← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

(اللهم إني أسألك الرضا) بالألف كتابة ولفظًا، ويجوز مده، ففي "الصحاح": "أنه مقصور مصدر محض، والاسم الرضاء الممدود" (١) (بعد القضاء) أي: بعد وقوعه، قال المؤلف (٢): "وهذا هو الرضا، وما يكون قبل القضاء فذاك عزم على الرضا، والتوكل يكون قبل القضاء، ولكن الرضا يكون بعد القضاء، وليس المراد [الرضا] (٣) بالذنوب التي قضاها الله تعالى على العبد، بل الرضا بما قضاه الله تعالى به من المصائب وما يبتلى العبد به" (٤)، انتهى. وفي عبارته قصور كما لا يخفى، فإن حقه أن يقول: وليس المراد بالرضا الرضا بالذنوب … إلى آخره، لكن الصحيح أن المراد [بالرضا] (٥) الرضا بالقضاء لا بالمقضي، أو الرضا بالذنوب المقضية من حيث قضاها، لا من حيثما كسبها، وتوضيحه أن المنهي هو الرضا بالذنوب

стр. 492

أنفسها، وأما الرضا بقضائها أو بها من حيث إنها مقضية فلا، بل يجب الرضا [به و] (١) بها من حيث إنها مقضية، والرضا فيه أيضًا حقيقة بالقضاء، فيرجع إلى الأول، فتدبر وتأمل. وبه يزول الإشكال المشهور، وهو أن الرضا بالقضاء فرض وإيمان، وأن الرضا بالكفر مع أنه من القضاء كفر وعصيان، ثم لا شك أن الرضا قبل القضاء لازم أيضًا، ويطلب منه تعالى التوفيق له، والثبات عليه. لكن الفرد الأكمل لما كان هو الرضا بعد تحقق القضاء، اقتصر في السؤال عليه كما ورد في الحديث: "إن الصبر عند الصدمة الأولى" (٢)، وإلا فالصبر لازم في كل حال من أحوال [بلاء] (٣) المولى. (وبرد العيش بعد الموت) البرد ضد الحر، ولكثرة الحرارة في بلاد العرب جعلوا كل محبوب عندهم باردًا، والعيش هو الحياة، فالمراد بـ "برد العيش بعد الموت" حسن الحياة وطيبها بعده، وإنما قيده بما بعده لأن ما قبله حياة فانية لا عبرة بطيبها وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ

стр. 493

الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، ونِعْم ما قال بعض أرباب الحال: أضغاثُ نَومٍ أو كظل زائلٍ … إنَّ اللَّبيب بمثلها لا يخدعُ (١) وقد قال ﷺ مرة في حال كمال الضيق والهم والقلق -وهو يوم الخندق-، ومرة في حال كمال الكثرة والفرح والاتساع -وهو يوم عرفة في حجة الوداع-: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" (٢)، إيماء إلى عدم

стр. 494

اعتبار محنة الدنيا ونعمتها، فإن الدنيا كما ورد: "سجن المؤمن" (١). (ولذة النظر إلى وجهك) أي: إلى ذاتك يوم لقائك، وقيد النظر باللذة؛ لأن النظر إلى الله تعالى، إما نظر هيبة وجلال في عَرَصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المطلوب هذا (٢)، قيل: "ويمكن أن يقال: النظر إلى الله تعالى إما مقارن للندامة والاستحياء عن المعاصي الواقعة عن [النظر] (٣) في الدنيا، وإما غير مقارن لها، بل هو مقارن للانشراح والابتهاج، واللذة إنما هي في الثاني، [فالتقييد] (٤) بها لإفادة ذلك". (وشوقًا إلى لقائك) أي: إلى وصولك، أو إلى رؤيتك (في غير ضراء مضرة) بصيغة الفاعل، والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء، والجار والمجرور متعلق بقوله: "وشوقًا"، أي: أسألك شوقًا لا يؤثر في سيري وسلوكي؛ بحيث يمنعني عن ذلك، وإن ضرني مضرةً ما، كذا قيل، فالنفي متوجه إلى القيد، والأظهر أن المعنى: وشوقًا إلى لقائك في حالة غير ضراء مضرة لي أو لأتباعي، فالنفي متوجه إلى القيد والمقيدِ جميعًا، (ولا فتنة مضلة) أي: ولا محنة وبلية تصير سبب إضلالي، أو

стр. 495

إضلال غيري. (وأعوذ بك أن أَظْلِمَ) بصيغة المعلوم (أو أُظْلَمَ) على بناء المفعول، كقوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقدم المعلوم على المجهول، فإن من المعلوم أن التعوذ به أهم؛ ولذا قال ﷺ : "كن عبد الله المظلوم، ولا تكن عبد الله الظالم" (١)، و"أو" للتنويع كما فيما بعده. (أو أعتدي) أي: أتجاوز عن الحد في حق نفسي، أو حق غيري، (أو يعتدى على)، فهو تأكيد لما قبله؛ لأن الظلم أيضًا يكون قاصرًا [و] (٢) متعديًا، ويمكن حمل أحدهما على النفس، والآخر على العَرَض. (أو [أكسب] (٣) خطيئة) بالهمز، ويجوز تشديدها، والمراد بها هنا ضد العمد؛ لقوله: (أو [ذنبًا]) (٤)، ويمكن أن تكون الخطيئة كل معصية لتقييد الذنب بقوله: (لا تغفره)، وهو الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أو المراد به غير الكفر من الذنب الذي تعلق به المشيئة أن لا يغفره، وفي نسخة: "أو

стр. 496

أكسب خطيئة محبطة" (١) وهي إما الكفر، فإنه يحبط الأعمال ولو حصل الرجوع بالإيمان عندنا، حتى يجب عليه إعادة فرض العمر كالحج، وإما المعصية المحبطة لثواب الأعمال السابقة، كالندامة على فعل الطاعة والعبادة، وكالمن والأذى بعد الصدقة والعطية. والحاصل: أن كلمة "أو" تفيد أن العوذ من كل واحدٍ من هذه الأمور [يعني] (٢) أن المطلوب هو أن لا يقع شيء منها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: لا تطع أحدًا منهما، وهذا المقصود لا يحصل من كلمة الواو في الآية [خلاف] (٣) الحديث، فإنه لو أُتي بالواو الدالة على إفادة الجمعية، لحصل المراد، لكن الإتيان بـ "أو" أدق، حيث يدل على أن كل واحد من هذه الأمور يستحق أن يعاذ بالله منه، وينبغي أن يلاذ به منه جمعًا أو انفرادًا. (اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما، (عالم الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية، [و] (٤) نصبه كما قبله على أنه صفة المنادى، أو منادى حذف حرف ندائه، وكذا قوله: (ذا الجلال والإكرام) أي: صاحب العظمة والكرامة.

стр. 497

(فإني أعهد (١) إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشْهِدُك) بضم الهمزة وكسر الهاء، (وكفى بك شهيدًا) الباء زائدة في الفاعل، وأصله: كفيت شهيدًا، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، ويمكن أن يقال: الباء لتضمن "كفى" معنى "كَفَلَ"، ولعله وجه حسن، وتوجيه مستحسن. (أني) أي: بأني (أَشهَد) بفتح الهمزة والهاء (أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، لك الملك، ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق) أي: ثابت، وكذا وعيده حق، فهو إما من باب الاكتفاء، أو من إطلاق الوعد على المعنى الأعم الشامل للوعد والوعيد، فإنه قد يطلق على الوعيد أيضًا، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، وليس كما زعم بعضهم أنه يجوز الخلف في وعيده سبحانه، وقد حققناه في رسالة سميناها بـ "القول السديد في خلف الوعيد". (ولقاءك) أي: الحضور لديك، أو النظر إليك (حق، والساعةَ) بالنصب، ويجوز رفعها، أي: القيامة، وسميت ساعة لوقوعها بغتة، أو لكونها -مع طولها قدر خمسين ألف سنة- ساعة من أيام الآخرة،

стр. 498

[أو] (١) تصير ساعة على أهل الطاعة، أو سميت لطولها ساعة تسمية بالأضداد؛ كإطلاق الزنجي على الكافور (٢) (آتية لا ريب فيها) عند أرباب الإيمان، وأصحاب الإيقان، أو المعنى: لا ترتابوا فيها، فهو نفي معناه نهي. (وأنك تبعث) أي: تحيي (من في القبور) أي: من هو في حال البرزخ، وهو الحالة بين الدنيا والآخرة، ولذا قيل: إنه آخر منازل الدنيا، وأول منازل العقبى. (وأنك) أي: وأشهد أنك (إِنْ تَكِلْني إلى نفسي) أي: [إن] (٣) تتركني إليها، وتخلني معها (تكلني إلى ضَعف) بفتح الضاد، ويضم كما في نسخة، وفي نسخة: "إلى ضَيْعة" (٤)، أي: ضياع وخسار وبطلان، (وعَوْرة) وهي كل عيب يستحى منه، (وذنب) أي: عمد (وخطيئة) بهمز، وقد تشدد، أي: خطإ، والمراد بالوكول إلى النفس هنا أن ينقطع عن العبد نظر عناية الرب، لا أن يترك أمره إلى نفسه بالكلية، وينقطع رابطة العقد بينهما بالمرة؛ لأنه لو كان كذلك لكان الممكن معدومًا، مطلقًا لا مقيدًا بكونه مع ضعف وعورة وذنب وخطيئة. (وأني) بالفتح، أي: وأشهد أني، وفي نسخة بالكسر، أي: والحال أني

стр. 499

(لا أَثِقُ) أي: لا أتعلق في جميع حالي (إلا برحمتك) أي: بإنعامك وإحسانك، (فاغفر لي ذنوبي كلَّها، إنه) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل، وفي نسخة بالفتح، أي: لأنه (لا يغفر الذنوب) أي القابلة للغفران (إلا أنت). (وتُبْ عليَّ) أي: وفقني للتوبة، وثبتني عليها، وارجع عليّ بالرحمة، وتفضل عليّ بالعناية، (إِنَّك) [بالكسر ويفتح] (١) (أنت التواب) أي: لمن تاب (الرحيم) أي: لمن آبَ، فالتوبة هي الرجوع [عن] (٢) المعصية، والأوبة من الغفلة، ومنه قوله تعالى في حق بعض الأنبياء: ﴿إنه أوَّاب﴾، ومنه صلاة الأوابين، وهي إحياء ما بين العشاءين. (مس، أ، ط) أي رواه (٣): الحاكم، وأحمد، والطبراني، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ دعاه وعلمه وأمره أن يتعاهده" (٤). (فإذا طَلَعَت الشمس قال: الحمد للَّه الذي أقالنا يومنا هذا) أي: رده

стр. 500

إلينا، ووهبه لنا، ذكره ميرك، [والأظهر] (١) أن معناه: أقال عثراتنا في يومنا هذا، ويؤيده قول المصنف: "أقالنا يومنا وأقالنا فيه عثراتنا، أي: تجاوز عنها من الإقالة" (٢). (ولم يُهْلِكْنا بذنوبنا) فيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] الآية. (مَوْ مُ) أي: رواه مسلم موقوفًا من قول عبد الله بن مسعود (٣). (الحمد لله الذي وهبنا) أي: أعطانا تفضلًا (هذا اليوم، وأقالنا) أي: سامحنا وعفا عنا (فيه) أي: في هذا اليوم (عَثَراتِنا) بفتح العين والمثلثة، أي: زلاتنا وسيئاتنا. والإقالة تتعدى إلى مفعولٍ تارة، وإلى مفعولين أخرى، ففي "القاموس": "أقال الله عثرتك، وأقالكها، وأصل استعماله في البيع، يقال: قِلته البيع بالكسر وأقلته، أي: فسخته" (٤)، ومنه قوله ﷺ : "من أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة" (٥).

стр. 501

(ولم يعذبنا بالنار) أي: لتلك العثرات في الدنيا، فنرجو أن لا يعذبنا بالنار أيضًا في العقبى. (مو ط ي) أي رواه (١): الطبراني، وابن السني، من قوله موقوفًا أيضًا (٢). (ثم يصلي ركعتين. ت، ط) أي: رواه الترمذي من حديث أنس (٣)، وتقدم لفظه في فضل الذكر، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة،

стр. 502

ولفظه: "من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلُعَ الشمس، ثم قام فصلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة (١) " (٢). (عن الله تعالى: ابنَ آدمَ) أي: يا ابن آدم، (اركع لي) أي: صلِّ لأجلي (أربع ركعات، أول النهار) قال المؤلف: "ذهب بعض العلماء إلى أنها سنة الصبح وفرضها، والظاهر أنها غيرهما، فإنها بعد طلوع الشمس وارتفاعها" (٣)، انتهى. وقال صاحب "تخريج المصابيح": "حمل بعض العلماء هذه الركعات على صلاة الضحى؛ ولذا أخرج أبو داود والترمذي هذا الحديث في باب الضحى، وقال بعضهم: يقع النهار عند أكثرهم على ما بين طلوع الشمس وغروبها" (٤). قلت: التحقيق أن النهار الشرعي هو ما بين الصبح والمغرب، وأن إطلاق النهار بالمعنى الثاني هو المعنى العرفي المصطلح عليه عن أرباب

стр. 503

الهيئة (١)، فالأولى حمل النهار على المعنى الشرعي، حيث ورد على لسان صاحب الشرع، ولا سبب للعدول عنه، ثم يحتمل أن يكون المراد سنة الفجر وفرضه، أو صلاة الإشراق التي هي أول صلاة الضحى، والجمع هو الأكمل، والأقل هو العمل بالأول، فتأمل. (أَكفِكَ) بفتح الهمزة وكسر الكاف (٢)، أي: أرفع شغلك وحوائجك، وأدفع عنك ما تكرهه بعد صلاتك (آخرَه) أي: إلى آخر النهار، والمعنى: أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك، حيث قمت بخدمتنا في أوله، فمن كان لله كان الله له، وفيه إيماء إلى [أن] (٣) من صرف شبابه في طاعة الله، قضى الله حاجاته في مشيخته وآخر عمره، وكذا من قام بعبادته سبحانه في الدنيا، كفاه الله مهماته في العقبى. (ت، د، س) أي: رواه الترمذي (٤) من حديث أبي

стр. 504

الدرداء (١)، وأبو داود، والنسائي، من حديث نعيم بن همار الغطفاني (٢)، وفي نسخة نسب النسائي إلى أبي ذر (٣).

стр. 505

(ما يقال في النهار) كان الأولى أن يقول المؤلف: "في اليوم"، بدل "في النهار" ليوافق ألفاظ الأحاديث الواردة فيه. (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مئة مرة. خ، م، ت، س، ق، مص) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أبي هريرة مرفوعًا: "من قالها في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عَمِل أكثر من ذلك" (١). (مئتي مرة. أ) أي: رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد جيد، ورواه الطبراني أيضًا، ولم يذكره المؤلف، ولفظ الحديث عندهما (٢): "من

стр. 506

قال: لا إله إلا الله … " إلى آخره "مئتي مرة في يوم، لم يسبقه أحد كان قبله، ولم يُدركه أحد بعده إلا بأفضل من عمله" (١). (سبحان الله) في "النهاية": "سبحته أسبحه تسبيحًا وسبحانًا" (٢)، وقال المصنف: "أي تنزيه الله، وهو نصب على المصدر، كأنه قال: أنزه الله وأبرئه من السوء والنقائص، وقيل: "معناه: التسارع إليه، والخفة في طاعته"، وقيل: "معناه: السرعة إلى هذه اللفظة"، والظاهر أنها لفظة أنزلها الله تعالى تقتضي غاية التعظيم له، أمرنا بقوله، وهو أعلم بحقيقة معناه، [وهذا] (٣) يطلق على غيره من أنواع الذكر، كالتمجيد والتحميد وغيرهما، وعلى صلاة النافلة" (٤)، انتهى. والظاهر أن "سبحان" للتنزيه على ما عليه جمهور أرباب اللغة وأصحاب التفسير والحديث، وقد يطلق على معنى [صلاةِ] (٥) فريضةٍ، كما سبق في ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧]، أو نافلة، وهو

стр. 507

كثير الوقوع، ولعله من باب إطلاق الجزء على الكل، فإن من جملة أذكار الصلاة التسبيح، أو لأن الصلاة لله تعالى تشتمل على معنى التنزيه، وأما إطلاقه على سائر الأذكار كالتحميد وغيره، فغير ظاهر، والله أعلم. (وبحمده) قال المؤلف: "أي: وبحمده سبحت وقيل: أبتدي" (١) انتهى. ومعنى الأول وسبحت مقرونًا بحمده أو بحمده، أي: بنعمته (٢) الموجبة لحمده سبحته، ومعنى الثاني: بحمده أبتدئ في التسبيح؛ لأن بيان الصفات الثبوتية الدالة على الكمال [أعم] (٣) من النعوت السلبية للنقصان والزوال؛ إذ الكمال مستلزم لنفي النقصان، بخلاف العكس، فإنه قد ينفي صفات النقص عن شيء ولم يوجد فيه نعوت الكمال، والحاصل: أن الجمع بينهما أتم، والله أعلم. وقال الحنفي: "ويمكن أن يقال: معناه: وهو -أي التسبيح- ملابس بحمده، أو أنا ملابس بحمده، والجملة حالية من فاعل "أسبح"، يعني: أنزهه عن النقائص حال كوني أو حال كون تسبيحي إياه مقرونًا وملابسًا بحمده تعالى". أقول: والظاهر أن يقال: حال كون تسبيحه سبحانه مقارنًا بحمده تعالى.

стр. 508

(مئة مرة. م، ت، س، مص) أي رواه: مسلم (١)، والترمذي (٢)، والنسائي، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أبي هريرة (٣). (من استعاذ بالله) الظاهر أنه بأي لفظ كان، فإن الاستعاذة طلب العوذ وسؤال اللوذ، فيجوز له أن يقول: أعوذ بالله، أو أستعيذ بالله، بل وأن يقول: ألتجئ إلى الله وألوذ إليه، ونحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى، وإن كان بلفظ التعوذ أولى، وإنما الخلاف في لفظ التعوذ عند القراءة، والأصح عند الجمهور هو اللفظ المشهور، واختار بعض علمائنا الحنفية لفظ أستعيذ. وقال المؤلف: "أي قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يصح "أستعيذ"؛ [لما] (٤) بيَّنا في النشر" (٥)، انتهى.

стр. 509

وفيه أنه لا دلالة في الحديث على الإتيان بكمال التعوذ، بل يجوز الاقتصار على [قوله] (١): أعوذ بالله من الشيطان؛ لقوله: (في اليوم عشر مرات من الشيطان [الرجيم]) (٢) والمراد به: رئيس الشياطين المسمى بـ "إبليس"؛ لكون شره أكثر، وإضلاله أكبر، ولا يبعد أن يراد به الجنس. (وكل الله) أي: "به" على ما في نسخة صحيحة، أي: قدر الله له (مَلَكًا يَرُدُّ عنه الشياطين) أي: يصرف عنه وساوسهم، فإنهم أتباع لكبيرهم، فإذا صرف صرفوا، وقد يقال: إن هذا يقوي القول بأن اللام في الشيطان للجنس. (ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس (٣). (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعًا وعشرين مرة، أو خمسًا وعشرين مرة، أَحَدَ العددين) الظاهر أن هذا من كلام الراوي إشعارًا بالشك في الرواية، لا أنه مخير بين العددين، (كان من الذين يُستجاب لهم) أي: دعاؤهم، (ويُرزق بهم) أي: ومن الذين يُرزق ببركتهم (أهلُ الأرض) من الأصفياء والأولياء. (ط) أي: رواه الطبراني من حديث أبي الدرداء (٤).

стр. 510

وفي "الجامع": "رواه الطبراني والضياء عن أبي الدرداء مرفوعًا بلفظ: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعًا وعشرين مرة، كان من الذين يُستجاب لهم، ويُرزق بهم أهلُ الأرض"" (١)، ورواه الطبراني عن عبادة مرفوعًا: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" (٢). (أيعْجِزُ) بكسر الجيم، ويجوز فتحه، أي: ألم يستطع ولم يقدر (أحدكم أن يكسِبَ) أي: يعمل (كل يوم ألف حسنة يسبح) وفي رواية "المشكاة" زيادة: "فسأل سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا كل يوم ألف حسنة؟ قال: يسبح" (٣) (مئة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة)، أي: على تقدير أقل المضاعفة الموعودة بقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ

стр. 511

أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] (١)، وإلا فالله تعالى يضاعف لمن يشاء بسبب الأزمنة الشريفة، والأمكنة اللطيفة، والأحوال المنيفة، والله واسع عليم، وذو الفضل العظيم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. (أو يحط) بصيغة المجهول. (م) أي: رواه مسلم (٢). و"أو" يتوهم أنه للشك، وليس كذلك، بل إنها للتنويع في الرواية، أو في اختلاف الحالة، فالكتابة للمتقي، والحط للمخطئ، أو بمعنى الواو الموضوعة للجمع، كما يدل عليه قوله: (ويحط (٣). ت، س، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن حبان (٤). وقال النووي في "الأذكار": "كذا في عامة نسخ مسلم: "أو يحط"، وفي بعضها: "ويحط" بالواو" (٥)، انتهى. فكان اللائق للمصنف أن يذكر رمز مسلم أيضًا هنا. وقوله: (عنه) متعلق بـ "يحط" على الروايتين، والمعنى: يُوضَع عنه

стр. 512

(ألفُ خطيئة)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وفيه إشعار بأن الحسنات المتضاعفة أيضًا تمحو السيئات. (م، ت، س، حب) أي: روى الحديث بكماله مسلم على ما سبق فيه من الخلاف، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، بلفظ: "ويحط"، مع الاتفاق على باقي الألفاظ؛ كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص. (وليقل عند أذان المغرب) ضبط "ليُقَل" مجهولًا، وهو الأظهر، ومعلومًا، فالفاعل السالك، أو المريد، أو الداعي، ويجوز كسر لام الأمر وسكونه. (اللهم هذا) أي: هذا الوقت، أو هذا النداء (إقبالُ ليلِك) بكسر الهمزة، أي: وقت إقبال ليلك وإتيانه، (وإدبار نهارك)، قال المؤلف: "بكسر الهمزة، أي: ذهابه" (١)، انتهى. والمعنى: أن هذا وقت أول الليل وآخر النهار، فيكون كالبرزخ (٢)، حيث إنه أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، لكن لا يخفى أن إطلاق الآخر عليهما في الموضعين لا يخلو عن مسامحة من مجاز مشارفة.

стр. 513

(وأصوات دعاتِك) جمع داعٍ، كقضاة جمع قاضٍ، وهم المؤذنون، وأصواتهم: أصوات أذانهم، [أي] (١): هذا الوقت وقت أصواتهم، أو هذا النداء أصواتهم. (فاغفر لي) أي: ببركة هذا الوقت الشريف، والنداء المنيف، وقال الطيبي: "أي: هذا وقت إقبال ليلك، ووقت إدبار نهارك، والمشار إليه ما في الذهن، وهو مبهم مفسر بالخبر، وقوله: "وإدبار نهارك وأصوات دعاتك" عطف على الخبر، وقوله: "فاغفر لي" مرتب [عليها] (٢) بالفاء، نَبَّه على صدور فرطات من القائل في نهاره السابق، والثاني كالوسيلة لاشتماله على ذكر الله والدعوة إلى طاعته لطلب الغفران" (٣). (د، ت، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والحاكم؛ كلهم من حديث أم سلمة، قالت: "علمني رسول الله ﷺ أن أقول في أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك … " إلى آخره (٤).

стр. 514

والحكمة في الدعاء بهذا في هذا الوقت أن النهار لما كان للمعاش والاختلاط لا يؤمن أن يقع فيه تقصير، كذا ذكره ميرك عن "التصحيح"، ثم قال: "وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، لكن ذكره النووي في الأحاديث الضعيفة، بناءً على كلام الترمذي من أنه غريب لا نعرفه إلا من حديث حفصة بنت أبي كثير عن أبيها، ولا نعرفها ولا أباها"، انتهى. وقد يقال: لا يدل هذا على [ضعفها] (١)؛ فإن الغرابة تشمل الضعيف والصحيح والحسن، والأصل في الراوي التعديل؛ ولذا يقبل الجرح المجرد، مع أن الظاهر من تصحيح الحاكم وتقرير الذهبي أنهما عرفاها وأباها، أو طريق الحاكم غير طريق الترمذي، فالأوسط العدل فيه أن يقال: حسن، لا ضعيف، ولا صحيح، مع أنه قد يقال: حسن لغيره، أو صحيح لغيره، على أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا.

стр. 515

(ما يقال في الليل) أي: في مطلقه الشامل لأوله وأوسطه وآخره. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيتين) منصوب بتقدير أعني، وقوله: (أَواخِرَ البقرة) عطف بيان، أو نعت لا ظرف كما يتوهم، ولا "أو" للشك كما ضبط في بعض النسخ (١). (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي مسعود الأنصاري (٢)، وفي "الجامع": ""من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتاه"، رواه الأربعة عن أبي مسعود" (٣)، فقيل: "المعنى كَفَتاه من قيام الليل، بمعنى أنهما أقل ما يُجْزِئ من القراءة في قيام الليل"، وقيل: "كَفَتاه من كل مكروه". (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. خ، م، س) أي رواه: البخاري عن أبي سعيد

стр. 516

الخدري (١)، ومسلم والنسائي عن أبي الدرداء (٢)، وفي "الجامع": ""من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن"، رواه أحمد، والنسائي، والضياء، عن أُبَيِّ بن كعب (٣) " (٤). (وقراءة مئة آية. مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عمر (٥)، وفي "الجامع": "من قرأ بمئة آية في ليلة، كتب له قنوت ليلة"، رواه أحمد، والنسائي، عن تميم (٦) " (٧)، ورواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: "من

стр. 517

قرأ في ليلة مئة آية لم يكتب من الغافلين" (١). (وقراءة عشر آيات. مس) أي: رواه الحاكم، وصححه عن أبي هريرة مرفوعًا: "من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين" (٢). (وقراءة عشر آياتٍ: أربعٍ) بالجر بدل من عشر (من أول البقرة) قال المصنف: "يعني إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ على عدد غير الكوفي" (٣)، انتهى. وبيانه أن قوله تعالى: ﴿الم﴾ آية عند الكوفي دون البصري، (وآيةِ الكرسي) بالجر أيضًا، (وآيتين بعدهما)، قال المؤلف: "أي: بعد آية الكرسي، يعني: إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾، (وخواتيمها) أي: وخواتيم البقرة، يعني من: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلى آخر الآيات الثلاث" (٤). (مو ط) أي: رواه الطبراني موقوفًا من قول ابن مسعود، وقيل: "ولفظه: من قرأه لم يدخل ذلك البيت شيطان حتى يصبح" (٥).

стр. 518

(وقراءة ﴿يس﴾. حب) أي رواه: ابن حبان من حديث جندب بن عبد الله البجلي، بلفظ: "من قرأ ﴿يس﴾ في ليلة ابتغاء وجه الله، غفر الله له" (١)، وقال ميرك: "وأخرج الدارقطني من حديثه بلفظ: "من قرأ ﴿يس﴾ في ليلة أصبح مغفورًا له" (٢). قلت: وفي "الجامع": ""من قرأ ﴿يس﴾ كل ليلة غفر له"، رواه البيهقي عن أبي هريرة (٣)، "ومن قرأ ﴿يس﴾ في ليلة أصبح مغفورًا له"، رواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن مسعود (٤) " (٥). (ما يقال في الليل والنهار جميعًا) (سيد الاستغفار) "استعير لفظ السيد من الرئيس المقدَّم الذي يعمد إليه في الحوائج لهذا الدعاء الجامع الذي هو جامع لمعاني التوبة"، ذكره

стр. 519

ميرك، والأظهر أن معناه أفضل ألفاظ الاستغفار، وخير أنواعه. (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) أي: قدر ما قدرت بحسب ما قدرت، (أعوذ بك من شر ما صنعت) فيه اعتراف باقتراف المعصية، كما أن فيما سبق اعترافًا بالتقصير في الطاعة، (أبوء) أي: أُقرُّ (لك بنعمتك علي) أي: في توفيق الطاعة، (وأبوء بذنبي) أي: في تحقيق المعصية، (فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). (من قالها) أي: هذه الكلمات (من النهار) أي: في بعض أجزائه (مُوقِنًا بها) أي: عارفًا متيقنًا بمضمونها، (فمات، فهو) بضم الهاء وتسكن (من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات، فهو من أهل الجنة) وفي قيد الإيقان بها إشعار بأن معرفة معاني الدعوات هي التي مدار الأمر عليها، وإن كانت الألفاظ المجردة لا تخلو عن فائدة ما. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي؛ كلاهما من حديث شداد بن أوس (١). (من قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله لا شريك له)، وفي نسخة ضعيفه: "وحده لا شريك له" (٢)، (لا إله إلا الله له الملك وله

стр. 520

الحمد، لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، في يوم أو في ليلة، أو في شهر، ثم مات في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، أو في ذلك الشهر، غفر له ذنبه) بصيغة المجهول، وفي نسخة علي بناء الفاعل، و"أو" للتنويع [لا للتخيير] (١)، ولا منع من الجمع؛ ولذا أورده المصنف فيما يقال في الليل والنهار جميعًا. (س) أي رواه: النسائي عن أبي هريرة، وإسناده حسن (٢). (دعا ﷺ سلمان) أي: طلبه، (فقال: إن نبي الله) وفي نسخة: "رسول الله" (يريد أن يَمْنَحَك) من المنحة، وهي ضد المحنة، فالمراد بها العطية، أي: يعطيك بأن يعلمك (كلماتٍ من الرحمن) أي: نازلة ومُلهَمة من عنده. (ترغب إليه) أي: تميل إلى رحمة الرحمن (فيهن) أي: في مواظبتهن، أو لأجل مداومتهن (وتدعو بهن في الليل والنهار: اللهم إني أسألك صحة) أي: تصحيحًا وتخليصًا وتحقيقًا (في إيمان) (٣) أي: في [تصديقي وإيقاني] (٤)، ولا يبعد أن يكون المعنى: صحة في الأبدان مع تحقق

стр. 521

الإيمان والأديان، ويؤيده قوله: (وإيمانًا في حُسْنِ خُلُق) بضمتين ويسكن الثاني، أي: إيمانًا كاملًا مقرونًا بحسن الخلق الشامل، لمراعاة حق الحق والخلق. (ونجاةً) أي: خلاصًا في الدنيا (يتبعها فلاح) أي: يعقبها فوز وظفر على المقصود في العقبى، (ورحمةً) أي: عظيمة شاملة واصلة (منك) أي: في الكونين، (وعافيةً) أي: سلامة من الآفات الدنيوية والأخروية. (ومغفرةً منك) أي: لسيئاتنا (ورِضوانًا) بكسر الراء وتضم، أي: رضا بطاعاتنا وعباداتنا. (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة (١). (وإذا دخل بيته) أي: الموضع الذي يسكن فيه، (فليقل: اللهم إني أسألك خير الْمَوْلج) بكسر اللام فقط في "أصل الجلال"، وبفتحها أيضًا في "أصل الأصيل"، والأول هو المعول؛ فإنه نظير الموعد، وشبيه المولد، ولعلّ وجه الفتح هو المشاكلة لقوله: (وخير المخرَج) مع أنه من لزوم ما لا يلزم، والله أعلم. قال ميرك: "هو بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام؛ لأن ما كان فاؤه ياءً أو واوًا ساقطة في المستقبل، فالمفعل منه مكسور العين في

стр. 522

الاسم والمصدر، ومن فتح هنا، فإما أنه سها، أو قصد مزاوجته (١) للمخرَج، وإرادة المصدر بهما أتم من إرادة الزمان والمكان؛ لأن المراد الخير الذي يأتي من قِبَل الولوج والخروج"، انتهى. والولوج: الدخول، ومنه قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦]. (باسم الله وَلَجْنا، وباسم الله خرجنا، [على] (٢) الله) وفي نسخة صحيحة: "وعلى الله" (٣) (ربّنا) بالجر على البدلية (توكلنا) أي: اعتمدنا في ولوجنا وخروجنا وسائر أمورنا، من نزولنا وعروجنا، (ثُمَّ لِيُسَلّم) بكسر لام الأمر وسكونها (على أهله) أخذًا من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وقال بعض العلماء: "إذا لم يكن في البيت أحدٌ، فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (٤).

стр. 523

(د) أي: رواه أبو داود عن أبي مالك الأشعري (١)، وفي "الجامع": ""إذا دخلتم بيتًا فسلّموا على أهله، وإذا خرجتم [فأودعوا] (٢) أهله بسلامٍ"، رواه البيهقي عن قتادة مرسلًا (٣) " (٤). ([و] (٥) إذا دخل الرجل بيته) أي: مسكنه، (فذكر الله عند دخوله) أي: [للبيت] (٦)، (وعند طعامه) أي: عند أكله، (قال الشيطان: لا مبيت) أي: لا مكان بيتوتة، أو مصدر من بات يبيت، (لكم) يعني: أيها الأعوان، (ولا عشاء) بفتح العين، أي: ولا طعام وقت العشاء؛ لأنه ذكر الله في الحالين، فالقضية مبنية على اللفين بالنشرين المرتبين. والحاصل: أنه قال الشيطان لأولاده وأعوانه: لا يحصل لكم مسكن ولا طعام في هذا البيت؛ لأن صاحبه سمى الله تعالى، وإنما يكون لكم دَخَل في الغافلين، وقال التوربشتي: "يحتمل أن يكون الخطاب لأهل البيت على سبيل الدعاء عليهم، أي: جعلكم الله محرومين كما جعلتموني محرومًا من [المبيت] (٧) والطعام بأن ذكرتم اسم الله، لكن

стр. 524

وما دعاء الكافرين إلا في ضلال". قال الطيبي: "وهذا بعيدٌ؛ لقوله بعده: "قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء"، والمخاطبون أعوانه" (١)، قال ميرك: "ويحتمل أن يكون الخطاب هناك أيضًا لأهل البيت والجملة دعاء لهم". قلت: هذا بعيدٌ جدًّا، [إذ هذا] (٢) الدعاء من قبيل تحصيل الحاصل، والأول أيضًا بعيدٌ؛ لأن صدر الحديث: "إذا دخل الرجل بيته"، وهو مفرد، ولا يلزم أن يكون له أهل، فتأمل. (وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان) أي: لأعوانه: (أدركتم المبيت) أي: فانتظروا هل تدركون العشاء أم لا. (وإذا) وفي "نسخة الأصيل": "فإذا" (لم يذكر الله عند طعامه) أي: أيضًا، (قال الشيطان) أي: من كمال الفرح: (أدركتم المبيت والعشاء) أي: جميعًا، فلا تفارقوا هذا المسكن وأهله، وكونوا على رجاء المشاركة في مسكنهم ومأكلهم. (م، د، س، ق، ي) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن السني؛ كلهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري (٣).

стр. 525

(إذا كان جنح الليل) بكسر الجيم، وفي نسخة بضم الجيم، وهو أول ما يظلم، وقال الجوهري: "طائفة من الليل" (١)، كذا في "شرح المصابيح"، وقال الطيبي: "بالفتح والكسر" (٢). والظاهر أن الفتح وهم؛ لمخالفته سائر كتب اللغة، ففي "الديوان" و"المهذب" بالضم، وفي "القاموس": "الجنح بالكسر: الطائفة من الليل، ويضم" (٣)، وفي "سلاح المؤمن": "بكسر الجيم على المشهور، وقيل: [بضمها] (٤) وجنح الليل بفتح النون: [أقبل] (٥) حين تغيب الشمس" (٦)، واقتصر المصنف على الكسر، وقال: "بكسر الجيم أوله، وهو مغيب الشمس، وإقبال ظلمة الليل" (٧)، انتهى. وهو مرفوع على أن "كان" تامة، وفي نسخة بالنصب، أي: إذا كان الوقت أول الليل. (فكُفُّوا صبيانَكم) أي: امنعوهم من الخروج، واحفظوهم بالولوج؛ (فإن الشياطين تنتشر) أي: تتفرق (حينئذٍ) لأنه وقت الظلمة [المناسبة

стр. 526

لظلمهم] (١)، وفيه إيماءٌ إلى أنهم خُلِقُوا من ظلمةٍ، كما أن الملائكة خُلِقوا من نورٍ، وبنو آدم مركبٌ منهما، كما في الحديث القدسي: "إن الله خلق الخلق في ظلمة، فرش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل وغوى" (٢)، وتحقيق هذا المعنى [يحتاج] (٣) إلى بسط في المبنى.

стр. 527

(فإذا ذهب ساعةٌ) بصيغة التذكير؛ لأن الفاعل مؤخر، والتأنيث غير حقيقي، وقال ميرك: "وقع عند أكثر رواة البخاري: "ذهبت ساعة"، وعند الكُشْمِيهَنِيُّ (١): "ذهب"، وكأنه ذكَّره باعتبار الوقت" (٢)، انتهى. والمعنى: إذا ذهب زمانٌ قليلٌ، (من العِشاء) أي: الأخير، ولا يبعد أن يراد به الأول، (فخلُّوهم)، ولعل الحكمة: أن في أول الانتشار يقوى فسادهم، كما هو المشاهد في أوائل الفتن، ويمكن أن يكون المراد بالكف هو الضم، وبالتخلية تركه، لكن في البيت؛ لقوله: (وأغلق بابك، واذكر اسم الله) أي: حين الإغلاق، وأفرد الخطاب، والمراد كل أحد، فهو عام بحسب المعنى، ولا شك أن مقابلة المفرد بالمفرد يفيد الجمع [والتوزيع] (٣)، لكن يرد على المصنف أنه مخالف للأصول، حيث ورد عندهم بصيغة الجمع في الكل على ما سيأتي. (وأطفئ مصباحك) أمر من الإطفاء، وهو مهموز كما في نسخة، لكن في أكثر الأصول المعتمدة بدون الهمز، فيحمل على التخفيف، كما

стр. 528

ذكروا في أومى يومي، ولعل وجهه أنه أبدل الهمزة ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم عومل معاملة المعتل [كالبادي] (١) والقاري. وقال ميرك: "كذا وقع في أصل السماع بغير همز، وهو لا يخلو عن تأمل؛ لأن الإطفاء مهموز عند أهل اللغة، [فيحمل رواية الأصل] (٢) على أن الحذف للتخفيف"، انتهى. والمعنى: أزل نور سراجك؛ فإنه أدعى للنوم، وأبعد من الإسراف، ولأنه يخاف من أن الفأرة تجر الفتيلة فتحرق البيت كما ورد في الحديث. (واذكر اسمَ الله) أي: حين الإطفاء. (وأَوْكِ) أمر من الإيكاء، أي: اربط (سقاءك) بكسر السين، أي: قِرْبتَك ونحوها من ظروف الماء، والمعنى: شدد رأس السقاء بالوكاء؛ [كيلا] (٣) يدخله حيوان، أو يسقط فيه شيء، والوكاء هو الخيط الذي يشد به السقاء والكيس وغيرهما، [(واذكر اسم الله)] (٤). (وخمّر إناءك) أمر من التخمير بمعنى التغطية، والإناء بالكسر معروف

стр. 529

على ما في "القاموس" (١)، والظاهر المتبادر منه أنه ظرف للطعام وغيره الشامل للماء، لكن المراد به هنا ظرف غير الماء لمقابلته بالسقاء، فما نقله الحنفي عن "المهذب" من أن الإناء ظرف الماء ليس في محله، (واذكر اسمَ الله) أي: حين التخمير. (ولو أن تعرض عليه شيئًا) قال النووي: "المشهور في ضبطه فتح التاء وضم الراء، وهكذا قال الجمهور، ورواه أبو عبيد بكسر الراء، والصحيح هو الأول، ومعناه: تمد عليه عرضًا، وهذا عند عدم وجود ما يغطيه" (٢)، كذا في "شرح المصابيح" للمصنف، وقال المصنف هنا -في "المفتاح"-: "بضم الراء، أي: تضعه عرضًا، وحكي فيه الكسر" (٣)، انتهى. وقال الطيبي: "بضم الراء وكسرها، والأول أصح، وجواب "لو" محذوف، أي: لو خمرتموها عرضًا بشيء نحو العود وغيره، وذكرتم اسم الله عليه، لكان كافيًا" (٤)، انتهى. والمقصود أن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

стр. 530

(ع) أي: رواه الجماعة عن جابر (١)، وفي "الجامع": "رواه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، عنه بلفظ: "إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكئوا قِرَبكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليه شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم"" (٢).
следующие страницы →