← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

في الحديث اسم لها، والخبر "لله"، فليس هناك واو، وقوله: "والحمد لله": لا [يصلح] (١) أن يكون خبرًا لـ"أصبح الملك"، كما هو ظاهر واضح". ثم قال ميرك: "وقوله: "لا إله إلا الله" بيان حال القائل، أي: عرفنا أن الملك والحمد لله لا لغيره، فالتجأنا إليه، واستعنا به، وخصصناه بالعبادة والثناء عليه"، انتهى. وهو بالمعنى العطفي أنسبُ من المعنى الحالي، والحال: أنه لو جعل بيان حال المقول فيه، يكون له وجه وجيه وتنبيه نبيه، وعلى كل تقدير طلب استمرار ما ذكر بدخوله في الصباح أو المساء، واستعاذ مما يمنعه من الدعاء والثناء قائلًا: (ربّ) أي: يا [رب] (٢)، (أسألك خير ما في هذا اليوم) ويكتب بالحمرة فوقه: "هذه الليلة"، (وخير مما بعده) وبالحمرة "ما بعدها"، وكذا في قوله: (وأعوذ بك من شرِّ ما في هذا اليومِ، وشرِّ ما بَعدَه) قال المصنف: "المراد باليوم في ذكر الصباح: هو من طلوع الفجر إلى غُروبِ الشّمس، والمراد بالليلة في ذكر المساء: هو من الغروب إلى الفجر، وقد أبعد من قال: إن ذكر المساء يدخل بالزوال، فإن أراد دخول وقت العشاء فقريبٌ، وإن أراد المساء فبعيد جدًّا" فإن الله تعالى يقول: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي

стр. 422

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾، فقابل المساء بالصباح، والعشي بالظهيرة، وأيضًا فكيف يُعْمَلُ في قوله: "أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها"، وهل تدخل الليلة إلا بالغروب؟ " (١)، انتهى. وقد سبق ما يستفاد منه أن الصحيح في هذا المقام أن يراد بالصباح أول النهار، وبالمساء أول الليل، كما يدل لفظ اليوم والليلة صريحًا عليهما، وأما إرادة النهار والليل جميعًا من الصباح والمساء كما يوهمه كلام المصنف، وإن كان صحيحًا بطريق الحقيقة أو المجاز، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، ولكن المراد هنا أطرافهما، كما يشير إليه العنوان، ويشعر إليه حديث: "من قرأ حين يصبح حفظ حتى يمسي" وعكسه، والله سبحانه أعلم. ثم إنه لا ينافي قول بعض أرباب اللغة: "إن للمساء معنًى آخر، يستعمل في محل لائق به"؛ ولذا قال في "المغرب": "المساء: ما بعد الظهر إلى المغرب عن الأزهري، وعك هذا قول محمد: المساء مساءان، إذا زالت الشمس، وإذا غربت". (رب أعوذ بك من الكسل) بفتحتين، أي: التثاقل في الطاعة، (وسوء الكبر) بضم السين ويجوز فتحها، وبهما قرئ: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]، وهما لغتان كالكَره والكُره، والضَعف والضُعف، وأما الكِبَر

стр. 423

فبكسر الكاف وفتح الباء، ويروى بسكون الباء، فبالسّكون بمعنى: البطر، وبالفتح بمعنى: الخرف والهرم، على ما في "النهاية"، والبطر: الطغيان عند النعمة (١). ولعل المراد بـ "سوء الكبر" ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخبط في الرأي، والقصور عن القيام بالطاعة، وغير ذلك مما يسوء به الحال، وإلا فورد: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله" (٢)، وروي من غير هذا الطريق عنه أيضًا: "وسوء الكفر"، أي: سوء عاقبة الكفر، أو المراد بالكفر كفران النعمة، فيطابق رواية "الكبر" بسكون الموحدة. (رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر) وتنوينهما للتنكير الشامل للقليل والكثير، والأقرب أنه للتقليل، وأبعد الحنفي في قوله: "إن التنكير للتهويل والتفخيم". (م، د، ت، س، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود (٣). (اللهم إني) بسكون الياء، ويجوز فتحها، وبهما قرئ نحوه في المتواتر (أعوذ بك من الكَسَل والهرَم) بفتحتين، أي: تساقط بعض القوى

стр. 424

وضعفها، وإنما استعاذ منه لكونه من الأدواء التي لا دواء لها، مع اشتماله على كثير من الأدواء وأنواع البلاء، (وسوء الكبر) تقدم، (وفتنة الدنيا) أي: الافتتان بها والتعلق بمحبتها، أو بالفتنة الكائنة في الدنيا المانعة عن [الوصول إلى] (١) العقبى وحصول المولى، (وعذاب القبر) أي: بجميع أنواعه وأصنافه. (م) أي رواه: مسلم عن ابن مسعودٍ أيضًا (٢). (أصبحنا وأصبح الملك لله ربّ العالمين) بالجر على البدلية، ويجوز رفعه ونصبه، (اللهم إني أسألك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركته، وهداه) بنصبها على أنه بيانٌ لقوله: "خير هذا اليوم"، و"هذه الليلة" وتؤنث حينئذٍ ضمائرها، وكذا في قوله: (وأعوذ بك من شر ما فيه، وشر ما بعده). والفتح فيهما هو ما فتح الله لعبده على وَفق قصده فيهما، والنصر هو الإعانة على العدو الظاهري والباطني، والنور هو التنبيه الإلهي للعبد حتى يبصر به طريق الحق، والبركة دوام الطاعة، والهدى الهداية إلى طريق الاستقامة على المداومة إلى حسن الخاتمة. وشر ما فيهما وما بعدهما هو حصول الأمر المضر في الدين، أو في الدنيا بحيث يشغل صاحبه عن خدمة المولى، ويبعده عن حضرة المولى، ومن دعاء بعض العارفين: "اللهم يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا

стр. 425

وأبداننا". (د) أي: رواه أبو داود عن أبي مالك (١)، قال النووي: "رواه أبو داود بإسناد لم يضعفه"، نقله ميرك. (اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا)، وفي المساء تعكس الجملتان، والباء للسببية، والمعنى: بإيجادك أصبحنا، وبإمدادك أمسينا، (وبك نحيا، وبك نموت) حكاية الحال الآتية، يعني: يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، ومثله حديث حذيفة: "اللهم باسمك أموت وأحيا"، أي: لا أنفك عنه، ولا أهجره، وقال النووي: "معناه: أنت تميتني، فالاسم هنا بمعنى المسمى"، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، والمقصود الإخلاص، والخلاص من ربقة الرياء والسمعة، ودعوى الحول والقوة". (وإليك النشور) أي: البعث بعد الموت، والتفرق بعد الجمع، وهو المناسب لأول النهار، ويكتب بالحمرة فوقه: "المصير"، بمعنى: المرجع والمآب المناسب لأول الليل. (عه، حب، أ، عو) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، وأحمد، وأبو عوانة، عن أبي هريرة (٢): "كان

стр. 426

[يقوله] (١) ". قال المصنف: "نشر [الميت] (٢) ينشر نشورًا، إذا عاش بعد الموت؛ ولهذا ناسب أن يقال في الصباح: "وإليه النشور"؛ فإنه يقع في القيام من النوم، وهو كالموت، وناسب أن يقال في المساء: "إليه المصير"؛ لأنه يصير إلى النوم، وهذا هو الصحيح في الحديث، رواه أبو عوانة في "صحيحه" وغيره، وما ورد غير ذلك فإنه وهم من الراوي" (٣)، انتهى. ويشير فيه إلى ما ذكره في "تصحيح المصابيح": "أنه جاء في أبي داود فيهما: "النشور"، وفي الترمذي فيهما: "المصير"" انتهى. ولا يخفي أنه لمجرد تحسين المناسبة المعنوية، لا يجوز الطعن بالوهم وغيره فيما ثبت من الرواة، لا سيما ورواية الترمذي وأبي داود أكثر اعتبارًا من رواية أبي عوانة، مع أن مؤدى "النشور" و"المصير" واحد، وهو الرجوع إلى الله بعد الموت؛ ولذا أورده بعد قوله: "وإليك النشور". نَعَم، المغايرة بينهما أتمّ، على أن قوله: "بك نحيا" يناسبه "النشور"، و"بك نموت" يناسبه "المصير"، ففيه نوع لف ونشر، فكأنه من باب الاكتفاء، والله سبحانه أعلم. (أصبحنا وأصبح الملك) وفي نسخة زيادة: "لله" هنا، (والحمد لله لا

стр. 427

شريك له) أي: في ملكه وحمده، (لا إله إلا هو، وإليه النشور) وفي نسخة: "إليه النشور" بدون الواو. (ر، ي) أي رواه: البزار، وابن السني، عن أبي هريرة (١) مرفوعًا أنه كان [يقوله] (٢). (اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: خالقهما ومبدعهما، ومبدئهما ومخترعهما، ونصبه على أنه صفة المنادى، أو على النداء، فإن قوله: "اللهم" بمعنى: يا ألله، وكذا ما بعده من الأوصاف، وهو قوله: (عالمَ الغيبِ والشهادة) أي: السر والعلانية، (ربَّ كل شيءٍ) أي: مصلح كل شيء ومربيه (ومليكَه) بالنصب أيضًا، أي: وملك كل شيء أو [مالكه] (٣)، فعيل بمعنى الفاعل، كالقدير بمعنى القادر. (أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي) أي: من هواها المخالف للهدى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٥]، وأما إذا وافق الهوى الهدى فهو كالزبدة والعسل، (وشرّ الشيطان) أي: جنس الشياطين، أو: الرئيس، وهو إبليس، وخصّ لأنه كثير التلبيس، أي: ومن شر وساوسه وتزييناته، ومتابعة خطواته، (وشركه) تخصيص بعد تعميم، وهو بكسر الشين

стр. 428

وسكون الراء، أي: إشراكه بإيقاعه في الشرك والكفر، وإلا فلا يعرف في الأمم الضالة أن أحدًا يشركه مع الله. وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]، فمعناه: لا تطيعوه في عبادة غير الله؛ ولذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٥ - ٦١]، وفي نسخة صحيحة بفتحتين، قال ميرك: "هو بكسر الشين وسكون الراء، وهو الأشهر في الرواية، وأظهر في المعنى". قال المصنف: "أي: ما يدعو إليه ويوسوس به من الإشراك بالله، ويروى بفتح الشين والراء، أي: حبائله ومصائده، واحده شرَكَةٌ" (١)، انتهى. وَالشَّرَكَةُ -بفتح الشين والراء وفي آخرها هاء- على ما في "الأذكار": حبائل الشيطان، أي: مصائده جمع مصْيَدَة، وهي ما يصاد بها من أي شيء كان، قال ميرك: "فالإضافة على الأول إضافة المصدر إلى الفاعل، وعك الثاني محضة". (د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن أبي بكر الصديق

стр. 429

﵁ (١) قال: "أخبرني بشيء أقوله، قال: قل اللهم … " إلى آخره، وفي بعض النسخ: "كلهم عن أبي هريرة"، ولا منع من الجمع إن ثبت في السمع، وفي نسخة: "رواه الأربعة، الأول: عن الصديق، والباقي: عن أبي هريرة". (وأن نقترف) عطف على قوله: "من شر نفسي"، لكن فيه إشكالٌ، من حيث مجيء "أعوذ" بصيغة الإفراد، ولعل في رواية الترمذي: "نعوذ بك من شر [أنفسنا] (٢) … " إلى آخره، "وأن نقترف"، أي: ومن أن نكتسب، (على أنفسنا سوءًا) أي: إثمًا أو ظلمًا مما يسوء أنفسنَا، ويكون وباله علينا (أو نجرّه) أي: أن ننسب سوءًا (إلي مسلم) بريء من ذلك السوء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، أو نضيف ذلك السوء الذي فعلناه إلى مسلمٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا

стр. 430

وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. (ت) أي: رواه الترمذي من حديثه أيضًا، ويفهم من كلام الإمام النووي أن هذه الزيادة أخرجها أبو داود أيضًا، لكن من حديث أبي مالك الأشعري، كذا ذكره ميرك. (اللهم إني أصبحت أشهدك) بضم همزة وكسر هاء، من الإشهاد، أي: أجعلك شاهدًا على إقراري بوحدانيتك في الألوهية والربوبية، وهو إقرار [بالشهادة] (١)، وتجديد اعتراف بها في كل صباحٍ ومساءٍ، وغرضه: عرضه من نفسه أنه ليس من الغافلين عنها. (وأشهد حملة عرشك) أي: المقربين في حضرتك وخدمتك، (وملائكتك) بالنصب، وهو تعميم بعد تخصيم، أي: وأشهد جميع ملائكتك، أو سائرهم وباقيهم الداخل فيهم: الكرام الكاتبون (٢)، والحفظة الحاضرون. (وجميعَ خلقك) تعميمٌ آخر للتكميل [والتتميم] (٣) (بأنك) أي: على شهادتي وإقراري واعترافي بأنك (لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك. طس، ت) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، والترمذي عن أنس، وفي "نسخة الجلال" رمز الترمذي مقدم قبل لفظهما: "من قالها

стр. 431

غفر الله له ما أصاب في يومه وليلته". (اللهم إني أصبحت أشهدك، وأشهد حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلائِكَتَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أنَّكَ) بفتح الهمزة كما في نسخة، أي: بأنك (أنت الله لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك)، وفي بعض النسخ رمز الترمذي فوق "وحدك"، ورمز النسائي فوق: "لا شريك لك"، (وأن محمدًا عبدك ورسولك، أربع مرات. د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أنس (١)، ولفظه: "من قالهن مرة أعتق الله ربعه من النار،

стр. 432

ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثًا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعًا أعتقه الله من النار"، كذا ذكره ميرك. (اللهم إني أسألك العافية) وهي عدم الابتلاء (في الدنيا والآخرة) أي: في أمورهما، [أو] (١) المراد بالعافية: عدم العقوبة (اللهم إني أسألك العفو) أي: المحو عن الذنوب (والعافية) أي: الخلاص عن العيوب (في ديني، ودنياي، وأهلي) أي: قرابتي وأتباعي، (ومالي) من النقود وغيره، ولا يبعد أن تكون "ما" موصولةً، أي: وكل شيء هو لي ومختصّ بي، على أنه تعميم بعد تخصيصٍ، فيشمل ما له من المال، والعلم والجمال، وسائر أسباب الكمال. قال المصنف في "شرح المصابيح ": "العفو: محو الذنوب، والعافية: السلامة، وهي الصحة، ففي الدين من الزيغ، وفي الدنيا من الأسقام"، وفي "النهاية": "العفو: محو الذنوب، والعافية: أن يسلم من الأسقام والبلايا"، انتهى. لكن لا يخفى أن الأنبياءَ والأولياءَ دعوا الله بالعافية، ولا شك أن

стр. 433

دعوتهم مستجابة، ومع هذا: "أشد الناس بلاء الأنبياء، [ثم الأمثل] (١)، فالأمثل"، فيتعين أن [تقيد] (٢) الأسقام بسيئها، كالبرص، والجنون، والجذام، مما [ينفر] (٣) عنه طبع العوام، ولذا ورد التعوذ من سيئ الأسقام، وكذا [يقيد] (٤) البلاء في الأمور الدينية والدنيوية بالشّاغلة عن الأحوال الأخروية. (اللهم استر عورتي) أي: ما يستحى منه، ويسوء صاحبه أن يرى ذلك عنه، من العيوب والخلل والتقصير، وغير ذلك، (وآمن روعتي) أي: فزعتي مما أخاف، وآمن: أمر من الإيمان، بمعنى: إزالة الخوف وإعطاء الأمن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، وحاصل معناه: اجعل خوفي أمنًا، وأبدله به، قال المصنف: "العورة: كل ما يستحي منه إذا ظهر، والروع: الفزع" (٥)، انتهى. وفي نسخة بصيغة الجمع فيهما، وجعل المؤلف في "شرح المصابيح" أصل الرواية: "عوراتي" و"روعاتي" بالجمع، ثم قال: "وفي رواية بالإفراد فيهما"، انتهى.

стр. 434

واعلم أن كلًّا من العورات والروعات بسكون الواو، كما قال الله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، وأما فتح الواو في العورات، فمن لحن العامة. (اللهم احفظني من بين يدي) بفتح الدال وتشديد الياء على التثنية، وفي نسخة بالكسر والتخفيف، على أن المراد بها: الجنس، والمعني: من قدامي، (ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي) قال الزمخشري (١) في قوله تعالى -حكاية عن إبليس-: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]: "استعمال اليمين والشمال بـ "عن" لغة يؤخذ ولا يقاس، وكذا: القدام والخلف"، وقال البيضاوي (٢): "إنما عدي الفعل إلى الأَوَّلَيْنِ بحرف الابتداء؛ لأن البلاء منهما يتوجه إليهم، وإلى الآخَرَيْنِ بحرف المجاوزة، فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم: جلست عن يمينه"، انتهى. وقال ابن عباس في الآية: " ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: من قبل الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: من جهة حسناتهم وسيئاتهم".

стр. 435

(ومن فوقي) قال الطيبي: "استوعب الجهات الست كلها؛ لأن ما يلحق الإنسان من نكبة وفتنة، فإنما يحيق به ويصل إليه من إحدى هذه الجهات، وبالغ في جهة السفل، حيث قال: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) لرداءة آفتها"، انتهى. ولا يخفى حسن موقع قوله: "بعظمتك" على ما في النسخ المصححة في هذا المقام، وفي نسخة: "بك". ثم "أغتال": بصيغة المجهول من الاغتيال، وهو أن يؤتي المرء من حيث لا يشعر، وأن يدهي بمكروه [لم] (١) يرتقبه، وأصله: أن يخدع ويقتل خفية، وحاصله: الأخذ بغتة، أو الموت فجأة، والأظهر أن يراد به الخسف، كما ورد في رواية أبي داود، حيث قال وكيع -أحد رواة هذا الحديث-: "يعني: الخسف". (د، ق، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن ابن عمر، ولفظه: "لم يكن يدعها" (٢).

стр. 436

(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد) أي: على وجه الاختصاص حقيقةً، وإن وُجِدا في الجملة لغيره صورة، (يحي ويميت) أي: يبدئ ويعيد، (وهو حي) أي: من الأزل، (لا يموت) أي: إلى الأبد، فليس له ابتداءٌ، ولا يعتريه انتهاءٌ، فهو الأول والآخر، (وهو على كل شيء قدير. د، س، ق، مص، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن السني (١)؛ كلهم عن ابن عياش بالتحتية

стр. 437

والشين المعجمة، وقيل: "ابن عائش"، لكن قوله: "يحيي ويميت، وهو حي لا يموت" مختصٌّ برواية ابن السني، فيكتب رمزه بالحمرة فوقه. قال ميرك: "ولفظ الحديث: "من قال إذا أصبح (١)، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسناتٍ، وحط عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجاتٍ، وكان في حرزٍ من الشيطان حتى يمسيَ، وإن قالها إذا أمسي، كان له مثل ذلك حتى يصبحَ"، قال حماد بن سلمة -أحد رواة هذا الحديث-: فرأى رجل رسولَ الله ﷺ فيما يرى النائم، فقال: يا رسول الله، إن ابن عياش يحدث عنك كذا، وكذا؟ قال: صدق ابن عياش". (رضينا) أي: نحن معاشرَ المؤمنين (بالله ربًّا) تمييز من النسبة، أي: رضينا بربوبيته، وكذا الحال في قوله: (وبالإسلام دينًا) أي: وبدين الإسلام، (وبمحمدٍ ﷺ رسولًا) أي: وبرسالة محمدٍ ﷺ ، والمراد بالرضا هنا التصديق على وجه التحقيق. (عه، مس، أ، ط) أي رواه: الأربعة، والحاكم، وأحمد، والطبراني (٢)،

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 440

من حديث أبي سلام خادم النبي ﷺ ، قال ابن عبد البر: "هذا هو الصحيح، وقيل: إنه ثوبان" ذكره ميرك، وفي بعض النسخ تحت رمز الأربعة: "أبو سلام" (١)، وتحت رمز الحاكم: "سابق"، وتحت الباقي: ["المنيذر"] (٢). ثم لفظ الحديث: "من قاله إذا أصبح وأمسى كان حقًّا على الله أن يرضيَه"، وفي رواية: "حتى يدخلَه الجنة". ثم اعلم أن في بعض النسخ المعتمدة فوق "رسولًا" كتب: "نبيًّا" مرموزًا بالألف والطاء إشعارًا بأن رواية أحمد، والطبراني، بلفظ: "نبيًّا"،

стр. 441

والباقي بلفظ: "رسولًا"، وزاد في نسخة رمز الترمذي معهما. ويؤيده ما قال النووي في "الأذكار": "وقع في رواية أبي داود وغيره: "وبمحمد رسولًا"، وفي رواية الترمذي: "نبيًّا"، فيستحب الجمع بينهما، فيقول: نبيًّا رسولًا، ولو اقتصر على أحدهما كان عاملًا بالحديث"، انتهى. وإنما قدم "نبيًّا"؛ لتقدم وجود النبوة على تحقق الرسالة، والأظهر أن يقول مرة: "رسولًا"، وأخرى: "نبيًّا"، ولو جمع بينهما بواو الجمع أيضًا جاز؛ إذ المراد إثبات الوصفين له. (رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، ثلاث مرات. مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني، عن أبي سلام (١). (اللهم ما أصبح بي من نعمة) أي: كل ما حصل لي من منحة دينية وأخروية، أو وصل إلي من نعمة دنيوية، (أو بأحد من خلقك) هذا ليس في رواية أبي داود؛ ولذا كتب فوق "أو بأحد من خلقك": "س، حب، ي"، (فمنك وحدك) حال من الضمير المتصل في قوله: "فمنك" أي: فهو "حاصل منك منفردًا، (لا شريك لك) أي: في إيجاده وإيصاله، (فلك الحمد) أي: الثناء الجميل عليه، (ولك الشكر) أي: استحقاق وجوب الشكر علينا باللسان، والجنان، والأركان في مقابلة تلك النعمة وذلك الإحسان. قال بعض المحققين: "الفاء في "فمنك" جواب الشرط، كما في قوله

стр. 442

تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ومن شرط الجزاء أن يكون مسببًا للشرط، ولا يستقيم هذا في الآية إلا [بتقديم] (١) الإخبار، والتنبيه على الخطأ، وهو أنهم كانوا لا يقومون بشكر نعم الله تعالى، بل كانوا يكفرونها بالمعاصي، فقيل لهم: إني أخبركم بأنها من الله تعالى حتى تقوموا بشكرها، والحديث بعكسها، أي: إني أُقرّ وأعترف بأن كل النعم الحاصلة الواصلة، من ابتداء الحياة إلى انتهاء دخول الجنة منك وحدك، فأوزعني أن أقوم بشكرها، ولا أشكر غيرك"، انتهى. والمراد بقوله: "إلى انتهاء دخول الجنة" هو التأبيد لا التقييد، ثم قوله: "فلك الحمد … " إلى آخره تقرير للمطلوب؛ ولذا قدم الخبر على المبتدإ المفيد للحصر، يعني: إذا كانت النعمة مختصّة بك، فها أنا أنقاد إليك، وأخصّ الحمد والشكر لك، قائلًا: لك الحمد لا لغيرك، ولك الشكر لا لأحد سواك. (د، س، حب، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن عبد الله بن غنام البياضي بفتح الغين المعجمة وتشديد النون، وابن حبان، وابن السني، عن ابن عباس، بلفظ: "من [قاله] (٢) حين يصبح (٣)، فقد أدى شكر يومه،

стр. 443

ومن قاله حين يمسي، فقد أدى شكر ليله" (١).

стр. 444

(اللهم عافني في بدني) أي: من الآفات المانعة عن الكمالات، أو المراد بالعافية فيه أن لا يقع من جميع أعضائه شيء من المعاصي، أو معناه: اعف عني ما صدر مني في بدني. (اللهم عافني في سمعي) أي: من (١) الخلل الحسي أو المعنوي، بأن لا يدرك الحق، أو لا يقبله، أو يسمع ما لا يجوز سماعه. (اللهم عافني في بصري) أي: من العمي، أو من عدم مشاهدة آيات المولى، أو من النظر إلى نحو محرم، ويؤيده ما ورد في روايةٍ: "اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي وبصري، ومن شر منيي"، وعلي كل تقدير خص السمع والبصر بعد ذكر البدن؛ لشرفهما، فإن السمع هي التي تدرك آيات الله المنزلة على الرسل، والعين هي التي تدرك آيات الله المنبثة في الآفاق، [فهما] (٢) جامعان لدرك الآيات النقلية والعقلية، وإليه نظر قوله ﷺ : "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا". وفي تقديم السمع -كما في الآيات وسائر الأحاديث- إيماءٌ إلى أنه

стр. 445

أفضل من البصر، خلافًا لمن خالف، وبيانه أنه مع فقدان البصر يتصور أن يصير الشخص مؤمنًا عالمًا كاملًا، بخلاف من فقد منه السمع، فإنه لا يتصور منه شيءٌ من ذلك كسبًا، إلا أن يعطي من عنده تعالى وهبًا، مع أن فقد السمع الخلقي يستلزم فقد النطق اللساني أيضًا، كما هو معلوم. وفي قوله ﷺ : "أبو بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر" (١): تصريح بما ذكرنا، والله أعلم. وهو لا ينافي تفضيل البصر عليه، من حيث إن بعض مرئياته ذاته تعالى، إذ قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، كقوله ﷺ للصحابة: "أقرؤكم أُبَيٌّ"، مع أن الصديقَ أفضلُهم. (لا إله إلا أنت) أي: فلا يطلب المعافاة (٢) ولا غيرها إلا منك. (ثلاث مرات) قيد لما سبق كله، ولا يخفى أن قوله: "عافني" بمعنى: أعطني العافية، فهو من باب المفاعلة على قصد المبالغة؛ لعدم صحّة إرادة [المغالبة] (٣).

стр. 446

وفي "القاموس" (١): "العافية: دفاع الله عن العبد، عافاه الله عن المكروه معافاةً وعافية: وهب له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه الله من المكروه معافاة وعافية"، فما ذكره الحنفي نقلًا عن "النهاية" (٢) هنا أن المعافاة هي أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك، أي: يغنيك عنهم، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل: "هي مفاعلة من العفو، وهو أن يعفو عن الناس ويعفوا عنه"، فكلام مقبول، لكنه ليس في هذا المحل بمعقول. (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) أي: فقر القلب؛ ولذا اقترنه بالكفر؛ لحديث: "كاد الفقر أن يكون كفرًا"، وهو حيث لا يَرْضَى بالقضاء، أو يعرض له الاعتراض على رب السماء، وهذا تعليم للأمة، أو المراد من الكفر الكفران، ومن الفقر الاحتياج إلى الخلق، على وجه الكسر والمذلة، أو قلة المال مع عدم القناعة، وقلة الصبر، وكثرة الحرص. (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) أي: من أنواع عقاب فيه، أو مما يجر إلى عذابه من أنواع المعاصي (لا إله إلا أنت) أي: فلا يستعاذ إلا بك. (ثلاث مرات) على طبق ما تقدم. (د، س، ي) أي رواه: أبو داود،

стр. 447

والنسائي، وابن السني، كلهم من حديث أبي بكرة الثقفي (١)، وفي نسخة: "من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر". (سبحان الله) علم للتسبيح منصوب على المصدرية، كذا في "المغرب"، (وبحمده) معناه سبحتك بجميع آلائك، وبحمدك سبحتك، ذكره في "المغرب" أيضًا، والأظهر في المعنى أن يقال: أسبحه وأنزهه عما لا يليق به من الصفات السلبية، وأقوم بحمده وثنائه الجميل من النعوت الثبوتية، ويمكن أن تكون الواو زائدة، [فالمعنى] (٢): أسبحه مقرونًا بحمده. (لا قوة) أي: للعبد على كل حركة وسكون (إلا بالله) أي: [بإقداره] (٣)

стр. 448

(ما شاء الله كان، ومما لم يشأ لم يكن) أي: سواء شاء العبد أو لم يشأ، وعلى هذا اتفق السلف، ولا عبرة بِخُلْفِ بعضِ الخَلَفِ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وفي الحديث القدسي: "تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، ويفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد" (١). (أعلم) أي: أنا (أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا)، اعلم أنه قيل: "ما من عامٍّ إلا خُصَّ"، فقيل: هذا أيضًا مما خص، وبيانه أن قوله: "أن الله على كل شيء قدير" خُصّ منه المحالات، حيث لم يتعلق به المشيئة، فلا [يتحقق] (٢) به القدرة، وأن قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١] (٣) عام لا يخص منه شيء، لأن علمه [متعلق] (٤) بالموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل، والجزئيات والكليات، بل بما لا يكون لو كان كيف يكون. قال ميرك: "وهذان الوصفان -أعني: العلم الشامل، والقدرة الكاملة- هما عمدة أصول الدين، وبهما يتم إثبات الحشر والنشر، ورد

стр. 449

[الملاحدة] (١) في إنكارهم البعث؛ [لأن] (٢) الله تعالى إذا علم الجزئيات والكليات على الإحاطة، علم الأجزاء المتفرقة المتلاشية في أقطار الأرض، فإذا قدر على جمعها إحياءً [قدر على جمعها أمواتًا] (٣)؛ فلذلك خصهما بالذكر في هذا المقام، والله أعلم". (د، س، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن السني؛ كلهم من حديث عبد الحميد مولى بني هاشم، عن أمه، عن بعض بنات النبي ﷺ ، قال الحافظ المنذري: "أم عبد الحميد لا أعرفها"، وقال العسقلاني: "لم أقف على اسمها، وكأنها صحابية"، ذكره ميرك (٤). ولفظ الحديث: "من قالهن حين يصبح حفظ حتى يمسي، ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح".

стр. 450

(أصبحنا على فطرة الإسلام) الفطرة: الخلقة من الفطر، كالخلقة من الخلق في أنها اسم للحالة، ثم إنها جعلت اسمًا للخلقة القابلة [لدين] (١) الحق على الخصوص، والمعنى: أصبحنا على نوع من الجبلة المتهيئة لقبول الإسلام، (وكلمة الإخلاص) أي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وإنما سميت كلمة التوحيد "كلمة الإخلاص"؛ لأنها لا تكون سببًا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص. (وعلى دين نبينا محمد) بالجر، ويجوز رفعه ﷺ قال بعض المحققين: "كذا في الحديث، وهو غير ممتنع، ولعله ﷺ قال ذلك جهرًا، ليسمعه غيره فيتعلم"، انتهى. والأظهر أنه ﷺ أيضًا مأمور بالإيمان بنفسه، كما سيجيء في جوابه للمؤذن عند الشهادتين قوله: "وأنا، وأنا"، وتحقيقه أنه مبعوث لجميع الخلق، وهو من أعيانهم، كما في حديث مسلم: "بعثت للخلق كافةً"، [ويدل] (٢) عليه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الفرقان: ١]، وهو عين العالم، والله أعلم. ويقويه أنه حيث مأمور بجميع التكليفات الشرعية من الفعلية والقولية، فكذا الأمور الاعتقادية، وبهذا يظهر كمال العبودية، وإعطاء حق الربوبية.

стр. 451

(وعلى ملة أبينا إبراهيم)، وهو بالنسبة إلى العرب واضح؛ [لأن] (١) جدهم من ولده إسماعيل، وأما بالنسبة [للعجم] (٢) فإن كل نبي أبو أمته، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وفي قراءة شاذة: (وهو أب لهم)، يعني: حيث يربيهم التربية الكاملة. فأبو النبي يكون أبا أمته، أو باعتبار تعليم التوحيد ولو بالوسائط، فإن كل معلم بمنزلة الأب، بل أولى منه؛ لأن الأب سبب الإيجاد، والمعلم موجب الإمداد، ولا يبعد أن يعتبر التغليب. (حنيفًا) حال من إبراهيم ﵇، وهو المائل إلى دين الحق، ضد الملحد المائل إلى دين الباطل، وإن كان الحنف والإلحاد في أصل اللغة بمعنى مطلق الميل، لكن خصّا في الشرع بما ذكرنا. (مسلمًا) أي: منقادًا لله، مطيعًا في أوامره ونواهيه، مسلّمًا له في قضائه وقدره، مخلصًا في محبته وخلته، لا يلتجئ إلى غيره، حتى قال له جبريل، عندما رمي في النار: "ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك؟ قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي" (٣).

стр. 452

وهذا زبدة التوحيد، وخلاصة التفريد، أن ينحل عن قلب المريد عقدة [التقييد] (١)، وينكشف له أن لا نفع ولا ضر للعبيد، إلا بما شاء الله ويريد، فحينئذٍ يستحق الكرامة على وجه المزيد. (وما كان) أي: أبدًا في جميع عمره (من المشركين) أي: لا شركًا جليًّا ولا [شركًا] (٢) خفيًّا، وفيه رد على اليهود والنصارى وغيرهما ممن يدعي النسبة إليه، وأن طريقه موافق لما هو عليه، ثم الأحوال إما متداخلة أو مترادفة. وقال ميرك: "الحنيف: المسلم المستقيم، وقد غلب هذا الوصف على إبراهيم، وقوله: "وما كان من المشركين" من الأحوال المتداخلة تقريرًا، وصيانة للمراد تحقيقًا، [فما] (٣) يتوهم من أنه يجوز أن يكون حالًا منتقلة، فردَّ ذلك التوهم بأنه لم يزل موحدًا ومثبته، لأنها حال مؤكدة. (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني (٤). (في الصباح والمساء) من حديث عبد الرحمن بن أبزى - على وزن

стр. 453

أضحى -بلفظ: "كان [يقوله] (١) في الصباح والمساء"، وقوله: (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا، لكن (في الصباح فقط) قال ميرك: "يعني: هو عند أحمد، والطبراني: في الصباح والمساء جميعًا، وعند النسائي: في الصباح فحسب"، كذا نقل عن المصنف، والمراد قوله: "أصبحنا على فطرة الإسلام … " إلى آخره، قال صاحب "السلاح": "أخرجه النسائي من طرق، ورجال إسناده رجال الصحيح"، انتهى. ثم استأنف المصنف، وقال: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) أي: أطلب [الغيوث] (٢) والمدد، وأستعين في كل خير، وأستعيذ من كل شر، (أصلح لي شأني) بسكون الهمزة ويبدل ألفًا، أي: حالي (كله) تأكيد له، (ولا تكلني) بفتح تاء وكسر كاف وسكون لام، من الوكول، أي: لا تتركني. (إلى نفسي طرفة عين) أي: غمضة جَفن لها، والمعنى: لا تدعني عن نعمة الإمداد؛ لما سيأتي من قوله: "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة، وذنب وخطيئة"، وسببه أن النفس من حيث جبلتها موضوعة للأمور المذكورة، فلو خليت بدون الأمداد الإلهية والعنايات الربانية، صدر منها ما طبع فيها، وأما لو ترك الله الإنسان إلى نفسه بأن تركه عن نعمة الإيجاد، لصار معدومًا بالكلية، وهذا كله اعتراف بربوبية

стр. 454

الحق، وإقرار بعبودية الخلق. (س، مس، ر) أي رواه: النسائي، والحاكم، والبزار؛ كلهم (١) عن أنس: أنه [ ﷺ ] (٢) قال لابنته فاطمة أن تقوله في الصباح والمساء"، وفي رواية للنسائي، عن علي ﵁، قال: "قاتلت يوم بدر قتالًا (٣)، ثم جئت إلى النبي ﷺ ، فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، ثم ذهب فقاتلت، ثم جئت فإذا النبي ﷺ ساجد يقول: يا حي يا قيوم، ففتح الله عليه" (٤). (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك) الجملة حال مقدرة أو معطوفة، وكذا قوله: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) أي: قدر استطاعتي، ومقدار طاقتي، فـ"ما" مصدرية ظرفية، قال ميرك (٥): "أي على ما عاهدتك ووعدتك من الإيمان، وإخلاص طاعتك

стр. 455

لك، [أو أنا] (١) مقيم على ما عاهدت إليَّ من أمرك، ومتمسك به، ومستنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه، واشتراط الاستطاعة اعتراف بالعجز والقصور، عن كنه الواجب في حقه تعالى". قال صاحب "النهاية": "واستثنى بقوله: "ما استطعت" موضع القدر السابق لأمره، أي: إن كان قد جرى القضاء أن أنقض العهد يومًا، فإني أتعلق عند ذلك إلى الاعتذار بعدم الاستطاعة في دفع ما قضيت" (٢)، انتهى. ويجوز أن يراد بالعهد ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، أي: أنا مقيم على الوفاء بما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيتك، أو فيما عاهدتني، أي: أمرتني في كتابك [وبلسان] (٣) نبيك، [أو] (٤) أنا موقن بما وعدتني من البعث والنشور، وأحوال القيامة، والثواب والعقاب، ولا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر، وغير ذلك مما لم يخطر بالبال، والله أعلم بالحال. (أبوء) بضم الموحدة، أي: أُقرّ لك (بنعمتك على، وأبوء) أي: أعترف (بذنبي) قال المصنف (٥): "أي: ألتزم وأرجع، وأقر وأعترف

стр. 456

بالنعمة التي أنعمت بها على، و"أبوء بذنبي" معناه: الإقرار بالذنب، والاعتراف به أيضًا، لكن فيه معنًى ليس في الأول؛ لأن العرب تقول: باءَ فلان بذنبه، إذا احتمله كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه، وكذا ورد في بعض الروايات الصحيحة: "أبوء لك بنعمتك" بلفظ "لك"، وبِعَدَمِها في "ذنبي" (١)، كما في الأصل، وهو أدب حسن" (٢). (فاغفر لي) أي: إذا كان الأمر كذلك من دوام إنعامك عليَّ، ونقصان ارتكاب الذنب عندي، فاغفر لي، أي: ذنبي، (فإنه) أي: الشأن (لا يغفر الذنوب) أي: جنسها، لاستثناء الكفر إجماعًا، أو جميع أفرادها بالتوبة (إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت) (٣) أي: بأن أرجع إليه، و"ما" مصدرية أو موصولة، والمراد به غفران الأوزار وعدم الإصرار؛ ولذا ورد أنه: "سيد الاستغفار". (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي عن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أخي حسان بن ثابت، بلفظ: "من قالها موقنًا بها حين يمسي، فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قالها موقنًا بها حين يصبح، فمات من

стр. 457

يومه دخل الجنة" (١)، ذكره ميرك. (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت) فهذه الجملة مؤخرة في الحديث السابق، متوسطة في اللاحق (أبوء) بدون "لك" هاهنا (بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنه) أي: بدون الفاء (لا يغفر الذنوب إلا أنت. د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي (٢)، وفي

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 459

"الأذكار" (١): "إذا قال ذلك حين يصبح ويمسي، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدًا". (اللهم أنت) أي: وحدك (أحق من ذُكرَ) بصيغة المجهول، أي: [أولاهم] (٢) وأثبتهم، والمعنى: ذِكْرك أليق وأحرى من ذِكْر كل مذكور؛ ولذا قال الصديق الأكبر: "ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله" (٣). أو: أنت وأنبياؤك وأوليا ؤك حق ذكرُهم، ومن سواهم باطلٌ [ذكرهم] (٤)، فـ "أفعل" للمبالغة في نفس الفعل لا [لزيادته] (٥)، وهو المناسب لقوله: (وأحق من عُبِدَ)، لأن من عبد من دون الله فهو باطل لا محالة (٦).

стр. 460

(وأنصرُ من ابتغي) بكسر النون ويضم، والفعل بصيغة المجهول، أي: طلب منه النصرة، فـ "أَنْصَرُ" بمعنى أكثر نصرة وإعانة، (وأرأف من ملك) أي: أرحم المالكين، (وأجود من سئل) أي: أكرم المسئولين، (وأوسع من أعطى) أي: أكثر [إعطاءً] (١) من جميع المحسنين. (أنت الملك) أي: السلطان الحقيقي، (لا شريك لك) أي: في ملكك، وإنما تعطي بعض الملك [من] (٢) تشاء، (والفرد) أي: أنت الواحد بالذات، المنفرد بالصفات (لا نِدَّ لك) بكسر النون وتشديد الدال، أي: لا مثل ولا نظير، على ما في "الصحاح" (٣). وقال في "النهاية": "الند هو مثل الشيء يضاده في الأمور" (٤)، نقله ميرك، واقتصر عليه الحنفي، والأصح الإطلاق على ما في "الصحاح"، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، ولما يقال: لا ند له، ولا ضد له. (كل شيء هالك) أي: قابل للفناء (إلا وجهك) أي: ذاتك، ومنه قوله
следующие страницы →