← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بالنعمة التي أنعمت بها على، و"أبوء بذنبي" معناه: الإقرار بالذنب، والاعتراف به أيضًا، لكن فيه معنًى ليس في الأول؛ لأن العرب تقول: باءَ فلان بذنبه، إذا احتمله كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه، وكذا ورد في بعض الروايات الصحيحة: "أبوء لك بنعمتك" بلفظ "لك"، وبِعَدَمِها في "ذنبي" (١)، كما في الأصل، وهو أدب حسن" (٢). (فاغفر لي) أي: إذا كان الأمر كذلك من دوام إنعامك عليَّ، ونقصان ارتكاب الذنب عندي، فاغفر لي، أي: ذنبي، (فإنه) أي: الشأن (لا يغفر الذنوب) أي: جنسها، لاستثناء الكفر إجماعًا، أو جميع أفرادها بالتوبة (إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت) (٣) أي: بأن أرجع إليه، و"ما" مصدرية أو موصولة، والمراد به غفران الأوزار وعدم الإصرار؛ ولذا ورد أنه: "سيد الاستغفار". (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي عن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أخي حسان بن ثابت، بلفظ: "من قالها موقنًا بها حين يمسي، فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قالها موقنًا بها حين يصبح، فمات من

стр. 457

يومه دخل الجنة" (١)، ذكره ميرك. (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت) فهذه الجملة مؤخرة في الحديث السابق، متوسطة في اللاحق (أبوء) بدون "لك" هاهنا (بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنه) أي: بدون الفاء (لا يغفر الذنوب إلا أنت. د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي (٢)، وفي

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 459

"الأذكار" (١): "إذا قال ذلك حين يصبح ويمسي، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدًا". (اللهم أنت) أي: وحدك (أحق من ذُكرَ) بصيغة المجهول، أي: [أولاهم] (٢) وأثبتهم، والمعنى: ذِكْرك أليق وأحرى من ذِكْر كل مذكور؛ ولذا قال الصديق الأكبر: "ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله" (٣). أو: أنت وأنبياؤك وأوليا ؤك حق ذكرُهم، ومن سواهم باطلٌ [ذكرهم] (٤)، فـ "أفعل" للمبالغة في نفس الفعل لا [لزيادته] (٥)، وهو المناسب لقوله: (وأحق من عُبِدَ)، لأن من عبد من دون الله فهو باطل لا محالة (٦).

стр. 460

(وأنصرُ من ابتغي) بكسر النون ويضم، والفعل بصيغة المجهول، أي: طلب منه النصرة، فـ "أَنْصَرُ" بمعنى أكثر نصرة وإعانة، (وأرأف من ملك) أي: أرحم المالكين، (وأجود من سئل) أي: أكرم المسئولين، (وأوسع من أعطى) أي: أكثر [إعطاءً] (١) من جميع المحسنين. (أنت الملك) أي: السلطان الحقيقي، (لا شريك لك) أي: في ملكك، وإنما تعطي بعض الملك [من] (٢) تشاء، (والفرد) أي: أنت الواحد بالذات، المنفرد بالصفات (لا نِدَّ لك) بكسر النون وتشديد الدال، أي: لا مثل ولا نظير، على ما في "الصحاح" (٣). وقال في "النهاية": "الند هو مثل الشيء يضاده في الأمور" (٤)، نقله ميرك، واقتصر عليه الحنفي، والأصح الإطلاق على ما في "الصحاح"، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، ولما يقال: لا ند له، ولا ضد له. (كل شيء هالك) أي: قابل للفناء (إلا وجهك) أي: ذاتك، ومنه قوله

стр. 461

تعالى -تغليبًا لذوي العقول-: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ومنه قول لبيد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله بَاطِلٌ (١) وقيل: "كل شيء من المخلوقات يهلك ويعدم، فيوجد ويبقى أنا، فـ "أنا" قياسا للذوات الفانية على الأعراض التي هي بالاتفاق غير باقية". (لن تطاع) بضم أوله، أي: لن [ينقاد للطاعة لك] (٢) (إلا بإذنك) أي: بتوفيقك ورضاك (٣)، (ولن تعصى إلا بعلمك) أي: بأن العاصي غير قابل للتوفيق إلى سواء الطريق، فعصيانه مقرون بالخِذلان، ومتعلق بعلمك في جميع الأحيان، فتعامله بمقتضى علمك، وفيه إشعار بأن المعصية ليست بإذنه وأمره مع أن الكل بإرادته وعلمه. (تطاع فتشكر) بصيغة الفاعل، أي: فتثني وتجازي، (وتعصى فتغفر) أي: أو فتعاقب، فهو من باب الاكتفاء، ولم يعكس إيماءً إلى غلبة الرحمة وكثرة المغفرة، مع أن مقام المدح يقتضي ذلك. (أقرب (٤) شهيد) أي: أنت أقرب كل حاضر إيماء إلى قوله تعالى:

стр. 462

﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، أو الشهيد بمعنى العالم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. ثم اعلم أنه إذا اعتبر علم الله تعالى مطلقًا فهو "العليم"، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو "الخبير"، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو "الشهيد" (١). (وأدنى حفيظ) أي: أقرب كل حافظ، (حُلْتَ) بضم الحاء من الحيلولة، بمعنى المنع (دون النفوس) أي: عندها عن مراداتها، أو فوقها بمعنى: غلبتها في مقصوداتها، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، أي: يحجبه ويمنعه عن مراده؛ ولذا قيل: "عرفت الله بفسخ العزائم" (٢). وحاصله: أنه يملك على قلبه يصرفه كيف يشاء، وفي "تفسير الجلالين": "أي: فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته" (٣)، وقال الحنفي: "هو مِنْ: حالَ بين الشيئين، إذا منع أحدهما عن الآخر، أو مِن: حال الشخص، إذا تحرك، فالمعنى على الأول: أنه تعالى حال بين

стр. 463

الأشخاص ونفوسها، وعك الثاني: أنه تحرك حول [النفس] (١)، وأحاط بها" (٢)، انتهى. ولا يخفى أن إطلاق التحرك حول [النفس] (٣) على الله غير صحيح، فالصواب أن يراد المعنى الأول، فتأمل؛ فإنه موضع الزلل. وتحرير المعنى: أنه يمنع بين النفوس ومراداتها، أو بين الأشخاص ومشتهيات نفوسهم ومقصوداتها. (وأخذت) يجوز قراءته بالإظهار والإدغام (بالنواصي) الباء للتعدية، والناصية: الشعر الكائن في مقدم الرأس على ما في "الصحاح" (٤)، وأخذها كناية عن الاستيلاء التام، والتمكن من التصرف الكامل، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]. والظاهر: أن معنى الحديث أعم، حيث يراد بالنواصي نواصي جميع الأشياء، ولعل ذكر الدابة في الآية تغليب. (وكتبت الآثار) أي: أثبتت الأعمال في اللوح، أو عند نفخ الرُّوح، (ونسخت الآجال) أي: بينت الأعمار كذلك.

стр. 464

(القلوب لك مفضية) اسم فاعل من الإفضاء، بمعنى الاتساع (١)، قال المصنف: "أي: متسعة منشرحة" (٢)، وفي نسخة: "مضيئة" من الإضاءة، والظاهر أنها مصحفة، (والسر عندك علانية) بتخفيف الياء، أي: كالعلانية في تعلق العلم، (الحلال مما أحللت) أي: ما حكمت بإحلاله، (والحرام مما حرمت) أي: ما قضيت بحرمته، وفيه رد [التحسين] (٣) العقلي وتقبيحه، (والدين) وهو ما يتدين به من الأحكام الأصولية والفروعية (ما شرعت) أي: ما جعلته مشروعًا، (والأمر) أي: جميع الأمور الواقعة في الكون (ما قضيت) أي: ما قدرته وحكمت به، (والخلق خلقك) (٤) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، (والعبد عبدك) اللام للاستغراق أو للعهد، (وأنت الله الرءوف الرحيم). (أسألك بنور وجهك) أي: متوسلًا بنور ذاتك (الذي) صفة للنور، أو الوجه (أشرقت له) أي: أضاءت واستنارت لأجله (السماوات) أي: بجميع طبقاتها المستعلية بعضها فوق بعض، بين كل سماء وسماء

стр. 465

مسافة خمس مئة عام، وكذا غلظ كل سماء (والأرض) أي: وكذا طبقات الأرض السبع وما بينها، وإنما أفردت لاتفاق طبقاتها الترابية، أو لصغرها، فإنها بجنب السماء كحلقة في فلاة، فجمع السماء لكبرها أو لاختلاف طبقاتها، وتقديمها لشرفها، فإنها مقر الملائكة المقربين، وأرواح الأنبياء والمرسلين، وفيها الجنة ومراتب العليين. (وبكل حق هو لك) أي: على السائلين وغيرهم، (وبحق السائلين عليك) بناء على ما وعدتهم من الإجابة، وكأنه سأل الله تعالى متوسلًا بحقوق الله تعالى على مخلوقاته، وبحقوق السائلين عليه تعالى. والظاهر: أن حق الله هو إطاعته وثناؤه، والعمل بأوامره، والنهي عن زواجره، وحق العباد على الله ثوابهم الذي وعدهم به، فإنه واجب الإنجاز ثابت الوقوع، [بوعده] (١) الحق وإخباره الصدق. (أن تقيلني) مفعول ثانٍ لـ "أسألك"، قال المصنف: "هو بضم التاء، من: أقاله عثرته، إذا تجاوز عنها، أي: تتجاوز عن ذنوبي" (٢) (في هذه الغداة) بفتحتين بعدهما ألف، ويكتب بالواو كالصلاة، وفي نسخة بضم فسكون ففتح واو، وهما لغتان بمعنى البكرة، وهي أول النهار، فيقوله إذا أصبح.

стр. 466

(أو: في هذه العشية) أي: إذا أمسى، فـ "أو" للتنويع، لا للترديد، ولا للتخيير، حيث لا يجوز الجمع بينهما، ولا انعكاسهما، (وأن تجيرني) من الإجارة، أي: وأن تخلصني (من النار بقدرتك) أي: على كل شيء، [حيث] (١) لا تعجز ولا تتوقف على حصول سبب، فيئول إلى أنه كأنه قال: بفضلك وكرمك. (ط، طب) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، وفي "الدعاء" له أيضًا، عن أبي أمامة الباهلي، وصححه الحافظ عبد الغني، ولفظه (٢): "من قاله، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، وأثابه عتق عشر [رقبات] (٣)، وأجاره من الشيطان" (٤).

стр. 467

(حسبي الله) أي: كافيَّ في جميع أموري هو الله، وقال بعض العارفين: "حسبي ربي من كل مُرٍّ بي" (لا إله إلا هو) استئناف بيان لما سبق، أو توطئة لقوله: (عليه توكلت) أي: عليه اعتمدت لا على غيره، فلا أرجو [و] (١) لا أخاف إلا منه؛ لقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، ولقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]، وفي آية: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾. (وهو رب العرش العظيمِ) بالجر على أنه صفة للعرش، وفي رواية بالرفع على أنه صفة الرب، والأول أبلغ، والمراد بالعرش الملك العظيم، أو الجسم [الأعظم] (٢) المحيط الذي [تنزل] (٣) منه الأحكام والمقادير (سبع مرات) لعل الحكمة في اعتبار هذا العدد لمحافظة الأعضاء السبعة، وإيماء إلى سبع سماوات طباقًا ومن الأرض مثلهن، المحيط بجميعها العرش العظيم، ولعله بهذا الاعتبار سبع: الطواف، والسعي، ورمي الجمرات. (ي) أي: رواه ابن السني عن أبي الدرداء، ولفظه: "من قال ذلك (٤)

стр. 468

كل يوم حين يصبح وحين يمسي كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة" (١). (لا إلى إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات) (٢)، وهو أقل العدد الذي تجاوز عن حد الآحاد. (س، حب، أ، ط، ي) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وأحمد، عن أبي أيوب الأنصاري (٣)، والطبراني، وابن السني؛ كلاهما عن أبي هريرة (٤).

стр. 469

(سبحان الله العظيم) يكتب فوق "العظيم": حرف الدال، وفي نسخة: "حب" ولفظ "عو"؛ ليدل على أنه من زيادتهما. (وبحمده، مئة مرة) قال المؤلف: "قوله: "حسبي الله … " إلى آخره سبع مرات، وكذا: "لا إله إلا الله وحده … " إلى آخره عشر مرات، و"سبحان الله وبحمده مئة مرة"، ونحوه مما نص على العدد فيه، لو زاد العدد، حصل له الثواب [المترتب] (١) عليه، والأجر بما زاد، وليس هذا من الحدود التي نهى الله تعالى عن اعتدائها، ومجاوزة أعدادها، [أو أن] (٢) زيادتها لا فضل فيها أو [تبطلها] (٣)، كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، وبالغ بعض الناس فقال: "إن الثواب الموعود به على العدد المعين، فلو زاد لم يحصل له ما وعد عليه؛ لأن هذا العدد المعين له سر وخاصية رتب عليه ما ذكر، فلو زاد تبطل الخاصية"، وهذا غلط ظاهر، وقول لا يلتفت إليه، بل الصواب كما قال الشاعر: ومن زاد زاد الله في حسناته (٤) " (٥)، انتهى.

стр. 470

ولا يخفى أن زيادة الطهارة غير مبطلة أصلًا، وكذلك زيادة الركعات في بعض الصور. (م، د، ت، س، مس، حب، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود (١)، والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن حبان، وأبو عوانة (٢)؛ كلهم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مئة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه" (٣)، ذكره ميرك. والظاهر من [لفظة] (٤) "أو" أن من قال مثل قول القائل يكون أفضل مما جاء به، ومن زاد عليه يكون أيضًا أفضل، ولا إشكال في الزيادة، فإن الثواب بقدر العمل، فمن زاد عليه مرة يكون ثوابه أكثر. وأما [أفضلية] (٥) من قال مثله، فمشكل؛ لأنه يقتضي المساواة لا الأفضلية، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة غير مرضية، منها: أنه قال

стр. 471

مثله في العدد، لكنه أخلص في القبول، والجواب الصحيح أن يقال (١): الاستثناء وإن كان في الظاهر من النفي لكن في الحقيقة من الإثبات، والمعنى: أن من قال ذلك أتى بأفضل مما جاء به كل أحد إلا أحدًا قال مثل ذلك، فإنه مساوٍ له، أو زاد عليه، فإنه أفضل منه. والأظهر أن يقال: الاستثناء منقطع، فالمعنى: لم يأت أحد بأفضل مما جاء به، لكن أحدًا قال مثل ما قال يساويه، أو زاد، فإنه يزيد ويفضل. قال ميرك: "والمراد بالأفضل منه جنس أذكاره؛ لأنه أفضل الأدعية، لا أنه أفضل من جميع الأعمال، فإن الإيمان وكثيرًا من الطاعات أفضل منه"، انتهى. وفيه أن الإيمان غير داخل في الطاعات العملية القابلة للكمية والكثرة العددية، ولا [للزيادة] (٢) -عند المحققين من العلماء- الكلامية، على أن "زاد" يحتمل (٣) الكمية والكيفية، فإنه ربما يعمل عملًا وَاحدًا من الأعمال الفاضلة بحيث يزيد ثوابه على الذكر المذكور مئة، أو أكثر، والله أعلم. (سبحان الله، مئة مرة، الحمد لله، مئة مرة، لا إله إلا الله مئة مرة، الله أكبر مئة مرة. ت) أي: رواه الترمذي عن ابن عمرو، بالواو خلافًا لما في

стр. 472

بعض النسخ، والدليل عليه ما ذكره ميرك أنه: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقال: "حسن غريب"، ولفظ الحديث (١): "من سبح الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن حج مئة حجة، ومن حمد الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن حمل على مئة فرس في سبيل الله، أو قال: غزا مئة غزوة، ومن هلل الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، ومن كبر الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، لم يأت أحد في ذلك اليوم بأكثر عملًا أتى به إلا من قال مثل ما قال، أو زاد على ما قال" (٢). (ويصلي على النبي ﷺ عشر مرات) (٣) أي: صباحًا ومساءً. (ط) أي: رواه الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "من صلى على حين يصبح

стр. 473

عشرًا وحين يمسي عشرًا، أدركته شفاعتي يوم القيامة" (١). (وإن ابتلي بهَم ودَين، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) قال المصنف: "بضم الحاء وإسكان الزاي وبفتحهما، ضد السرور" (٢)، قال ميرك: "الهم: الكرب الذي ينشأ عند ذكر ما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم: ما يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن: ما يحصل لفقد ما يشق على المرء فقده، وقيل: الهم هو الذي يذيب الإنسان" (٣). قال الحنفي: "هو عامّ في أمور الدنيا والآخرة"، قلت: لا يتعوذ من هم الآخرة، فإنه محمود، وقد ورد: "من جعل [الهم] (٤) همًّا واحدًا، همَّ الدين، كفاه الله هم الدنيا والآخرة" (٥). (وأعوذ بك من العجز) (٦) أي: في تحصيل الكمال، وقال المصنف:

стр. 474

"العجز: ترك ما يجب فعله بالتسويف" (١)، انتهى. وينبغي أن يزيد على ما يجب فعله، أو ينبغي ليشمل العجز عن الفرض وغيره من الطاعة (والكسل) أي: التثاقل في الأعمال، وقال ميرك: "هو التثاقل عن الأمر المحمود مع وجود القدرة عليه" (٢). قلت: ولذا ذم المنافقون بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، فمن كان له كسل من جهة تعب، أو مرض، أو ضعف، أو كبر، فلا يدخل في الذم. (وأعوذ بك من الجبن) بضم فسكون، وقال المصنف: "هو بضم الجيم وإسكان الباء [وبضمها] (٣): صفة الجبان (٤) " (٥)، انتهى. وهو الخوف من العدو، بحيث يمنعه عن المحاربة، أو يحمله على الموافقة معه، وهو يشمل العدو [الكافر] (٦) الصوري [أو] (٧) المعنوي المعبر عنه بالنفس والشيطان. (والبخل) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحهما، وقرئ بهما في السبعة،

стр. 475

وقال المصنف: "فيه أربع لغات وقرئ بها؛ وهن: ضم الباء والخاء، وفتحهما، وضم الباء، وفتحها؛ مع إسكان الخاء" (١). (وأعوذ بك من غلبة الدين) (٢) وفي معناه: "ضَلَع الدين" بفتح الضاد واللام على ما في رواية (٣)، يعني: ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاستقامة (٤)، وفي حديث: "الدَّين شين الدِّين" (٥)، وفي حديث آخر: "لا هَمَّ إلا هَمُّ الدَّين، ولا وجعَ إلا وجعُ الْعَيْن" (٦). (وقهر الرجال) وفي رواية: "غلبة الرجال" (٧)، وكأنه يريد به هيجان النفس من شدة الشبق، وإضافته إلى المفعول، أي: يغلبهم ذلك، وإلى هذا [سبق] (٨) فهمي، [ولم] (٩) أجده في "تفسيره"، كذا قاله

стр. 476

التوربشتي (١). والأظهر أنه من باب الإضافة إلى الفاعل، والمراد قهر السلاطين، وغلبة الظالمين، وجور المبتدعين، وقال ميرك: "ويحتمل أن يراد بالرجال الدائنون، [و] (٢) استعاذ من الدين وغلبة الدائنين، مع العجز عن الأداء" (٣). قلت: هما متلازمان غالبًا، والمعنى التأسيسي أولى من المعنى التأكيدي. (د) أي رواه: أبو داود عن أبي سعيد (٤)، وفي "الجامع": "رواه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أنس (٥) " (٦)، ولفظه: "ضَلَع الدَّين"، وروى صاحب "الفردوس" عن أنس أن النبي ﷺ قال:

стр. 477

"من قال يوم الجمعة: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، سبعين مرة، لم تمرَّ به جمعتان حتى يُغنيه الله تعالى" (١)، وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي (٢). (إلى هنا) أي: من أول العنوان إلى هذا المكان (يقال في الصباح والمساء جميعًا) تأكيد لدفع توهم أن يكون الواو بمعنى "أو". (ولكن يقال في المساء مكان أصبح) أي: في مكانه، أو بدله (أمسى)، وكذا مكان "أصبحت" "أمسيت"، ومكان "أصبحنا" "أمسينا"، (ومكان "هذا اليوم" "هذه الليلة") (٣) بالرفع على نيابة الفاعل، وفي نسخة: بالجر على الحكاية. (ومكان التذكير) أي: تذكير الضمير (التأنيث) بالرفع، أي: تأنيث الضمير، (ومكان "النشور" "المصير" كما كتبنا) أي "كتبناه" كما في نسخة (بالحمرة)، كذا في: "أصل الأصيل"، وهو الأصح الواضح، وفي

стр. 478

"أصل الجلال": "في الحمرة"، فهي بمعنى الباء كما عدها صاحب "القاموس" من معانيها (١)، (فوق كل كلمة). (ويزاد في المساء فقط): (أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله)، وهذه الجملة سبقت في أذكار الصباح أيضًا، ولكن خصت هنا بالمساء باعتبار ما بعدها، وهو (أعوذ بالله الذي يمسك السماء) أي: يحفظها ويمنعها (أن تقع) أي: من أن تقع، أو كراهة أن تقع، أو لئلا تقع، أي: تسقط (على الأرض إلا بإذنه) أي: إلا مقرونًا بإرادته وأمره وقدرته، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال (من شر ما خلق) أي: أوجده على وفق التقدير، وهو شامل لجميع الموجودات (وذرأ) تخصيص بعد تعميم، وكأن الذرء مختص بخلق الذرية، وهي نسل الثقلين على ما في "الصحاح" (٢). (وبرأ) [البرء] (٣) مخصوص بخلق النسمة، وهي ذات الرُّوح؛ إذ قلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برء الله النسمة. هذا، ولعل وجه تخصيص هذا الدعاء بوقت المساء، [بحيث] (٤) إن

стр. 479

الليل أدهى بالويل، وهو وقت تحرك الحشرات، وانتشار الجن في الظلمات، وتردد الفسقة والسرقة في تلك الأوقات. (ط) أي: رواه الطبراني عن ابن مسعود (١). (ويزاد في الصباح فقط: أصبحنا وأصبح الملك الله والكبرياء) أي: الذاتية (والعظمة) أي: الصفاتية، ويشير إلى المعنيين حديث: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته" (٢) أي: أهلكته. (والخلق) أي: الموجود التدريجي، (والأمر) أي: المخلوق الآن الموجود بـ "كن"، (والليل والنهار وما يضحى) قال المصنف: "هو بفتح الياء وإسكان الضاد المعجمة وفتح الحاء، أي: يبرز ويظهر" (٣)، انتهى. وفي نسخة بضم الياء وكسر الحاء، أي: وما يدخل في وقت الضحوة، لكنه غير مناسب لقوله: (فيهما) أي: في الليل والنهار، اللهم إلا أن يتكلف أنه فيهما في الجملة، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ

стр. 480

وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أي: من البحرين، مع أن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح، فالمعنى من مجموعهما لا من جميعهما، ثم قوله: (لله) خبر عن المبتدإ السابق، وهو "الكبرياء" وما عطف عليه، فالكل لله (وحده) أي: منفردًا (لا شريك له). (اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحًا) أي: بصرفه في الطاعات، (وأوسطه فلاحًا) أي: ظَفَرًا على حصول الحاجات، (وآخره نجاحًا) أي: نجاة من الآفات، وقال الطيبي (١) "أي صلاحًا في ديننا، بأن يصدر منا ما ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك، ثم اشغلنا بقضاء ما ينافي دنيانا لما هو صلاح في ديننا، فأنجحها واجعل خاتمة أمرنا بالفوز بما هو سبب لدخول الجنة، فندرج في سلك من قيل في حقهم: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] " (٢). (أسألك خير الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة (٣) عن عبد الرحمن بن أبي أوفى (٤) بلفظ: "كان

стр. 481

يقول: … " (١)، ونقله الإمام النووي في "الأذكار" عن ابن السني (٢)، وزاد بعد قوله: "أصبح الملك لله" كلمة "والحمد [لله] (٣) "، وفيه "وما سكن فيهما"، وفيه أيضًا "وأوسطه نجاحًا، وآخره فلاحًا"، ذكره ميرك، وهو المناسب لما شرحه الطيبي، فتدبر. (لبيك اللهم لبيك) هذه الكلمة وردت بلفظ التثنية المضافة، والمراد بها تكثير الإجابة مرة بعد أخرى، وهي مأخوذة من: لب بالمكان، إذا أقام به، فمعناها أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، ومجيب لدعوتك

стр. 482

إجابة بعد إجابة (١). (لبيك وسعديك) قال المصنف (٢): "لبيك من التلبية، وهي: إجابة المنادي، أي: إجابتي لك يا رب، ولم يُستعمل إلا بلفظ التثنية في معنى التكرير، أي: إجابة بعد إجابة، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر، قالوا معناه: أنا مقيم على طاعتك، وقوله: "وسعديك"، أي: ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وإسعادًا بعد إسعاد، ومتابعة بعد متابعة؛ ولهذا ثني، وهو أيضًا من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال" (٣)، انتهى. (والخير) أي: "كله" كما في رواية، والمراد به ضد الشر، والاقتصار من باب الاكتفاء، أو من حسن الأدب في الثناء (في يديك) أي: في تصرفك، وتحت قدرتك، ولعل التثنية للإيماء إلى صفتي الجلال والجمال من القبض والبسط في المآل والحال، على ما هو ظاهر عند أرباب الكمال. وفي "النهاية" (٤): "اليد وقعت في كلام الله تعالى وحديث رسوله ﷺ مضافة إلى الله على صيغة الواحد والتثنية والجمع، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ

стр. 483

فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]. ووقع في الحديث: "قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده" (١)، فالأكثر من العلماء (٢) على أن اليد هنا مجاز عن القدرة (٣)، والعلاقة أن

стр. 484

القدرة أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وتثنيته عبارة عن القدرة الكاملة، فالغرض من التثنية التنبيه على الكمال، فإن في إعمال اليدين في الأثر زيادةً ليست في واحدة. وتخصيص خلق آدم بذلك مع أن الكل مخلوق بقدرته تعالى تشريف وتكريم له، كما أضاف الكعبة إلى نفسه في قوله: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] للتشريف، مع أنه تعالى مالك للمخلوقات كلها، والحديث من هذا القبيل،

стр. 485

ومنه تخصيص المؤمنين [بالعبودية] (١) في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] " (٢)، انتهى. وذهب بعض السلف إلى أنها من المتشابهات التي يجب الاعتقاد بها مع إثبات التنزيه، وعدم ارتكاب التأويل. (ومنك) أي: الخير واصل إلينا [منك] (٣)، (وإليك) أي: راجع حالنا ومآلنا، وقال ميرك: "أي: منك التوفيق على الطاعات، وإليك الالتجاء عن السيئات، أو منك البدء والخلق، وإليك المرجع والمآب". (اللهم ما قلتُ) أي: أنا (من قول) أي: مقول أَيَّ مقول، و"من" بيانية لـ"ما" الموصولة (أو حلفت) بفتح اللام، أي: أقسمت (من حَلِفٍ) بكسر اللام، وفي نسخة بسكونها، ويجوز حينئذٍ فتح الحاء وكسرها، ففي "القاموس": "حَلَفَ يَحْلِفُ حَلْفًا ويكسر، وحلف ككَتِفٍ ومَحْلوفًا" (٤). (أو نذرت من نَذْرٍ) بسكون الذال، أي: منذور، "يقال: نذرت نذرًا، إذا أوجبتَ على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك، وقد تكرر في الحديث ذكر النهي عن النذر، وهو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ

стр. 486

نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]. ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفْعَل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به؛ إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وقد مدح الكلُ الأبرار بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وإنما وجه الحديث في النهي أنه قد أعلمهم أن ذلك أَمْر لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًّا، ولا يرد قضاء، فقال (١): "لا تَنْذِروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم [عليكم] (٢) " (٣)، هذا خلاصة ما في "النهاية"، و"أو" للتنويع. (فمشيئتك) بالهمز، ويجوز التشديد، أي: فإرادتك (بين يدي ذلك) أي: قدام ما ذكر، (كله) تأكيد له، والمعنى: أن كله [متعلق] (٤) بمشيئتك ومقرون بإرادتك وقدرتك مسبوق بقضائك وقدرك. (ما شئت) أي: مما ذكر وغيره (كان) أي: وقع، (وما لم تشأ لا يكون) أي: أبدًا، (ولا حول ولا قوة إلا بك) كالتأكيد لما قبله، (إنك على كل

стр. 487

شيء) [أَيُّ شيءٍ] (١) (قدير). (اللهم ما صليتُ (٢) من صلاة) أي: ما دعوت من دعوة خير لأحد ممن يستحق، أو لا يستحق (فعلى من صليتَ) أي: فاجعله على من جعلته مستحقًا لها. (وما لعنت من لعن) أي: وما دعوت من دعوة شر بالبعد عن الرحمة وغيره (فعلى من لعنت) أي: فاجعله على من لعنته أنت، وفي "النهاية": "اللعن الطرد والإبعاد من الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء بالسوء" (٣)، انتهى. ويحتمل أن يكون معناه: إنما صليت على من صليت، ولعنت على من لعنت موافقًا لأمرك، ومطابقًا لحكمك، لكن المعنى الأول هو المعول؛ لما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا: "اللهم إني أتخذ عندك عهدًا أن لا تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأيما مؤمن آذيته، أو شتمته، أو جلدته، أو لعنته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" (٤).

стр. 488

وفيه دلالة على أن صاحب الحق إذا كان غير معلوم يكتفى بالدعاء والاستغفار له، قال الحنفي: "هذه الجملة دعائية طلبية، كأنه يطلب أن يقع دعاؤه تعالى على من وقع عليه صلاته، وكذا ما بعده"، انتهى. والظاهر أن الأمر بالعكس، على ما هو المتبادر من العبارة، وقدمنا إليه الإشارة. (﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾) أي: ربي ومالكي ومنعمي وناصري (﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]) يقال (١): توفي فلان وتوفى، إذا مات، فمن قال: توفي، فمعناه قبض وأخذ، ومن قال: توفى فمعناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: (يتوفون) بفتح الياء، كذا في "تاج البيهقي"، والمعنى: أمتني مسلمًا كاملًا. (﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]) أي: بالأنبياء والمرسلين، وقد ذكر ابن النجار أن آخر ما تكلم به أبو بكر ﵁: "رب توفني مسلمًا، وألحقني بالصالحين" (٢)، قال المصنف: "هذا حديث جليل جمع أمورًا مهمة، وقد أفرده بعض أصحابنا [الأئمة الحفاظ] (٣)، وتكلم عليه كلامًا

стр. 489

حسنًا، وقال: "إنه استثناء لما [يبدو من] (١) قائله لما يقع منه في ذلك اليوم من حلف، أو نذر، أو غيره إلا الطلاق"، انتهى، وقد يقال: إنه إذا صح الاستثناء في حلف ونذر فبأيّ دليل يخرج الحلف بالطلاق" (٢)، انتهى كلام المصنف. قلت: لعله أراد بقوله: "إلا الطلاق" التعليق به، فإنه لا يرفعه مثل هذا الاستثناء، فمتى وجد الشرط بعد الحلف به يقع الطلاق اتفاقًا، وكذا العتاق ونحوه، وكذا النذر وسائر الأيمانات ملزمة، ولعل الاستثناء الوارد في الدعاء فيما [يقع] (٣) له الحنث من غير اختيار؛ فيرتفع عنه الإثم دون الحكم المتعلق به، لأن شرط اعتبار الاستثناء الشرعي أن يكون متصلًا بالكلام، كما هو مقرر في أصول الفقه وفروعه (٤). فلو قال: أنت طالق إن شاء الله، بطل، ولا يقع شيء، وهذا لأنه علقه بمشيئة الله تعالى، وهي مما [يتوقف] (٥) عليه، وأما [لو] (٦) قال: أنت

стр. 490

طالق إن شئتِ، فشرط وقوع الطلاق مشيئة منجزة موجودة في الحال، نحو إن قالت: "شئتُ" في جواب "أنت طالق إن شئتِ"، أو معلقة بما قد علم وجوده، نحو: إن قالت: "شت إن [كان] (١) السماء فوق الأرض"؛ لأن التعليق بشرط واقع منجز لا بما يعلم بعد، كما لو قالت: "شئتُ إن شئتَ"، فقال: "شئتُ"، لأنه علّق طلاقها بمشيئتها الموجودة المتحققة، وهي علّقت وجود مشيئتها بوجود مشيئته، ولا علم لها بذلك، فمشيئتها لم توجد، فلم يتحقق الشرط. هذا، وورد في حديثٍ رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النكاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ" (٢) وفي رواية: "والعتاق" (٣). (ي) أي: رواه ابن السني، وفي نسخة بدله رمز الحاكم، وأحمد، والطبراني، عن زيد بن ثابت (٤).

стр. 491

(اللهم إني أسألك الرضا) بالألف كتابة ولفظًا، ويجوز مده، ففي "الصحاح": "أنه مقصور مصدر محض، والاسم الرضاء الممدود" (١) (بعد القضاء) أي: بعد وقوعه، قال المؤلف (٢): "وهذا هو الرضا، وما يكون قبل القضاء فذاك عزم على الرضا، والتوكل يكون قبل القضاء، ولكن الرضا يكون بعد القضاء، وليس المراد [الرضا] (٣) بالذنوب التي قضاها الله تعالى على العبد، بل الرضا بما قضاه الله تعالى به من المصائب وما يبتلى العبد به" (٤)، انتهى. وفي عبارته قصور كما لا يخفى، فإن حقه أن يقول: وليس المراد بالرضا الرضا بالذنوب … إلى آخره، لكن الصحيح أن المراد [بالرضا] (٥) الرضا بالقضاء لا بالمقضي، أو الرضا بالذنوب المقضية من حيث قضاها، لا من حيثما كسبها، وتوضيحه أن المنهي هو الرضا بالذنوب

стр. 492

أنفسها، وأما الرضا بقضائها أو بها من حيث إنها مقضية فلا، بل يجب الرضا [به و] (١) بها من حيث إنها مقضية، والرضا فيه أيضًا حقيقة بالقضاء، فيرجع إلى الأول، فتدبر وتأمل. وبه يزول الإشكال المشهور، وهو أن الرضا بالقضاء فرض وإيمان، وأن الرضا بالكفر مع أنه من القضاء كفر وعصيان، ثم لا شك أن الرضا قبل القضاء لازم أيضًا، ويطلب منه تعالى التوفيق له، والثبات عليه. لكن الفرد الأكمل لما كان هو الرضا بعد تحقق القضاء، اقتصر في السؤال عليه كما ورد في الحديث: "إن الصبر عند الصدمة الأولى" (٢)، وإلا فالصبر لازم في كل حال من أحوال [بلاء] (٣) المولى. (وبرد العيش بعد الموت) البرد ضد الحر، ولكثرة الحرارة في بلاد العرب جعلوا كل محبوب عندهم باردًا، والعيش هو الحياة، فالمراد بـ "برد العيش بعد الموت" حسن الحياة وطيبها بعده، وإنما قيده بما بعده لأن ما قبله حياة فانية لا عبرة بطيبها وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ

стр. 493

الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، ونِعْم ما قال بعض أرباب الحال: أضغاثُ نَومٍ أو كظل زائلٍ … إنَّ اللَّبيب بمثلها لا يخدعُ (١) وقد قال ﷺ مرة في حال كمال الضيق والهم والقلق -وهو يوم الخندق-، ومرة في حال كمال الكثرة والفرح والاتساع -وهو يوم عرفة في حجة الوداع-: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" (٢)، إيماء إلى عدم

стр. 494

اعتبار محنة الدنيا ونعمتها، فإن الدنيا كما ورد: "سجن المؤمن" (١). (ولذة النظر إلى وجهك) أي: إلى ذاتك يوم لقائك، وقيد النظر باللذة؛ لأن النظر إلى الله تعالى، إما نظر هيبة وجلال في عَرَصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المطلوب هذا (٢)، قيل: "ويمكن أن يقال: النظر إلى الله تعالى إما مقارن للندامة والاستحياء عن المعاصي الواقعة عن [النظر] (٣) في الدنيا، وإما غير مقارن لها، بل هو مقارن للانشراح والابتهاج، واللذة إنما هي في الثاني، [فالتقييد] (٤) بها لإفادة ذلك". (وشوقًا إلى لقائك) أي: إلى وصولك، أو إلى رؤيتك (في غير ضراء مضرة) بصيغة الفاعل، والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء، والجار والمجرور متعلق بقوله: "وشوقًا"، أي: أسألك شوقًا لا يؤثر في سيري وسلوكي؛ بحيث يمنعني عن ذلك، وإن ضرني مضرةً ما، كذا قيل، فالنفي متوجه إلى القيد، والأظهر أن المعنى: وشوقًا إلى لقائك في حالة غير ضراء مضرة لي أو لأتباعي، فالنفي متوجه إلى القيد والمقيدِ جميعًا، (ولا فتنة مضلة) أي: ولا محنة وبلية تصير سبب إضلالي، أو

стр. 495

إضلال غيري. (وأعوذ بك أن أَظْلِمَ) بصيغة المعلوم (أو أُظْلَمَ) على بناء المفعول، كقوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقدم المعلوم على المجهول، فإن من المعلوم أن التعوذ به أهم؛ ولذا قال ﷺ : "كن عبد الله المظلوم، ولا تكن عبد الله الظالم" (١)، و"أو" للتنويع كما فيما بعده. (أو أعتدي) أي: أتجاوز عن الحد في حق نفسي، أو حق غيري، (أو يعتدى على)، فهو تأكيد لما قبله؛ لأن الظلم أيضًا يكون قاصرًا [و] (٢) متعديًا، ويمكن حمل أحدهما على النفس، والآخر على العَرَض. (أو [أكسب] (٣) خطيئة) بالهمز، ويجوز تشديدها، والمراد بها هنا ضد العمد؛ لقوله: (أو [ذنبًا]) (٤)، ويمكن أن تكون الخطيئة كل معصية لتقييد الذنب بقوله: (لا تغفره)، وهو الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أو المراد به غير الكفر من الذنب الذي تعلق به المشيئة أن لا يغفره، وفي نسخة: "أو
следующие страницы →