← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 317

وسيجيء في هذا الكتاب في أذكار الحج، ذكره ميرك. واعلم أن زمزم بئر مباركة معروفة بمكة، [وقصّتها] (١) مشهورة، وفي كتب السير [مسطورة] (٢)، سميت بها لِزَمِّ هاجر أم إسماعيل - أي: ضمها - لمائها حين انفجرت، وقيل: "لِزَمِّ جبريل وكلامه عند فجره إياها" (٣)، فيكون من الزمزمة، وقيل: "لأنها مشتقة من [الهزمة] (٤)، وهي: الغمز بالعقب في الأرض" (٥)؛ لأن ماء زمزم خرج بغمز رِجْل إسماعيل ﵇، ونقل عن البلقيني (٦) أن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر؛ لأن به غسل صدر النبي ﷺ ، ولم يكن يغسل إلا بأفضل المياه.

стр. 318

آقول: ويمكن أن يقال: يكفي في مزيته أنه أفضل مياه الأرض خصوصًا، وقد حصل على سبيل خرق العادة ببركة قدم جده ﷺ ، ويدل على قولنا ما رواه ابن حبان بإسناد جيد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام طعم، وشفاء سقم" (١)، وهو: بضم الطاء وسكون العين، أي: يشبع شاربها كما يشبعه الطعام. هذا، وأخرج مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: "إنها مباركة؛ إنها طعام طعم" (٢)، زاد البزار، والطيالسي: "وشفاء سقم" (٣)، وروي عن ابن عباس أنه قال: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يُتْحِفَ الرجل بتحفة، سقاه من ماء زمزم" (٤)، أخرجه الدمياطي، وقال: "إسناده صحيح"، ذكره ميرك.

стр. 319

هذا، والماء الذي نبع من بين أصابعه ﵇ كان أفضل المياه بلا شبهة. (والحضور) بالرفع، أي: من جملة أحوال الإجابة حالة الحضور، وفي نسخة بالجر، أي: عند حضور الداعي وحال وصوله (عند الميت) بالتشديد ويخفف، والمراد به: المحتضر، ويحتمل: الميت الحقيقي، والحديث الآتي في تغميض الميت يدل على أنه أظهر. (م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا؛ فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون" (١)، قال ميرك: "رواه الجماعة إلا البخاري". (وصياح الديكة) بكسر الدال وفتح التحتية، جمع الديك كالفِيَلَةِ والفيل، والقِرَدة والقرد، والصياح مرفوع، وفي نسخة مجرور، أي: وعند صيحة الديك وصوته، فإن المراد بها جنس الديك كما يفهم من التعليل في الدليل، ولعل إتيانه بصيغة الجمع ليفيد الأنواع. (خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا

стр. 320

الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكًا" (١)، رواه الجماعة إلا ابن ماجه، ذكره ميرك. وفي "الجامع": "إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا"، رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي (٢) " (٣)، فاتفق الجماعة على تخريج الحديث، مع زيادة الإمام أحمد، فرموز المصنف لا تخلو عن قصور (٤)، وفي نسخة بالدال بدل التاء، لكنها ضعيفة. قال القاضي عياض: "في صياح الديكة رجاء تأمين الملائكة" (٥). قلت: الأظهر أن يقال: لأن عند ذكر الصالحين وحضورهم ونزولهم

стр. 321

تنزل الرحمة، بخلاف الظالمين والفَسَقة والفَجَرة، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور من مقابلته بقوله: "وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا". (واجتماع المسلمين) بالوجهين، ثم كل ما يكون الاجتماع فيه أكثر، كالجمعة، والعيدين، وعرفة يتوقع فيه رجاء الإجابة أظهر. (ع) أي: رواه الجماعة عن أم عطية الأنصارية (١). (وفي مجالس الذكر) وفي معناها مجالس العلم والتلاوة. (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث أبي هريرة المتقدم في فضل الذكر (٢). (وعند قول الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا:

стр. 322

آمين؛ يجبكم الله" (١). (وعند تغميض الميت) أي: إغماض عينيه بعد خروج رُوحه. (م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة، قالت: "دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة بعدما مات وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا خرج تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في العليين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه" (٢). (وعند إقامة الصلاة. ط، مر) أي رواه: الطبراني، وابن مردويه، ولم يعرف صحابيّهما، وفي نسخة صحيحة: "عن سهل بن سعد

стр. 323

[الساعدي] (١) "، وهو الظاهر مما سيأتي (٢). (وعند نزول الغيث) أي: المطر. (د، ط، مر) أي رواه: أبو داود، والطبراني، وابن مردويه، من حديث سهل بن سعد الساعدي (٣). (رواه) أي: روى قبول الدعاء عند نزول الغيث، والظاهر أن يقال: ورواه (الشافعي في "الأم") وهو اسم كتاب له، كأنه أصل مذهبه (مرسلًا)، وهو يحتمل أن يكون مطلقًا غير منسوب إلى أحد، أو مقيدًا عن سهل بن سعد السابق رمزه، أو أرسله الشافعي بنفسه إلى النبي ﷺ ، فإنه نوع من الإرسال أيضًا (٤).

стр. 324

(وقال) أي: الشافعي (١) زيادة على الإرسال، (قد) وفي نسخة: "وقد" (حفظت من) وفي نسخة صحيحة: "عن" (غير واحد) أي: عن كثير من السلف (طلب الإجابة عنده) أي: عند نزول الغيث. (قلت: وعند رؤية الكعبة. ط) أي: رواه الطبراني عن أبي هريرة، بلفظ: "يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة" (٢). قال ميرك: "وإسناده ضعيف". قلت: يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال اتفاقًا، ويؤيده أنه ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا ومهابة"، رواه الطبراني عن حذيفة بن أسيد (٣). هذا، وفي قوله: "قلت" إشعار بأن أحدًا من العلماء قبله لم يعدها من أحوال الإجابة، وإن كان مأخذها موجودًا في السنة.

стр. 325

(وبين الجلالتين) أي: في قوله تعالى: ﴿رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (في الأنعام) أي: في سورته. (حفظنا ذلك مجربًا) حال من المفعول، (عن) وفي نسخة: "من" (غير واحد من أهل العلم). (ونص عليه الحافظ عبد الرزاق) أي: ابن رزق الله، محدث الجزيرة، توفي سنة إحدى وستين وست مئة (١)، كذا في "التصحيح"، (الرَّسْعَنِيّ) بفتح الراء وسكون السين وفتح العين ونون مكسورة وياء مشددة، نسبة إلى بلدة من بلاد ديار بكر، يقال لها: رأس العين، وماء دجلة يخرج منها، كذا في "الأنساب" (٢). (في "تفسيره" (٣) عن الشيخ العماد) بكسر العين (المقدسي) بفتح

стр. 326

الميم وكسر الدال (١)، قال ميرك: "وكذا نص عليه الشيخ الخطيب شرف الدين التبريزي (٢) في "تفسيره"".

стр. 327

أماكن الإجابة (أماكن الإجابة فكالمواضع (١) الشريفة) أي: الثابتة الواردة أن الدعاء يستجاب فيها، وكان الأظهر أن يقول المصنف: هي المواضع الشريفة. (قال الحسن البصري) (٢) بفتح الباء [وتكسر] (٣) ﵀ وهو من أجلّاء التابعين، بل قيل: "إنه أفضلهم"، لكن الصحيح أن خير التابعين أويس القرني على ما ورد به الخبر (٤)، والمراد به أنه أكثر ثوابًا، وإلا فلا شك أن الحسن أكثر فضيلة منه، وكذا سعيد بن المسيب وأمثاله من التابعين، (في رسالته) أي: في كتابته المرسلة (إلى أهل مكة) أي: إلى بعضهم حين يريد أن يتحول منها إلى غيرها من البلدان، وهي مشتملة على أحاديث وردت في فضل المجاورة بمكة، وقال فيها أيضًا: (إن الدعاء يستجاب هناك) أي: في ذلك البلد، يعني: مكة وما حولها.

стр. 328

(في خمسة عشر موضعًا) وهو لا يفيد الحصر ليرد عليه أنه ثمة مواضع أخر يستجاب الدعاء فيها، كالمستجار، والركن اليماني، وما بين الركنين، ودار الأرقم المشهور الآن بـ "دار الخيزران" (١) التي كان ﷺ وأصحابه فيها مستخفين من الكفار حتى أسلم عمر ﵁ فيه، وأعز الله الإسلام به، وكذا مولده ﷺ ، وبيت خديجة ﵂، وغار ثور وحراء (٢) وأمثال ذلك.

стр. 329

(في الطواف) بدل تفصيل بإعادة العامل، أي: في موضعه المعبر عنه بالمطاف، وإلا فنفس الطواف ومباشرته من جملة أحوال الإجابة، والظاهر: أن المراد به المحل المعهود في زمنه ﷺ ، وإلا فالمسجد الشريف كله يجوز فيه الطواف، لكن كل ما يكون أقرب إلى البيت فهو أفضل، بشرط أن يجتنب عن المرور على الشَّاذَرْوَانِ (١)، ثم الظاهر: أن الدعاء مستجاب [في] (٢) حال مباشرة الطواف، ودعواته المأثورة مشهورة، ولا يبعد أن يكون مطلقًا.

стр. 330

(وعند الملتزم) وهو ما بين الركن والباب، فهو تخصيص بعد تعميم، ومحله بعد الطواف قبل ركعتي الطواف، وقيل: بعدهما، وهو أن يتشبث بأستار الكعبة، ويضع خده ووجهه عليه، ويلصق سائر بدنه إليه، ويدعو نحو: "اللهم إني وقفت ببابك، والتزمت بأعتابك، أرجو رحمتك، وأخشى من عذابك. اللهم حرم شعري وجسدي على النار"، ومن دعائه: "يا [واحد] (١) يا ماجد، لا تزل عني نعمة أنعمت بها عليَّ" (٢). (وتحت الميزاب) الظاهر أنه من داخل الحجر، ويحتمل أن يراد به محاذيه من المطاف. (وفي البيت) أي: وفي داخله، ويقول حينئذٍ: "اللهم يا رب البيت العتيق، أعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار، اللهم كما أدخلتني بيتك فأدخلني جنتك، اللهم يا خفي الألطاف، آمنا مما نخاف"، وكذا الحطيم حكمه حكم البيت على ما ورد به الحديث، وقال ابن العربي خلصنا الله به: من صنيع سَدَنَة الكعبة. (وعند زمزم) أي: عند الوقوف على قرب بئرها، أو مع شرب مائها، فإن ماء زمزم لما شرب له، ويقول: "اللهم إني أسألك عِلْمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داءٍ" (٣).

стр. 331

(وعلى الصفا والمروة) أي: بدعواتهما المأثورة وغيرها كما سيأتي في محالها، وهل يختص بحال مباشرة سعي أحد النسكين، أو المراد مطلق الوقوف عليهما؟ فالأول مجزوم، والثاني محل توقف، وفضل الله واسع. وكذا الكلام في قوله: (وفي المسعى) وهو ما بين الصفا والمروة. (وخلف المقام) أي: مقام إبراهيم بعد أداء ركعتي الطواف، ويدعو بدعاء آدم ﵇، على ما ورد به الحديث الشريف: "اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي، فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي، فاغفر لي [ذنوبي] (١). اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضاء بما قسمت لي" (٢). (وفي عرفات) أي: في يوم عرفة حال تلبسه بإحرام الحج بعد الزوال إلى الصبح. (وفي المزدلفة) أي: في ليلة العيد إلى قبيل طلوع الشمس. (وفي منًى) بالقصر، وفي نسخة بالتنوين فيكتب بالألف، وظاهره أن

стр. 332

جملة منًى محلّ إجابة الدعوة؛ لأن منازل منًى حينئذٍ أماكن الحجاج، ودعوتهم مستجابة، لا سيما في أثناء العبادة، خصوصًا في مسجد الخيف. (وعند الجمرات الثلاث) في "الْمُغْرِب": "الجمرات هي الصغار من الأحجار، وبها سميت المواضع التي تُرْمَى جمارًا لما بينهما من الملابسة" (١)، انتهى. والظاهر تقييدها بأوقاتها المعروفة. (قلت: وإن لم يُجَبْ) بصيغة المجهول، أي: إن لم يستجب (الدعاء عند النبي ﷺ ) أي: عند قبره (ففي، أي: موضع) أي: يستجاب، وفيه أن الحسن البصري ما التزم في رسالته حصر المواضع الشريفة، وإنما ذكر بعض المواضع من مكة المنيفة ترغيبًا للمجاورين، وحثًّا للمقيمين على اغتنام الدعوات فيها رجاء الإجابة بها. قال المؤلف: "وبيانه: أنه إذا كان الدعاء مجابًا في هذه الأماكن المتبركة، فلا أبرك من موضع ضم سيد المرسلين [وخاتم النبيين] (٢)، وقد أجمع من نعرفه من العلماء المعتبرين على أن البقعة التي دفن فيها أفضل بقاع الأرض، ولا شك عندنا أنه ﷺ يسمع دعاء من يدعو، كما يسمع سلام من يسلم عليه ويصلي عليه، اللهم صل وسلم عليه" (٣).

стр. 333

قلت: بل قيل: "موضع ضم أَعْظُمَهُ أَعْظَمُ من العرش"، والله سبحانه أعلم (١).

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 335

وكذا يستجاب في سائر مواضع مسجده الشريف، كالمنبر المكرم، والأسطوانات المعظمة، وباقي مشاهد المدينة، والآبار المنسوبة إليه، ومقابر أصحابه من البقيع وأُحُد، وكذا مسجد قباء، وسائر المساجد المأثورة (١). (على أنّا) متعلق بالسابق، أي: مع أَنَّا (قد روينا) بصيغة المجهول مخففًا، وقد يشدد، وفي نسخة علي بناء الفاعل، قال الحنفي: "هو على تأويل قرأنا وسمعنا في كتاب فلان، والصحيح المختار الذي عليه أهل الحديث هو الأول، على معنى: ألقي إلينا سماعًا أو إجازة أو رواية أو نحوها، أي: نقل إلينا"، انتهى. ولا يخفى أنه غير ملائم لقوله: "حديثًا"، فالأنسب أن يقال: إنه من باب الحذف والإيصال، والتقدير: أن مشايخنا رووا لنا. (في استجابة الدعاء في الملتزم حديثًا مسلسلًا من طريق أهل مكة) (٢)،

стр. 336

والمسلسل: نوع من أنواع الأسانيد، ومحله كتب أصول الحديث، ومجمله ما ذكره الطيبي: "أنه ما تتابع فيه رجال الإسناد عند روايته على حالة واحدة" (١).

стр. 337

(الذين يستجاب دعاؤهم) أي غالبًا (المضطر) قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]: "هو المكروب"، وروي عنه المجهود (١)، وهو في أصل اللغة: المحوج الملجئ إلى الشيء. (خ، م، د) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، من حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار (٢)، ذكره ميرك، وفيه إيماء إلى أنه لا ينافي كون الاضطرار [سببًا للإجابة] (٣) أن ينضمّ إلى سبب آخر من التوسل بالأعمال الصالحة السابقة المخلصة. (والمظلوم. ع) أي: رواه أصحاب الكتب الستة من حديث ابن عباس (٤)، ولم أَرَ لفظ حديثهم، نَعَم، في "الجامع": "اتقوا دعوة المظلوم؛

стр. 338

فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي، لأنصرنّك ولو بعد حين"، رواه الطبراني في "الكبير"، والضياء، عن خزيمة بن ثابت (١)، ورواه الحاكم عن ابن عمر، ولفظه: "اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة" (٢) " (٣). (وإن كان) أي: المظلوم (فاجرًا) فـ "إن" وصلية متعلقة بما قبله، فيفيد أن " [دعوة] (٤) المظلوم" في رواية الجماعة مطلقة، وعند غيرهم مقيدة بالجملة المؤكدة. (أ، ر، مص) أي رواه: أحمد، والبزار، وابن أبي شيبة، من حديث أبي هريرة، ولفظ أحمد: "قال [النبي] (٥) ﷺ : دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه" (٦)، وإسناده حسن، ذكره ميرك.

стр. 339

وفي "الجامع": "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه"، رواه الطيالسي عن أبي هريرة (١) " (٢)، والظاهر: أن المراد بالفاجر: الفاسق، ويحتمل أن يكون المراد به: الكافر؛ لقوله: (ولو كان) أي: المظلوم (كافرًا) و"لو" وصلية، وهو من التفنن في العبارة. (حب، أ) أي رواه: ابن حبان وأحمد من حديث أبي ذر الغفاري: "قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالًا كلها: أيها الملك المسلّط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر" (٣)، ورواه أحمد من حديث أنس مرفوعًا: "دعوة المظلوم - وإن كان كافرًا - ليس دونها حجاب" (٤)، كذا ذكره ميرك. فكان حق المصنف أن يقدم الإمام أحمد. وفي "الجامع": "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا؛ فإنه ليس دونها

стр. 340

حجاب، رواه: أحمد، وأبو يعلى، والضياء، عن أنس (١) " (٢). وقد اختلف أصحابنا الحنفية في أن دعوة الكافر هل تستجاب أم لا؟ والفتوى على أنه يجوز أن تستجاب على ما ذكره البرجندي (٣)، والتحقيق: أن دعاء الكفار في الدنيا حال الاضطرار يستجاب، كما أخبر الله سبحانه بقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وما ذاك إلا ببركة التوحيد الحاصل بالاضطرار، فيطابق عموم قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] أي: في ضياع وبطلان، فهو مقيد بحالهم في الآخرة، كما يدل عليه [سابق] (٤)

стр. 341

الآية، ومنه قولهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨]، [و] (١) المعنى: وما دعاؤهم إلا في أمر ضائع غير مهم في دينهم، وفيما ينفع في آخرتهم، وقد استجاب الله دعوة إبليس لما قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨] (٢). (والوالد) أي: "دعاؤه لولده" كما في رواية. (د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم" (٣)، وفي رواية: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم [حين] (٤) يفطر،

стр. 342

والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي، لأنصُرَنَّك ولو بعد حين" (١)، ذكره ميرك. وفي "الجامع": "ثلاثة يستجاب دعوتهم: الوالد، والمسافر، والمظلوم، رواه أحمد، والطبراني في "الكبير"، عن عقبة بن عامر (٢) " (٣)، وفيه أيضًا: "دعاء الوالد يفضي إلى الحجاب، رواه ابن ماجه عن أم حكيم (٤)، وروى الديلمي في "مسند الفردوس": "دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته" (٥) " (٦). والظاهر: أن دعوة الوالدة مستجابة بالأولى؛ فإن بر الأم سبب

стр. 343

لاستجابة دعاء الولد، كما ورد في حق أويس القرني (١)، ولا يبعد أن يراد بالوالد الشخص الذي يلد، وهو يعمّ الوالدين، بل الأم بحقيقة الولادة أتم، والله أعلم. (والإمام العادل. ت، ق، حب) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان؛ كلهم عن أبي هريرة (٢)، ذكره ميرك. وفي "الجامع": "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب ﵎: وعزتي، لأنصُرَنَّك ولو بعد حين، رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة (٣) " (٤)، وروى البيهقي عن أبي هريرة: "ثلاثة لا يرد الله دعوتهم: الذاكر الله كثيرًا، والمظلوم، والإمام المقسط" (٥). (والرجل الصالح. خ، م، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم وابن ماجه (٦)،

стр. 344

قال ميرك: "كلهم عن ابن عمر [قال] (١): "رأيت في المنام كأن في يدي سَرَقَةً، أي: قطعة من حرير، لا [أهوي بها] (٢) إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ ، فقال: إن أخاك رجل صالح"، متفق عليه (٣) "، انتهى. ولا يخفى أنه لا يفهم منه رواية ابن ماجه، مع أنه لا دلالة للحديث على المدعى (٤)، وهو: قبول دعوة الصالح. (والولد البارّ بوالديه) بر الوالدين هو الإحسان إليهما، والقيام بحقهما، وطلب رضاهما، وضده العقوق. (م) أي: رواه مسلم من حديث عمر ﵁، أنه قال لأويسٍ القرني: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قَرَن،

стр. 345

كان فيه برص فبَرَأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو [بها] (١) برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فلو استطعت أن يستغفر لك فافعل، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فاسْتَغْفَرَ لَهُ" (٢)، انفرد به مسلم، ذكره ميرك. ثم الشيخ ما قصد حصر من يستجاب دعوته ليرد عليه أنه ما ذكر المريض، مع أنه روى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخلت على مريض، فمره يدعو لك؛ فإن دعاءه كدعاء الملائكة" (٣)، والحديث في "المشكاة" (٤). (والمسافر) أي: في سبيل الله، كالحج والغزو وطلب العلم، ويحتمل إطلاقه. (د، ر، ق) أي رواه: أبو داود، والبزار، وابن ماجه (٥)، وفي نسخة صحيحة بدل القاف رمز الترمذي، وهو ليس في "نسخة الجلال"، لكن قال ميرك: "كلهم من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن (٦) ". أقول: وقد سبق الرواية عن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه،

стр. 346

وسيجيء [عن] (١) البزار في قوله: (والصائم حين يفطر) بضم الياء وكسر الطاء، وفي نسخة صحيحة: "حتى يفطر"، فإنه قال ميرك: "روى البزار: ثلاث حق على الله أن لا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع" (٢). (ت، ق، حب) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان (٣)، قال ميرك: "كلهم عن أبي هريرة"، انتهى. ولم يظهر رواية ابن حبان لا هنا ولا فيما تقدم، والله أعلم. (والمسلم لأخيه) أي: المؤمن (بظهر الغيب) أي: في حال غيبته عنه؛ لأنه أبعد عن الرياء والسمعة، وأقرب إلى الإخلاص، والظهر مقحم. (م، د، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن أبي شيبة، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وفي نسخة صحيحة: "من حديث أبي الدرداء"، قال ميرك: "ولفظه: دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، وعند رأسه مَلَك موكل به، يقول: آمين، ولك بمثله" (٤). وفي "الجامع": "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين،

стр. 347

ولك بمثله، رواه مسلم، وأبو داود، عن أبي الدرداء" (١)، وفيه أيضًا: "دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لا يرد، رواه البزار (٢) عن عمران بن حصين" (٣). (والمسلم) أي: مطلقًا (ما لم يدعُ بظلم) أي: بإرادة ظلم على غيره (أو قطيعة رَحِم) أي: بما يؤدي إلى قطع رَحِم (أو يقول: دعوت فلم أُجَبْ) بصيغة المجهول، قال الحنفي: "الظاهر أن يقال: "أولم يقل"؛ ليكون معطوفًا على "لم يدعُ"، فتأمل يظهر لك وجهه". أقول: وجهه أنه معطوف على "لم يدعُ"، بتقدير "لا"؛ فيكون نقلًا بالمعنى، ويقال له: [العطف] (٤) على التوهم، وتحقيقه في قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، والأظهر أنه معطوفٌ على "يدع"، لكن جزم في الأول دون الثاني جمعًا بين اللّغتين؛ إذ جاء "لم" غيرَ جازمةٍ في لغةٍ، أو حملًا لـ "لَمْ" على "ما"، كما وقع عكسه. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة (٥)، قيل: "ومضمون الحديث في مسلمٍ أيضًا". قلت: وفي الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة، كما مرّ في "أحوال الإجابة" أن لا يستعجل بأن يستبطئ الإجابة، أو يقول: دعوت فلم

стр. 348

يُستجب لي، ولفظ الحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، [فيستحسر] (١) عند ذلك ويدع الدعاء" (٢). وفي مسلم والترمذي عن أبي هريرة أيضًا، بلفظ: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعةِ رحمٍ" (٣)، فينبغي أن يفسّر الظلم بالإثم الشّامل للظلم المتعدي والقاصر؛ فتكون الرواية بالمعنى، ويمكن أن يكون في روايةٍ بلفظ: "ظلم" (٤)، والله أعلم. (إن لله عتقاءَ) قد جاء في اللّغة أنه بمعنى: القديم، أو العبد المعتق، أو الكريم، أو الخيار، أو السّابق، أو الناجي، أو المجفيل، أو [الرائع] (٥)، أي: الحسن كما في " النهاية" (٦)، وأغرب الحنفي في قوله: "وكل من هذه المعاني يصحّ أن يراد في هذا الحديث لكن بعضها يحتاج إلى نوع تصرف"، انتهى. والصواب أن المراد هنا أنه جمع عتيق، بمعنى: المعتق من

стр. 349

النار، (في كل يوم وليلة، لكل عبدٍ) أي: لله (منهم) أي: من العتقاء (دعوةٌ مستجابة. أ) أي رواه: أحمد عن أبي هريرة أو أبي سعيدٍ، وسمّويه (١) عن جابر (٢)، كذا في "الجامع" (٣)، قيل: "والشك من الأعمش، ورجاله رجال الصحيح، فالشك لا يضره"، وفي نسخة زيد هنا قوله: (وفي "جامع أبي منصور (٤) " الدعاء الصحيح: دعوة (٥) الحاج لا ترد حتى يصدِر، أي: يرجع)، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦].

стр. 350

في بيان اسم الله الأعظم (واسم الكلُ تعالى) كذا في "أصل الجلال"، وليس في "أصل الأصيل" (الأعظم) بالرفع على أنه صفة الاسم، "فقيل: "الأعظم هنا بمعنى العظيم، وليس أفعل التفضيل على بابه؛ لأن جميع أسمائه عظيم، وليس بعضها أعظمَ من بعض"، وقيل: "أفعل [للتفضيل] (١)؛ لأن بعض أسمائه أعظم من بعضٍ، فكل اسمٍ أكثر تعظيمًا فهو أعظم من اسمٍ أقل منه تعظيمًا" فالرحمن مثلًا أعظمُ من الرحيم، والله أعظم من الربّ، فإنّه لا شريك له في تسميته به، لا بالإضافة ولا بدونها، وأما الربّ فيضاف إلى المخلوقات، كما يقال: ربّ الدار"، كذا حققه الطيبيّ (٢). والأظهر: أنه صفة كاشفةٌ؛ إذ أسماؤه سبحانه كلّها بوصف المبالغة، حتى قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]: "إنه إنما أتى بصيغة المبالغة [منبئًا] (٣) أنه لو كان [تصور] (٤) فيه الظلم لكان على [وجه] (٥) الأبلغ".

стр. 351

ويمكن أن يقال: "المراد بالأعظم هنا الأفضل"، والأولى في باب الدعاء واستجابته، كما يدل عليه وصفه أيضًا بقوله: (الذي إذا دعي) بصيغة المجهول، أي: دُعِي الله (به) أي: بذلك الاسم (أجاب) أي: غالبًا، أو إذا تحقق شروط إجابة الدعاء. (وإذا سئل به أعطى) والظاهر المتبادر أنه تأكيدٌ لما قبله، والتحقيق: أن الدعاء أعمّ من السؤال، أو مختصٌ بما لم يكن هناك سؤال، فمعنى الإجابة هو القبول، وقيل: "الفرق بينهما أن الأول أبلغُ؛ فإن إجابة الدعاء تدل على شرف الداعي، ووجاهته عند المجيب، فيتضمن قضاء حاجته أيضًا بخلاف السؤال، فإنه قد يكون مذمومًا" (١)، كأن يكون في إثمٍ وقطيعة رحمٍ. وأغرب الحنفي حيث قال هنا: "ولذلك ذُمّ السائل في كثيرٍ من الأحاديث، ومدح [المتعفف] (٢) عنه، على أن في الحديث دلالة على فضل الدعاء على السؤال، تدبّر" (٣)، وغرابته لا تخفى، فإن ذم السؤال

стр. 352

[و] (١) مدح التعفف عنه، إنما هو في السؤال [من] (٢) المخلوقين، وأما الله تعالى فيستحب [الدعاء و] (٣) السؤال [منه] (٤) سبحانه، ولو مِلْحَ العجين، وشَسْعَ النعلين، ثم نكتة تقديم الدعاء على السؤال أنه ينبغي للسائل أن يقدم الدعاء بنحو الثناء ليجاب، ثم يسأل مَدْعَاهُ ليستجاب. (لا إله إلا أنت) اعتراف بالألوهية، والوحدة الذاتية، والصفاتية له سبحانه، (سبحانك) أي: أنزهك عما لا يليق بك، فهو نصبٌ على [المصدر] (٥)، كأنه قال: أبرئ الله من الظلم براءةً، (إني كنت من الظالمين) أي: من الواضعين [الأشياء] (٦) في غير موضعِها، وأما أنت فعليمٌ حكيمٌ، غفورٌ رحيمٌ، وفيه إيماءٌ إلى الاعتراف بذنبه، فإنه [أدخلُ] (٧) في مقام التضرع حال دعائه. (مس) أي: رواه الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وهو المراد بما في نسخة: "سعد بن مالك" ولفظه: "سمعت رسول الله يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به

стр. 353

أعطى، الدعوة التي دعا بها يونسُ ﵇، حيث ناداه في الظلمات الثلاثِ: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصةً أم للمؤمنين عامةً؟ فقال رسول الله ﷺ : ألا تسمع قول الله : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]؟ "، قال الحاكم: "وهو صحيح الإسناد" (١). وروى الترمذي والنسائي من حديثه بلفظ: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ جها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قط إلا استجاب الله له" (٢)، واللفظ للترمذي، كذا ذكره ميرك. وفي "الجامع" (٣) أسنده إلى أحمد، والترمذي، والنسائي والحاكم، والبيهقي، والضياء، عن سعد (٤).

стр. 354

قيل: "في هذا الحديث وأمثاله دلالة على أن لله تعالى اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وأن ذلك هو المذكور فيها، وهو حجة على من قال: ليس الاسم الأعظم اسمًا معينًا، بل كل اسم ذكر بإخلاص تامّ مع الإعراض عما سوى الكلُ هو الاسم الأعظم؛ لأن شرف الاسم بشرف المسمى، لا بواسطة الحروف المخصوصة" (١). قيل: "ولناصر هذا الوجه أن يقول سترد بعدُ أحاديث مختلفة فيها أسامٍ لم تذكر في هذا الحديث، وقيل في كل منها: "إنه الاسم الأعظم"، فصح قول من قال: إن "أفعل" ليس للتفضيل بل هو لمطلق الزيادة، نَعَم، قد ذكر في كل منها لفظة "الله"، فإذا استدل بذلك على أنه الاسم الأعظم، استقام وصح هذا" (٢). قال الحنفي: "وفيه بحثٌ لأنه إنما يظهر إذا لم يكن بين "إله" و"الله" فرق، وإلا ففي هذا الحديث ليس "الله" بل "إله"، تأمل". قلت: تأملنا فوجدنا أن المراد بـ "إله" هنا هو "الله"، فإن المعنى: "ليس الله إلا أنت"، فيوافق قول الجمهور: "إن الاسم الأعظم هو الله"، لكن كما قال القطب الرباني السيد عبد القادر الجيلاني: "بشرط أن تقول: "الله"، وليس في قلبك سواه". والذي يظهر ظهورًا ساطعًا أن الاسم الأعظم مبهمٌ بين الأسماء،

стр. 355

كإبهام ليلة القدر وساعة الجمعة، ولا يبعد أن يختلف باختلاف الدعاة في الأوقات. وقال ميرك: "اعلم أنه أنكر قومٌ من العلماء ترجيح بعضِ الأسماء الإلهية على بعضٍ، وقالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤذن باعتقاد [نقصان] (١) المفضول عن الأفضل، وأوَّلوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم؛ إذ أسماؤه كلها عظيمةٌ". قال أبو جعفر الطبري: " [اختلفت] (٢) الآثار في تعيين الاسم الأعظم، وعندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه" (٣). قال ميرك: "فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع بمعنى عظيم" (٤). قلت: الظاهر أنه أراد أن الاسم الأعظم متعددٌ، ويقال لكل واحد: إنه أعظم، وليس المراد به [فردًا] (٥) هو أعظم من الكل، حتى يكون الباقي
следующие страницы →