← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(مو مص) أي: هو موقوفٌ على مسلم بن يسارٍ التابعيّ، رواه ابن أبي شيبة عنه أنه قال: "لو كنتَ بين يدي مَلِك تطلب منه حاجة لسرّك أن تكون خاشعًا"، فإيراد "مَوْ" ها هنا أيضًا لا يخلو عن تسامحٍ، كما ذكره ميرك. (والتمسكن) أي: إظهار المسكنة والمذلة، أو طلب السكون وترك الحركة (مع الخضوع) أي: مع خضوع سائرِ الأعضاء، وخشوع جميع الأجزاء. (ت) أي رواه الترمذي عن الفضل بن العباس. (وأن لا يرفع) أي: الداعي (بصره إلى السماء. م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، كلاهما عن أبي هريرة، قال المؤلف: "أي إذا دعا في الصلاة، لحديث أبي هريرة: "لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم"، رواه مسلم والنسائي، قال القاضي عياض: "واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى

стр. 247

السماء في الدعاء في غير الصلاة، فكرهه شريحٌ وآخرون"" (١). قلت: وهو الظاهر لأن العلة التي ذكروها في حالة الصلاة، وهي توهمُ الجهةِ في حق رب السماء = موجودةٌ في مطلق الدعاء، فتقييده ﷺ بالصلاة لزيادة الإهتمام بها دائمًا، وإيماءٌ إلى أنه لو كان من الآداب المستحسنة لكانت هي أولى بها من غيرها. (وأن يسأل) أي: يدعو (الله تعالى بأسمائه الحسنى) وهي تأنيثُ الأحسن، والصفة كاشفة، [كما] (٢) قال تعال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، (وصفاتِه العلى) جمع العليا، وهي تأنيث الأعلى، أي: العلية الشأن، جلية البرهان، المنزهة عن الحدوث في الزمان، والعطف تفسيري، أو الأول مقيّد بالاسم [العَلَميّ] (٣)، والثاني بالاسم الوصفي، وقيل: "اسمه ما يطلق عليه، وذلك إما باعتبار ذاته، أو باعتبار صفة سلبيّة كالقدوس، أو حقيقية [كالعلم] (٤)، أو إضافية كالحميد والمليك، أو باعتبار فعل من أفعاله كالرزاق، فعلى هذا عطف صفاته على أسمائه من قبيل عطف الخاص على العام". (حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود.

стр. 248

(وأن يجتنب) وفي نسخة: "وأن يتجنب" (السجعَ) أي: يتبعّده ويحترز عن الإتيان به فكرًا، فإنه يستحسن وقوعه طبعًا؛ ولذا قال: (وتكلفَهُ) وهو عطف تفسير. والحاصل: أن النهي إنما هو عن التكلف في تحصيل السجع، وإلا فلا منع من إتيانه بمقتضى الطبع؛ إذ ورد في كثيرٍ من الأدعية المأثورةِ التي وجد فيها أنواع من السجع مسطورة، كقوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ودعاءٍ لا يسمع (١)، ونفس لا تشبع"، وفي رواية: "ومن هؤلاء الأربع"، وقيل لنديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري: "تب من السجع، لورود المنع في الشرع، فقال: رجعت عما سجعت"، وفي الفواصل القرآنية أيضًا إشعارٌ باستحسان مراعاة السجع من غير التكلفات الكهانية. (خ) أي: رواه البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في أثناء حديثٍ: "وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك"، فكان حقّ المصنف أن يذكر رمز "مَوْ" قبل رمز البخاري؛ ليدلَّ على أن حديثَه موقوفٌ. (وأن لا يتكلف التغنيَ بالأنغام) جمع نَغَم بفتحتين، وهو الصوت الحسن، فالمنهي هو الإتيان على طرائق الموسيقيين. (مو) أي: هو موقوف

стр. 249

ولم يعرف أنه على [مَنْ] (١) مِنَ الصحابة ولا في أي كتابٍ من الكتب. (وأن يتوسل) أي: يتوصل ويتقرب (إلى الله تعالى بأنبيائه) وهم الأعمّ من رسله وأخص من أصفيائه. (خ، ر، مس) أي رواه: البخاري عن أنس، والبزار والحاكم عن عمر ﵁، كذا ذكره ميرك. قال المؤلف: "وهو من المندوبات؛ ففي "صحيح البخاري" في الاستسقاء حديث عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقِينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"، ولحديث عثمان بن حنيف في شأن الأعمى، رواه الحاكم في "مستدركه [على] (٢) الصحيح"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وقد ذكرناه في "الحصن"، ولحديث أبي أمامة الذي ذكرناه في "ذكر الصباح"، رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، وفي كتاب "الدعاء"" (٣)، انتهى. ولا يخفى أن ما ذكره غير مطابق لرموز أصله، مع أن حديث البخاري صريحٌ في كون حديثه موقوفًا، فكان من حقّه التنبيه عليه بإتيان "مَوْ" قبلَه. (والصالحين من عباده) أي: عمومًا أو خصوصًا، وهم ما عدا الأنبياءَ من الصديقين والعلماء والشهداء والأولياء؛ إذ الصالح من يقوم بحق

стр. 250

الله بكماله، ثم بحق عباده، وقد سبق التوسل بالأعمال الصالحة، كما في حديث أصحاب الغار. (خ) أي: رواه البخاري عن أنسٍ. (وخفض الصوت) أي: إخفاؤه، فإنه تعالى يعلم السرّ وأخفى، وهو (١) كمال الأدب عند المولى، كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي موسى. (والإعتراف بالذنب. ع) أي: رواه الجماعة عن عائشة في قصة الإفك. (واختيار الأدعية) بتخفيف الياء (الصحيحة عن النبي ﷺ ، فإنه) أي: النبي ﵇ (لم يترك حاجة) أي: في باب الدعاء ونحوه (إلى غيره) فالأولى أن يؤتى بالأدعية الواردة على السُّنَّة في جميع حالاته، وقد جمعت الأدعية المطلقة التي بغير وقتٍ وحالٍ مقيدة، مما هو عنه ﷺ ثابتة في كراريس، وسميته بـ "الحزب الأعظم والورد الأفخم"، ولا شك أنه أولى بالإعتبار مما جمعه بعض المشايخ الكبار من نحو: "حزب البحر"، و"الأسماء الأربعينية"، و"الأوراد [الكبروية والزينية] (٢) "، فضلًا عن "دعاء [السيفي] (٣) والقدح"، وأمثالها مما لا يعرف له أصل، والله ولي دينه، وناصر نبيه. (د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن أبي بكرة الثقفيّ، واسمه

стр. 251

نفيعٌ -بالتصغير- ابن الحارث. (وتخير الجوامع من الدعاء) أي: واختيار الأدعية الجامعة التي تجمع الأغراض الصالحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة، وقيل: "هي ما لفظه [يسير] (١)، ومعناه كثير، شاملٌ للأمور الدينية والدنيوية، والأحوال الأخروية، كما سيأتي في الأدعية النبوية، على صاحبها الصلاة والتحية. (د) أي رواه أبو داود عن عائشة. (وأن يبدأ بنفسه، وأن يدعوَ لوالديه وإخوانه المؤمنين) قيد لهما جميعًا، وهو مستفادٌ من قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وعن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقد أفتى العراقي بأنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة لجميع المسلمين؛ لأنه وردت الأحاديث الصحيحة بأنه لا بد من دخول بعض المسلمين النار. وأجيب بأنه لا يلزم من المغفرة وجود الذنب؛ فقد يراد [إذن] (٢) بالمغفرة غير ستر الذنب، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ولا يخفى أن هذا الجواب غير صحيح بالنسبة إلى العلة المذكورة مع أن المغفرة أخصّ من الستر، وإنما يصلح جوابًا عن كون المؤمنين يشمل الأنبياء والمرسلين على أن المراد بذنوبهم

стр. 252

ما هو خلاف الأولى بالنسبة إلى مقامهم الأعلى، لكن يدفع هذا بأن العُرف خص المؤمنين عمّن عداهم، وأجيب أيضًا بأن المغفرة لمن تحتم عليه العذاب تخفيف ذلك عليه، [ويرد] (١) بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز، وأجيب بأنه لم يرد التصريح بأن مَن لا بُدَّ من دخوله النار يكون من مؤمني هذه الأُمة، بل يحتمل أن يكون من مسلمي الأمم السابقة"، انتهى. وهو مردودٌ بأنه وردت الأحاديث المصرّحة بذلك كادت أن تكون متواترة، كما ذكره السيوطي في "البدور السافرة في أحوال الآخرة". نَعَم، لا يبعد أن يجعل اللام للعهد، والمراد بهم المستحقون للعذاب، الداخلون في المشيئة المبهمة أنه يغفر لهم بالدعاء. (م) أي: رواه مسلم عن أبي الدرداء وأم سلمة، لكن ليس فيهما التصريح بدعاء الوالدين، ولا بعموم المؤمنين الحاضرين والغائبين، والأحياء والأموات، فإن لفظ حديث أبي الدرداء: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيبِ مستجابة، وعند رأسه مَلَك موكل، كلما دعا لأخيه، قال المَلَك الموكل به: آمين، ولك [بمثله] (٢) "، انفرد به مسلم (٣)، وحديث أم سلمة: "أنها أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، قال لها رسول الله ﷺ : قولي: "اللهم، اغفر لي وله"، رواه الجماعة إلا

стр. 253

البخاري (١)، ذكره ميرك. (وأن لا يخص نفسه بالدعاء إن كان إمامًا) وفي معناه: إن كان شيخًا مقدمًا، وهو بظاهره أعمّ من أن يكون في صلاة أو بعدها؛ لما ورد من الأدعية المأثورة بعد الصلوات بصيغة الجمع في كثير من الواردات. (د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ مرفوعًا: "ثلاثٌ لا يحلّ لأحدٍ أن [يفعلهن] (٢): [لا يؤم] (٣) رجلٌ قومًا فيخص نفسه بالدعاء [دونهم] (٤)؛ فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظرُ في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد خان، ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف"، وقال الترمذي: "حديث حسن" (٥).

стр. 254

قال المصنف: "وهو من المنهيات لحديث ثوبان يرفعه: "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلها: لا يؤم رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم … " إلى آخر الحديث، والمعنى: أن إمامهم في الدعاء كالقنوت وغيره، فإنه إذا دعا [هم] (١) يؤمنون، ويخص نفسه بالدعاء وهم لا يعلمون، فهو خيانة لهم، وأما إذا دعا في السجود لنفسه مَثَلًا وبين السجدتين، [أو] (٢) التشهد، وهو الإمام، فليس بخيانة؛ لأن كل واحد من المأمومين ينبغي أن يدعو لنفسه، وقد وردت الأحاديث وصحت عنه ﷺ أنه كان يدعو بها في الصلاة كلها وهو إمام بالإفراد، مثل قوله: "اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب … " الحديث، متفق عليه" (٣)، وقوله ﷺ إذا انتصب من الركوع: "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد … " الحديث، رواه مسلم وغيره (٤)، وقوله في السجود: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ وجلَّه، أوله وآخره"، الحديث في "صحيح مسلم" (٥)، وقوله ﷺ إذا جلس بين السجدتين:

стр. 255

"اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني … " الحديث (١)، وقوله ﷺ في دعاء التشهد وكل دعاء كان [يقوله] (٢) في صلاة الفريضة وهو إمام، ولم يرو عنه أنه دعا بلفظ الجمع" (٣)، انتهى كلامه. وحاصله: أن هذا الأمر مختص بالإمام حالة القنوت في الصبح، وهو بعيد جدًّا؛ إذ لو أراد هذا المعنى لقال: "وأن لا يقنت الإمام" بصيغة الإفراد "في قنوته"، ومع هذا يرد عليه أن قنوته ﷺ إنما كان بلفظ المفرد: "اللهم، اهدني فيمن هديت … " (٤) إلى آخره، كما بيناه في "المرقاة شرح المشكاة".

стр. 256

وقد صرح الإمام ابن الهمام بأن قول الشافعية: "اللهم، اهدنا، وعافنا" بالجمع خلاف المنقول، لكنهم [لفَّقوه] (١) من حديث في حق الإمام عام أنه لا يخص القنوت، ولا يخفى أنه ﵇ كان يقول ذلك وهو إمام؛ لأنه لم يكن يصلي الصبح منفردًا ليحفظ الراوي منه في تلك الحالة مع أن اللفظ المذكور في الحديث يفيد المواظبة على ذلك"، انتهى كلام المحقق. فينبغي أن يحمل حديث ثوبان: "لا يخص الإمام نفسه بالدعاء" على أن المراد بالتخصيص قصد حصول أثر الدعاء لنفسه دون غيره ولو كان بصيغة الإفراد، فيرجع إلى معنى ما سيأتي من قوله: "وأن لا يتحجر"، فتدبر، وأما قنوت الوتر فهو وإن ورد بصيغة الجمع لكن الإمام يقرؤه سرًّا، وكذا المأموم في مذهبنا، وقيل: "بل يُؤَمِّن". (وأن يسأل بعزم) يقال: عزمت على كذا، إذا أردتَ فعله، وقطعت عليه،

стр. 257

قال المصنف: "أي: لا يقول: اغفر لي إن شئت، [أو أعطني] (١) إن شئت؛ فإن الله تعالى لا مستكره له"، وفي رواية: "فإن الله تعالى صانع ما شاء، مانع ما شاء، لا مكره له"" (٢). (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي هريرة (٣). (وأن يدعو برغبة) [أي: بغلبة ميل] (٤). (حب، عو) أي رواه: ابن حبان وأبو عوانة عنه أيضًا (٥). (وأن يخرجه) أي: الدعاء (من قلبه بجد) أي: ببذل وسع وطاقة، [فتفسيره] (٦) قوله: (واجتهاد، وأن يُحضر) من الإحضار (قلبه، ويُحسن) من الإحسان، وقيل: "من التحسين" (رجاءه)، وهو بالمد ضد الخوف. (مس) أي: رواه الحاكم عنه أيضًا، ولفظ الحديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه (٧).

стр. 258

(وأن يكرر الدعاء) أي: في مجلس أو [في] (١) مجالس. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي (٢)، (و [أقله] (٣) التثليث) أي: تثليث الدعاء بأن يكرره ثلاثًا، وفي نسخة للجلال، وهو المطابق لأكثر النسخ [المحاضرة] (٤): "وأقله التثليث" أي: وأقل تَكرار الدعاء جعله ثلاثًا. (د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن أبي أمية المخزومي. (وأن يُلِحّ فيه) من الإلحاح، وهو المبالغة، أي: وأن يبالغ في الدعاء بالمداومة والمواظبة في الحالات، ولا يكتفي بمرة ولا بمرات، فيغاير [التكرير] (٥) والإلحاح في وقت من الأوقات. (س، مس، عو) أي رواه: النسائي، والحاكم، وأبو عوانة؛ عن عبد الله بن جعفر الطيار. (وأن لا يدعو بإثم) أي: بسبب حصول معصية، أو بما يوقعه في سيئة (ولا قطيعة رحمٍ) خصيص بعد تعميم لزيادة الإهتمام ببيانها لعظمة شأنها، ففي "النهاية": "القطيعة الهجران، ويريد به ترك البر والإحسان إلى الأقارب وهي ضد صلة الرحم". (م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي هريرة بلفظ: "لا يزال يستجابُ للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم" (٦).

стр. 259

(وأن لا يدعو بأمرٍ قد فرغ منه) بصيغة المجهول كطول قدٍّ، وبياض خدٍّ، ونحوهما من أمور مفروغ عنها، وكذا ما قدر للعبد من عمله وأجله ورزقه وشقاوته، وأن بعض الخلق في الجنة، وبعضهم في النار، كما ورد: "فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير" (١). وقال الحنفي: "الفراغ على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، ومنه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١]، والمعنى هنا على الأول"، انتهى. وهو غير صحيح في حق الله سبحانه؛ لأن معنى قوله: "فرغ ربكم من العباد" قدَّر [ربكم] (٢) أمرهم، وجعلهم فريقين، وحكم عليهم بالطريقين، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وهذا باعتبار الحكم الكلي المعين فلا ينافي

стр. 260

سؤال الإيمان للفرد الجزئي المبهم. (س) أي: رواه النسائي عن ابن مسعود، قال: "قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ : اللهم، متعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي ﷺ : لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، وأيام معدودة، لن يجعل الله شيئًا قبل حلِّه، أو يؤخر شيئًا عن حلِّه، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو [من] (١) عذاب في القبر، كان خيرًا، أو أفضل" (٢). (وأن لا يعتدي في الدعاء) أي: لا يتجاوز فيه عن حده (بأن يدعو بمستحيل) أي: شرعًا أو عادةً، مثل: طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم وجود الآدميين، (أو ما في معناه) من نزول سماءٍ، وطلوع أرضٍ، وغيرهما مما قدمناه، فإن من المحال تغيير كل أمر قدره الله سبحانه وقضاه. (خ) أي: رواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس موقوفًا، فكان من حقه أن يذكر "مَوْ" قبل رمزه، قال المصنف: "لما رواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، قال: في الدعاء وغيره (٣)، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان بأن يطلع إلى السماء، أو يحول الجبل الفلاني ذهبًا، أو يحيا له الموتى، أو

стр. 261

بأمرٍ لا يعلم حقيقته، وعن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور، والدعاء"، رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان في "صحيحهما" (١)، والاعتداء في الطهور (٢): المبالغة والتجاوز عن الحد المشروع، كالذي يزيد في الوضوء على التثليث، وفي الغسل الإسراف، ونحو ذلك، وفي الدعاء أن يدعو بمستحيل، وبما لا يجوز أن يدعو به" (٣)، انتهى. وقد فسّر الاعتداءُ في الدعاءِ بتكلّف السجع، كذا في "الأذكار" (٤)، وقال بعضهم: "الاعتداء هو طلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء"، وقيل: "هو الصياح في الدعاء"، وهو المناسب لما قبله من قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].

стр. 262

قيل: "ومنه الإطناب في الدعاء"، فقد نقل الإمام أحمد في "مسنده": "أن أحدًا من الصحابة سَمِعَ أحدًا يقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وَإِسْتَبْرَقَهَا، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها، وأغلالها، فقال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون أقوام يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية، وقال: بحسبك أن تقول: اللهم، إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل"، ورواه أبو داود أيضًا (١). (وأن لا يتحجّر) بتشديد الجيم تفعُّل من الحَجْر بفتح فسكون، بمعنى المنع بأن يقول: "اللهم، اغفر لي، ولا تغفر لغيري" أو "اللهم، لا تغفر [لفلان] (٢) "، يقال: تحجر على فلان ما وسعه الله، أي: ضيق. (خ، د، س، ق) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "أن أعرابيًّا دخل المسجد فصلى فيه، ثم دعا فقال: اللهم، ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﷺ : لقد [تحجرت] (٣) واسعًا" (٤)، قال صاحب "النهاية": "أي: ضيقت ما وسعه الله تعالى،

стр. 263

فخصصت به نفسك دون غيرك" (١)، يعني: ورحمة الله وسعت كل شيء. (وأن يسأل حاجاته كلها) أي: من الله وحده حتى مِلْح عجينه، ومن دعاء الإمام أحمد: "اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك، فصن وجهي عن مسألة غيرك" (٢). (ت، حب) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، عن أنس، ولفظ الترمذي: "قال: قال رسول الله ﷺ : [ليسأل] (٣) أحدكم ربه حاجاته كلها حتى [يسأله] (٤) شسع (٥) نعله إذا انقطع" (٦). (وتأمين الداعي والمستمع) أي: قولهما: آمين، بعد فراغ الدعاء. (خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة بلفظ: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يجبكم

стр. 264

الله" (١)، وفي رواية: أن النبي ﷺ دعا وقال في آخر دعائه: "آمين"، وروي: "آمين خاتم رب العالمين" (٢). (ومسح وجهه بيديه) أي: لا بيد واحدة كما يفعله المتكبرة، (بعد فراغه) أي: من الدعاء، أو بعد فراغ الدعاء. (د، ت، حب، ق، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن حبان، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس (٣) قال: قال النبي ﷺ : "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها؛ فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" (٤)،

стр. 265

ولعل وجهه أنه إيماء إلى قبول الدعاء، وتفاؤل بدفع البلاء، وحصول العطاء، فإن الله سبحانه يستحيي أن يرد يد عبده صفرًا خاليًا من الخير في الخلاء والملاء. قال المصنف في "شرح المصابيح": "عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه"، رواه الترمذي، وقال: "صحيح غريب"، والحاكم في "مستدركه"، ورواه أبو داود عن السائب بن يزيد، عن أبيه: "أن النبي ﷺ كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه" (١)، والعمل على هذا عند أهل العلم خلفًا عن سلفٍ، ومن [أنكر] (٢) ذلك لا شك أنه لم يقف على ما صح من هذه الأحاديث. (وأن لا يستعجل بأن يستبطئ الإجابة) أي: يعد إجابة دعائه بطيئة، (أو يقول) عطف على "يستعجل"، أي: وأن لا يقول: (دعوت فلم يستجب لي)، والفرق بينهما أن الثاني في مقام اليأس، والأول في مقام الرجاء، لكنه من عجلته في حال الإستبطاء، فـ "أَوْ" للتنويع، وقال

стр. 266

الحنفي: "كلمة "أو" للتخيير، وكلاهما تفسير للإستعجال"، فاختار عطفه على "يستبطئ"، لكن التأسيس أولى، والفرق في مقام الجمع أدعى. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ ، قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي، [فيستحسر] (١) عند ذلك، ويدع الدعاء" (٢)، وقد تقدم أن الدعاء لا يتخلف عن الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، لكن الاستجابة على أنواع سبق بيانها، وتحقق شأنها وبرهانها.

стр. 267

(آدابُ الذِّكْرِ) اعلم أن كل ما يذكر في "آداب الذكر" فهو معتبر في "آداب الدعاء" دون العكس كما لا يخفى، خلافًا لما توهم الحنفي، حيث قال: "لا خفاء في أنه كما أن الأمور المذكورة في الدعاء جارية في الذكر، كذلك ما ذكروه أيضًا جاء في الدعاء". (قال العلماء: ينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر) أي: الذاكر، وفي نسخة بصيغة المجهول، (الله فيه نظيفًا) أي: طاهرًا من الأدناس فضلًا عن الأنجاس (خاليًا) أي: عن الأشياء التي يوجب وجودها الوسواس، وفيه تنبيه على أن القلب الذي هو بيت الربّ ينبغي أن يكون طاهرًا من نجاسة حبّ الدنيا، وخاليًا عن سكون الأغيار التي تسمى السوى، كما يفيده قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]. (وأن يكون الذاكر على أكمل الصفات المتقدمة) قال الحنفي: "الأولى أن يقول: على أكثر"، انتهى. وفيه رجوع له إلى ما قدمناه عنه، لكن قد يقال: مراده من الصفات المتقدمة في الدعاء الأمور المعتبرة في الذكر والثناء، لا جميعها، فإنه أمر ظاهر، على خلاف وهم المتبادر، ولعله أشار إلى هذا بقوله: "أكمل"، فإنه مما يحتاج إليه في الحالين، فتأمل. فمعناه: أن يكون في الصفات المتقدمة المطلوبة هنا على وجه الأكمل، فإن مرتبة الذكر أفضل، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

стр. 268

(وأن يكون فمُه نظيفًا) أي: طاهرًا من النجاسة الحقيقية، وكذا من الحكمية كالكذب والغِيبة، وسائر الأقوال الدنية، (وإن كان فيه تغيرٌ) أي: حسي بسكوت كثيرٍ، أو بأكل، [أو نوم] (١) (أزاله بالسواك)، وإن كان فيه تغيرٌ معنوي أزاله بالتوبة، وإن كان فيه نجاسةٌ حقيقية، أزالها بغسلها، قال في "الأذكار": "ولو لم يغسلها فهو مكروه، ولا يحرم" (٢). (وإن كان جالسًا في موضع) [وتقييد] (٣) الجلوس؛ لأنه أفضل أحواله، إما على ركبتيه، أو بصفة التربيع، بحسب اختلاف اختيار المشايخ، وأما قوله: "في موضع"، فلمجرد التأكيد. (استقبل القبلة) أقول: وكذا إذا كان قائمًا، أو مضطجعًا، أو مستلقيًا؛ لما ورد: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (٤)، ولا شبهة أن المراد بالمجالس الأمكنة، (متخشعًا) أي: حال كونه ذا خشوع في الباطن (متذللًا) أي: ذا خضوعٍ في الظاهر، ولو بالتكلف فيهما، كما يدل عليه صيغتهما، (بسكينة) أي: مع سكون (ووقار) أي: طمأنينة، قال تعالى:

стр. 269

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، (وحضور قلب) فإن المدار عليه في نظر الرب (يتدبر ما يذكر) بصيغة الفاعل، أي: يتأمل ألفاظ ذكره، ومبناه، (ويتعقل معناه). (فإنْ) وفي نسخة: "وإن"، (جَهِل شيئًا) أي: مما يتعلق بلغته أو إعرابه (تبيّن معناه) أي: طلب بيان ما يعينه على استفادة معناه، وفي نسخة: "يبين" مضارع من التبيّن، أي: يبين باجتهاده مؤداه من مبناه ومعناه، فإن من لم يعرف معنى ما ذكره أو دعاه يقل فائدته وجدواه، وفيه إشعار بأن الذكر القليل مع الحضور خير من الكثير مع الجهل والفتور؛ ولذا قال: (ولا يحرص على تحصيل الكثرة بالعجلة) أي: [بالسرعة] (١)، فإنه يؤدي إلى أداء الذكر مع الغفلة، وهو خلاف المطلوب؛ لأن المرغوب هو الحضور مع المحبوب. ثم اعلم أنه ضبط قوله: "ولا يحرص" بكسر الراء مرفوعًا على أنه نفي معناه نهي، وهو أبلغ، وفي نسخة وقع مجزومًا، وفي أخرى منصوبًا على تقدير: وأن لا يحرص، ويجوز فتح رائه كما في نسخة أيضًا؛ ففي "القاموس" أنه من باب "ضَرَبَ وسَمِعَ" (٢). (فلذلك) أي: لما ذكر من التدبر والتعقل وعدم الحرص، وهو الأنسب من جعل الإشارة إلى الأخير، وإن كان أقرب (استحبّوا) أي: المشايخ والعلماء (أن يمد) أي: الذاكر (صوته) وفي نسخة بصيغة

стр. 270

المجهول، وضمير "صوته" إلى الذكر أو الذاكر، والمراد: أن يمد في موضع يجوز مده كألفِ "لا"، لكن لا يزيد على قدر خمس ألفات، فإنه أكثر ما ثبت عنه ﷺ عند [القراء] (١) مع تجويز القصر في الأداء، وأما مد "إله"، فلحنٌ لا يجوز زيادة على قدر ألف يسمى مدًّا طبيعيًّا وذاتيًّا. وكذلك في لفظ الجلالة وَصْلًا، [وجوز] (٢) مدّه أيضًا للتعظيم، وأما وقفًا فيجوز طوله وتوسطه وقصره، والأول أولى، لكنه قدر ثلاث ألفات على المختار، ولا يجوز الوقف على "إله"؛ لأنه يوهم الكفر. وقد قال بعض [العارفين] (٣): "بعض الكلمة الطيبة كفر، وبعضها إيمان"، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي: لا انقطاع، والطاغوت هو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله، أو جميع ما سواه، وبحثه طويل، وتحقيقه جليل، ذكرناه في "شرح حزب الفتح" للشيخ أبي حسن البكري، قدس سره السري، عند قوله: "أستغفر الله مما سوى الله" (٤). ثم لا يلزم من مدّ الذكر الرفع، فإنه ممنوع مطلقًا كما قال بعضهم،

стр. 271

ويؤيده قوله ﷺ لأصحابه حين بالغوا في رفع أصواتهم حال أذكارهم: "ارْبَعُوا (١) على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم"، وهو حديث اتفق الشيخان على تخريجه في "صحيحهما" (٢)، أو منهي في بعض المواضع، [إذ الذكر في بعض المواضع] (٣) مما يشوش على [السامع] (٤) كما في المدارس والجوامع، فقد صرح بعض عُلمائنا بأن رفع الصوت حرام في المسجد، ولو بالذكر، ثم هو عام في الذكر اللساني والذكر الجناني. (بقوله) وفي نسخة: "بقول": (لا إله إلا الله) أي: ملاحظًا في النفي ما سواه، وفي الإستثناء شهود الإله، والتقدير: لا إله موجود أو معبود أو مطلوب أو مشهود إلا الله بحسب مقامات أهل الذكر، وحالات ذوي الفكر. (وكل ذكر مشروع) أي: مأمور به في الشرع (واجبًا) أي: فرضًا اعتقاديًّا أو عمليًّا (كان أو مستحبًّا) أي: سنة مؤكدة، أو غيرها (لا يعتد)

стр. 272

بصيغة المجهول، أي: لا يعتبر (بشيء منه حتى يتلفظ به) أي: [الذاكر] (١) (ويسمع نفسه)، وهذا الإسماع أقل الإخفاء عند الجمهور، وفي مذهبنا هو القول المشهور، وقيل: "أقله تصحيح الحروف" (٢)، وهو مجرد التلفظ من غير أن يكون هناك صوت يسمع، وهذا كله فيما أمر الشارع بأن يذكر باللسان، كما في قراءة الصلاة، وتشهدها، وتسبيحاتها، وتكبيراتها، وسائر أذكارها، وأدعيتها. وليس معناه أن من يذكر الله بقلبه من غير أن يتلفظ بلسانه لا يكون في الشرع معتدًّا به؛ لأن مداومة الذكر لا يتصور بدون اعتباره، بل هو أفضل أنواعه، فقد أخرج أبو يعلى الموصلي في "مسنده" عن عائشة ﵂، قالت: "قال رسول الله ﷺ : لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحَفَظة سبعون ضعفًا، إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق لحسابهم، وجاءت الحَفَظة بما حفظوا، وكتبوا، قال لهم: انظروا هل بقي له من شيء؟ فيقولون: ما تركنا شيئًا مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه وكتبناه، فيقول الله: إن لك عندي [خبيئًا] (٣) لا تعلمه، وأنا أجزيك به، وهو الذكر

стр. 273

الخفي" (١)، ذكره السيوطي في "البدور السافرة في أحوال الآخرة" (٢)، وفي "الجامع": "خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي" (٣)، كما رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (٤). (وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شرع بغيره) وفي نسخة: "لغيره"، أي: إلا في موضع شرع الذكر لغير القرآن، أو مخصوصًا بغيره، كالركوع والسجود، ونحو ذلك مما شرع لغيره من التسبيح، والتحميد، والتسميع، والتشهد، وأمثالها، فإنه حينئذٍ مكروه. (وليس فضل الذكر منحصرًا في التهليل والتسبيح والتكبير) أي: ونحوها كما [يتوهمه] (٥) العامة، (بل كل مطيع لله تعالى في عمل) أي: مشي، وجلوس، وقيام، ونيام، وبيع، وشراء، وجماع، وأكل، وشرب، وأمثال ذلك، (فهو ذاكر) أي: حكمًا، فإنه حيث راعى حكمه تعالى في

стр. 274

فعله، فقد ذكره، ولم يغفل أمره، "قال عطاء ﵀: "مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام" (١)، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا"، ذكره في "الأذكار" (٢). والحاصل: أن المطيع المذكور له فضيلة الذكر، وثوابه، لا أنه ذاكرٌ لغةً أو اصطلاحًا، فاندفع قول الحنفي: "الظاهر أن يقول: وليس الذكر منحصرًا في التهليل … " إلى آخره، وأما قوله: "وهذا الكلام وما بعده لا يناسب ذكرهما هنا، [أعني] (٣) في آداب الذكر، بل المناسب أن يذكر في بيان فضل الذكر فيما سبق [ذكره] (٤) "، فغير مناسب جدًّا؛ إذ فضل الذكر منحصر في الأحاديث الواردة في فضل الذكر، ويكفي في المناسبة هنا أنه حيث ذكر آداب الذكر، فقد يتوهم أن فضل الذكر منحصر في الذكر المصطلح دفعه استطرادًا بقوله: "وليس فضل الذكر". ثم لا شك أن من جملة آداب الذكر أنه إذا كان له ورد إن فات منه أن يتداركه، قال المصنف: "أي: إذا كان مخلصًا لله تعالى، ذاكرًا له بقلبه؛ ولذلك قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على

стр. 275

كل أحيانه" (١)، ولم تستثنِ حالة من حالاته، وهذا يدل على أنه كان لا يغفل عن ذكر الله تعالى؛ لأنه كان ﷺ مشغولًا بالله، ذاكرًا له في كل أوقاته، وأما في حالة التخلي فلم يكن أحد يشاهده، لكن شرع لأمته قبل التخلي وبعده ما يدل على [الاعتناء] (٢) بالذكر، [وكذلك] (٣) عين من الذكر عند الجماع، كما سيأتي كل ذلك، فالذكر عند نفس قضاء الحاجة، ونفس الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع، وأما الذكر باللسان حالتئذٍ فليس مما شرع لنا، ولا ندبنا إليه ﷺ ، ولا نقل عن أحدٍ من الصحابة، بل يكفي في هذه الحالة الحياء، والمراقبة، وذكر نعمة الله تعالى في إخراجه هذا [المؤذي] (٤) الذي لولم يخرج لقتل صاحبه، وهذا من أعظم الذكر، ولو لم يقل باللسان" (٥). (قالوا) أي: العلماء: (وإذا واظب العبد) أي: السالك (على الأذكار المأثورة) أي: المروية (عنه ﷺ ) وفي نسخة: "على أذكار المأثورة" بإضافة الموصوف إلى الصفة (صباحًا ومساءً) أي: أول النهار وآخره

стр. 276

(وفي الأحوال، والأوقات المختلفة ليلًا ونهارًا، كان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات) أي: على ما سبق من المقالات. (وينبغي لمن كان له ورد في وقت من ليل أو نهار، أو عَقِيبَ صلاة) وفي نسخة: "عقب صلاة"، بدون ياء، وهو مجرور في النسخ المعتمدة، وفي نسخة بالنصب على الظرفية (أو غير ذلك) أي: غير ما ذكر من جمعة، أو شهر، أو سنة، وهو مجرور، أو منصوب بناء على خلاف ما قبله، (ففاته) أي: ورده بعذر أو غيره (أن يتداركه) أي: صاحب الورد، وهو متعلق بقوله: "ينبغي"، وكذا قوله: (ويأتي به) عطف تفسير لما قبله، أي: وينبغي تداركه وإتيانه بما فاته (إذا أمكنه) أي: قدر عليه، ولم يكن مانع لديه، (ولا يهملَه) بالنصب، أي: وينبغي أن لا يتركه بالكليّة، فإن الإهمال سبيل البطال، (ليعتاد) متعلق بـ "يتداركه"، أي: ليتعود (الملازمة عليه) أي: المداومة والمحافظة على الورد، (ولا يتساهل) أي: ولئلا يتسامح (في قضائه) أي: فيؤدي أيضًا إلى ترك أدائه، ولا يبعد أن يكون التقدير: "وأن لا يتساهل في قضائه"، فيصير تأكيدًا لما سبق. وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب ﵁: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأ من الليل" (١)، ذكره في "الأذكار" (٢)، وفي "الشمائل" للترمذي:

стр. 277

"عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا لم يصلّ بالليل منعه من ذلك النوم، أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشْرة ركعة" (١)، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] ". وأما ما اشتهر على ألسنة العوام من أن "صاحب الورد ملعون، وتارك الورد ملعون" (٢)، فلا أصل له، بل ولا فصل له.

стр. 278

(أوقات الإجابة) أي: هذه أوقات هي أقرب إلى إجابة الدعوة، أو أوقات ورد بيانها في السنة للاستجابة. (ليلة القدر) أي: منها، أو أحدها ليلة القدر، أو يلاحظ الربط بعد العطف، فأوقات الإجابة مجموع الأزمنة المذكورة. (ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن عائشة (١)، ثم تخصيصُ ليلةِ القدرِ لشرفِها، وفضلِها، ورجاءِ الإجابةِ في جميعِها، وإلا فكلُّ ليلَةٍ محلُّ الإجابةِ؛ لحديثِ جابرٍ عند مسلمٍ، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة" (٢)، والخلاف في تعيين ليلة القدر مشهور، وفى الكتب المبسوطة مسطور.

стр. 279

(ويوم عرفة) أي: خصوصًا بعد الزوال في عرفات حال كونه مُحْرِمًا. (ت) أي رواه: الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ ، قال: "خير الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " (١) إلى آخره. (وشهر رمضان. ر) أي: رواه البزار عن عبادة بن الصامت، ورواه الطبراني أيضًا، ولفظه: عن عبادة [بن الصامت] (٢) أن رسول الله ﷺ قال يومًا وحضر رمضان: "أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، وينظر فيه إلى تنافسكم، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله" (٣)، قال الحافظ المنذري: "رواته ثقات إلا محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل" (٤).

стр. 280

قلت: الأصل التعديل، فعليه التعويل. (وليلةُ الجُمعةِ) [بضمهما] (١) [وتسكين الميم، وتفتح] (٢) أيضًا على ما في "القاموس" (٣)، ووجه الفتح أنها تجمع الناس فيكثرون فيها، كما يقال: همزة لمزة، لمن يكثر الهمز واللمز فيه. (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "أنه قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين اشتكى إليه تفلت القرآن من صدره: إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر، فإنها ساعة [مشهودة] (٤)، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] يقول: حتى يأتي ليلة الجمعة" (٥). (ويوم الجمعة. د، س، ق، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي،

стр. 281

وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة (١) يوم الجمعة، من حين تصبحُ حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجن والإنس، فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه" (٢)، ورواه مالك في "الموطإ" (٣)، وهذا لفظه، وأبو داود، والترمذي، وقال: "صحيح" (٤)، والنسائي، والحاكم، وقال: "صحيح على شرطهما"، ذكره ميرك. ولا يخفى أنه ليس في الحديث ما يدل على الإجابة في مطلق يوم المجمعة وساعة الجمعة سيأتي [بيانها] (٥)، اللهم إلا أن يقال: لما كانت

стр. 282

تلك الساعة مبهمة محتملة أن تكون في كل ساعة صح أن اليوم بكماله زمان رجاء الدعوة في الجملة. (ونصف الليل. ط) أي: رواه الطبراني، ولم يعرف الصحابي (١)، (الثاني) صفة للنصف، أي: ونصف الثاني من الليل، والتقدير: نصف الليل الثاني. (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى (٢). (وثلث الليل) بضم اللام ويسكن، (الأول) صفة المضاف. (أ، ص) أي رواه: أحمد وأبو يعلى أيضًا، لكن لم يعرف صحابيهما أيضًا (٣). (وثلث الليل الآخر) مرفوعٌ، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل

стр. 283

على ما في "النهاية" (١). (أ) أي: رواه أحمد، وصحابيّه غير معروف (٢)، (وجوفه) أي: وجوف ثلث الليل الآخر، وهو المراد بما رواه الترمذي، والنسائي عن أبي أمامة، قال: "قلنا: يا رسول الله، أي: الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر … " (٣) الحديث، ولا يبعد أن يكون التقدير "جوف الليل" على مراعاة الاستخدام في الكلام، أو على رد الضمير إلى المضاف إليه في الكلام، كما جوز في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالمراد به حينئذٍ جميع ساعاته على سبيل الإبهام؛ لما في حديث مسلم عن جابر كما تقدم (٤)، والله أعلم. (د، ت، س، مس، ط، ر) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والطبراني، والبزار، عن عمرو بن عَبَسَةَ (٥).

стр. 284

(ووقت السحر) وهو قبيل الصبح على ما ذكره الجوهري (١)، والسدس [الآخر] (٢) على ما قاله الزمخشري (٣)، وقد قال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيَه؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟ " (٤). قال ميرك: "رواه الجماعة، وزاد النسائي وابن ماجه: "حتى يطلع الفجر"، وفي رواية لمسلم: "إن الله يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول"، وفي رواية أخرى: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه"، انتهى. ولا

стр. 285

يخفى حمل صعوبته على المدعى. (وساعة الجمعة أرجى ذلك) أي: أرجى ما ذكر من الأوقات المذكورة في حصول الإجابة، وفيه نظر؛ إذ لا دليلَ يظهر على أنها أرجى من ليلة القدر، وكذا من يوم عرفة بعرفة، (ووقتها) أي: وزمان تلك الساعة لحصول الإجابة (ما بين أن يجلس الإمام في الخطبة) أي: "على المنبر" كما في رواية، وفي نسخة: "للخطبة"، أي: بين الخطبتين، كذا ذكره الطيبي (١) وغيره (٢). والأظهر أن المراد: جلوسه أول طلوعه، وهو وقت حرمة الكلام لغيره، (إلى أن تقضى الصلاة) بصيغة المفعول، أي: تؤدى، وفي نسخة بصيغة المعلوم المذكر، أي: إلى أن يقضي الإمام الصلاة ويفرغَ منها. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن أبي موسى الأشعري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضيَ الصلاة" (٣)، فالمراد بالدعاء دعاء الإمام في الخطبة والصلاة، لشمول دعائه الأمة، أو دعاء المأمومين بلسان الحال في مقام الطاعة، أو في غير
следующие страницы →