← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

إلى فراشه غفر له ذنوبه وخطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر" (١). (ويقول) أي: إذا آوى إلى فراشه، (وهو مضطجع: اللهم رب السماوات)، وفي نسخة: "السبع"، قال ميرك: "كذا وقع في بعض روايات مسلم"، (ورب الأرض، ورب العرش العظيم) بالجر على أنه صفة "العرش"، وفي نسخة بالنصب على أنه نعت "الرب". (ربَّنا وربَّ كل شيء) بالنصب فيهما، كما قبلهما وما بعدهما على النداء أو على الوصف، (فالق الحب والنوى) قال المصنف: "أي: الذي يشق حب الطعام ونوى التمر للإنبات" (٢)، (ومنزل التوراة) من الإنزال، ويحتمل التنزيل، (والإنجيل والفرقان) أي: القرآن الذي يفرق بين الحق والباطل، ولعله لم يذكر الزبور لأنه ليس فيه الأحكام، وإنما فيه مواعظ للأنام. (أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته) وفي رواية لمسلم: "من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها". (اللهم أنت الأول) أي: السابق بلا ابتداء (فليس قبلك شيء) تقرير للمعنى السابق، وذلك أن قوله: "أنت الأول" مفيد للحصر بقرينة الخبر باللام، فكأنه قيل: "أنت مختص بالأولية فليس قبلك شيء"، وعلى هذا

стр. 562

ما بعده، (وأنت الآخر) أي: بلا انتهاء، وقال المؤلف: "أي: الباقي بعد فناء خلقه كله، ناطقه وصامته" (١)، (فليس بعدك شيء). (وأنت الظاهر) (٢) أي: بالصفات، وقال المصنف: "أي: ظهر فوق كل شيء وعلا عليه" (٣)، (فليس فوقك) أي: فوق ظهورك (شيء) أي: من الأشياء الظاهرة، (وأنت الباطن) أي: بالذات، وقال المؤلف: "أي: المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم" (٤)، (فليس دونك) أي: دون باطنك (شيء) أي: من الأمور الباطنة، وقال المصنف: "أي: ومع أنه يحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، فليس دونه ما يحجبه عن إدراكه شيئًا من خلقه" (٥). (اقضِ عنّا) وفي رواية أبي داود، وابن أبي شيبة: "اقض عني" (الدين) يحتمل أن يراد به: حقوق الله، وحقوق العباد، (وأغننا) وفي روايتهما: "أغنني" (من الفقر) أي: من الاحتياج إلى الخلق، أو من فقر القلب بالاستغناء عنهم.

стр. 563

(م، عه، مص، ص) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن أبي شيبة، عن أبي هريرة (١)، وأبو يعلى عن عائشة، وفي "ذخائر العقبى"، عن أبي هريرة قال: "جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تسأله خادمًا، فقال: قولي: اللهم رب السماوات السبع. . ." الحديث. (باسم الله. س) أي: رواه النسائي عن البراء، وحقه أن يُكتب فوق البسملة؛ فإنها مقدمة الدعاء الآتي في الرواية المختض به، دون سائر الجماعة الآتية، فإن أول روايتهم قوله: (اللهم أسلمت وجهي) بسكون الياء وتفتح، وكذا في نظائره، (إليك) والمراد من الوجه: الذات، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، و ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ففيه إشارة إلى أن ذاته وحقيقته منقادة لله تعالى في الأمور التكليفية والحوادث الكونية، والمعنى: استسلمت وجعلت نفسي منقادة لك، طائعة لحكمك، راضية بقضائك، قانعة بقدرك. (وفوضت أمري) أي: جميع أموري الدنيوية والأخروية (إليك، وألجأت ظهري إليك) إتيان هذا بعد قوله: "فوضت أمري إليك"؛ للإشعار بأنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه، وعليها مدار معاده، يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأشياء الداخلة والخارجة، يقال: "ألجأته إلى الشيء، أي: اضطررته إليه"، وقد يستعمل بمعنى

стр. 564

الإسناد، فالمعنى: أسندت ظهري إليك، واعتمدت في أمري عليك. وفيه تنبيه نبيه على أنه كالمضطر في ذلك، حيث لم يعلم له سندًا يتقوى به غير الله، ولا ظهرًا يشتد به أزره سواه. (رغبة) أي: ميلًا (ورهبة) أي: خوفًا (إليك) قال الكرماني: "أي: طمعًا في ثوابك، وخوفًا من عقابك، و"إليك" متعلق بـ "رغبة"، كقولهم: علفته تبنًا وماء باردًا"، انتهى. وفي كونه مثالًا له نظر لا يخفى، والأظهر أن يكونا متنازعين فيه، أي: رغبة إليك وهو ظاهر، ورهبة إليك بمعنى أني حالة الخوف لا أرجع إلا إليك، فيكون ما بعده وهو قوله: (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) كالتعليل له بطريق الاستئناف البياني، ثم نصب "رغبة" و"رهبة" على العلة، أو على الحال، بمعنى: راغبًا وراهبًا، وقيل: قوله: "رغبة، ورهبة" منصوبان على المفعول له على طريق اللف والنشر، أي: فوضت أمري إليك رغبة، وألجأت ظهري في المكاره والشدائد إليك رهبةً منك؛ لأنه لا ملجأ ولا منجا إلا إليك. ومال المصنف إلى قول الكرماني، حيث قال: "عطف الرهبة على الرغبة ثم أعمل لفظ "الرغبة" وحدها، ولو أعمل كلًّا منهما لقال: "رغبة إليك ورهبة منك"، والعرب تفعل ذلك كثيرًا كقول الشاعر: ورأيت بعلك في الوغى … متقلدًا سيفًا ورمحا (١)

стр. 565

ثم قال: "قوله: "ولا ملجأ": بهمزة مفتوحة، أي: لا مستند ولا مَن يُلْتَجَأُ إليه إلا الله، وقوله: "ولا منجا"، غير مهموز" (١)، انتهى. وقال العسقلاني (٢): "الأصل في "ملجأ" بالهمزة، وفي "منجا" بغير همزة، لكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج، وأن يترك الهمزة فيهما، وأن يهمز المهموز ويترك الآخر، ويجوز التنوين مع القصر فيصير خمسة أوجه. وقال الكرماني في "لا منجا": "مقصور، وإعرابه كإعراب عصا، فإن قلت: فهو يقرأ بالتنوين وعدمه؟ قلت: في هذا التركيب خمسة أوجه؛ لأنه مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف، قال: "ولا ملجأ ولا منجا" إن كانا مصدرين فيتنازعان في "منك"، وإن كانا مكانين فلا؛ إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك"، انتهى. والملجأ بمعنى: الملاذ والمفر، والمنجا بمعنى: المخلص والمفر، ففيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وقوله سبحانه: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١١]. (آمنت بكتابك الذي أنزلت) قال ميرك: "أي: القرآن، فإن قلت: المفرد المضاف يفيد العموم، فلم خصصته بالقرآن؟ قلت: بقرينة المقام، مع أن عمومه مختلف فيه، ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للإيمان

стр. 566

بجميع الكتب المنزلة، فلو حملناه على العموم لجاز أيضًا. وها هنا فائدة، وهو أن المعرف بالإضافة كالمعرف باللام، يحتمل: الجنس، والاستغراق، والعهد، فلفظ "كتابك" محتمل لجميع الكتب، ولجنس الكتب، ولبعضها كالقرآن، بل جميع المعارف كذلك، يعلم من "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦]، وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] في أول البقرة. (ونبيك) بدون الباء الجارة في الأصول، وبزيادتها في "المصابيح" كذا ذكره المصنف في "التصحيح"، وفي "أصل الأصيل": "وبنبيّك" (الذي أرسلت) أي: أرسلته إلى كافة الخلق بشيرًا ونذيرًا، وسراجًا منيرًا. (وليجعلهن آخر ما يتكلم به) أي: من الدعوات، فلا ينافيه ما بعده، وظاهره أنه من جملة الحديث، ويحتمل أن يكون مدرجًا من كلام المصنف، أو من كلام أحد الرواة المتقدمة. (ع) أي: رواه الجماعة عن البراء بن عازب (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت. . ." إلى آخره، وقال في آخره: "فإن مت في ليلتك فأنت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا".

стр. 567

(وليقرأ) أي: عند إرادة النوم (﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ط) أي: رواه الطبراني من حديث جبلة بن حارثة أخي زيد بن حارثة، وله صحبة (١). (ثم لينم) بفتح النون، أي: وليقرأ الكافرون، ثم لينم (على خاتمتها. د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو د اود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن فروة بن نوفل الأشجعي، عن أبيه (٢) أنه قال: "يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إذا أويت إلى فراشي، فقال: اقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك". (وكان) أي: "النبي" كما في نسخة ( ﷺ يقرأ المسبحات) بكسر الباء، وهي التي افتتحت بالتسبيح من "سبحان"، أو "يُسَبّح"، أو "سَبَّح"، أو "سبِّح"، (قبل أن يرقد) أي: ينام (ويقول: إن فيهن) أي: في السور المسبحات (آيةً) أي: عظيمةً (خيرٌ من ألف آيةٍ) وهي مخفية مبهمة، كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، ولعل الحكمة في إخفائها أن يؤتى

стр. 568

بجميعها، ولا يقتصر عليها، والظاهر أنهما في كل منها، وإلا لاقتصر على ما هي فيها. (د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن العرباض بن سارية (١)، ولفظه: "كان ﷺ لا ينام حتى [يقرأ] (٢) ". (وهن) أي: المسبحات (الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى. موس) أي: رواه النسائي موقوفًا (٣) من قول معاوية بن صَالِحٍ، أَحَدِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ، ففيه مسامحة لا تخفى، وفي نسخة [هو] (٤) موجود. (وحتى يقرأ) أي: وكان ﷺ لا ينام حتى يقرأ (﴿الم﴾ السجدة) بالنصب على النعت أو البدل، ويجوز [ضمها] (٥) على تقدير: هي السجدة، وجرها على الإضافة، (﴿تَبَارَكَ﴾ الملك) بالنصب، ويجوز الجر على الإضافة، والرفع على الحكاية، أو على أنه خبر مبتدإ محذوف، (س، ت، مص، مس) أي رواه: النسائي، والترمذي، وابن أبي شيبة،

стр. 569

والحاكم؛ كلهم عن جابر (١). (وحتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن عائشة (٢). (ما كنت أرى) بضم الهمزة وفتح الراء على صيغة المجهول من

стр. 570

الإراءة، أي: أظن على صيغة الفاعل، وفي نسخة بفتح الهمزة، أي: أعلم، (أحدًا يعقل) أي: يصير ذا عقل وإدراك وتمييز، وهو صفة "أحدًا"، والمفعول الثاني قوله: (ينام قبل أن يقرأ الآيات الثلاث) بالنصب، وكذا قوله: (الأواخر من البقرة) وفي نسخة: "من سورة البقرة"، وفي أخرى: "من سورة فيها البقرة"، فالابتداء من قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. (مو صحيح) أي: حديث موقوف صحيح إسناده، لكن سبق المصنف في أول كتابه الوعد بأنه إن كان الحديث موقوفًا جعل قبل رمزه "مو" ليعلم أنه موقوف لما بعده من الكتب، ولم يفِ هنا بما وعده، حيث لم يذكر رمزًا بعد "مو"، لكن قال النووي في "الأذكار": "روى الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود بإسناده عن علي ﵁، قال: "ما كنت أرى أحدًا. . . " إلى آخره، وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم" (١)، انتهى. ولعل عذر المؤلف أن مخرج هذا الحديث لم يكن مذكورًا في الكتب المرموزة، ولذا أطلقه وقال: "موقوف صحيح". (إذا وضعت جنبك على الفراش، وقرأت فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقد أمنت) على وزن علمت من الأمن والأمان، والمعنى: حفظت (من كل شيء) أي: من البلايا (إلا الموت) أي: فإنه لا بد منه،

стр. 571

بل هو تحفة المؤمن. (ر) أي رواه البزار عن أنس (١). (ما من رجل يأوي) أي: يأتي زنةً ومعنًى (إلى فراشه، فيقرأ سورة) كذا بلفظ الفعل في الترمذي، و"جامع الأصول"، و"الأذكار" (٢)، لكن في كثير من نسخ "المشكاة" وقع لفظة "بقراءة سورة"، فقال الطيبي: "قوله: "بقراءة" حال، أي: مفتتحًا بقراءة سورة، وقال بعضهم، أي: ملتبسًا بقراءة سورة (من كتاب الله إلا بعث الله) أي: أرسل (إليه ملكًا يحفظه من كل شيء يؤذيه، حتى يهُب) بضم الهاء وتشديد الموحدة، أي: ينتبه ويقوم، على ما في "الأذكار"، وقال المصنف: "بفتح الياء وضم الهاء، أي: يستيقظ" (٣) (من نومه متى هبَّ. أ) أي: رواه أحمد عن شداد بن أوس (٤). (إذا أوى) بالفتح ويمد، أي: أتى (الرجل إلى فراشه، ابتدره) أي: تسارع إليه (مَلَك وشيطان، فيقول المَلَك: اختم) أي: عملَك (بخير، ويقول الشيطان: اختم بشر، فإن ذكر الله ثم نام، بات الملك يكلَؤُه) بفتح اللام

стр. 572

وضم الهمزة، وقال المؤلف: "بهمزة مضمومة، أي: يحفظه ويحرسه" (١). قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]، ومفهوم الحديث أنه إن لم يذكر الله لم يبت الملك يكلؤه، بل بات الشيطان ينتظر إغواءه، ويوسولس له عند انتباهه، (الحديث) بالنصب، وجُوِّزَ غيرُهُ، والأظهر أن يكون بالرفع على الابتداء، وخبره قوله: (يأتي تتمته) أي: بقيته، وهو قوله: "وإذا انتبه من النوم، فقال: الحمد لله الذي رد إليَّ نفسي، ولم يمتها في منامها. . ." إلى آخره. (س، حب، مس، ص) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، وأبو يعلى، عن جابر (٢).

стр. 573

في آداب الرؤيا (وإذا) وفي نسخة: "فإذا" (رأى في منامه) أي: في نومه، أو زمان تحققه، (ما يحب) أي: ما [يعجبه] (١)، (فليحمد الله عليها) أي: على رؤياه، أو على رؤيته لما يحبّ، (وليحدث بها) أي: لمن يحب. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي سعيد. (ولا يحدث بها) بالرفع، والجزم وهو الأظهر (إلا من يحب) أي: من يحبه النائم، قال المؤلف: "يعني: أن الرؤيا لا تستقر ما لم تعبر، فإذا عبرت سقطت، فإذا كان العابر غير محب [قد] (٢) يعبرها بما يكره فيحصل بذلك هم وغم، وليس المراد أن يزيلها عما [جعله] (٣) الله عليه، وقد يقع الرؤيا بقول أول عابر إذا كان خبيرًا بالرؤيا، وربما احتملت الرؤيا تأويلين أو أكثر، فعبرها من يعرف عبارتها -أي: تعبيرها- على وجه يحتملها، فيقع على ما أنزلها، فقد ورد: "أن امرأة أتت النبي ﷺ ، وقالت: رأيت كأن صائر بيتي- أي: عتبته- قد انكسر، فقال: يرد الله عليك غائبك، فرجع زوجها ثم غاب، فرأت مثل هذا فأتت النبي ﷺ

стр. 574

فلم تجده، ووجدت أبا بكر فأخبرته، فقال: يموت زوجك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: هل قصصتها على أحد؟ قالت: نعم، قال: هو كما قال" (١). (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن أبي قتادة (٢)، وفيه تنبيه على أن للشيخين روايتين: إحداهما: عن أبي سعيدٍ كما سبق، والنسائي [يوافقهما] (٣)، والأخرى: عن أبي قتادة كما هنا، ولم يشاركهما أحد. (وإذا رأى ما يكره) أي: ما يكرهه كما في "أصل الأصيل"، (فليتفل) بكسر الفاء ويضم، قال المؤلف: "بفتح الياء وكسر الفاء وضمها، والتفل: شبيه بالبزق، وهو أقل منه، أوله البزق، ثم التفْل، ثم النفْث، ثم النفْخ" (٤). (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عنه أيضًا. (أو ليبصق) بضم الصاد، أي: ليبزق ويبسق، والكل من باب نصر على ما في "التاج"، وقال المصنف: "هو بالصاد المهملة، كذا وردت الرواية في الحديث، والأصل فيه الزاي، ويجوز فيه السين، وإنما أبدلت صادًا

стр. 575

لمجاورة القاف" (١). (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا، وفي نسخة عن جابر. (أو لينفث) بكسر الفاء ويضم، على ما تقدم. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي قتادة فكلمة "أو" للتنويع في الموضعين بدليل اختلاف المخرجين، فقول الحنفي: "أو للتخيير" غير ظاهرٍ، وقوله: "أو للشك" خطأٌ. ثم يؤيد قولنا قوله: (ثلاثًا ثلاثًا) بالتكرير (عن يساره. ع) أي: رواه الجماعة عنه أيضًا، والظاهر أن للجماعة روايتين: رواية "لينفث" مطلقًا، ورواية "ثلاثًا عن يساره"، وأن هذا تصرف من المصنف في التعبير، وهو مخل في التفسير، لأن الجماعة بكمالهم لم يرووا إلا قوله: "لينفث"، فلا معنى لتكرار "ثلاثًا". (وليتعوذ بالله من الشيطان، ومن شرّها) أي: شر الرؤيا التي يكرهها النائم. (ع) أي: رواه الجماعة عنه أيضًا، (ثلَاثًا) أي: يتعوذ ثلاثًا، وفي "أصل الأصيل": "ثلاثًا ثلاثًا" ولا وجه له أصلًا، ثم كان حق المصنف أن يقدم قوله: "ثلاثًا" على رمز الجماعة، ثم يقول: (ولا يذكرها لأحدٍ) بصيغة النهي، أو بالنفي على إرادة النهي وهو أبلغ، والمعنى: لا يذكر النائم الرؤيا المكروهة لأحدٍ؛ فإنها حينئذٍ لا تضره. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود،

стр. 576

والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي سعيد (١). (فإنها لا تضره. ع) أي: رواه الجماعة عن أبي سعيد وأبي قتادة، ولكن فيه إشكال؛ وهو أن ما قبله رواه الجماعة إلا الترمذي، فكيف يصح نسبة الثاني -وهو العلة لما سبق- إلى الجماعة جميعًا؟. (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه. م) أي رواه: مسلم عن جابر، وقال صاحب "سلاح المؤمن": "رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه" (٢). (أو ليقم فليصل. خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة (٣)، فـ "أو" للتنويع، لكن الأمر بالصلاة ليس بمرفوع في البخاري، بل هو موقوف على محمد بن سيرين، نَعَم (٤)، هو مرفوع في الترمذي عن أبي هريرة، كما

стр. 577

قاله النووي في "الأذكار" (١). (وإذا فزِع) بكسر الزاي، أي: خاف (أو وجد وحشة) وهي ضد الأنس، (أو أرِقَ) بكسر الراء؛ أي: سهر، و"أو" للتنويع في الموضعين، (فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة) بصيغة الإفراد المراد به الجماعة، (من غضبه) أي: إرادة انتقامه، فهو صفة ذاتية، (وعقابه) أي: المترتب على غضبه، المعني به معاقبته، فهو صفة فعلية، (وشر عباده) وهو أخص من شر خلقه، (ومن همزات الشياطين) أي: وساوسهم، وأصل الهمز: [النخس] (٢) والطعن، قال المؤلف: "أي: خطراتها التي يخطرها بقلب الإنسان" (٣)، (وأن يحضرونِ) بحذف ياء المتكلم، اكتفاءً بكسرة نون الوقاية، وضمير الجمع المذكور فيه للشياطين، وهو مقتبس من قوله تعالى: (﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]. (أ) أي: رواه أحمد عن الوليد بن الوليد أخي خالد بن الوليد. (وكان عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاص (يلقنها) من التلقين، أي: يعلم الكلمات السابقة (من عَقَل) أي: من تميز بالتكلم، (من ولده) بفتحتين، ويجوز ضم الواو وسكون اللام، أي: من أولاده، (ومن لم

стр. 578

يعقل كتبها) أي: له (في صكّ)، أي: ورق، (ثم علقها في عنقه) أي: عنق ولده، قال المؤلف: "الصك: الكتاب، وفيه دليل على جواز تعليق العوذ على الصغار" (١). (د، ت، س، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم (٢)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ

стр. 579

بكلمات الله [التامات] (١) من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره، قال: وكان عبد الله بن عمرو. . . " إلى آخره، رواه أبو داود، والترمذي -واللفظ له- والنسائي، والحاكم. ورواه أحمد عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الوليد أنه قال: "يا رسول الله، إني أجد وحشة، قال: إذا أخذت مضجعك فقل. . ." فذكر مثله، وفي كتاب ابن السني: "أن خالد بن الوليد أصابه أرقٌ، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأمره أن يتعوذ عند منامه بكلمات الله التامات. . ." إلى آخره ذكره ميرك. لكن لا يخفى أن المفهوم من كلام المصنف أن حديث ابن عمرو مرفوع في الكتب المرموزة، والحال أن نفس التعوذ مرفوعٌ، والباقي موقوفٌ، كما هو ظاهر من نسبته إلى ابن عمرو، وبهذا ظهر أن الإمام أحمد -كما هو ظاهر- منفرد بالتعوذ، فبطل كلام من قال: "الظاهر إثبات هذه الأرقام هنا بعد الألف". (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن) أي: لا يتعداهن ولا يخالفهن، وقال المؤلف: "أي: لا يحيد عنهن ولا يميل" (٢)، (بر) أي: بار، (ولا فاجر) أي: فاسق ولا كافر (من شر ما ينزل من السماء وما يعرج) أي: ما يصعد (فيها) أي: إلى السماء، (ومن شر ما ذرأ) قال

стр. 580

المؤلف: "أي: خلق" (١) (في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل وفتن النهار) أي: الفتن الكائنة فيهما. (ومن شر طوارق الليل والنهار) أي: حوادثهما وآفاتهما الآتية بغتة، وقال المؤلف: "أي: ما يحدث، والطوارق: جمع طارقة، وهو من الطرْق، قيل: "أصله الدق"، ويسمى الآتي بالليل طارقًا لاحتياجه إلى الدق، ومنه: الطيرة، والعيافة، والكهانة، والطارقة المتكهنة، وقيل للمتكهنات: طوارق" (٢)، انتهى. وفي "النهاية": "عاف الطير عيافة: زجرها فتشاءم بها أو تسعد، أخذًا من أسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا" (٣). و"الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيء" (٤). و"الكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار" (٥).

стр. 581

(إلا طارقًا) قال المصنف: "أي: حادثًا" (١) (يطرُق) بضم الراء، أي: يحدث ويجيء (بخير يا رحمن. ط) أي. رواه الطبراني عن خالد بن الوليد: "أنه شكا إلى النبي ﷺ فزعًا، فعلمه ما علمه جبريل ﵇" (٢). وقال ميرك: "عن أبي التياح، قلت لعبد الرحمن بن خنبش -وكان كبيرًا-: أدركت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: كيف صنع رسول الله ﷺ ليلة محاربة الجن؟ قال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله ﷺ من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة من نار، يريد أن يُحْرِق بها وجه رسول الله ﷺ ، فنزل إليه جبريل فقال: قل يا محمد، قال: ما أقول؟ قال: قل: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن، قال: فطفئت نارهم، وهزمهم الله ﵎"، رواه أحمد، وأبو يعلى (٣)، ولكل منهما

стр. 582

إسنادٌ جيدٌ محتج به، وقد رواه مالك في "الموطإ" عن يحيى بن سعيد مرسلًا (١)، ورواه النسائي من حديث ابن مسعود نحوه (٢). (وفي الأرق) بفتحتين: السهر (اللهم رب السماوات السبع وما أظلت) بتشديد اللام، أي: وما أوقعت ظلها عليه، والمعنى: ما دنت السماوات منه، من قبيل: أظلك فلان إذا دنا منك، كأنه ألقى عليك ظله، والأظهر أن يقال: ما وقعت عليه موقع المظلة. (ورب الأرضين) بفتح الراء ويسكن، ويعني به الأرضين السبع الطباق دون الأقاليم، طباقًا للسماوات على سبع طبقات، كما قال تعالى:

стр. 583

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآية، (وما أقلّت) بتشديد اللام، أي: أقلته ورفعته من المخلوقات، قال المؤلف: "أي: ارتفعت عليه واستقلت وعلته" (١)، انتهى. وهو غير ظاهرٍ؛ لأن الإقلال إذا كان بمعنى الارتفاع، فيكون "ما أقلت" عبارة عما يكون في جوف الأرض، فلا يحسن التعميم ولا يظهر المقابلة، مع أنه مخالف للّغة، ففي "القاموس": "استقله: حمله، ورفعه، كقله وأقله" (٢). (وربّ الشياطين وما أضلّت) من الإضلال بمعنى الإغواء، قال المؤلف: "هو من الضلال، أي: أضلته" (٣)، انتهى. و"ما" هنا بمعنى "من"، واختير على المشاكلة، ليطابق ما قبله من تغليب غير ذوي العقول لكثرته على العقلاء. (كن لي جارًا) أي: مجيرًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، أي: محافظًا (من شر خلقك) أي: مخلوقاتك (أجمعين) تأكيد روعي فيه تغليب ذوي العقول، (أن يفرط) بضم الراء، وهو بدل اشتمال، أي: من أن يغلب (عليّ) أو يقصر في حقي (أحد منهم) أي: من خلقك، قال المصنف: "هو بفتح الياء وضم الراء، من الفرط، وهو:

стр. 584

العدوان وتجاوز الحد ظلمًا" (١). (أو أن يطغى) من الطغيان، وهو قريبٌ من الفرط معنًى، ذكره الحنفي بناءً على تفسير المؤلف، وإلا فهو مغاير لما قدمناه، فالمعنى: أن يتعدى علي بضربٍ، أو قتلٍ، أو نحوهما، و"أو" للتنويع خلافًا لما توهم الحنفي من تجويز كونها للشك، وهو على منوال قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾، أي: يعجل علينا بالعقوبة ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] أي: يزداد طغيانًا، فيقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا يليق. (عَزّ) أي: قوي وغلب، أو: صار عزيزًا بديعًا منيعًا (جارُك) أي: مستجيرك، (وتبارك اسمك) أي: تعالى وتعظم، أو: تكاثر خيره وبره. (طس، مص) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن أبي شيبة، عن خالد بن الوليد: "أنه شكا أَرَقًا، فقال: قل، فقال، فأذهب الله عنه ذلك"، ورواه في " الكبير" أيضًا، وفيه: "عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك". قال ميرك: "عن أبي أمامة، قال: حدث خالد بن الوليد رسول الله ﷺ عن أهاويل يراها بالليل، حالت بينه وبين صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد بن الوليد، ألا أعلمك كلمات تقولهن، لا تقولهن ثلاث مراتٍ حتى يُذهب الله ذلك عنك؟ " قال: بلى يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فإنما شكوت هذا إليك رجاء هذا منك، قال: "قل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه. . ." إلى آخره.

стр. 585

قالت عائشة: "فلم ألبث إلا ليالي حتى جاء خالد، فقال: بأبي أنت وأمي، والذي بعثك بالحق ما أتممت الكلمات التي علمتني ثلاث مرات، حتى أذهب الله عني ما كنت أجد، [ما بي] (١) لو دخلت على أسدٍ في [خيسة] (٢) بليل، وهي موضع الأسد الذي يأوي إليه"، رواه الطبراني في "الأوسط"، فالجمع بأنه علمه الدعاءين معًا، والظاهر أن الدعاء الأول هو الآخر، والله أعلم. (اللهم غارت النجوم) أي: ذهبت، ومنه قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠]، وقال المؤلف: "أي: غابت" (٣)، (وهدأت العيون) أي: نامت، وقال المؤلف: "بالهمز سكنت من الهدوء، وهو السكون، ومنه: "أهدئ ليلي"، بفتح الهمزة الأولى وإسكان الأخيرة، أي: سكنه لأنام فيه" (٤)، (وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم) الوسن: أول النوم، وقد وسن يوسن سنة فهو وَسِنٌ ووسنان، والهاء في سنة عوض عن الواو المحذوفة، كعدة ومقة. قال البيضاوي: "السنة: فتور يتقدم النوم، والنوم: حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة، بحيث تقف

стр. 586

الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسًا، وتقديم السنة عليه، وقياس المبالغة عكسه، مراعاةً لترتيب الوجود، والجملة نفي للتشبيه وإفادة للتنزيه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا قيومًا، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان مؤوف الحياة، قاصرًا في الحفظ والتدبير". (يا حي يا قيوم، أهدئ ليلي) أي: أسكني بالنوم في ليلي، احترازًا من السهر والأرق، وهو السهر [من] (١) علة، ومن الفزع والاضطراب والقلق، (وأنِمْ عيني) من الإنامة، تخصيص بعد تعميمٍ؛ لأنه المقصود الأهم. (ي) أي رواه ابن السني عن زيد بن ثابت: "قال شكوت إلى رسول الله ﷺ أرقًا أصابني، فقال: قل: اللهم غارت النجوم. . ." إلى آخره، وقال في آخره: "فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجده". (وإذا انتبه من النوم) الانتباه هو الاستيقاظ من النوم، ففيه تجريد أو تأكيد، (فقال: الحمد لله الذي ردّ إلي)، و [في] (٢) رواية أبي يعلى: "عليّ"، (نفسي) أي: روحي، وسيأتي تحقيق هذا المرام عند قوله: "الحمد لله الذي أحيانا"، (ولم يمتها) أي: لم يقبضها، وفي نسخة: "فلم يمتها" (في منامها) أي: في زمان نومها، أو حال منامها. (الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا) أي: يمنعهما من زوالهما وفنائهما، أو يحفظهما كراهة أن تزولا، أو لئلا تزولا، فإن الممكن

стр. 587

حال بقائه لا بد له من حافظٍ عن فنائه، فلا يخلو مخلوقٌ عن الاحتياج إلى إيجاد أو إمداد؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]. (ولئن زالتا) أي: على تقدير عدم إمساكه سبحانه، (إن أمسكهما) أي: ما منعهما، ولم يحفظهما، ولم يدفعهما (من أحدٍ) زيد "من" للمبالغة في النفي، (من بعده) أي: من بعد الله، أو من بعد الزوال، و"من" ابتدائية، والجملة تسد مسد الجوابين من القسم المقدر، والشرط المقرر، كما هو في محله محرر. (إنه كان حليمًا غفورًا) أي: حيث أمسكهما، وكانتا جديرتين بأن تهدَّا هدًّا، كما قال تعالى: (تكاد السماوات [ينفطرن] (١) منه وتنشق الأرض). (الحمد لله الذي يمسك السماء) أي: يحفظها أو يمنعها (أن تقع) أي: من أن تسقط (على الأرض إلا بإذنه) أي: بأمره وقضائه وقدره، (إن الله بالناس لرءوف رحيم) حيث رحم عليهم، ولم يهلكهم بذنوبهم. (س، حب، مس، ص) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، وأبو يعلى، عن جابر، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وإسناد أبي يعلى صحيح أيضًا، ولفظه: "إذا أوى إلى فراشه، فإن قال، ووقع عن سريره فمات، دخل الجنة". (الحمد لله الذي يحيي الموتى) أي: الأموات حقيقةً أو مجازًا، فإن النوم أخو في الموت (وهو على كل شيء قدير) ومنه: الإحياء والإماتة. (مس)

стр. 588

أي رواه الحاكم عن جابر أيضًا، وفي نسخة صحيحة: "عن البراء". (الحمد للَّه الذي أحيانا) أي: أيقظنا (بعد ما أماتنا) أي: أنامنا، (وإليه النشور) أي: تفرقنا وجمعنا في اليقظة والمنام، فهو من باب الاكتفاء، أو المراد بالنشور هو البعث عن القبور المشبه به التيقظ بعد النوم، يقال: "نشر الله الموتى، أي: أحياهم"، وفي "النهاية": "نشر نشورًا، أي: عاش بعد الموت" (١)، وقال النووي: "المراد بـ "أماتنا" النوم، وأما النشور فهو الإحياء للبعث، فنبه ﷺ بإعادة اليقظة بعد النوم الذي هو كالموت على إثبات البعث بعد الموت". وقال أبو إسحاق الزجاج: "النفس التي تفارق الإنسان هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس، وسمي النوم موتًا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلًا وتشبيهًا، وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر، والذل، والسؤال، والهرم، والمعصية، والجهل". وقال القرطبي: "النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق الروح بالبدن، وذلك قد يكون ظاهرًا وهو النوم، ولذا قيل: "النوم أخو الموت"، وباطنًا وهو الموت، فإطلاق الموت على النوم يكون مجازًا، لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن". وقال الطيبي: "الحكمة في إطلاق الموت على النوم أن انتفاع الإنسان

стр. 589

بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه، وقصد طاعته، واجتناب سخطه وعقابه، فمن نام زال عنه هذا الانتفاع بالكلية فكان كالميت، فحمد الله على هذه النعمة وزوال ذلك المنع"، وعلى هذا التأويل ينتظم قوله: "وإليه النشور"، أي: وإليه المرجع والمآب، ونيل الثواب بما يكسب في الحياة. (خ، د، ت، س، مص) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، كلهم من حديث حذيفة بن اليمان، ورواه مسلم أيضًا من حديث البراء، كما في "سلاح المؤمن". (لا إله إلا أنت، لا شريك لك) اكتفى به هنا عن زيادة التأكيد بقوله: "وحدك"، (سبحانك اللهم أستغفرك) وفي نسخة: "إني أستغفرك"، أي: أطلب غفرانك (لذنبي، وأسألك رحمتك) أي: زيادتها بالتفضل عليّ. (اللهم زدني) أي: في جميع أوقاتي (علمًا) أي: نافعًا، وفيه عمل بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وإيماء إلى ما ورد في الحديث، على ما رواه أبو نعيم في "الحلية"، وغيره، عن عائشة مرفوعًا: "كل يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله، فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم". (ولا تزغ قلبي) بإظهار الغين عند القاف باتفاق القراء، أي: لا تمله عن الحق (بعد إذ هديتني) أي: إلى الصواب (وهب لي من لدنك) أي: من عندك (رحمة) أي: نعمة عظيمة، ومنحة كثيرة بلا حساب، (إنك أنت الوهاب) وهو مقتبس من قوله تعالى، مدحًا للراسخين في العلم، حيث يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ

стр. 590

الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. (د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم عن عائشة. (لا إله إلا الله الواحد) أي: الذي لا يقبل الشركة والكثرة في ذاته، (القهار) أي: لكل شيء، مقتبس من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ﴾ [ص: ٦٥]، (ربّ السماوات والأرض وما بينهما) أي: منه خلقها وإليه أمرها، (العزيز) أي: الذي لا يغلب إذا عاقب، (الغفار) أي: الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء من عباده، وفي هذه الأوصاف تقريرٌ للتوحيد، ووعد ووعيد للمريد والمزيد. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة أيضًا. (من تعارّ) أي: استيقظ، وأصل التعار: السهر والتقلب على الفراش، كذا في "شرح السنة"، وقال المؤلف: "هو بفتح التاء وتشديد الراء، أي: استيقظ" (١) (من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له) تأكيدٌ بعد تأكيدٍ للتوحيد، وقوله: (له الملك، وله الحمد) دالان على التفريد، (وهو على كل شيء قدير) أي: بالغ في القدرة، وكاملٌ في القوة. (الحمد لله) أي: المنعوت بصفات الجمال (وسبحان الله) أي: الموصوف بنعت الكمال، (ولا إله إلا الله) أي: [من] (٢) الأزل بلا زوالٍ،

стр. 591

وهو من مختصات "أصل الجلال"، (والله أكبر) أي: أعظم من أن يخطر بالبال، (ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي: في جميع الأحوال. (اللهم اغفر لي) أي: ذنوبي في الماضي، والحال، والاستقبال، (أو يدعو) أي: أيَّ دعاءٍ شاءَ، وفي "الأذكار": "هو شك من الوليد بن مسلم -أحد الرواة- وهو شيخ شيوخ البخاري، وأبي داود، والترمذي، وغيرهم في هذا الحديث" (١)، انتهى. فيكون "أو يدعو" بدلَ: "اللهم اغفر لي"، بناءً على أن الراوي شك في أن لفظه ﷺ هو: "اللهم اغفر لي، أو يدعو". (استجيب له) بصيغة الماضي المجهول من الاستجابة، وفي نسخة بصيغة المضارع المجهول منها، (فإن توضأ وصلى) أي: حينئذٍ، (قبلت صلاته) أي: فإنه وقت الإجابة. (خ، عه) أي رواه: البخاري، والأربعة؛ كلهم عن عبادة بن الصامت. (من قال حين يتحرك من الليل: باسم الله عشر مرات، وسبحان الله عشرًا، آمنت) وفي نسخة: "وآمنت" (بالله، وكفرت بالطاغوت) أي: الشيطان، أو ما يزين لهم مما سوى الله، (عشرًا، وُقِيَ) بصيغة المجهول، أي: حفظ، (كل شيء) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ للوقاية، أو بنزع الخافض، ويؤيده ما في نسخة: "من كل شيء" (يتخوفه) أي: يخافه القائل. (ولم ينبغِ) أي: لم يتسهل (لذنب أن يدركه) أي: يلحقه أو يهلكه، (إلى مثلها) أي: مثل تلك الساعة التي تحرك فيها، وقال تلك الكلمات، وفي

стр. 592

نسخة: "لا ينبغي". والظاهر أنه وهم، حيث رأى أن "لم ينبغ" ماض، ولم يدرك أنه في جزاء الشرط ينقلب إلى معنى الاستقبال، ولم يتنبه أيضًا أن الجزاء يكون مجزومًا، فأتى بصيغة النفي المثبت، فوقع فيما لا ينبغي مبنًى ومعنًى. (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عمر، وفي نسخة بالواو، وهو المفهوم من "الترغيب"، ولا يبعد أن يكون مرويًّا عنهما. (وإذا قام من الليل عن فراشه ثم عاد إليه، فلينفضه بصَنِفَةِ إزاره) مر تحقيقه، (ثلاث مرات) ظرف للنفض؛ (فإنه) أي: الشأن، أو النائم القائم (لا يدري ما خَلَفه) بفتح الخاء واللام (عليه) أي: أيّ شيء جاء عقبه، وخلفه على فراشه. في "النهاية": "ولعل هامة وثبت، فصارت فيه بعده، وخلاف الشيء ما يأتي بعده" (١). (فإذا اضطجع) أي: ثانيًا كما سبق أولًا، (فليقل: باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها) وفي رواية ابن السني: "فاغفر لها"، (وإن رددتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وفي رواية ابن السني: "بما تحفظ به أحدًا من عبادك الصالحين". (ت، ي) أي رواه: الترمذي، وابن السني؛ كلاهما عن أبي هريرة.

стр. 593

فيما يتعلق بالطهور والمسجد والأذان والإقامة والصلاة الراتبة وصلوات مخصوصة (وإذا قام ليتهجد) بفتح الدال على أن اللام للعلة، وفي نسخة بالجزم على أن اللام للأمر، (فإن دخل) أي: أراد أن يدخل (الخلاء) أي: مكان قضاء الحاجة، قال الجوهري: "الخلاء ممدود: المُتَوضَّأُ، والمكان الذي لا شيء فيه" (١)، (فليقل: باسم الله. مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني، كلاهما عن علي ﵁. (اللهم إني أعوذ بك) وفي رواية النسائي وابن أبي شيبة: "أعوذ بالله" (من الخبث) بضم الخاء المعجمة والموحدة ويسكن، جمع خبيث، كالسبل بالوجهين جمع سبيل، (والخبائث) جمع خبيثة، ضد اللطائف جمع اللطيفة. (ع، مص) أي رواه: الجماعة، وابن أبي شيبة، عن أنس، وابن أبي شيبة أيضًا وحده عن زيد بن أرقم. قال المؤلف: "الخبث: بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثةٍ، يعني: ذكران الشياطين وإناثها، وقيل: "بل هو الخبث بإسكان الباء، وهو خلاف طَيِّبِ الفِعْل، مِنْ فجور وغيره، والخبائث: الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة" (٢).

стр. 594

قال ميرك: "الحق هو الأول؛ لما ورد من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" رواه أبو داود وغيره". وقوله: "محتضرة" أي: تحضره الشياطين، ويحتمل أن يكون بالسكون، مخفف "خُبْثٌ" بالضم، فيرجع إلى المعنى الأول، وروي من حديث ابن عمر، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم" رواه الطبراني وابن السني. (وإذا خرج) أي: من الخلاء، (غفرانك) أي: يقوله، والمعنى: أسألك غفرانك، أو اغفر غفرانك، قال المؤلف: "منصوب بإضمار فعل، أي: أسأل، وفي الحكمة في هذا قولان: الأول: الاستغفار من ترك ذكر الله مدة لبثه علي الخلاء؛ فإنه كان لا يترك ذكر الله تعالى بلسانه إلا عند قضاء الحاجة، وكأنه رأى تقصيرًا فاستدركه بالاستغفار، والثاني: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم بها عليه، من إطعامه وهضمه وتسهيل مخرجه، فلجأ إلى الله بالاستغفار من التقصير" (١). (حب، عه، مص) أي رواه: ابن حبان، والأربعة، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن عائشة. (الحمد لله الذي أذهب) أي: أزال (عني الأذى)، أي: "ما يؤذيني"

стр. 595

كما في رواية، (وعافاني) أي: منه، ومن غيره من أنواع البلاء. (سى، ي، مو مص) أي رواه: النسائي، وابن السني؛ كلاهما عن أبي ذر مرفوعًا، وابن أبي شيبة من قوله موقوفًا. (وإذا توضأ) أي: أراد أن يتوضأ (فليسمِّ الله) أي: في ابتداء وضوئه؛ فإنه من السنن المؤكدة عند الجمهور، ومن الفرائض عند الحنابلة؛ لحديث: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"، وهو محمول علي نفي الكمال عند الأكثرين. (د، ت، ق) أي رواه: أبو داود عن أبي هريرة (١)، والترمذي عن سعيد بن زيد (٢)، وابن ماجه عن: أبي هريرة، وسعيد،

стр. 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 598

وسهل بن سعد، وأبي سعيد الخدري (١).

стр. 599

(ثم يقول) أي: في أثناء وضوئه، ويدل عليه قوله بعده: "وإذا فرغ … "

стр. 600

إلى آخره، (اللهم اغفر لي ذنبي) أي: ظاهرًا وباطنًا (ووسع لي في داري) أي: في الدنيا والبرزخ والعقبى، (وبارك لي في رزقي) أي: الحسي والمعنوي، والدنيوي والأخروي. (س، ي) أي رواه: النسائي، وابن السني، عن أبي موسى الأشعري (١)، قال: "أتيت رسول الله ﷺ بوَضوء فتوضأ، فسمعته يدعو يقول: اللهم اغفر لي ذنبي … " [إلى آخره] (٢)، فقلت: يا نبي الله، سمعتك تدعو بكذا وكذا، قال: وهل تركت من شيء؟ ". "ترجم ابن السني له: "باب ما يقول بين ظهراني وضوئه"، [وأما] (٣) النسائي فأدخله في "باب ما يقول بعد فراغه" وكلاهما محتمل، قاله النووي في "الأذكار" (٤). قال ميرك: "ورجح الشيخ عمل ابن السني". قلت: ويؤيد النسائي ظاهر قوله: "فتوضأ فسمعته قول … ". (وإذا فرغ من الوضوء رفع نظره) وفي نسخة: "طرفه" بسكون الراء، أي: بصره (إلى السماء. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن عمر، والظاهر أن يكتب هذان الرمزان فوق قوله: "رفع نظره إلى السماء" إشعارًا باختصاصه
следующие страницы →