← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لظلمهم] (١)، وفيه إيماءٌ إلى أنهم خُلِقُوا من ظلمةٍ، كما أن الملائكة خُلِقوا من نورٍ، وبنو آدم مركبٌ منهما، كما في الحديث القدسي: "إن الله خلق الخلق في ظلمة، فرش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل وغوى" (٢)، وتحقيق هذا المعنى [يحتاج] (٣) إلى بسط في المبنى.

стр. 527

(فإذا ذهب ساعةٌ) بصيغة التذكير؛ لأن الفاعل مؤخر، والتأنيث غير حقيقي، وقال ميرك: "وقع عند أكثر رواة البخاري: "ذهبت ساعة"، وعند الكُشْمِيهَنِيُّ (١): "ذهب"، وكأنه ذكَّره باعتبار الوقت" (٢)، انتهى. والمعنى: إذا ذهب زمانٌ قليلٌ، (من العِشاء) أي: الأخير، ولا يبعد أن يراد به الأول، (فخلُّوهم)، ولعل الحكمة: أن في أول الانتشار يقوى فسادهم، كما هو المشاهد في أوائل الفتن، ويمكن أن يكون المراد بالكف هو الضم، وبالتخلية تركه، لكن في البيت؛ لقوله: (وأغلق بابك، واذكر اسم الله) أي: حين الإغلاق، وأفرد الخطاب، والمراد كل أحد، فهو عام بحسب المعنى، ولا شك أن مقابلة المفرد بالمفرد يفيد الجمع [والتوزيع] (٣)، لكن يرد على المصنف أنه مخالف للأصول، حيث ورد عندهم بصيغة الجمع في الكل على ما سيأتي. (وأطفئ مصباحك) أمر من الإطفاء، وهو مهموز كما في نسخة، لكن في أكثر الأصول المعتمدة بدون الهمز، فيحمل على التخفيف، كما

стр. 528

ذكروا في أومى يومي، ولعل وجهه أنه أبدل الهمزة ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم عومل معاملة المعتل [كالبادي] (١) والقاري. وقال ميرك: "كذا وقع في أصل السماع بغير همز، وهو لا يخلو عن تأمل؛ لأن الإطفاء مهموز عند أهل اللغة، [فيحمل رواية الأصل] (٢) على أن الحذف للتخفيف"، انتهى. والمعنى: أزل نور سراجك؛ فإنه أدعى للنوم، وأبعد من الإسراف، ولأنه يخاف من أن الفأرة تجر الفتيلة فتحرق البيت كما ورد في الحديث. (واذكر اسمَ الله) أي: حين الإطفاء. (وأَوْكِ) أمر من الإيكاء، أي: اربط (سقاءك) بكسر السين، أي: قِرْبتَك ونحوها من ظروف الماء، والمعنى: شدد رأس السقاء بالوكاء؛ [كيلا] (٣) يدخله حيوان، أو يسقط فيه شيء، والوكاء هو الخيط الذي يشد به السقاء والكيس وغيرهما، [(واذكر اسم الله)] (٤). (وخمّر إناءك) أمر من التخمير بمعنى التغطية، والإناء بالكسر معروف

стр. 529

على ما في "القاموس" (١)، والظاهر المتبادر منه أنه ظرف للطعام وغيره الشامل للماء، لكن المراد به هنا ظرف غير الماء لمقابلته بالسقاء، فما نقله الحنفي عن "المهذب" من أن الإناء ظرف الماء ليس في محله، (واذكر اسمَ الله) أي: حين التخمير. (ولو أن تعرض عليه شيئًا) قال النووي: "المشهور في ضبطه فتح التاء وضم الراء، وهكذا قال الجمهور، ورواه أبو عبيد بكسر الراء، والصحيح هو الأول، ومعناه: تمد عليه عرضًا، وهذا عند عدم وجود ما يغطيه" (٢)، كذا في "شرح المصابيح" للمصنف، وقال المصنف هنا -في "المفتاح"-: "بضم الراء، أي: تضعه عرضًا، وحكي فيه الكسر" (٣)، انتهى. وقال الطيبي: "بضم الراء وكسرها، والأول أصح، وجواب "لو" محذوف، أي: لو خمرتموها عرضًا بشيء نحو العود وغيره، وذكرتم اسم الله عليه، لكان كافيًا" (٤)، انتهى. والمقصود أن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

стр. 530

(ع) أي: رواه الجماعة عن جابر (١)، وفي "الجامع": "رواه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، عنه بلفظ: "إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكئوا قِرَبكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليه شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم"" (٢).

стр. 531

الحرز الثمين للحصن الحصين تأليف الإمام المحدث علي القاري الهروي المكي (توفي: ١٠١٤ هـ) بمكة المكرمة تحقيق أ. د/ محمد إسحاق محمد آل إبراهيم أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [المجلد الثاني]

стр. 532

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 533

(عند النوم) أي: ما يقال ويفعل عند إرادة النوم (إذا أتى) أي: إذا أراد أن يأتي (فراشه) بكسر الفاء، أي: مرقده، (وهو [طاهر]) (١) جملة حالية من الفاعل. (د) أي: رواه أبو داود عن البراء بن عازب (٢)، ذكره ميرك، لكن للحديث بقية كما لا يخفى. (أو فليتطهر. طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس، وكان لفظه: "إذا أتى فراشه فليتطهر"، وكذا قوله: (أو فليتوضأ وضوءه) أي: وضوءًا كاملًا مثل وضوئه (للصلاة) وهو بيان لما قبله، أو إيماء إلى أنه أقل أنواع طهارته، فيكفي للجنب أن يتوضأ وينام، وربما يجوز له التيمم أيضًا عند ضرورة من العجز، أو المرض، أو غلبة الكسل. (ع) أي: رواه الجماعة عن البراء، بلفظ: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة" (٣).

стр. 534

والحاصل: أن "أو" من كلام المؤلف للتنويع في الرواية، فلا معنى لما في بعض النسخ، أي: "فليتوضأ" مكان "أو فليتوضأ"، وقد ورد: "من طهر هذه الأجساد بات معه مَلَك يقول كلما انقلب: اللهم اغفر له" (١)، وفي "الجامع": ""من بات على طهارة، ثم مات من ليلته مات شهيدًا"، رواه ابن السني عن أنس" (٢). (ثم يأتي) أي: بعد طهارته (إلى فراشه فَيَنْفُضُه) بضم الفاء، أي: فيحركه وينظفه (بصَنِفَة ثوبه) قال المؤلف: "هو بفتح الصاد وكسر النون، أي: طرفه مما يلي طُرَّتَهُ" (٣)، انتهى. وفي "الفائق": "الصَّنِفَةُ: حاشية الإزار التي تلي الجسد" (٤)، ويؤيده ما رواه مسلم: "فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه" (٥)، وقال القاضي

стр. 535

عياض: "هي الحاشية التي تلي الجسد وتماسه"، وإنما أمر بالنفض بها لأن المتحول إلى الفرش يحل بيمينه خارجة الإزار، وتبقى الداخلة معلقة فينفض بها. وفي "المفاتيح شرح المصابيح": "الصَّنِفة هي الوجه الذي يلي الباطن من إزاره المشدود في وسطه، أو ذيل قميصه، وإنما قيد نفض الفراش بداخلة الإزار؛ لأن هذا [أيسر] (١)، وكشف العورة به أقل، وقيد نفض الفراش بإزاره؛ لأن الغالب في العرب أنه لم يكن عليهم ثوب غير رداء وإزار"، انتهى. والمعنى: أنهم كانوا [يفسخون] (٢) رداءهم عند النوم، ويرقدون بإزارهم؛ ولذا خص الإزار، وأيضًا كان من عادتهم أنهم يتركون فراش الليل في النهار على حاله، فيخشى أن يكون عليه شيء من المؤذيات، فالمقصود الاحتراز والاحتراس بأي وجه كان، وهذا من كمال رحمته على أمته؛ ولذا أكّده بقوله: (ثلاث مرات). (ثم ليقل) أي: بعد وضع جنبه: (باسمك ربي وضعت جنبي) أو قبل الوضع، فالمعنى: أردت وضع جنبي، (وبك) أي: باسمك، أو بعونك (أرفعه) أي: جنبي من الفراش. (إن أمسكت نفسي) أي: بقبضها، والمعنى كما في رواية: "إن أَمَتَّها"

стр. 536

(فاغفر لها) وفي نسخة: "فارحمها"، بالفاء موضوعًا عليها رمزُ البخاري وابن أبي شيبة. (وإن أرسلتها) أي: أحييتها، أو أطلقتها (فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وكأنه مقتبس من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]، فالله تعالى جمع النفسين في حكم التوفي، ثم فرق بين جهتي التوفي، حيث حكم بالإمساك، وهو قبض الرُّوح، وبالإرسال، وهو ردّ الحياة. فالمعنى: الله يتوفى الأنفس التي تقبض والتي لا تقبض، فيمسك الأولى، ويرسل الأخرى، ثم الباء في "بما تحفظ" مثلها في "كتبت بالقلم"، و"ما" موصوله مبهمة، وبيانها ما دل عليه صلتها، لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي، ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه. (ع، مص) أي رواه: الجماعة وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أبي هريرة (١). (وليضطجع على شقه) أي: جنبه (الأيمن)، لأن النوم أخو الموت.

стр. 537

(م، ع) أي رواه: مسلم من حديث أبي هريرة (١)، والجماعة الداخل فيهم مسلمٌ من طريق أخرى عن البراء (٢)؛ ولذا جمع بين الرمزين مع دخول الأول في الثاني، والظاهر أن اللفظ لمسلم؛ ولذا قدّمه عليهم، وفي نسخة صحيحة رمز البخاري بدل رمز الجماعة، قال ميرك: "هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "فاضطجع"؛ ولذا قدم الشيخ قدس سره رقْم "م"، تأمل". (ويتوسَّد) بالرفع، وفي نسخة بالجزم (يمينه) (٣) أي: يجعلها وسادة ومخدة (٤) لوجهه. (د) أي: رواه أبو داود عن البراء (٥). (أي يضعها) بالرفع، وفي نسخة بالجزم، والمعني: "يضع يمينه" (تحت خده)، وكان الظاهر أن يقول المؤلف: أو يضعها، أو ويضعها؛ لأن المفسر هو لفظ أبي داود، فلا يمكن أن يكون التفسير منسوبًا لغيره،

стр. 538

وقد رمز له بقوله: (د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، لكن الترمذي عن البراء (١)، وهما عن حفصة (٢)، وفي رواية للترمذي عن حذيفة: "تحت رأسه" (٣)، وفي بعض النسخ نسب الرموز الثلاثة كلها إلى حفصة، والله أعلم. (ثم يقول) أي: بعد الوضع (باسم الله وضعت جنبي. اللهم اغفر لي ذنبي، وأخسئ شيطاني)، أي: اطرده عني، وأبعده مني، "وهو بهمزة مفتوحة أوله، وهمزة ساكنة آخره [وسين مكسورة بينهما] (٤)، أي: أبعده من خسأ الكلب بنفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ويجوز وصل الهمزة وفتح السين، من خَسَأتُ الكلبَ: طردته، فهو يتعدى ولا يتعدى" (٥)، ذكره المصنف في "مفتاحه".

стр. 539

وقال في شرحه لـ "المصابيح": "يروى بوصل الهمزة وفتح السين وهمزة ساكنة بعدها وبقطع الهمزة وكسر السين من غير همزة، أي: اطرده، يقال: [من] (١) خسأ الكلب، قاصرًا ومتعديًا"، انتهى. وفيه أنه لابد من وجود الهمزة على كل تقدير، نَعَم، قد تبدل الهمزة الساكنة من جنس حركة ما قبلها، فيخفف بالحذف، وهو غير مخصوص باللغة الثانية، والله سبحانه أعلم. وقال التوربشتي: "معناه اجعله مطرودًا مردودًا عني، كالكلب المهين، وأضافه إلى نفسه لأنه أراد قرينه من الجن، [أو] (٢) الذي يبتغي غوايته". (وفُكَّ رِهاني) بضم الفاء وتشديد الكاف المفتوحة، ويجوز ضمها وكسرها، والرهان: جمع رهن ومصدر راهنه أيضًا، "أراد به النفس، لأنها مرهونة بعمله"، ذكره الطيبي (٣). وقال المؤلف: "الرهان بكسر الراء جمع رهن، [كحبل وحبال] (٤)، [يريد] (٥) قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، أي:

стр. 540

رهن بعملها، قال الزمخشري: "ليست رهينة بتأنيث رهين في قوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، بل لتأنيث النفس، لأنه لو قُصِدَتِ الصفة لقيل: رهين؛ لأن "فعيلًا" بمعنى "مفعول" يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن" (١)، انتهى، وفيه نظر، فقد قال الجوهري: "الشيء مرهون، [ورهن] (٢)، والأنثى رهينة" (٣)، وقال [ابن حبان] (٤): "رهينة هنا بمعنى مرهونة، كالنطيحة بمعنى المنطوحة، أنَّثَ مراعاة لقوله: "كل نفس" كما ذكر في قوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ مراعاة لامرئ" (٥)، انتهى، وهو ظاهر، والله أعلم" (٦). فقوله: "فُكَّ" أمر مخاطب من الفك، وهو التخليص، والرهان جمع رهن بمعنى المرهون، وهو المال المحبوس عند المرتهن في حقه، فالمعنى خلص رقبتي عن حقوق الآدميين، وعن حقوقك يا رب، وعن

стр. 541

الذنوب، وفي "شرح المصابيح" للمصنف: " [أي] (١) خلصني من عقوبة الذنوب، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، أو خلصني من عهدة التكاليف بالتوفيق للإتيان بها". (وثَقِّلْ ميزاني) أمر من التثقيل، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦، ٧]، وفي بعض النسخ كتب فوق هذه الجملة رمز الحاكم إشعارًا بانفراده واختصاص روايته به. (واجعلني في النَّدِيِّ الأعلى) "بفتح النون وكسر الدال وتشديد التحتية"، كذا في "الأذكار" (٢)، وأصله المجلس، ويقال للقوم أيضًا، والمراد الملأ الأعلى، وهم الملائكة، أو أهل الندي إذا أريد به المجلس. وقال المؤلف: "بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء، وهو مجلس القوم ومتحدثهم، قال الخطابي: "يريد بالندي الأعلى الملأ الأعلى من الملائكة" (٣) " (٤)، "انتهى. ويؤيده أنه روى الحاكم في "مستدركه": "في الملأ الأعلى" (٥) بدل

стр. 542

"الندي الأعلى"، قال التوربشتي: "ويروى: "في النداء الأعلى" (١)، وهو الأكثر، والنداء مصدر نادَيْتُه، ومعناه أن ينادى به للتنويه والرفع، ويحتمل أن يراد به نداء أهل الجنة، وهم الأعلون رتبة ومكانًا على أهل النار، كما جاء في القرآن: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]. ومجمل المرام في المقام أن هذا دعاء بمنزلة الحكم الذي رُتِّب على الوصف، فإنه لما جعل النوم والاستراحة لله؛ يستعين بها على طاعته، ويجتنب عن معاصيه، طلب أن يعينه تعالى على طِلْبته من فك الرهان، وخِذلان من يحجزه من الشيطان والنفس الأمارة، ثم طلب ما هو المُنَى الأسنى، والمقام الزلفى، والندي الأعلى، والزيادة الحسنى. (د، مس) أي رواه: أبو داود، والحاكم؛ كلاهما عن أبي الأزهر الأنماري (٢).

стр. 543

(اللهم) وفي نسخة: "رب" موضوعًا فوقه رمز "مص" (١)، وكذا في "الشمائل" للترمذي (٢) (قني) أي: احفظني (عذابك يوم تبعث عبادك) أي: تحييهم بعد إماتتهم. (ر، مص) أي رواه: البزار وابن أبي شيبة؛ كلاهما عن حفصة (٣)، وفي نسخة رمز أبي داود بدل رمز البزار.

стр. 544

(ثلاث مرار) بكسر الميم جمع مرة، وفي نسخة صحيحة: "مرات"، والأول هو "أصل الأصيل" وعفيف الدين. (د، س، ت) أي رواه: أبو داود، والنسائي، كلاهما عن حفصة (١)، والترمذي عن البراء (٢)، وكان حق المصنف أن يذكر هذه الرموز منضمَّة إلى الرمزين السابقين أيضًا، ليدل على أن زيادة "ثلاث مرار" مختصة بالثلاثة. (باسمك ربي) أي: وضعت جنبي (فاغفر لي ذنبي. أ) أي: رواه أحمد (٣) عن ابن عمر (٤). (باسمك وضعت جنبي فاغفر لي. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنه أيضًا (٥).

стр. 545

(اللهم باسمك (١) أموت وأحيا) أي: أنام وأستيقظ، أو أعدم وأوجد، ثم قيل: "يحتمل أن يكون لفظ الاسم زائدًا"، كما في قول الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما (٢) وقيل: "معناه باسمك المميت أموت، وباسمك المحيي أحيا، أو بذكر اسمك أحيا ما [أحييت] (٣)، وعليه أموت"، قال القرطبي: "قوله: "باسمك أموت" يدل على أن الاسم هو المسمى، أي: أنت تميتني وتحييني، وهو كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؛ أي: سبح ربك، وهكذا قال جُلُّ الشارحين"، نقله ميرك عن الشيخ (٤). (خ، م، د، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، لكن كلهم عن حذيفة (٥) إلا مسلمًا فعن البراء (٦)،

стр. 546

ورواه البخاري من حديث أبي ذر (١) أيضًا، كما يفهم من "الأذكار" (٢). (سبحان الله ثلاثًا وثلاثين. الحمد لله) وفي "أصل الأصيل": "والحمد لله" (ثلَاثًا وثلاثين. اللةُ أكبر) وفي "أصل الأصيل": "واللهُ أكبر" (أربعًا وثلاثين). قال المصنف في شرحه لـ"المصابيح" (٣): "وجاء التكبير في بعض الروايات الصحيحة أولًا، وكان شيخنا الحافظ ابن كثير يرجحه، ويقول: "تقديم التسبيح يكون عقيب الصلاة، وتقديم التكبير عند النوم""، انتهى. وهو يحتاج إلى بيان رجحان مؤيد ببرهان، وإلا فالروايات المُقَدِّمَة للتكبير -ولو كانت صحيحة- لا تُقَاوِمُ هذا الحديث المرموز بقوله: (خ، م، د، ت، س، حب) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان؛ كلهم عن علي (٤)، فالأوجه أن يقال: يؤتى بالتسبيح أولًا عند النوم تارة، وبالتكبير مقدمًا عنده أخرى؛ عملًا بالروايتين، وأما بعد الصلاة فيقدم التسبيح لا غير، مع أنه ورد: "بأيِّهن

стр. 547

بدأت جاز" (١). (ويجمع كفيه) أي: يوصل كفه اليمنى بكفه اليسرى (ثم ينفث فيهما) بضم الفاء، وفي نسخة بكسرها، ففي "القاموس": "نفث ينفث وينفث، وهو كالنفخ، أقل من التفل" (٢)، وفي "شرح المصابيح" للمصنف: "النفث: النفخ اللطيف"، (فيقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾). قال المؤلف (٣): "هو بضم الفاء وكسرها من النفث، وهو شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء [كثير] (٤) من الريق، وهذا النفث يكون بعد جمع كفيه وقبل القراءة، وفائدته: التبرك بالهواء والنفس للمباشر للرقية والذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى" (٥)، انتهى. وفي "صحيح البخاري" بالواو، وهو الوجه؛ لأن تقديم النفث على القراءة مما لم يقل به أحد، وذلك لا يلزم من الواو، ولعل الفاء سهو من

стр. 548

الكاتب أو الراوي، [كذا] (١) [قاله] (٢) شارح "للمصابيح" من علمائنا (٣). وقال الطيبي (٤): "لعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة [السحرة] (٥) البَطَلَة، أو المعنى: جمع كفيه ثم عزم على النفث فيهما، فقرأ فنفث فيهما، فالفاء فيه مثل ما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على أن التوبة عين القتل"، انتهى. والأظهر أن المعنى: ثم يشرع في النفث فيقرؤها حال النفث، على أن الفاء لا تفيد الترتيب عند القراء، ثم المراد بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تمام سورة الإخلاص، وكذا قوله: (و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) أي: تمام المعوذتين، وقد يقال للثلاثة: المعوذات- بكسر الواو ويفتح- تغليبًا. (ثم يمسح بهما) أي: بكفيه (ما استطاع من جسده) أي: من جميع بدنه، وبيانه على وجه الأفضل قوله: (يبدأ بهما) أي: يبدأ المسح بكفيه (على

стр. 549

رأسه، ووجهه، وما أقبل من جسده) أي: ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده، فهو كهيئة الغسل المسنون على الوجه الأصح. (يفعل ذلك) أي: ما ذكر من الجمع والنفث والقراءة والمسح (ثلاث مرات. خ، عه) أي رواه: البخاري (١)، والأربعة (٢)؛ كلهم عن عائشة. (ويقول) وفي نسخة صحيحة: "ويقرأ" (آية الكرسي. خ، س، مص) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن أبي هريرة (٣)، وابن أبي شيبة عن علي (٤). (الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا) أي: كفى سائر مهماتنا، ودفع عنا مؤذياتنا، فهو تعميم بعد تخصيص (وآوانا) بالمد، ويجوز قصره، أي: جعل لنا مأوًى نأوي إليه، ونسكن فيه، قال المصنف (٥): "أي ردنا إلى مأوًى

стр. 550

لنا، وهو المنزل، ولم يجعلنا من المنتشرين كالبهائم" (١)، انتهى. وفي "النهاية": "يقال أوى وآوى بمعنًى واحد، والمقصور منهما متعدٍّ ولازم" (٢)، وقال غيره: "الممدود في المتعدي أظهر، والمقصور في القاصر أشهر"، قال النووي (٣): "إذا أويت وأوى إلى فراشه، فمقصور، وأما "آوانا" فممدود، هذا هو الصحيح الفصيح المشهور، وحكي القصر فيهما، وحكي المد فيهما". (فكم ممن لا كافي له، ولا مُؤْوِيَ) بضم ميم وسكون همز ويبدل، وبكسر واو: اسم فاعل من الإيواء، أي: لا راحم له، ولا عاطف عليه، ولا [مسكن] (٤) له يأوي إليه (٥)، قاله النووي. وقال المظهري (٦): "الكافي والمؤوي هو الله تعالى، يكفي شر بعض الخلق من بعضهم، ويهيئ لهم المسكن والمأوى، فالمعنى: الحمد لله الذي جعلنا منهم، فكم من خلق لا يكفيهم الله شر الأشرار، بل تركهم

стр. 551

وشرهم حتى يغلب عليهم أعداؤهم، وكم من خلق لم يجعل الله لهم مأوًى ولا مسكنًا، بل تركهم يتأذون ببرد الصحاري وحرها". (م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن أنس (١). (الحمد للَّه الذي كفاني، وآواني) بالمد والقصر، ولعله أولى هنا لمشاكلة المبنى، مع اتحاد المعنى (وأطعمني، وسقاني، والذي) أي: والحمد لله الذي (منّ علي) أي: أنعم علي بما أحتاج إليه، (وأفضل) أي: وزاد لي على قدر الحاجة، وفي نسخة: "فأفضل" بالفاء، وهو المناسب [لقرينته] (٢) الكائنة في قوله: (والذي أعطاني فأجزل) "أي: فأكثر، والجزيل: العظيم" (٣)، قاله المصنف، وفي "مشكاة المصابيح" (٤) برواية أبي داود "فأفضل" بالفاء، قال الطيبي: "أي أنعم فزاد، وقدم المن لأنه غير مسبوق بعمل العبد، بخلاف الإعطاء، فإنه قد يكون مسبوقًا به" (٥). (الحمد لله على كل حال) وزيد في بعض الروايات: "ونعوذ بالله من

стр. 552

حال أهل النار" (١). (اللهم ربَّ كُلِّ شيء) أي: خالق كل شيء ومربيه ومصلحه، (ومليكَه) أي: ملكه ومالكه، (وإله كل شيء) أي: معبوده سواء علم أو لم يعلم، (أعوذ بك من النار. د، ت، س، حب، مس، عو) أي رواه: أبو داود، والترمذي (٢)، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة (٣)؛ كلهم من حديث ابن عمر (٤) إلا الحاكم فعن أنس (٥). (اللهم ربَّ السماوات والأرض) أي: خالق العلويات والسفليات (عالم الغيب والشهادة) أي: عالم الأمور الخفيات والجليات، (أنت ربُّ

стр. 553

كُلِّ شيء) أي: من الموجودات والممكنات. (أشهد أن لا إله إلا أنت) أي: في المشهودات (وحدك لا شريك لك) أي: لا في الذات، ولا في الصفات، (وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك) سيد المخلوقات، وسند الموجودات، (والملائكة يشهدون) أي: بهذه الشهادات، أو يشهدون بأني أشهد أن لا إله إلا أنت. . .، إلى آخره. (أعوذ بك من الشيطان) أي: من وساوسه، وتزيين الخطوات، (وشركه) أي: ومن إيقاع شركه لنا من المصنوعات، وفي نسخة بفتح الشين والراء، أي: ومن مصائده ومكائده من مكامن السيئات، قال المؤلف: "تقدم في دعاء الصباح" (١). (وأعوذ بك أن أقترف) أي: من أن أكتسب (على نفسي سوءًا) أي: معصية مما يسوءني، ويحزنني في الدنيا والعقبى، (أو أجره) بفتح همزة وضم جيم وتشديد راء، أي: أو من [أن] (٢) أنسب سوءًا عملته، أو لم أعمله، (إلى مسلم) أي: بريء من ذلك العمل. (أ، ط) أي رواه: أحمد والطبراني؛ كلاهما عن ابن عمرو (٣)، بالواو كما في "أصل الجلال"، وفي نسخة صحيحة بلا واو، وفي نسخة نسب رمز

стр. 554

الألف إلى الأول والثاني إلى الآخر. (اللهم فاطرَ السماوات والأرض) أي: مبدعهما، ومخترعهما، وموجدهما، ومُبْدِئَهُمَا (عالمَ الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية، (ربَّ كُلِّ شيء ومليكه) أي: مربي كل شيء ومتصرفه، (أعوذ بك من شر نفسي) أي: فإني عاجزٌ عن مقاومتها إشارةً إلى قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. (وشر الشيطان وشركه) بالوجهين إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وإشارة إلى قوله حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. (د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن أبي بكر الصديق ﵁ (١). (اللهم خلقت نفسي) وفي نسخة: "اللهم أنت خلقت نفسي" (٢)، أي: أوجدتها من العدم، (وأنت تَوَفَّاها) أي: تميتها، قال المصنف: "أصله

стр. 555

تتوفاها بتاءين (١)، وحسن الحذف هنا لئلا يجتمع ثلاث تاءات" (٢)، انتهى. والمعنى: أنه زاد حسن الحذف هنا لما ذكر، وإلا فحذف إحدى التاءين مستحسنة كثر وقوعها في أفصح الكلام، (لك مماتها ومحياها) أي: موتها وحياتها، إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، أو المعنى: لك لا لغيرك إماتتها وإحياؤها، كما يشير إليه قوله: (إن أحييتها) أي: بإيقاظها (فاحفظها) أي: من البليات، وارتكاب السيئات، (وإن أمتها) بتشديد التاء، أي: بقبضها (فاغفر لها). (اللهم) "إني" نسخة (أسألك العافية) أي: في النوم واليقظة، والدنيا والآخرة. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن ابن عمر (٣). (اللهم إني أعوذ بوجهك) أي: بذاتك (٤) (الكريم) أي: النافع، أو

стр. 556

الكامل الجامع، (وكلماتك) أي: وكتبك، أو أسمائك (التامة) أي: النافعة الكاملة، (من شر ما أنت آخذ بناصيته) أي: هو في ملكك، وتحت سلطانك، وفي قبضتك، وأنت متصرف فيه على ما تشاء، والناصية: شعر مقدم الرأس على ما في "الصحاح" (١)، والأخذ بالناصية كنايةٌ عن الاستيلاء التام والتمكن من التصرف العام، وإنما لم يقل: "من شر كل شيء" إشعارًا بأنه المسبب لكل ما يضر وينفع والمرسل له، لا أحد يقدر على منعه، ولا شيء ينفع [في] (٢) دفعه (٣). قال ميرك: "كنى بالأخذ بالناصية عن فظاعة شأن ما تعوذ من

стр. 557

شره، وقال القاضي: "الاستعاذة بذاته تعالى وبالكلمات التامة إشارة إلى أنه لا يوجد قابضة حركة، ولا [قابضة] (١) من خير وشر إلا بأمره التابع لمشيئة، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] " (٢)، انتهى. وفي الحديث تلويحٌ إلى قوله تعالى في سورة هود: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]. (اللهم أنت تكشف المغرم) "هو مصدر وضع موضع الاسم، ويريد به: مغرم الذنوب، وقيل: المغرم كالغرم هو الدَّيْن، والمراد به: ما استدين فيما يكرهه الله تعالى، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، وأما دَيْنٌ احتاج وهو قادر على أدائه، فلا يستعاذ منه"، ذكره صاحب "النهاية" (٣) (والمأثم) أي: الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، فوضع المصدر موضع الاسم (٤). (اللهم لا يُهزَمُ جندُك) بصيغة المجهول، أي: لا يغلب عسكرك؛ فإن حزب الله هم الغالبون، (ولا يخلف وعدك) على بناء المفعول من الإخلاف، وفي نسخة -وهي رواية- بصيغة الفاعل المخاطب ونصب "وعدك".

стр. 558

ثم المراد بالوعد: هو الأعم من الوعيد، إذ يطلق على كل منهما، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]، أو هو من قبيل الاكتفاء بأحد الضدين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد، وقد حققنا عدم تجويز خلف الوعيد في رسالتنا المسماة بـ "القول السديد". (ولا ينفع ذا الجد) بفتح الجيم، أي: لا ينفع ذا الغنى والحظ والعظمة (منك) أي: بدل لطفك ورحمتك وفضلك (الجد) أي: جده؛ ففي "الفائق": "قوله: "منك"، بمعنى بدلك، أي: لا ينفعه حظه بدل طاعتك، أو "من" للابتداء متعلق بـ "ينفع"، أو بـ "الجد"، أي: المجدود لا ينفعه منك الجد الذي منحته، وإنما بينفعه أن تمنحه اللطف والتوفيق على الطاعة، أو لا ينفع من جده منك جده، وإنما ينفعه التوفيق منك" (١)، وقال صاحب "الصحاح": "أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح" (٢)، وقال النووي: "معناه: لا ينجيه حظه منك، إنما ينجيه فضلك ورحمتك"، انتهى. وفي نسخة بكسر الجيم، أي: لا ينفع، أو لا يغني صاحب الجد والاجتهاد منك جده واجتهاده، وإنما ينفعه إخلاصه الموجب لخلاصه، وقال المؤلف: "الجد بالفتح، وهو: الغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى منك

стр. 559

غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة" (١)، انتهى. ورواه بعضهم بكسر الجيم، وهو الاجتهاد على ما في "الصحاح" (٢)، قال التوربشتي: "وأريد به الجد في أمور الدنيا وحظوظها، أي: النافع هو الجد في أمور الآخرة"، انتهى. وقيل: "المراد من الجد -بالفتح-: الحظ، وهو الذي تسميه العامة: "البخت"، وقد ورد في الحديث: "أن جمعًا من المسلمين في زمن النبي ﷺ تذاكروا فيما بينهم الجدود، فقال بعضهم: جدي في النخل، وقال آخر: جدي في الإبل، وقال آخر: جدي في كذا، فسمع به النبي ﷺ فدعا يومئذٍ بدعائه هذا". قيل: "فإن صح [فهو] (٣) الوجه لا معدل عنه، إلا أن فيه مقالًا". قلت: ولو صح، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم الجد يطلق أيضًا على أب الأب، وأب الأم، فلا يبعد أن يراد بالجد هنا هذا المعنى، أي: لا ينفع ذا النسب منك نسبه، بل لا ينفعه إلا [عمله] (٤)؛ ويؤيده حديث: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه". (سبحانك وبحمدك. د، س، مص) أي رواه (٥): أبو داود، والنسائي،

стр. 560

وابن أبي شيبة، كلهم عن علي ﵁ (١). (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) بنصبهما على المدح، أو على أنهما صفتان لله بعد صفة، أو بدل من الموصول، وفي نسخة برفعهما على البدل من "هو"، أو على المدح، أو على أنهما خبر مبتدإ محذوف، والمعنى: أطلب مغفرته باللسان، (وأتوب إليه) أي: وأرجع إلى رحمته بالجنان، (ثلاث مرات) ظرف لفعل مقدر، أي: يقوله. (ت) أي رواه: الترمذي عن أبي سعيد، بلفظ: "من قالها غفرت ذنوبه، وإن كانت كزبد البحر، أو عدد ورق الشجر، أو عدد رمل عالج، أو عدد أيام السنة" (٢). (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، [و] (٣) لا حول ولا قوة إلا بالله. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. حب، موس) أي: رواه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا، والنسائي من قوله موقوفًا، ولفظه: "من قالها حين يأوي

стр. 561

إلى فراشه غفر له ذنوبه وخطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر" (١). (ويقول) أي: إذا آوى إلى فراشه، (وهو مضطجع: اللهم رب السماوات)، وفي نسخة: "السبع"، قال ميرك: "كذا وقع في بعض روايات مسلم"، (ورب الأرض، ورب العرش العظيم) بالجر على أنه صفة "العرش"، وفي نسخة بالنصب على أنه نعت "الرب". (ربَّنا وربَّ كل شيء) بالنصب فيهما، كما قبلهما وما بعدهما على النداء أو على الوصف، (فالق الحب والنوى) قال المصنف: "أي: الذي يشق حب الطعام ونوى التمر للإنبات" (٢)، (ومنزل التوراة) من الإنزال، ويحتمل التنزيل، (والإنجيل والفرقان) أي: القرآن الذي يفرق بين الحق والباطل، ولعله لم يذكر الزبور لأنه ليس فيه الأحكام، وإنما فيه مواعظ للأنام. (أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته) وفي رواية لمسلم: "من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها". (اللهم أنت الأول) أي: السابق بلا ابتداء (فليس قبلك شيء) تقرير للمعنى السابق، وذلك أن قوله: "أنت الأول" مفيد للحصر بقرينة الخبر باللام، فكأنه قيل: "أنت مختص بالأولية فليس قبلك شيء"، وعلى هذا

стр. 562

ما بعده، (وأنت الآخر) أي: بلا انتهاء، وقال المؤلف: "أي: الباقي بعد فناء خلقه كله، ناطقه وصامته" (١)، (فليس بعدك شيء). (وأنت الظاهر) (٢) أي: بالصفات، وقال المصنف: "أي: ظهر فوق كل شيء وعلا عليه" (٣)، (فليس فوقك) أي: فوق ظهورك (شيء) أي: من الأشياء الظاهرة، (وأنت الباطن) أي: بالذات، وقال المؤلف: "أي: المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم" (٤)، (فليس دونك) أي: دون باطنك (شيء) أي: من الأمور الباطنة، وقال المصنف: "أي: ومع أنه يحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، فليس دونه ما يحجبه عن إدراكه شيئًا من خلقه" (٥). (اقضِ عنّا) وفي رواية أبي داود، وابن أبي شيبة: "اقض عني" (الدين) يحتمل أن يراد به: حقوق الله، وحقوق العباد، (وأغننا) وفي روايتهما: "أغنني" (من الفقر) أي: من الاحتياج إلى الخلق، أو من فقر القلب بالاستغناء عنهم.

стр. 563

(م، عه، مص، ص) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن أبي شيبة، عن أبي هريرة (١)، وأبو يعلى عن عائشة، وفي "ذخائر العقبى"، عن أبي هريرة قال: "جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تسأله خادمًا، فقال: قولي: اللهم رب السماوات السبع. . ." الحديث. (باسم الله. س) أي: رواه النسائي عن البراء، وحقه أن يُكتب فوق البسملة؛ فإنها مقدمة الدعاء الآتي في الرواية المختض به، دون سائر الجماعة الآتية، فإن أول روايتهم قوله: (اللهم أسلمت وجهي) بسكون الياء وتفتح، وكذا في نظائره، (إليك) والمراد من الوجه: الذات، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، و ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ففيه إشارة إلى أن ذاته وحقيقته منقادة لله تعالى في الأمور التكليفية والحوادث الكونية، والمعنى: استسلمت وجعلت نفسي منقادة لك، طائعة لحكمك، راضية بقضائك، قانعة بقدرك. (وفوضت أمري) أي: جميع أموري الدنيوية والأخروية (إليك، وألجأت ظهري إليك) إتيان هذا بعد قوله: "فوضت أمري إليك"؛ للإشعار بأنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه، وعليها مدار معاده، يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأشياء الداخلة والخارجة، يقال: "ألجأته إلى الشيء، أي: اضطررته إليه"، وقد يستعمل بمعنى

стр. 564

الإسناد، فالمعنى: أسندت ظهري إليك، واعتمدت في أمري عليك. وفيه تنبيه نبيه على أنه كالمضطر في ذلك، حيث لم يعلم له سندًا يتقوى به غير الله، ولا ظهرًا يشتد به أزره سواه. (رغبة) أي: ميلًا (ورهبة) أي: خوفًا (إليك) قال الكرماني: "أي: طمعًا في ثوابك، وخوفًا من عقابك، و"إليك" متعلق بـ "رغبة"، كقولهم: علفته تبنًا وماء باردًا"، انتهى. وفي كونه مثالًا له نظر لا يخفى، والأظهر أن يكونا متنازعين فيه، أي: رغبة إليك وهو ظاهر، ورهبة إليك بمعنى أني حالة الخوف لا أرجع إلا إليك، فيكون ما بعده وهو قوله: (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) كالتعليل له بطريق الاستئناف البياني، ثم نصب "رغبة" و"رهبة" على العلة، أو على الحال، بمعنى: راغبًا وراهبًا، وقيل: قوله: "رغبة، ورهبة" منصوبان على المفعول له على طريق اللف والنشر، أي: فوضت أمري إليك رغبة، وألجأت ظهري في المكاره والشدائد إليك رهبةً منك؛ لأنه لا ملجأ ولا منجا إلا إليك. ومال المصنف إلى قول الكرماني، حيث قال: "عطف الرهبة على الرغبة ثم أعمل لفظ "الرغبة" وحدها، ولو أعمل كلًّا منهما لقال: "رغبة إليك ورهبة منك"، والعرب تفعل ذلك كثيرًا كقول الشاعر: ورأيت بعلك في الوغى … متقلدًا سيفًا ورمحا (١)

стр. 565

ثم قال: "قوله: "ولا ملجأ": بهمزة مفتوحة، أي: لا مستند ولا مَن يُلْتَجَأُ إليه إلا الله، وقوله: "ولا منجا"، غير مهموز" (١)، انتهى. وقال العسقلاني (٢): "الأصل في "ملجأ" بالهمزة، وفي "منجا" بغير همزة، لكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج، وأن يترك الهمزة فيهما، وأن يهمز المهموز ويترك الآخر، ويجوز التنوين مع القصر فيصير خمسة أوجه. وقال الكرماني في "لا منجا": "مقصور، وإعرابه كإعراب عصا، فإن قلت: فهو يقرأ بالتنوين وعدمه؟ قلت: في هذا التركيب خمسة أوجه؛ لأنه مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف، قال: "ولا ملجأ ولا منجا" إن كانا مصدرين فيتنازعان في "منك"، وإن كانا مكانين فلا؛ إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك"، انتهى. والملجأ بمعنى: الملاذ والمفر، والمنجا بمعنى: المخلص والمفر، ففيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وقوله سبحانه: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١١]. (آمنت بكتابك الذي أنزلت) قال ميرك: "أي: القرآن، فإن قلت: المفرد المضاف يفيد العموم، فلم خصصته بالقرآن؟ قلت: بقرينة المقام، مع أن عمومه مختلف فيه، ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للإيمان
следующие страницы →