← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

معناها، إذ لا يختلف الغرض من كونها منظومةً أو منثورةً، لكن هذا الحديث يفيد العدد بالأصايع على وجه تفضيله، كما أشير إليه بتعليله. (د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي (٢)؛ كلاهما عن يسيرة بنت ياسر، وليس لها في الكتب الستة إلَّا هذا الحديث، قال العسقلاني في "التقريب": "يسيرة - بالتصغير، ويقال: أسيرة بالألف - أمّ ياسرٍ صحابيةٌ

стр. 212

من الصحابياتِ، ويقال: إنها من المهاجرات". (عليكنّ بالتّسبيح) أي [بقول] (١): سبحان الله ونحوه (والتقديسِ) أي: سبّوح قدّوس ونحوه (والتهليلِ) خطابٌ للنِّساءِ، وهو اسم فعلً، وكلمةُ تحريضٍ وإغراءٍ، أي: الزمن التسبيح … إلى آخره، وليس المراد تحريضهن على هذه الألفاظِ الثلاثةِ فقط، بل المراد منه جنس الذكر بأي لفظٍ كان، وإشعارٌ بأن هؤلاء الكلمات من جملة الباقيات الصالحات، والمقصود انتفاء الغفلة في جميع الساعات والأوقات، كما يدلُّ عليه قوله: (ولا تغفُلن) بضم الفاء، أي: لا تتركن الذكر. (فتُنْسَيْن الرحمةَ) على صيغة المجهول، ونصب"الرحمة" على المفعول الثاني، والمعنى: إن تَرَكْتُنَّ الذكر لتُرِكْتُنَّ من الرحمة، وحرمتن ثوابَ الذِّكر، فإن الله قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، أي: تترك من الرحمة جزاءً لترك ذكرك وقت الغفلة. قال ميرك: "قوله: "لا تغفلن" نهي، وقوله: "فتنسين" جواب له، أي: لا يكن منكن غفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، ثم قال ما حاصله: [أن الإنسان] (٢) [مستعد] (٣)

стр. 213

للنسيان، فالأولى أن يقرأ "فتنسين" بضم التاء وفتح السين، على صيغة المجهول من المجرد؛ [وكذا] (١) صحح في "أصل الترمذي" وأصل سماعنا من "المشكاة"، لكن وقع في أصل سماعنا من هذا الكتاب، وصحح بفتح التاء على صيغة المعروف، فعك هذا يكون المراد: المعنى الثاني الذي ذكره البيهقي في "المجرد"، يعني: "ترك الشيء"، إذ إرادة المعنى الأول - يعني: النسيان بالمعنى المتعارف - لا يخلو عن تكلّف، انتهى. والتكلف أن يقال: فتنسين سبب الرحمة، وهو الذكر الدافع للغفلة على تقدير مضافٍ، وهو كثيرٌ في كلامهم على أن معنى "تتركن الرحمة" ليس على ظاهره، فلا بد من تأويلٍ، وهو أن يقال: فتنسين لترك الرحمة، ولا يخفى أن تكلّف الأخير أكثرُ من الأولِ مع ما في الأول من المشاكلة، والإحسان في مقابلة النسيان بالغفلة الناشئة عن نسيان الإنسان، ثم الأظهر أن يكون المجهول من [الإنساء] (٢) بقرينة ذكر الرحمة. (مص) أي رواه ابن أبي شيبة أيضًا عن يسيرة، قال ميرك: "واعلم أن لفظ الترمذي: "عن يسيرة، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة"، وفي "الأذكار": "سنده حسن"، فالعجب من الشيخ أنه نقل لفظ الترمذي ولم ينسبه إليه، ونسبه إلى

стр. 214

"مص" فقط". قلت: ولعل الترمذي له ألفاظٌ منها ما نقله المصنف عنه مطابقًا لرواية أبي داود، ومنها ما نقله صاحب"الأذكار" موافقًا للحديثين، وأما ابن أبي شيبة فليس له إلَّا ما نسبه المصنف إليه، ومدار الحديث عند الكل على يسيرة، فعِلَّةُ الإشكال صارت يسيرة. ثم اعلم أن في "الجامع الصغير" أوْرَدَ لفظ الحديث كما في "الأذكار"، ثم قال: "رواه الترمذي، والحاكم في "مستدركه"، ففيه استدارك على المصنف، حيث لم يذكره، ولم ينقله عنه. (رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيمينه) ليس المراد بالتسبيح ما يسبح به من الآلة كما يُتوهم من كلام المصنف سابقًا، بل المراد به قول: سبحان الله، ونحوه من ألفاظ التنزيه؛ فالمعنى: يعقد عدد ما قاله من التسبيح بأصابع يمينه، وهو لا ينافي العقد بانضمام أصابع يساره، لا سيّما عند الاحتياج في تَكراره؛ إذ المفهوم غير معتبرٍ عندنا. نعم، عند حصول الاكتفاء بيدٍ واحدةٍ [فاليمنى] (١) أولى كما لا يخفيّ، وبه يندفع ما [ذهب] (٢) إليه الشيعة من حصر غسل الوجه باليمنى، على أن الظاهرَ أن لفظ "بيمينه" مدرج من الراوي؛ إذ ليس في الأصول

стр. 215

مذكورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. (س) أي رواه: النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، لكن ليس في أصل النسائي لفظ "بيمينه"، ورأيت الحديث في الترمذي، وليس في روايته أيضًا "بيمينه"، [كذا] (١) ذكره ميرك، وكذا في "الجامع" بلفظ: "كان يعقد التسبيح"، رواه الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمرو (٢).

стр. 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 223

(لَأن أقعد) جوابُ قسمٍ مقدَّر، أي: والله، لقعودي، وقيل: "اللام للابتداء دخلت على "أن" المصدرية لتأكيد الحكم والنسبة، أي: أن قعودي وثبوتي وصبري" (مع قوم) أي: جمعِ (يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعةً) أي: من إعتاق أربعة أشخاص (من ولد إسماعيل) بفتحتين، وفي نسخة بضم فسكون، والمراد [أولاد] (١) إسماعيل جده ﵇. قال المصنف: "نصّ عليهم لأنهم أفضل العرب" (٢)، قلت: أو لأنهم مشتركون معه في النسب والحسب، لكنّ وجهَ تخصيصِ الأربعة لا يعلم إلَّا منه ﷺ ، وقيل: "يحتمل أن يكون ذلك لانقسام العمل الموعود عليه على أربعةٍ: ذكر الله، والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس، من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس أو تغرب"، والله أعلم. (ولَأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبّ إلي من أن أَعتِق أربعةً) أي: من ولد إسماعيل، وتركه للظهور من باب الاكتفاء على أنه مصرّحٌ به في بعض الأنباءِ، ولعلّ الحديث مقتبسٌ من قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ

стр. 224

بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. (د) أي رواه أبو داود عن أنسٍ، وسكت عليه، ورواه أبو يعلى أيضًا (١)، وقال في الموضعين: "أربعة من ولد إسماعيل، دية كلّ رجلٍ منهم اثنا عشر ألفًا"، ورواه البيهقي عن أنس أيضًا مرفوعًا: "لَأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أحبّ إلي من الدنيا وما فيها، ولَأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحبّ إلي من الدنيا وما فيها" (٢). (سبق المفردون) بتشديد الراء المكسورة، وفي نسخة بتخفيفها؛ ففي "تاج" البيهقي: "يقال: فرد برأيه، وأفرد، وفرد، واستفرد، بمعنى: انفرد به"، وفي "الأذكار": "روي "المفردون" بتشديد الراء وبتخفيفها، والمشهور التشديد"، وقال التوربشتي في "شرح المصابيح": "يروى "المفردون" بتشديد الراء وكسرها، وبالفتح والتخفيف". وقال المصنف: "هو بضم الميم، وفتح الفاء، وكسر الراء مشددة، كذا رويناه وضبطناه عن شيوخنا، يقال: فرد الرجل إذا تفقه واعتزل النالس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي، وقيل: "هم الهرمى الذين هلك أقرانهم من

стр. 225

الناس، وبقوا يذكرون الله"، وحكي فيه التخفيف من أفرد" (١)، انتهى. وفي "النهاية": "ورد في رواية: "طوبى للمفردين" (٢). (قالوا) أي: بعض الصحابة: (وما المفردون) أي: من هم (يا رسول الله) فـ "ما" بمعنى "من" كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، والواو رابطة بين السؤال والجواب. (م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي؛ كلاهما عن أبي هريرة (٣)، لكن الجواب ورد على وجهين في الكتابين، فذكرهما على طريق اللف والنشر المرتب بقوله: (قال) أي: النبي ﷺ : (الذاكرون) أي: المفردون هم الذاكرون (الله كثيرًا والذاكرات. م) أي رواه مسلم عن أبي هريرة، قيل: السؤال عن الصفة - أعني التفريد - ولذلك لم يقولوا: "ومن المفردون" فأجاب ﷺ بأن التفريد الحقيقي المعتد به هو تفريدُ النّفس بذكر الله تعالي، ثم في الحديثِ إشعارٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، حيث عطفهم عطف خاص أو عام على ما سبق من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ

стр. 226

وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. قال المصنف: "وقد فسّرهم النبي ﷺ بالذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، والتقدير: "والذاكراته" فحذفت الهاء كما هي محذوفة في القرآن لمناسبة الكلمات قبلها، ولأنه مفعولٌ يجوز حذفه"، انتهى (١). والظاهر من الكثرة المواظبة والمداومة من غير الفتور والغفلة إلَّا على سبيل الندرة، فيتدارك بالرجعة، وقد فسّر المصنف كثرة الذكر في "آداب الدعاء" حيث قال: "قالوا: وإذا واظب العبد … " إلى آخره كما سيأتي بيانه، وقال ابن عباسٍ: "كثرة الذكر يحصل بالذكر في أدبار الصلوات، والغداة والعشاء، وفي المضاجع، وعند الاستيقاظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله"، ولعله أشار إلى مواظبة ما ورد عنه ﷺ في جميع أحواله من مقاله. وقال مجاهد: "يحصل بذكره قيامًا وقعودًا واضطجاعًا، وكأنه أشار إلى قوله تعالى في تفسير "أولي الألباب": ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] "، وقال عطاءٌ: "بإقامة [الصلوات] (٢) الخمس مع حقوقها؛ فكأنه نبّه بالقدر الواجب"، وهذه الأقوال مذكورة في "الأذكار".

стр. 227

وفي "المشكاة": "روى أبو داود، وابن ماجة، عن أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : إذا أيقظ الرجل أهلَه من الليل فصلّيَا، أو صلى ركعتين جميعًا، كُتِبَا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرتِ" (١). (قال) أي: النبي ﷺ في الجواب برواية أخرى: (الْمُسْتَهْتَرون) أي: المفردون هم المستهترون بفتح الفوقانيتين، أي: المولعون (في ذكر الله) أي: بذكره، وعدل في تعديته من الباء إلى "في" للمبالغة، كأنهم واقعون فيه، حريصون في تحصيله على مداومة؛ ففي "النهاية" (٢): "مُسْتَهتَر، أي: مولعٌ به لا يتحدث بغيره، ولا [يفعل] (٣) غيرَه"، وقيل: "هم الذين هلك لداتهم، وبقوا فهم يذكرون الله"، وقيل: "هم [المتخلون عن] (٤) الناس بذكر الله؛ لأن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس. وفي نسخة: "الْمُهْترون" بضم فسكون ففتح فضم، من أهتر الرجل إذا خرف، أي: الذين هرموا وخرفوا في ذكر الله وطاعته، وفي نسخة: "الذين

стр. 228

اهتروا في ذكر الله"؛ ففي "القاموس" (١): "الهتر بالضم: ذَهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن، وقد اهتر فهو مهتر بفتح التاء شاذ، وقد قيل: اهتُر بالضم"، ولم يذكر الجوهري غيره حيث قال: "واهتر بالضم فهو مهتر: أولع بالقول في الشيء، والمستهتَر بالشيء بالفتح: المولع به لا يبالي بما [فعل فيه وتم له] (٢) ". وقال المصنف: "هو بضم الميم، وفتح التاءين المثناتين، وسكون الهاء، وضم الراء، أي: أولعوا بذكر الله، يقال: اهتر فلان بكذا واستهتر به، فهو مهتر به ومستهتر به، أي: مولع لا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره" (٣). (يضع الذكر) أي: يحط (عنهم) والإسناد مجازيّ سببيّ (أثقالهم) أي: أوزار ذنوبهم من الصغائر، وفي تحت المشيئة الكبائرُ فيأتون يوم القيامة خِفافًا) بكسر أوله: جمع خفيف، أي: حال كونهم خفيفين من حمل الأثقال وتحمل الوبال الموجب للنكال. (ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة (٤)، ولفظ "الجامع": "سبق

стр. 229

المفردون المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافًا"، رواه الترمذي، والحاكم، عن أبي هريرة، والطبراني عن أبي الدرداء"، فهو حديثٌ مستقلّ كما لا يخفى على المشتغل. (إن الله أَمَرَ يحيى بنَ زكريّا) بهمز وحذفه، على ما قرئ بهما في المتواتر (بخمس كلماتٍ) أي: مأثوراتٍ، وهي: التوحيد، والصلاة، والصوم، والصدقة، والذكر، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: الكلمات. (أن يعمل بها، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها) بدل اشتمال، والمعنى: أنه أمره بالعمل بتلك الكلمات بنفسه، ليكون كاملًا وواعظًا مؤثرًا مجملًا، ثم يأمر قومَه أن يعملوا بها ليكون مكملًا (وذكر) أي:

стр. 230

النبي ﷺ ، أو الراوي منقولًا عنه (الحديث) أي: بطوله كما سيجيء في محلّه المقتصر هنا على بيان شاهده، وهو المعني بقوله: (إلى أن قال) أي: يحيى ﵇: (وآمركم) بهمزة ممدودة وضم ميم على أنه مضارع متكلمٌ على ما في أكثر النسخ المعتمدة، وفي نسخة بفتحات على صيغة الماضي الغائب، أي: وأمركم الله، وهو المناسب لما سيأتي من بيان الحديث بكماله. (أن تذكروا الله) أي: على الدوام [أو] (١) ذكرًا كثيرًا (فإنّ مثلَ ذلك) أي: مثل الذاكر أو مثل الذِكر من الذاكر (كمثل رجل خرج العدو) يطلق على المفرد تارة، وعك الجمع أخرى كما هنا (في أَثَرِه) بفتحتين، وفي نسخة بكسر فسكون، أي: في عقب الرجل (سراعًا) بكسر أوله جمع سريع، أي: حال كونهم مسرعين، (حتى إذا أتئ) أي: مرّ الرجل (على حصن) أي: حصار: (حصينٍ) أي: محكمٍ أمينٍ. قال المصنف: "الحصن بكسر الحاء وإسكان الصاد، هو المكان المنيع، والحصين: الممتنع الوصول إليه" (٢)، انتهى. ولعل الحنفيّ وقع من ها هنا في قوله: "قصد به المبالغة، كظل ظليل"، "إلا فالأظهر أن "الحصين" صفة احترازية؛ لأنه لا يلزم من كلّ حصن أن يكون حصينًا.

стр. 231

(فأحرز) أي: حفظ ومنع (نفسه منهم) أي: من العدوّ (كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان) أي: العدوّ بنص القرآن: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (إلَّا بذكر الله) أي: المشبه بالحصن الحصين، والحرز الأمين، كما سبق في الحديث القدسي: "لا إله إلَّا الله حصني". (ت، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن الحارث الأشعري، وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب"، وقال محمد بن إسماعيل: "الحارث الأشعريّ له صحبة". (١) قال ميرك شاه ﵀ في تكميل الحديث بعد قوله: "أن يعملوا بها": وإنه كان يبطئ بها، فقال له عيسى: إن الله أمرك بخمس كلماتٍ لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرَهم، وإما أن آمرَهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي، أو أن أعذّبَ، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن: أَوَّلُهُنَّ: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإنّ مثلَ من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهبٍ أو وَرِقٍ، فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل وأدّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضي أن يكون عبده كذلك؟! وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه

стр. 232

لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابةٍ معه صرةٌ فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها، فإن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك. وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ، فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: [إني] (١) [أُفدي] (٢) منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه. وآمركم أن تذكروا الله … " إلى آخره، قال النبي ﷺ : "وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة [قِيدَ] (٣) شبرٍ، فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه إلَّا أن يرجع، ومن ادعى دعوة الجاهلية، فإنه من جثي جهنم، فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فَادْعُوا بدعوى الله الذي سمّاكم المسلمين المؤمنين عباد الله". هذا لفظ الترمذي، وروى النسائي طرفًا منه". (ليذكرن الله قومٌ) جوابُ قسمٍ محذوفٍ (في الدنيا) كذا في "أصل الجلال"، و"نسخة الأصيل" (على الفُرُش) بضمتين جمع فِراش

стр. 233

(الممهدة) بتشديد الهاء المفتوحة، أي: المبسوطة الموطأة، قاله المصنف، (يدخلهم) أي: الله سبحانه (الجنّات العُلى) بضم العين جمع العليا، أي: البساتين العالية في الأمكنة الغالية الجامعة للنعم الباقية. قال المصنف: "وفيه دليل على أن الملوك والأمراء ومن يجري مجراهم من أهل الدنيا المرفهين = لا [يمنعهم] (١) حشمتهم ورفاهيتهم عن ذكر الله تعالي، وهم في ذلك مأجورون مثابون يدخلهم برحمته الجنات العلى" (٢)، انتهى. وفيه إيماءٌ إلى طريقة بعض السادة الصوفية كالنقشبندية والشاذلية والبكرية. (ص) أي: رواه أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطبراني في كتاب "الدعاء" له من حديثه أيضًا، إلَّا أن عنده "رجال" بدل "قوم"، والباقي سواءٌ، وَرَواهُ ابْنُ حِبّان في "صحيحه" بلفظ: "ليَذكرنّ الله أقوامٌ في الدنيا على الفُرُش الممهَدة، يدخلهم الدرجات العلى"، ذكره ميرك شاه ﵀، وفي "الجامع" بلفظ الكتاب، إلَّا أن لفظة "الدرجات" بدل "الجنات"، وقال: "رواه أبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد". (إنّ الذين لا تزال) بالتأنيث، وفي نسخة بالتذكير، أي: تدوم (ألسنتُهم رطبةً) أي: لينةً (من ذكر الله يدخلون الجَنّة) بصيغة الفاعل، وفي نسخة على بناء المفعول (وهم يضحكون) أي: يفرحون ويستبشرون، أو

стр. 234

يضحكون على أعدائهم، فإنهم الغافلون، والجملة حاليّةٌ، وفيه إيماءٌ إلى قولهِ تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥] قال المصنف: "فيه بشارةٌ لمن يُكثِر من ذكر الله ويُلازمُه ويواظبُ عليه" (١). (مَوْ مص) أي رواه ابن أبي شيبة من قول أبي الدرداءِ موقوفًا.

стр. 235

(آداب الدعاء) قال العسقلاني: "الأدب: استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبر عنه بعضهم بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق"، انتهى (١). والأول أولى بما هنا كما لا يخفى، ثم "آداب الدعاء" خبر مبتدإ محذوف هو "هذا"، أو مبتدأ خبره قوله: (منها) أي: من آداب الدعاء (ما يبلغ أن يكون ركنًا) كالتوحيد والإخلاص، (وأن يكون) حق العبارة أن يقال: ومنها ما يبلغ أن يكون (شرطًا) كاجتناب الحرام، (وأن يكون غير ذلك) أي: غير ما ذكر من النوعين (من مأموراتٍ) أي: مستحباتٍ (ومنهياتٍ) أي: مكروهاتٍ (وغيرها) أي: مما هو فعله أولى من تركه. قال المصنف: "الركن: ما يكون داخل الشيء، والشرط: ما يكون خارجَهُ، [فالنية] (٢) وتكبيرة الإحرام والقيام وقراءة الفاتحة ونحوها في الصلاة أركان، وستر العورة واستقبال القبلة والطهارة ونحو ذلك من الشروط" (٣)، انتهى كلامه (٤).

стр. 236

وهو مبنيٌّ على مذهب إمامه، وأما عندنا فالنية وتكبيرة الافتتاح من الشرائط، والقيام والقراءة والركوع والسجود ركنٌ، وأما قراءة الفاتحة فواجبة، وأما قول الحنفي: "إنّ الركن لا يثبت إلَّا بكلام الله تعالى"، فأظن أنه غير صحيحٍ لعد علمائنا القَعْدَة الأخيرة ركنًا، وهو ليس في القرآن أصلًا، وكذا سائر العلماء قالوا بركنية الفاتحة، وهو غير مستفاد من نصّ الكتاب بل من السنّة؛ ولذا كانت واجبةً عندنا؛ لأن دلالة

стр. 237

الحديث ظنيةٌ، والله أعلم (١). (وهي) أي: آداب الدعاء من حيث هي (تجنب الحرام في المأكَل والمشرَب والملبَس) بفتح العين فيها (والمكسب) بفتح السين وفي نسخة بكسرها، ففي "القاموس": "كسبه يكسبه كسبًا، وفلان طيب الكسب والمكسب، والمكسبة كالمغفرة" انتهى (٢). والكل مصادر ميمية (٣) كما لا يخفى، ولكون الكسب مستلزمًا لنحو الأكل غالبًا كعكسه جمع بينهما، وإلا فهو غير مذكورٍ في الحديث المسطور. (م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي؛ كلاهما عن أبي هريرة، [لكن] (٤)

стр. 238

من المعلوم الواضح أن ما ذكره ليس لفظ الحديث ومبناه، بل هو مؤدّاه، وحاصل معناه، على ما هو مذكورٌ بكماله في "الأربعين" للنووي كما سيأتي. قال المصنف: "هو من الشروط للحديث الذي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي هريرة يرفعه: "أنه ذكر الرجل يُطِيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، فأنّى يستجاب لذلك"، وإنما ذكر المسافر دون المقيم لأن دعوة المسافر مستجابةٌ كما سيأتي" (١)، يعني: فالمقيم [من باب الأولى] (٢) أن لا يستجاب دعاؤه لذلك. (والإخلاص لله تعالى) قال ميرك [شاه] (٣): "هو من الأركان، قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] "، وقال المصنف: "هو من الأركان، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] " (٤)، انتهى. ولا يخفى أن استدلال ميرك أظهرُ لما فيه من ظهور الأمر أكثر، ومع هذا ففيه أن المراد بالإخلاص في الآيتين هو التوحيد الخالص عن

стр. 239

الشرك، فإن المشركين كانوا يدعون الله ويشركون معه الأصنام في حال الرخاء والسعة، ويَدْعُون الله [ويَدَعُون] (١) غيره حال البلاء والشدة، كما في مستدل المصنف من الآية إليه الإشارة. نعم، يؤخذ منه أن وجود الإخلاص في الجملة معتبرٌ في قبول الدعاء، لكن إخلاصَ المؤمنين باعتقادهم أنه لا ينفع ولا يضر إلَّا الله، ولا يقدر على إجابة الدعوة سواه، ولعل اعتبار الركن والشرط لسرعة إجابة الدعاء، وإلا فقد تقبل دعوة الفاجر والكافر، ولا يبعد أن يقال: إنهما نزلا منزلة الركن والشرط، كما يشير إليه قول المصنف: "ما يبلغ أن يكون ركنًا وشرطًا"، والله أعلم. ثم مقتضى الترتيب الرتبي أن يقدم الركن، كما قدمه في العنوان، [فتقديمه الشروط] (٢) في معرض البيان لتقدمها في الوجود، كما لا يخفى [عيانه] (٣) على الأعيان. هذا، وقد قال سهل بن عبد الله التُّستَرِي قدس الله سره السري: "نظرَ الأكياسُ في تفسيرِ الإخلاصِ، فلم يجدوا غيرَ هذا أن يكونَ حركتُه وسكونه في سره وعلانيته لله تعالي، لا يمازجه نفسٌ ولا هوًى ولا دنيا"، نقله عنه النووي في "الأذكار"، وقال الفضيل بن عياض: "العمل لغير الله

стр. 240

شرك، وترك العمل للخلق رياءٌ، والإخلاص أن يخلصك الله منهما"، جعلنا الله من المخلصين، وأوصلنا إلى مرتبة المخلصين [آمين] (١). (مس) أي: رواه الحاكم، لكن لا أعرف [عمن] (٢) رواه، وكيف وصل إليه مبناه، حتى [يبني] (٣) عليه معناه، و"لا أدري" نصفُ العِلْمِ، والعِلْمُ بكماله عند الله. (وتقديم عملٍ صالحٍ) أي: قبل الدعاء ليكون سببًا لقبوله، كما في حديث أبي بكر لجنه في صلاة التوبة، على ما سيأتي في أصل الكتاب، ورواه الأربعة وابن حبان، فكان ينبغي للمصنف أن يفرده عما بعده، ويأتيه برمز يوافقه. (وذِكْرُه) بالرفع، أي: وذكر عملٍ صالحٍ، وظاهر الضمير أن يقال: وذكر ذلك العمل الصالح، أو التقدير: ذكر الداعي عملًا صالحًا (عند الشدة) ويدل عليه حديث البخاري، ومسلمٍ، عن ابن عمرَ مرفوعًا، قال "بينما ثلاثةُ نفرٍ يتماشون، أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرةٌ من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها لله صالحةً، فادعوا الله بها لعله

стр. 241

يفرجها، فقال أحدهم … " الحديث الطويل. (م، ت، د) أي رواه: مسلم، والترمذي، وأبو داود، كلهم من حديث ابن عمر في قصة أصحاب الغار، وهو في البخاري أيضًا، فالأولى رقمه مع سائر رموز الحديث. (والتنظف) أي: من الدنس (والتطهر) أي: من النجس، قال الحنفي: "هما متقاربان في المعنى"، انتهى. والفرق لا يخفى، مع أن التأسيس أولى من التأكيد. (عه، حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان من حديث أبي بكر ﵁، والحاكم من حديث عثمان بن حُنيف، وقال: "صحيح على شرطهما". (والوضوء) وهو أخص مما قبله شرعًا، وموافقٌ له لغةً. (ح) أي رواه الجماعة، وهم أصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري. (واستقبال القبلة) أي: [توجهه] (١) [جهة الكعبة] أي، (٢): عينها. (ع) أي: رواه الجماعة عن عبد الله بن زيد بن عاصم المزني في قصة الاستسقاء. (والصلاة) أي: ذات الركوع والسجود، والمراد أن يقع الدعاء المطلوب بعدها، فهي من باب تقديم العمل الصالح والتوسل به. (عه،

стр. 242

حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم من حديث الصديق. (والجُثُوّ) بضم الجيم والمثلثة وتشديد الواو، وهو: الجلوس على الركبتين، فقوله: (على الرُّكَب) من باب التجريد، أو نوعٌ من التأكيدِ، وهو بضم ففتح جمع ركبة، على أن أقلَّ الجمع اثنان. (عو) أي: رواه أبو عوانة من حديث عامر بن خارج بن سعد، عن جده سعد بن أبي وقاص. (والثناء على الله تعالى أولًا وآخرًا) أي: قبل الدعاء وبعده، ليقبل ما بينهما بهما. (ع) أي: رواه الجماعة عن أنسٍ كما في حاشيه، وقال ميرك: "من حديث فضالة بن عبيد، قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجّد الله، ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عَجِل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ [بتحميد] (١) ربّه والثناء، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء". (والصلاة على النبي ﷺ كذلك) أي: أولًا وآخرًا. (د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن فضالة أيضًا، ورواه أحمد أيضًا، ذكره ميرك. لكن لا يخفى أن حديث فضالة في الموضعين لا يفيد إلَّا تقديم الثناء والصلاة على الدعاء، لا تأخيرهما أيضًا، مع أنهما المدعى، ولعل مأخذ الجمع بينهما في الصلاة ما سيأتي في آخر الكتاب عن أبي سليمان

стр. 243

الداراني، والله أعلم. (وبسط اليدين) أي: فتحهما بأن لا يقبض الكفين. (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم عن أبي الدرداء، وفي بعض الحواشي: "من حديث أم عطية"، وفي بعض النسخ رمز البزار مكان الترمذي، قيل: "وهو كذا في "نسخة [الكوسوي] (١) " من تلامذة الشيخ وعليها خطه"، وكذا في "نسخة السيد أصيل الدين". (ورفعهما) أي: ورفع اليدين عن الركبتين إلى جهة السماء؛ لأنَّها قبلة الدعاء. (ع) أي رواه الجماعة عن أبي حميدٍ الساعدي وأنسٍ وغيرهما. (وأن يكون رفعهما حَذْو المنكبين) بفتح الحاء المهملة، وسكون الذال المعجمة، أي: في محاذاتهما ومقابلتهما. (د، أ، مس) أي رواه: أبو داود، وأحمد، والحاكم؛ كلهم عن ابن عباس. والظاهر: أن من الآداب أيضًا ضمَّ اليدين، وتوجيه أصابعهما، مع انضمامها نحو القبلة، ثم اعلم أن الرفع ليس على إطلاقه؛ إذ لا يستحب إلَّا فيما ورد به السنة، فلا يرفع في نحو حال الطواف، كما يفعله [بعض] (٢) العامة حين يدعو لبعض الأئمة. (وكشفهما) أي: عن الثوب المشير إلى الحجاب الدال على نوعٍ من الإعجاب. (مو) أي: موقوفٌ، وفيه أنه من قول الخطابي - أحد شراح

стр. 244

الحديث - على ما ذكره ميرك، فإيراد "مَوْ" ليس على ما ينبغي من وجهين: أحدهما: أن الموقوف في اصطلاح المحدثين حديث الصحابي عند الإطلاق، وقد يطلق على موقوف التابعي، لكنه يكون مقيدًا، والخطابي من المتأخرين، بل وليس من الرواة ولا المخرجين. وثانيهما: أنه سبق عنه أنه يأتي برمز "مَوْ" قبل رموز الكتب؛ ليعلم أنه موقوف في ذلك، وليس هنا رمز بعده، لكن قد يحمل هذا على أنه إذا كان رمز هنالك. ووقع لبعض فضلاء زماننا ممن كان يدّعي زيادة الفضيلة على أقراننا بحث في هذا معنًى قال: إنه موقوف [برمز] (١) الميم الآتي مما يليه من [الرموز] (٢) بعد قوله: (والتأدب). قلت: هذا مع بُعده باطل؛ لأن الرموز المتأخرة هي: (م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن علي كرم الله وجهه مرفوعًا، وكشف اليدين إنما هو منقول عن الخطابي، وهو لا يتصور أن يكون مذكورًا في متن "صحيح مسلم"؛ لأنه من شراحه، ثم المراد بالتأدب طلب الأدب ظاهرًا وباطنًا، وقولًا وفعلًا. (والخشوع) قيل: "معناه الخوف والتذلل"، والظاهر أن المراد به سكون الباطن المستلزم منه سكون الظاهر، ويؤيده أنه ﷺ رأى رجلًا

стр. 245

يعبثُ بلحيته، فقال: "لو خشع قلبُه لخشعت جوارحه" (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]، وروي أنه ﷺ كان يصلي رافعًا بصرَه إلى السماء، فلمّا نزلت رمى ببصره نحو مسجده (٢)، على ما ذكره البيضاوي (٣).

стр. 246

(مو مص) أي: هو موقوفٌ على مسلم بن يسارٍ التابعيّ، رواه ابن أبي شيبة عنه أنه قال: "لو كنتَ بين يدي مَلِك تطلب منه حاجة لسرّك أن تكون خاشعًا"، فإيراد "مَوْ" ها هنا أيضًا لا يخلو عن تسامحٍ، كما ذكره ميرك. (والتمسكن) أي: إظهار المسكنة والمذلة، أو طلب السكون وترك الحركة (مع الخضوع) أي: مع خضوع سائرِ الأعضاء، وخشوع جميع الأجزاء. (ت) أي رواه الترمذي عن الفضل بن العباس. (وأن لا يرفع) أي: الداعي (بصره إلى السماء. م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، كلاهما عن أبي هريرة، قال المؤلف: "أي إذا دعا في الصلاة، لحديث أبي هريرة: "لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم"، رواه مسلم والنسائي، قال القاضي عياض: "واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى

стр. 247

السماء في الدعاء في غير الصلاة، فكرهه شريحٌ وآخرون"" (١). قلت: وهو الظاهر لأن العلة التي ذكروها في حالة الصلاة، وهي توهمُ الجهةِ في حق رب السماء = موجودةٌ في مطلق الدعاء، فتقييده ﷺ بالصلاة لزيادة الإهتمام بها دائمًا، وإيماءٌ إلى أنه لو كان من الآداب المستحسنة لكانت هي أولى بها من غيرها. (وأن يسأل) أي: يدعو (الله تعالى بأسمائه الحسنى) وهي تأنيثُ الأحسن، والصفة كاشفة، [كما] (٢) قال تعال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، (وصفاتِه العلى) جمع العليا، وهي تأنيث الأعلى، أي: العلية الشأن، جلية البرهان، المنزهة عن الحدوث في الزمان، والعطف تفسيري، أو الأول مقيّد بالاسم [العَلَميّ] (٣)، والثاني بالاسم الوصفي، وقيل: "اسمه ما يطلق عليه، وذلك إما باعتبار ذاته، أو باعتبار صفة سلبيّة كالقدوس، أو حقيقية [كالعلم] (٤)، أو إضافية كالحميد والمليك، أو باعتبار فعل من أفعاله كالرزاق، فعلى هذا عطف صفاته على أسمائه من قبيل عطف الخاص على العام". (حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود.

стр. 248

(وأن يجتنب) وفي نسخة: "وأن يتجنب" (السجعَ) أي: يتبعّده ويحترز عن الإتيان به فكرًا، فإنه يستحسن وقوعه طبعًا؛ ولذا قال: (وتكلفَهُ) وهو عطف تفسير. والحاصل: أن النهي إنما هو عن التكلف في تحصيل السجع، وإلا فلا منع من إتيانه بمقتضى الطبع؛ إذ ورد في كثيرٍ من الأدعية المأثورةِ التي وجد فيها أنواع من السجع مسطورة، كقوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ودعاءٍ لا يسمع (١)، ونفس لا تشبع"، وفي رواية: "ومن هؤلاء الأربع"، وقيل لنديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري: "تب من السجع، لورود المنع في الشرع، فقال: رجعت عما سجعت"، وفي الفواصل القرآنية أيضًا إشعارٌ باستحسان مراعاة السجع من غير التكلفات الكهانية. (خ) أي: رواه البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في أثناء حديثٍ: "وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك"، فكان حقّ المصنف أن يذكر رمز "مَوْ" قبل رمز البخاري؛ ليدلَّ على أن حديثَه موقوفٌ. (وأن لا يتكلف التغنيَ بالأنغام) جمع نَغَم بفتحتين، وهو الصوت الحسن، فالمنهي هو الإتيان على طرائق الموسيقيين. (مو) أي: هو موقوف

стр. 249

ولم يعرف أنه على [مَنْ] (١) مِنَ الصحابة ولا في أي كتابٍ من الكتب. (وأن يتوسل) أي: يتوصل ويتقرب (إلى الله تعالى بأنبيائه) وهم الأعمّ من رسله وأخص من أصفيائه. (خ، ر، مس) أي رواه: البخاري عن أنس، والبزار والحاكم عن عمر ﵁، كذا ذكره ميرك. قال المؤلف: "وهو من المندوبات؛ ففي "صحيح البخاري" في الاستسقاء حديث عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقِينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"، ولحديث عثمان بن حنيف في شأن الأعمى، رواه الحاكم في "مستدركه [على] (٢) الصحيح"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وقد ذكرناه في "الحصن"، ولحديث أبي أمامة الذي ذكرناه في "ذكر الصباح"، رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، وفي كتاب "الدعاء"" (٣)، انتهى. ولا يخفى أن ما ذكره غير مطابق لرموز أصله، مع أن حديث البخاري صريحٌ في كون حديثه موقوفًا، فكان من حقّه التنبيه عليه بإتيان "مَوْ" قبلَه. (والصالحين من عباده) أي: عمومًا أو خصوصًا، وهم ما عدا الأنبياءَ من الصديقين والعلماء والشهداء والأولياء؛ إذ الصالح من يقوم بحق

стр. 250

الله بكماله، ثم بحق عباده، وقد سبق التوسل بالأعمال الصالحة، كما في حديث أصحاب الغار. (خ) أي: رواه البخاري عن أنسٍ. (وخفض الصوت) أي: إخفاؤه، فإنه تعالى يعلم السرّ وأخفى، وهو (١) كمال الأدب عند المولى، كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي موسى. (والإعتراف بالذنب. ع) أي: رواه الجماعة عن عائشة في قصة الإفك. (واختيار الأدعية) بتخفيف الياء (الصحيحة عن النبي ﷺ ، فإنه) أي: النبي ﵇ (لم يترك حاجة) أي: في باب الدعاء ونحوه (إلى غيره) فالأولى أن يؤتى بالأدعية الواردة على السُّنَّة في جميع حالاته، وقد جمعت الأدعية المطلقة التي بغير وقتٍ وحالٍ مقيدة، مما هو عنه ﷺ ثابتة في كراريس، وسميته بـ "الحزب الأعظم والورد الأفخم"، ولا شك أنه أولى بالإعتبار مما جمعه بعض المشايخ الكبار من نحو: "حزب البحر"، و"الأسماء الأربعينية"، و"الأوراد [الكبروية والزينية] (٢) "، فضلًا عن "دعاء [السيفي] (٣) والقدح"، وأمثالها مما لا يعرف له أصل، والله ولي دينه، وناصر نبيه. (د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن أبي بكرة الثقفيّ، واسمه
следующие страницы →