواه الترمذي، والحاكم في "مستدركه"، ففيه استدارك على المصنف، حيث لم يذكره، ولم ينقله عنه. (رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيمينه) ليس المراد بالتسبيح ما يسبح به من الآلة كما يُتوهم من كلام المصنف سابقًا، بل المراد به قول: سبحان الله، ونحوه من ألفاظ التنزيه؛ فالمعنى: يعقد عدد ما قاله من التسبيح بأصابع يمينه، وهو لا ينافي العقد بانضمام أصابع يساره، لا سيّما عند الاحتياج في تَكراره؛ إذ المفهوم غير معتبرٍ عندنا. نعم، عند حصول الاكتفاء بيدٍ واحدةٍ [فاليمنى] (١) أولى كما لا يخفيّ، وبه يندفع ما [ذهب] (٢) إليه الشيعة من حصر غسل الوجه باليمنى، على أن الظاهرَ أن لفظ "بيمينه" مدرج من الراوي؛ إذ ليس في الأصول

стр. 215

مذكورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. (س) أي رواه: النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، لكن ليس في أصل النسائي لفظ "بيمينه"، ورأيت الحديث في الترمذي، وليس في روايته أيضًا "بيمينه"، [كذا] (١) ذكره ميرك، وكذا في "الجامع" بلفظ: "كان يعقد التسبيح"، رواه الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمرو (٢).
следующие страницы →