← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويمكن أن يقال: "المراد بالأعظم هنا الأفضل"، والأولى في باب الدعاء واستجابته، كما يدل عليه وصفه أيضًا بقوله: (الذي إذا دعي) بصيغة المجهول، أي: دُعِي الله (به) أي: بذلك الاسم (أجاب) أي: غالبًا، أو إذا تحقق شروط إجابة الدعاء. (وإذا سئل به أعطى) والظاهر المتبادر أنه تأكيدٌ لما قبله، والتحقيق: أن الدعاء أعمّ من السؤال، أو مختصٌ بما لم يكن هناك سؤال، فمعنى الإجابة هو القبول، وقيل: "الفرق بينهما أن الأول أبلغُ؛ فإن إجابة الدعاء تدل على شرف الداعي، ووجاهته عند المجيب، فيتضمن قضاء حاجته أيضًا بخلاف السؤال، فإنه قد يكون مذمومًا" (١)، كأن يكون في إثمٍ وقطيعة رحمٍ. وأغرب الحنفي حيث قال هنا: "ولذلك ذُمّ السائل في كثيرٍ من الأحاديث، ومدح [المتعفف] (٢) عنه، على أن في الحديث دلالة على فضل الدعاء على السؤال، تدبّر" (٣)، وغرابته لا تخفى، فإن ذم السؤال

стр. 352

[و] (١) مدح التعفف عنه، إنما هو في السؤال [من] (٢) المخلوقين، وأما الله تعالى فيستحب [الدعاء و] (٣) السؤال [منه] (٤) سبحانه، ولو مِلْحَ العجين، وشَسْعَ النعلين، ثم نكتة تقديم الدعاء على السؤال أنه ينبغي للسائل أن يقدم الدعاء بنحو الثناء ليجاب، ثم يسأل مَدْعَاهُ ليستجاب. (لا إله إلا أنت) اعتراف بالألوهية، والوحدة الذاتية، والصفاتية له سبحانه، (سبحانك) أي: أنزهك عما لا يليق بك، فهو نصبٌ على [المصدر] (٥)، كأنه قال: أبرئ الله من الظلم براءةً، (إني كنت من الظالمين) أي: من الواضعين [الأشياء] (٦) في غير موضعِها، وأما أنت فعليمٌ حكيمٌ، غفورٌ رحيمٌ، وفيه إيماءٌ إلى الاعتراف بذنبه، فإنه [أدخلُ] (٧) في مقام التضرع حال دعائه. (مس) أي: رواه الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وهو المراد بما في نسخة: "سعد بن مالك" ولفظه: "سمعت رسول الله يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به

стр. 353

أعطى، الدعوة التي دعا بها يونسُ ﵇، حيث ناداه في الظلمات الثلاثِ: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصةً أم للمؤمنين عامةً؟ فقال رسول الله ﷺ : ألا تسمع قول الله : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]؟ "، قال الحاكم: "وهو صحيح الإسناد" (١). وروى الترمذي والنسائي من حديثه بلفظ: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ جها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قط إلا استجاب الله له" (٢)، واللفظ للترمذي، كذا ذكره ميرك. وفي "الجامع" (٣) أسنده إلى أحمد، والترمذي، والنسائي والحاكم، والبيهقي، والضياء، عن سعد (٤).

стр. 354

قيل: "في هذا الحديث وأمثاله دلالة على أن لله تعالى اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وأن ذلك هو المذكور فيها، وهو حجة على من قال: ليس الاسم الأعظم اسمًا معينًا، بل كل اسم ذكر بإخلاص تامّ مع الإعراض عما سوى الكلُ هو الاسم الأعظم؛ لأن شرف الاسم بشرف المسمى، لا بواسطة الحروف المخصوصة" (١). قيل: "ولناصر هذا الوجه أن يقول سترد بعدُ أحاديث مختلفة فيها أسامٍ لم تذكر في هذا الحديث، وقيل في كل منها: "إنه الاسم الأعظم"، فصح قول من قال: إن "أفعل" ليس للتفضيل بل هو لمطلق الزيادة، نَعَم، قد ذكر في كل منها لفظة "الله"، فإذا استدل بذلك على أنه الاسم الأعظم، استقام وصح هذا" (٢). قال الحنفي: "وفيه بحثٌ لأنه إنما يظهر إذا لم يكن بين "إله" و"الله" فرق، وإلا ففي هذا الحديث ليس "الله" بل "إله"، تأمل". قلت: تأملنا فوجدنا أن المراد بـ "إله" هنا هو "الله"، فإن المعنى: "ليس الله إلا أنت"، فيوافق قول الجمهور: "إن الاسم الأعظم هو الله"، لكن كما قال القطب الرباني السيد عبد القادر الجيلاني: "بشرط أن تقول: "الله"، وليس في قلبك سواه". والذي يظهر ظهورًا ساطعًا أن الاسم الأعظم مبهمٌ بين الأسماء،

стр. 355

كإبهام ليلة القدر وساعة الجمعة، ولا يبعد أن يختلف باختلاف الدعاة في الأوقات. وقال ميرك: "اعلم أنه أنكر قومٌ من العلماء ترجيح بعضِ الأسماء الإلهية على بعضٍ، وقالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤذن باعتقاد [نقصان] (١) المفضول عن الأفضل، وأوَّلوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم؛ إذ أسماؤه كلها عظيمةٌ". قال أبو جعفر الطبري: " [اختلفت] (٢) الآثار في تعيين الاسم الأعظم، وعندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه" (٣). قال ميرك: "فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع بمعنى عظيم" (٤). قلت: الظاهر أنه أراد أن الاسم الأعظم متعددٌ، ويقال لكل واحد: إنه أعظم، وليس المراد به [فردًا] (٥) هو أعظم من الكل، حتى يكون الباقي

стр. 356

من باب الأعظم الإضافي، فكل اسم حصل به إجابة الدعاء، وإعطاء المسئول [السؤال] (١) والمدعَى، صح أن يقال: إنه الاسم الأعظم. "وقال ابن حبان: "الأعظمية الواردة في الأخبار أن يراد بها مزيد الداعي في ثوابه إذا دعا بها، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به مزيد الثواب للقارئ"، وقيل: "المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسمائه تعالى دعا به العبد مستغرقًا، بحيث لا يكون في خاطره وفكره حالتئذٍ غير الله، فإنه يحصل له ذلك"، ونقل معنى ذلك عن الإمام جعفر الصادق. وقال آخرون: "استأثر الكد تعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يطَّلع عليه أحد، وأثبته آخرون، [واضطربت] (٢) أقوالهم في ذلك، وجملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولًا" (٣)، ذكر الشيخ منها سبعة أقوالٍ على حسب ما ورد في الأحاديث التي ذكرها. والقول الثامن: "أنه "هو"، نقله الإمام فخر الدين الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتج له بأنه من أراد أن يعبر عن كلامٍ معظّم بحضرته لم

стр. 357

يقل: "أنت"، بل يقول: "هو"" (١). قلت: فيه أنه قد يقال: "أنت" في مقام الخطاب، كما في أكثر أحاديث الباب، وإن كان هو أظهر في مقام أدب الحضور، وظهور النور والسُّرور، وله وجه وجيهٌ أيضًا، وهو أن كثيرًا من المتكلمين والصوفية يعبرون [عنه] (٢) بهوية الذات التي لا تكتنه بها المحدثات. وقد يوجه: [بأنه] (٣) زبدة الجلالة، وخلاصة الجمالة، فإن لفظ "الله" إذا حذف منه لام التعريف، وقصد فيه التخفيف، يصير "له" الدال على الاختصاص، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٤]، وإذا حذفت اللام بقيت كلمة "هو" بإشباع [أو] (٤) بدونه، وهو مقرون بأنفاس الموجودات، وإن اختلف حال الذاكرات والغافلات، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] إيماءٌ إليه، وفي قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] دلالةٌ عليه. والقول التاسع: أنه "الله"؛ لأنه اسمٌ لم يطلق على غيره تعالى، ولأنه الأصل في أسماء الله تعالى الحسنى، ومن ثَمّ أضيفت إليه.

стр. 358

العاشر: "الله الرحمن الرحيم"، ويؤيده اختيارها في البسملة المفتتح بها أول كلام الله، قيل: ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة ﵂: "أنها سألت رسول الله ﷺ أن يعلمها الاسم الأعظم، فلم يفعل، فصلت ودعت: اللهم إني أدعوك الند، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم … " إلى آخره، وفيه أنه ﷺ قال لها: "إنها هي الأسماء التي دعوتِ بها" (١)، قال ميرك: "سنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى" (٢). الحادي عشر: أنه "رَبّ"، أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأبي الدرداء: "أنهما قا لا: اسم الله الأكبر: رب، رب" (٣)، وفيه حديثٌ مرفوعٌ ضعيفٌ، ذكره ميرك (٤).

стр. 359

وفي "الجامع": "إذا قال العبد: يا رب يا رب، قال الله: لبيك عبدي، سل تعطَ، رواه ابن أبي الدنيا في "الدعاء" بسند ضعيفِ عن عائشة" (١). "الثاني عشر: "الله، الله، الله الذي لا إله إلا هو ربّ العرش العظيم"، نُقِلَ هذا عن الإمام زين العابدين أنه [رآه] (٢) في النوم. الثالث عشر: أنه [مخفًى في الأسماء] (٣) الحسنى، ويؤيده حديث عائشة المتقدم. الرابع عشر: أنه كلمة التوحيد، نقله القاضي عياض عن بعض العلماء" (٤). (واسم الله تعالى الأعظم. مص) كذا وقع في "أصل الجلال"، وهو موجود في أكثر النسخ المعتمدة، لكن ينبغي أن يكتب فوق لفظ الأعظم إشعارًا بأنه من خَصوصيات رواية ابن أبي شيبة (٥)، وأن ما قبله مشترك له، ولما سيأتي من الرموز، مع خلاف فيما بعده، وهو قوله:

стр. 360

(الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) والواو لمطلق الجمعية، فلا ينافي ما سبق من النكتة [البديعية] (١). (اللهم، إني أسألك) أي: مسئولي ومطلوبي، وحذف المفعول للتعظيم أو للتعميم، أو: أطلبك ولا أطلب غيرك، وأبعد الحنفي في قوله: "ويجوز أن يكون كقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج: ١] "، ووجه بُعْدِهِ بل عدم صحته أن معنى الَاية: دعا داعٍ بعذاب، أي: استدعاه؛ ولذلك عدي الفعل بالباء، فالمعنى: طَلَبَ عذابًا، وليس ما نحن فيه من ذلك القبيل، بل الباء هنا للاستعانة أو للسببية، فقوله: (بأني) أي: مستعينًا أو بسبب أني، أو بوسيلة أني (أشهد) أي: أتيقن (أنك أنت الله) أي: الواجب الوجود، المفيض [للكرم] (٢) والجود، (لا إله إلا أنت الأحد) أي: في الذات والصفات (الصمد) أي: الغنيُّ عن كل أحدٍ، المحتاجُ إليه جميع الموجودات، وقيل: "الصمد لغة في المصمت، وهو الذي لا جوف له، والصمد: السيد؛ لأنه يصمد إليه في الحوائج"، أي: يقصد، (الذي لم يلد) أي: ولدًا، ردًّا على اليهود في قولهم: إن عزيرًا ابن الله، وعك النصارى في قولهم: إن المسيح ابن الله، وعلى المشركين في قولهم: إن الملائكة بنات الله، (ولم يولد) أي: ليس له والدٌ، بل هو الثابت في الأزل والأبد، غير حادث ولا محل حوادث، على ما هو المعتقد، (ولم يكن لي

стр. 361

كفؤًا) بضمتين فهمز أو واو، أو بضم فسكون فهمز، قراءات متواترة وروايات [مشتهرة] (١)، أي: ندًّا فضلًا عن ضدٍّ، (أحدٌ) وهو اسم "كان"، و"كفؤًا" خبره مقدم عليه رعايةً للفواصل، أو للاهتمام بنفي المماثل، وفيه رد على من يثبت له سبحانه صاحبة. (عه، حب، مس، أ) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي (٢)، وفي بعض النسخ هنا زيادة: "مص"، والظاهر أنه ليس في محله، بل موضعه ما سيأتي بعد قوله: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد … إلى آخره. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة (٣)، إشعارًا بأن صدر الحديث مشترك بين

стр. 362

أصحاب الرموز جميعًا، إلا لفظ "الأعظم"، فإنه مختص بـ "مص" وما بعده المذكور، سابقًا للرموز المتقدمة، والدعاء الثاني لابن أبي شيبة وحده. (واسم الله تعالى العظيم الأعظم. عه، حب، مس، أ، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، وابن أبي شيبة، عن أنس على ما سيأتي (١). وقعت هذه الرموز في "نسخة السيد أصيل الدين" بعد "العظيم"، والصحيح ما في بعض النسخ من أنه وضع رمز الأربعة، وابن حبان، والحاكم، فوق لفظ "العظيم"، ورمز أحمد وابن أبي شيبة فوق لفظ "الأعظم" على ما يدل عليه قول المصنف في "تصحيح المصابيح": "رواه الأربعة، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة ولفظه ولفظ أحمد: "باسمه الأعظم"، ولفظ الباقين: "باسمه العظيم"، وزاد ابن ماجه بعد "لا إله إلا أنت": "وحدك لا شريك لك" (٢)، وزاد ابن حبان:

стр. 363

"الحنَّان" قبل "المنان"، وأ يذكر ابن أبي شيبة: "يا حي يا قيوم". (الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. اللهم إني أسألك بأن لك) أي: لا لغيرك (الحمد) أي: جميع أفراده، فإنه وإن حُمِدَ غيرُه صورةً، لكن يرجع إليه حقيقةً، [فإن اللام] (١) للاستغراق على ما هو مقتضى مذهب أهل السنة، خلافًا للمعتزلة على ما ذكره صاحب "المدارك" (٢)، وهو مبنيّ على مسألة خلق الأفعال، وعلى تقدير أن يكون التعريف للجنس، فهو في هذا المقام يرجع إلى الاستغراق بمعونة لام التخصيص. ولا يبعد أن [يراد] (٣) بالتعريف العهد، فالمراد: الحمد اللائق له، وهو حمده الذي حمده بذاته لذاته وصفاته، كما أشار إليه ﷺ بقوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" (٤)، أو ما حمده الأنبياء والأولياء، فإن العبرة بحمدهم دون حمدِ غيرهم، أو لك استحقاق الحمد على الإطلاق، سواء حمدت أو لم تحمد، أو لك الحامدية والمحمودية. (لا إله إلا أنت) استئنافُ بيانٍ، أو متضمن للتعليل (وحدك) أي: منفردًا بالذات (لا شريك لك) أي: في الصفات، وقوله "وحدك"

стр. 364

منصوب على الحال عند [الكوفية] (١)، وعلى المصدر عند [البصرية] (٢) بتأويل "منفردًا"، فقوله: "لا إله إلا أنت" توحيدٌ إجماليٌّ، وما بعده تأكيدٌ تفصيليّ، وأغرب الحنفي حيث قال: "وَحْدَكَ: منصوب على الحال عند البصريين، وعلى الظرف عند الكوفيين"، انتهى. والتحقيق: أن "وحدك" حالٌ عند الكل، لكن بتأويلٍ عند البصريين، وبلا تأويلٍ عند الكوفيين، ثم قال: "وكأن كلًّا من هاتين الجملتين -أعني: "وحدك لا شريك لك"- مؤكدةٌ لما قبلها"، انتهى، والتأسيس كما قدمناه أولى [من التأكيد] (٣). ثم اعلم أنه يُكتب رمز ابن ماجه فوق قوله: "وحدك لا شريك لك"، ورمز ابن حبان فوق قوله: (الحنان المنان) وهو بتشديد النون الأولى، أي: الرجم بعباده، فعال للمبالغة من الحنان بالتخفيف بمعنى الرحمة، والمنان بتشديد النون أيضًا، أي: المنعم المعطي من المنّ، وهو: [العطاء] (٤) لا من المنة، وإن كان له المنة في عطائه، بل وفي بلائه، وكثيرًا ما يرد "المن" في كلامهم بمعنى: الإحسان، فالمعنى أنه كثير العطاء. قال صاحب "الصحاح": "منَّ عليه مَنًّا: أنعم عليه، والمنان من

стр. 365

أسمائه تعالى" (١)، قال ميرك: "ويجوز أن يكون من المنة، أي: الله سبحانه كثير الامتنان على عباده، بإيجادهم، وإمدادهم، وهدايتهم إلى الإيمان، وإعانتهم بأنواع البر والإحسان"، انتهى. وعن علي كرم الله وجهه: "الحنّان من يُقْبِل على من أعرض عنه، والمنّان من يبدأ بالنّوال قبل السؤال" (٢). (بديع السماوات والأرض) أي: مبدعهما ومخترعهما على غير مثالٍ سبق، وقيل: "بديع سماواته وأرضه"، وهو مرفوع في أكثر النسخ المصححة والأصول المعتمدة على أنه صفة المنان أو خبر [لمبتدإ] (٣) محذوف هو "هو"، وفي نسخة بالنصب على المدح، أو بتقدير: أعني. وقال المصنف في "تصحيح المصابيح": "يجوز فيه الرفع على أنه صفة المنان، والنصب على النداء، ويقويه رواية الواحدي (٤) في كتاب

стр. 366

"الدعاء": "يا بديع السماوات والأرض"". قلت: ويؤيده أيضًا قوله: (يا ذا الجلال والإكرام) أي: يا صاحب الصفات الجلالية، والنعوت الجمالية. (عه، حب، مس، أ، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، وابن أبي شيبة؛ كلّهم من حديث أنسٍ. (يا حيّ يا قيوم) وفي "نسخة الأصيل": "ويا قيوم"، أي: يا دائم الحياة والبقاء، ويا من [يقوم] (١) به الأرض والسماء. (عه، حب، مس، أ) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، عن أنسٍ (٢). (واسم الله تعالى الأعظم في هاتين الآيتين) أي: في جميعهما أو في مجموعهما، ويجوز أن يراد أنه في هاتين الآيتين كلتيهما على سبيل الاجتماع لا الانفراد، وكذا في الحديث الذي بعده. (﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة آل عمران) بالجر على أنهما بدل أو عطف بيان لهاتين الآيتين، وفي نسخة بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي: [وثانيتهما] (٣) أو الأخرى، أو بالعكس، أي: ومنهما، وفي أخرى بالنصب بتقدير: أعني. وقوله: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢])

стр. 367

بيانٌ للفاتحة. (د، ت، ق، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أسماء بنت يزيد بن السكن (١). (واسم الله تعالى الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران) بالوجوه الثلاثة السابقة فيهما، والموجود في البقرة إما قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وإما أول آية الكرسي، (وطه) بفتحهما وإمالتهما. (مس) أي رواه الحاكم عن أبي أمامة (٢).

стр. 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 369

(قال القاسم) (١) ستأتي ترجمته (فالتمستها) أي: طلبت أسماء الله تعالى، أو السور المذكورة وتتبعتها، وفي نسخة: "فالتمست فيها"، وأصل الالتماس: طلب اللمس، ففيه تجريد، (أنه الحي القيوم) بفتح "أنه"، وفي نسخة بزيادة "فوجدت"، وفي نسخة بدل "فوجدت": "فعرفت"، [وهما] (٢) ظاهران، وكأن الحنفي لم يطلع عليهما حيث قال: "الظاهر أن يقال: فالتمستها فوجدت"، وفي نسخة صحيحة: "فوجدتها".

стр. 370

وقد جعل السيد أصيل الدين "صح" ظاهرًا، [وهو غير] (١) ظاهر باعتبار ضميرها، ولعل وجهه أن يكون من باب الحذف والإيصال (٢)، والتقدير: فوجدت فيها، أي: في الأسماء أو السور أنه -أي: الاسم الأعظم- هو الحي القيوم، أي: المجموع من الوصفين، وهو الأظهر، أو كل واحد، والله أعلم. ويؤيد الأول ما قرره الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان على صفات الربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما. قلت: في الاستدلال نظرٌ ظاهرٌ لأن اسم "الرب" أشمل منهما وأظهر، مع أن اسم "الله" الموضوع للذات، المستجمع لجميع الصفات أجمعُ من سائر الأسماء؛ ولهذا ذهب أكثر العلماء [إلى] (٣) أنه هو الاسم الأعظم، وهو المناسب؛ لأنه العَلَمُ والباقي صفات له فاعلم، وبه يجمع بين جميع الأحاديث؛ لأن الأسماء كلها في المعنى جزئيات بالنسبة إليه، وهو القطب في مدار الأمر عليه. ومن السنة الإلهية أن يجعل [أعز] (٤) الأشياء أظهرها وأرخصها، أما

стр. 371

ترى أن الحجر الأسود الذي [هو] (١) يمين الله، وقد قبَّله رسول الله، وسائر أنبيائه وأصفيائه ظاهر حاصل لكل أحد، ومقام إبراهيم ﵇ الذي هو موضع قدمه في غاية من الخفاء، وكذا الماء والمِلْح والحب الذي [هو] (٢) أحبّ الأشياء أكثرُ وجودًا من سائر المشروبات والمأكولات، والمصحف الشريف لولم يوجد إلا في خزانة الملوك، لتعبنا تعبًا شديدًا، ثم أعز الجواهر وأشرفها في بني آدم: سمعه، وعينه، ولسانه، ولم يعرف قدرها، وهو يطلب الجواهر الثمينة، [ويضيع] (٣) في تحصيلها الأنفاس النفيسة، نَعَم، لتأثير الاسم الأعظم شروط يعرفها أهله، والله أعلم. (قلت: وعندي أنه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١]، جمعًا بين الحديثين) قال المصنف: "بيانه أن حديث أسماء بنت يزيد نصٌّ في أنه "لا إله إلا هو"، وأنه "لا إله إلا هو الحي القيوم" (٤)، وحديث أبي أمامة في أنه في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه، و ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في هذه السور، أما البقرة وآل عمران فظاهرٌ، وأما طه ففيها أوّلًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، وآخرًا:

стр. 372

﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] " (١). قال الحنفي: "فيه نظر، لجواز كون الاسم الأعظم المأخوذ [من] (٢) هذا المجموع". قلت: الأظهر في الجمع أن يقال: الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم؛ ليكون مشتملًا على جميع ما ذكر في السور (٣)، وكأن المصنف نظر إلى أن الموجود في جميعها هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم. (ولما روينا) بصيغة المجهول، وفي نسخة بالمعلوم، وفي نسخة: "لما رويناه"، وهو عطف على"جمعًا"، فإنه منصوب [على العلة] (٤)، فكأنه قال: "للجمع، ولما رويناه" (في كتاب "الدعاء" للواحدي عن يونس بن عبدا لأعلى) أي: نقلًا عنه، (والله تعالى أعلم). (والقاسم هذا) أي: المذكور سابقًا (هو ابن عبد الرحمن الشامي التابعي (٥)،

стр. 373

صاحب أبي أمامة) أي: الباهلي، صحابي جليل (١)، وزاد في "نسخة الأصيل": (صدوق) أي: كثير الصدق، وهو نعت للقاسم، فإنه تابعيّ يحتاج إلى التعديل، وإلا فالصحابة كلهم عدول، قال في "الميزان": "هو مولى آل معاويةَ، قال الإمام أحمد: "روى عنه علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من القاسم" (٢)، وقال ابن حبان: "كان يروي عن أصحابه المعضلات، ويأتي عن الثقات بالمقلوبات" (٣)، قلت: وثقه ابن معين (٤)، وقال الترمذي: "ثقة" (٥) " (٦)، انتهى. وقال [في] (٧) "الكاشف": "أرسل عن علي وسلمان والكبار، وروى عن معاوية، وعمرو بن عبسة، وعدة، وقيل: "لم يسمع من صحابي سوى أبي أمامة"، وروي عنه أنه قال: "لقيت مئةً من الصحابة" (٨) " (٩).

стр. 374

في أسماء الله الحسنى (وأسماء الله تعالى الحسنى)، وفي نسخة: "وأسماء الله الحسنى" (التي أمرنا) على بناء الفاعل، وفي نسخة بصيغة المجهول، أي: أمرنا الله (بالدعاء بها) قال المصنف: "يعني في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] " (١)، (تسعة وتسعون اسمًا) تمييز تأكيد، كقو له تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]، وفي قوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]، وهو أعمّ من اسم الذاتِ، والصفةِ، والفعلِ. "وقد اختلف هل المراد حصر الأسماء الحسنى في العدد المذكور، أو أنها أكثر، لكن اختصت هذه بقوله: (من أحصاها دخل الجنة؟)، فذهب الجمهور إلى الثاني، ونقل النووي الاتفاق عليه (٢) "، كذا في شرح البخاري (٣)، وقال المؤلف: "لا خلاف في أن هذا الحديث ليس فيه حصر أسماء الله تعالى [الحسنى] (٤) في التسعة والتسعين، لكن المقصود أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فأخبر عن دخول الجنة

стр. 375

بإحصائها؛ ولهذا ورد في الحديث الذي يجيء الكلام عليه: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (١) " انتهى ["مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ أ)].

стр. 376

وهذا منه إشارةٌ إلى دفع ما قيل في "شرح المقاصد" وغيره من الكتب الكلامية، من أن: "اعتبار السلوب والإضافات [يقتضي تكثر] (١) أسماء الله تعالى جدًّا، حتى ذكر بعضهم أنها لا تتناهى بحسب (٢) لا تتناهى الإضافات والمغايرات، فما وجه التخصيص بالتسعة والتسعين على أنه قد دل الدعاء المأثور عن النبي ﷺ على أن لله تعالى أسماء لم يعلمها أحدٌ

стр. 377

من خلقه، واستأثر بها في علم الغيب عنده. وورد في الكتاب والسنة أسامٍ خارجة عن التسعة والتسعين: كالكافي، والدائم، والمبين، والصادق، والمحيط، والقديم، والقريب، والوتر، والغافر، والعلام، والمليك، والأكرم، والمدبر، والرفيع، وذي الطول، وذي المعارج، وذي الفضل، والخلاق، والمولى، والنصير، والغالب، والرب، والناصر، وشديد العقاب، وقابل التوب، وغافر الذنب، ومولج الليل في النهار، ومولج النهار في الليل، ومخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، والسيد، والحنان، والمنان، ورمضان، وقد شاع في عبارات العلماء: المريد، والمتكلم، والشيء، والموجود، والذات، والأزلي، والصانع، والواجب، وأمثال ذلك. وتقرير ما ذكره في دفعه: أن التنصيص على اسم العدد ربما لا يكون لنفي الزيادة، بل لغرضٍ آخرَ كزيادة الفضيلة، وأجيب عنه بوجهين آخرين أيضًا: أحدهما: أن قوله "من أحصاها دخل الجنة" في موقع الوصف، كقولك: للأمير عشرة غلمان يكفون مهماته، بمعنى: أن لهم زيادة قرب واشتغال بالمهمات، أو أن هذا القدر من غلمانه الجمة [كافٍ] (١) لمهماته من غير افتقار إلى الآخرين. فإن قيل: إن كان اسمه الأعظم خارجًا عن هذه الجملة، فكيف

стр. 378

يختص ما سواه بهذا الشرف؟ وإن كان داخلًا، فكيف يصح أنه مما يختص بمعرفته نبي أو ولي؟ وأنه سبب لكرامات عظيمة لمن عرفه؟ حتى قيل: إن آصف بن برخيا إنما جاء بعرش بلقيس للاسم الأعظم، قلنا: يحتمل أن يكون خارجًا، ويكون زيادة [شرف التسعة] (١) والتسعين وجلالتها بالنسبة إلى ما عداه، وأن يكون داخلًا [مبهمًا] (٢)، لا يعرفه بعينه إلا نبي أو ولي" (٣)، مشروطًا بشرائط يتوقف على حصولها [حصول] (٤) الإجابة. "وثانيهما: أن الأسماء منحصرةٌ في التسعة والتسعين، والرواية المشتملة على تفصيلها غير مذكورةٍ في الصحيح، ولا خالية عن الاضطراب والتغيير، وقد ذكر كثيرٌ من المحدثين أن في إسنادها ضعفًا" (٥). هذا، واستبان منه أن بعضهم حمل هذا الحديث على الحصر، وكأن المصنف ﵀ لم يعتبر هذا القول، أو أنه لم يبلغه، كذا ذكره الحنفي. ولا يخفى أن الجواب الثاني غيرُ صحيحٍ، لصحة ما تقدم من الأسماء

стр. 379

التي هي غير مذكورةٍ في هذا الحديث، اللهم إلا أن يقال: الكل موجود في هذا المعدود بحسب [المعنى] (١)، أو على اشتمال المعنى، ولا كلام في [المستأثر] (٢)، فإنا قد أمرنا بالدعاء بالأسماء المشهورة على الكيفية المذكورة على لسان نبيه ﷺ . وما أبعد من طعن في إسناد هذا الحديث الذي كاد أن يكون متواترًا، مع قول بعض العلماء: "إن الحديث المتفق عليه قطعي الدلالة" (٣)، كيف وقد انضم إلى إمامي المحدثين جماعة من أكابر المخرجين؟! والاختلاف في بعض الألفاظ، لا يورث الضعف عند الحفاظ. هذا، وقوله: "من أحصاها" أي: عدّها، أو قرأها مرتلًا، أو آمن بها، أو حفظها، أو علم مبانيَها وعمل بمعانيها، أو تخلّق بها، "دخل الجنة" أي: دخولًا أوّليًّا، أو دخل أعلى غرف الجنة، ووصل أعلى مراتب نعيمها. قال المصنف: "اختلفوا في المراد بإحصائها، فقال البخاري وغيره: "معناه: من حفظها"، وهو الصحيح؛ لأنه جاء مفسرًا في الحديث الآخر من الصحيح: "من حفظها"، وقيل: ""أحصاها" أي: عمل بها"، وقيل: "عدّها في الدعاء بها"، وقيل: "المراد حفظ القرآن، لأنه مشتمل عليها"،

стр. 380

والصحيح ما تقدم (١)، فقد وردت مذكورة في الحديث الذي رواه الترمذي، والحاكم وابن حبان في صحيحهما (٢) " (٣). (خ، م، ت، س، ق، مس، حب) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وابن حبان في "صحيحه"؛ كلهم من حديث أبي هريرة (٤). قال ميرك (٥): "وظاهر إيراد الشيخ أن قوله: "وأسماء الله تعالى"، إلى قوله: "الجنة" مذكور في الكتب المذكورة، وليس كذلك، بل فيها من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن لله تعالى تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة"، وفي رواية للبخاري بعد "إلا واحدًا": "وهو وتر يحب الوتر"، وفي رواية لمسلم، وابن ماجه: "من حفظها دخل

стр. 381

الجنة"، انتهى. فالشيخ ﵀ نقل بالمعنى، لكن لا شك أن قوله: "وأسماء الله تعالى الحسنى، التي أمرنا بالدعاء بها" ليس معنى الحديث، بل معنى القرآن، كما أشار إليه الشيخ على ما قدمنا، وإنما الكلام في قوله: "تسعة وتسعون اسمًا"، فإنه بحسب الظاهر خبر عن قوله: "وأسماء الله"، لكن لا يبعد أن يجعل ما قبله عنوانًا، وقوله: "تسعة وتسعون اسمًا": بتقدير "لله"، أي: كائنة له، مبتدأ خبره قوله: "من أحصاها دخل الجنة"، و"لله" المقدر خبره، و"من أحصاها" خبر آخر، فيؤدى لفظ الحديث في الجملة مع قطع النظر عن الأمور المؤكدة. ثم قوله: (لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة) بدل من قوله: "من أحصاها دخل الجنة" في رواية مختصة للبخاري، كما أشار إليه مرموزًا بقوله: (خ) أي رواه: البخاري (١)، لكن أسنده صاحب "الجامع الصغير" إلى الشيخين، عن أبي هريرة بلفظ: "إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" (٢). ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن علي ﵁ مرفوعًا: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئة غير واحد، إنه وتر يحب الوتر، وما من عبد

стр. 382

يدعو بها إلا وجبت له الجنة" (١). ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة، ولفظه: "إن لله تعالى مئة اسم غير اسم، من دعا بها استجاب الله له" (٢).

стр. 383

(هو الله الذي لا إله إلا هو) الاسم المعدود في هذه الجملة من أسماء الله تعالى هو "الله"، لا غيره من "هو" و"إله"، كما يدل عليه روايات أخر منها: "يا ألله، يا رحمن، يا رحيم … " إلى آخره، و"الله" اسم للذات الجامع للصفات الكاملات، (الرحمن الرحيم) صيغتا مبالغة مشتقة من الرحمة، بمعنى: الإنعام، والأول أبلغ؛ لأن زيادة المبنى تدل على مزية المعنى؛ ولذا ورد: "رحمن الدنيا ورحيم الآخرة"، حيث رحمة "الرحمن" شاملةٌ [للمؤمن والكافر] (١) في الدنيا، ورحمة "الرحيم" خاصة للمؤمنين في العقبى، كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقدّم "الرحمن" لأنه لا يطلق على غيره تعالى. (الملك) أي: صاحب الملك والملكوت، وفي اختياره على المالك إشعار بأنه أبلغ، وتحقيقه في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]

стр. 384

على القراءتين. (القدوس) فُعُّولٌ للمبالغة من القدس، وهو: النزاهة عما يوجب نقصانًا، وقرئ بالفتح، وهو لغة فيه. (السلام) أي: ذو السلامة من كل آفة، مصدر وصف به مبالغةً كـ "رجل عدل"، فكأنه عَيْنُ السلامة، وقيل: "معناه: به ومنه السلامة"، وقيل: "معناه: المعطي السلامة للعباد في المبدأ والمعاد"، وقيل: "يسلم على خواصه، [كما في قوله] (١) تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، فالسلام بمعنى التسليم. (المؤمن) أي: واهب الأمن، وقرئ بالفتح، أي: المؤمَن به، وفي "شرح المصابيح" للمصنف: "أي: الذي يصدق عباده وعده، فهو من الإيمان، أو يؤمّنهم من عذابه، فهو من الأمن". (المهيمن) أي: الرقيب الحافظ لكل شيء، من [هيمن] (٢) الطائر، إذا نشر جناحه على فرخه صيانة له، على ما ذكره الشيخ المصنف في "شرحه للمصابيح"، وأما ما تكلف بعضهم على ما ذكره الخنفي، من أن: "أصله مؤيمن، فأبدلت الهاء من الهمزة، وهو مفيعل من الأمانة، أو من أمن غيره من الخوف، فأصله مؤأمن قُلبت الهمزة الثانية [ياء] (٣)

стр. 385

[كراهةً] (١) لاجتماعهما، فصار مؤيمن، ثم صُيِّرَتِ الأولى هاء، كما قالوا: هَرَاقَ الماء وأراقه"، فمع تكلفه وتعسفه خطأٌ من حيث إن التصغير لا يجوز في أسماء الله الحسنى (٢). (العزيز) أي: الغالب الذي لا يُغلَب (٣)، أو البديع المنيع الذي ليس كمثله شيء. (الجبار) فعّال من أبنية المبالغة، إما من الجبر بمعنى الإصلاح، أي: المصلح لأمور الخلائق، فإنه جابر كل كسير، أو بمعنى الإكراه، يقال: جبره السلطان على كذا، وأجبره، إذا أكرهه، أي: يجبر خلقه ويحملهم على ما يريده، فسبحان من أقام العباد فيما أراد. (المتكبر) أي: ذو الكبرياء والعظمة، وقيل: "المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المتكبر على عتاة خلقه" (٤)، وقيل: "هي عبارة عن كمال الذات، وكمال [الوجود] (٥)، وكمال البقاء، ولا يوصف به على وجه الاستحقاق إلا الله سبحانه" (٦).

стр. 386

(الخالق) أي: الذي أوجد الأشياء بعد أن لم تكن موجودةً. (البارئ) بهمز في آخره، ويجوز إبداله ياء في الوقف، وهو الذي خلق الخلق لا عن مثال سبق، أو خالق الخلق بريئًا من التفاوت. (المصوّر) أي: الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة تتميز بها عن غيرها، على اختلاف أنواعها وكثرة أفرادها. (الغفار) أي: الذي يغفر الذنوب وإن كانت كبيرةً، ويستر العيوب وإن كانت كثيرةً. (القهار) أي: الغالب على جميع الخلائق، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ومنه قولهم: "سبحان من قهر العباد بالموت". (الوهاب) أي: كثير [العطاء] (١) بلا عوضٍ. (الرزّاق) أي: الذي خلق الأرزاق، وتكفل بأرزاق الخلائق؛ [لقوله] (٢): ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، والأرزاق: أنواع المنافع، فمنها أقوات ظاهرة للأبدان، ومنها أقوات باطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم. (الفتاح) أي: الذي يفتح أبواب: الرزق، والرحمة، والعلم، والمعرفة لعباده.

стр. 387

(العليم) فعيل للمبالغة، أي: العالم بكل شيء من الكُلِّي والجزئي، والموجود والمعدوم، والممكن والمحال، وبما لا يكون لو كان كيف يكون. (القابض) أي: الذي يمسك الرزق وغيره [من الأشياء عن] (١) العباد بلطفه وحكمته. (الباسط) الذي يوسع الرزق الحسي والمعنوي لمن يشاء من عباده. (الخافض) أي: الذي يهين الكافرين، ويذل الفاجرين، ويضع المتكبرين، بالإبعاد عنه في الدنيا، وبالعقوبة في العقبى. (الرافع) أي: الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد، وأولياءه بالتقريب والإمداد، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. (المعز، المذل) أي: يعز من يشاء بالعلم والقناعة، ويذل من يشاء بالجهل والقساوة. (السميع) أي: الذي لا يعزب عن سمعه مسموعٌ وإن خفي من غير جارحةٍ، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]. (البصير) أي: الذي يشاهد الأشياء كلها بغير آلة. (الحَكَم) بفتحتين مبالغة الحاكم، أو هو المحكم علمه وقوله وفعله.

стр. 388

(العدل) أي: الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سمّي به مبالغةً، أو بمعنى الفاعل، والأول أبلغ؛ لأنه سمى نفسه عين العدل. (اللطيف) أي: العالم بدقائق الأشياء، [أو] (١) هو الرفيق بعباده، ويلائمه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩]. (الخبير) أي: العالم بحقائق الأشياء، أو [المخبر] (٢) بما كان وبما يكون. (الحليم) أي: الذي لا يسمتخفه شيء من عصيان العباد، ولا يحمله على إسراع الغضب عليهم. (العظيم) أي: الذي جاوز قدره عن حدود العقل، حتى لا يتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته. (الغفور) أي: الذي يغفر ذنوب عباده الكثيرة من الصغيرة والكبيرة، والحاصل: أن "الغفور" فيه المبالغة من جهة الكثرة، و"الغفار" من جهة الكيفية التي هي عبارة عن العظمة، فهو أولى من قول الحنفي: "إن الغفور بمعنى الغفار"، فإن التأسيس عند المحققين هو الطريق الأحرى. (الشّكور) أي: المجازي على الشكر، أو المثني على من أطاعه من عباده.

стр. 389

(العلي) أي: الذي ليس فوقه شيء في الرتبة والحكم. (الكبير) أي: الذي لا يتصور أكبر منه في الكبرياء والعظمة. (الحفيظ) أي: الذي يحفظ الموجودات عن الزوال والاختلال ما شاء، والأشياء جميعها محفوظة في علمه سبحانه. (المقيت) بالقاف وآخره تاء مثناة من فوق، كذا حفظناه ورويناه، أي: المقتدر، وقيل: "هو الذي يعطي أقوات الخلق"، ورُوِيَ "المغيث" (١) بالغين المعجمة وبالمثلثة آخره، أي: الذي يغيث عباده إذا استغاثوا به، كذا في "شرح المصابيح" للمصنف. (الحسيب) أي: الكافي، فعيل بمعنى مُفْعِل، كـ "أليم" بمعنى "مؤلم"، وقيل: "المحاسب، فهو فعيل بمعنى فاعل"، كذا في "شرحه" أيضًا، والمراد: المحاسب بأفعال العباد، والمجازي بها في يوم المعاد. (الجليل) أي: المنعوت بوصف الجلال. (الكريم) أي: الموصوف بنعت الجمال، أو: ذو الكرم والجود والمدد، والعطاء الذي لا ينفد (٢). (الرقيب) أي: الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، ورُوِيَ "القريب" بدل "الرقيب" على ما في "الأذكار" (٣).

стр. 390

(المجيب) أي: الذي يقابل الدعاء والسؤال، بالقبول وإعطاء النوال. (الواسع) أي: الذي وسعت رحمته كل شيء، [أو] (١) وسعغناه كل محتاج وفقير. (الحكيم) أي: الحاكم، أو ذو الحكمة البالغة، أو الذي يضع الأشياء في مواضعها، أو الذي يتقن ويحكم الأشياء. (الودود) أي: المحبوب في قلوب أوليائه، أو المحب لصفوة أنبيائه وخلاصة أوليائه، والجمع أولى؛ لقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. (المجيد) أي: صاحب المجد والشرف. (الباعث) أي: الذي يبعث الأنبياء هداة للأولياء [وحججًا] (٢) على الأعداء، أو الذي يبعث الخلق ويحييهم بعد الموت يوم القيامة. (الشهيد) أي: الشاهد الذي لا يغيب عن علمه شيء، وهو المشهود في نظر العارفين، حتى قال بعضهم: "ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله، أو بعده، أو فيه" (٣). (الحق) أي: الموجود الثابت [الألوهية] (٤) حقًّا، بحيث يُعَدُّ غيره
следующие страницы →