(رب أعط نفسي تقواها) أي: ألهمها ووفقها على أنواع تقَواها من الشرك الجلي والخفي، (زكّها) أي: أنمها بالعلم النافع، والعمل الصالح (أنت خير من زكّاها) أي: طهرها (أنت وليّها) أي: متصرف أمرها (ومولاها) أي: مالكها وناصرها، وفيه تلويح إلى قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٨ - ١٠]، أي: خسر من نقصها، وبالجهالة والمعصية أخفاها. (أ) أي: رواه أحمد عن عائشة (١).
(اللهم اغفر لي ما أسررت) أي: أخفيت (وما أعلنت) أي: أظهرت.
(مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عائشة أيضًا (٢).
(اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل أمامي) بفتح الهمزة، أي: قدامي (نورًا، واجعل خلفي نورًا، واجعل من تحتي نورًا، وأعْظِم لي نورًا) بقطع الهمزة، أي: اجعل لي نورًا عظيمًا. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس (٣).
стр. 737
ما يقال في سجدة التلاوة
(وفي سجود القرآن) أي: يزيد على التسبيح إن شاء (سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره بحوله) أي: بتصرفه وقدرته (وقوته. س، د، ت، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، عن عائشة (١). (مرارًا. د) أي: رواه أبو داود عنها أيضًا.
(فتبارك الله أحسن الخالقين. مس) أي: رواه الحاكم عنها أيضًا.
(اللهم اكتب لي عندك) أي: في مستقر عرشك (بها) أي: بسبب هذه السجدة، أو في مقابلتها وبدلها (أجرًا) أي: ثوابًا كاملًا (وضَعْ) أمر من الوضع، أي: حُطَّ (عني بها وزرًا) بكسر أوله، أي: إثمًا (واجعلها لي عندك ذخرًا) بضم الذال المعجمة، أي: ذخيرة، (وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن ابن عباس (٢).
(ما وضع رجل) أي: مؤمن (جبهته لله) أي: خالصًا (ساجدًا) ط ل (فقال: يا رب اغفر لي، ثلاثًا، إلا رفع رأسه وقد غفر له. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول أبي سعيد الخدري، وله حكم الرفع (١).
стр. 740
ما يقال بين السجدتين
(وإذا جلس بين السجدتين) قال المصنف في "التصحيح": "وإنما خصّ بين السجدتين بالدعاء؛ لأنه حال بين الحالتين مأمور بالدعاء فيهما فأعطي [حكمهما] (١)، فكأنه لم يعد فاصلًا بين [السجدتين] (٢) ".
قلت: ولعله وقع هذا نادرًا منه ﷺ ؛ ولهذا ما عده علماؤنا من السنن ولا من المستحبات، لكن ينبغي أن يؤتى بها في بعض النوافل من الصلوات.
(اللهم) وفي رواية البيهقي: "رب" (اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني. د، ت، ق، مس، سني) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي في "السنن الكبير" له؛ كلهم عن ابن عباس (٣).
стр. 741
(واجبرني) أي: أغثني، من: جَبَرَ الله مصيبَتَه، أي: رد عليه ما فات منه وذهب أو عوضه، وأصله من: جبر الكسر، أي: أصلحه، كذا في "النهاية". (ت، سني) أي رواه: الترمذي، والبيهقي، عنه أيضًا (١).
(وارفعني) أي: في القدر والرتبة. (مس، ق، سني) أي رواه: الحاكم، وابن ماجه، والبيهقي، عنه أيضًا (٢).
(ويقنُت) بضم النون، أي: يدعو (في الفجر) تقدم حكمه بأنه منسوخٌ، أو مقيد بنازلة. (ر، مس، مو مص) أي رواه: البزار والحاكم عن أنس (٣)، وابن أبي شيبة موقوفًا من قول عمر.
(وفي سائر الصلوات) أي: باقيها أو جميعها (إن نزل نازلة) أي: شديدة من شدائد الأمر (إذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه) وهذا عند الشافعي ومن
стр. 742
تبعه، وأما عند غيره فقبل الركوع، لما ورد من الأحاديث، (في الركعة الأخيرة، ويُؤَمِّن) بتشديد الميم عطف على "يقنت"، أي: يقول: "آمين" سرًّا (مَن خلفه) أي: من كان خلفه. (أ، د) أي رواه: أحمد، وأبو داود، عن ابن عباس.
стр. 743
ما يقال في التشهد
(وإذا جلس) أي: في القعدة (للتشهد) أي: لقراءته، فالقعدة الأولى واجبة، والأخيرة فريضة، والتشهد فيهما [واجبان] (١) عندنا، وسمي الذكر المخصوص تشهدًا لاشتماله على كلمتي الشهادة.
(التحيات لله) جمع تحية وهي السلام، وقيل: "البقاء"، وقيل: "العظمة"، وجمعها ليشمل المعاني كلها، وقيل: "السلامة من الآفات والنقص"، وقيل: "الملك"، قال أبو سعيد الضرير: "ليس التحية الملك نفسه، لكنها الكلام الذي يُحَيَّا به الملك".
وقال ابن قتيبة: "لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه؛ فلذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التي يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله".
وقال الخطابي [و] (٢) البغوي: "ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى؛ فلذا [أهملت] (٣) ألفاظُها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي: أنواع التعظيم، وقال المحب الطبري: "يحتمل أن يكون لفظ: التحية مشتركًا بين المعاني المتقدمة، وكونها
стр. 744
بمعنى السلام هنا أنسب".
(والصلوات) أي: الصلوات الخمس، [و] (١) ما هو أعم من ذلك من الفرائض في كل شريعة، أو العبادات كلها، وقيل: "الدعوات"، وقيل: "أنواع الرحمة"، ذكره العسقلاني.
وقال المؤلف: "أصل الصلاة: التعظيم، أي: الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى، هو مستحق [لها] (٢) لا [تليق] (٣) لأحد سواه" (٤)، انتهى. وفي "النهاية": "أصل الصلاة الدعاء، فسميت العبادة المخصوصة ببعض أجزائها، وقيل: "أصلها التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة بها لما فيها من تعظيم الرب"".
(والطيبات) أي: ما طاب من الكلام، وحسن أن يثنى به على الله تعالى، دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: "الطيبات الأذكار"، ذكره العسقلاني (٥).
قال ابن دقيق العيد: "إذا حملت الصلوات على العهد أو الجنس، كان التقدير: أنها واجبة لله، لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة،
стр. 745
فيكون معنى قوله "لله" أنه متفضل بها؛ لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء، فظاهر، وإذا حملت التحية على السلام، فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله، وإذا حملت على البقاء، فلا شك في اختصاص الله تعالى به، وكذلك العظمة التامة".
وأما "الطيبات": فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم، فتشمل الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب".
وقال القرطبي: "قوله: "لله" فيه تنبيه على الإخلاص في العبادات، أي: تلك لا تُفْعَلُ إلا لله، ويحتمل أن يكون المراد: الاعتراف بأن ملك الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله، وأظهر الأقوال وأجمعها ما قيل من: "أن التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات البدنية، والطيبات: العبادات المالية".
هذا، وقد قال البيضاوي (١): "يحتمل أن يكون "والصلوات والطيبات" عطفًا على "التحيات"، ويحتمل أن يكون "والصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف، و"الطيبات" معطوفة عليها، فالواو الأُولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد".
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) أي: رأفته، وعطفه، ومغفرته (وبركاته) قيل: "هذه الإضافة باعتبار أن البركة، سواء كانت بمعنى
стр. 746
الزيادة، أو بمعنى الكثرة، أو بمعنى الخصب ناشئة من لله تعالى، وكائنة بإعطائه".
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وسيأتي تحقيق السلام مبنًى ومعنًى، ووجد بخط السيد أصيل الدين في "الحاشية" هنا: "سلام" بالتنكير في الموضعين، وكتب عليه فيهما رمز النسائي، وهو سهو مبناه وهم، حيث قال النووي: "يجوز في السلام عليك وفيما بعده حذف الألف واللام، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات "الصحيحين"".
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (١): "لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم".
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) وفي رواية النسائي: "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله".
(ع، سني) أي: رواه الجماعة كلهم عن ابن مسعود (٢)، والبيهقي في
стр. 747
"السنن الكبير" له عن عائشة، ولفظ ابن مسعود: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله، ولكن قولوا: التحيات لله … " إلى آخره.
ثم اعلم أن حديث ابن مسعود أصح حديث روي في التشهد، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، على ما ذكره الحافظ العسقلاني.
(التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله) قال الخطابي: "حذفت الواو من حديث ابن عباس اختصارًا، تقديره: "والمباركات، والصلوات، والطيبات" وهو جائز معروف في اللغة، وقيل في بيان هذا النظم: "إنه جملتان واردتان على سبيل الاستئناف، فإن التحيات مبتدأ، والمباركات صفته، والخبر مقدر، أي: التحيات المباركات لله.
فإن العبد لما وجه التحيات المباركات إلى الله، اتّجه لسائل أن يقول: فما للعبد حينئذٍ؟ فأجيب: بأن الصلوات الطيبات لله، فالله تعالى يوجهها إليه جزاء لما فعل فضلًا منه ورحمة، فإن الصلاة: هي الرحمة، والبركة: أنواع الخير، وهي المسئولة في قوله: "اللهم إني أسألك الطيبات""، انتهى.
وفيه بحثٌ، لأنه خلاف الظاهر، ولا يلائمه سائر الروايات، والظاهر أن كلًّا من هذه الأربع مبتدأ، إما بحذف العاطف كما جوزوا، أو على سبيل التعداد، و"لله" خبرها.
стр. 748
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) قيل: "أورد هنا البركات بصيغة الجمع دون السلام والرحمة، بخلاف التحيات والصلوات والطيبات، ولعله للتفنن أو [للاستغراق] (١)، أو موكول علمه إليه ﷺ .
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وفي رواية الترمذي، والنسائي هنا في الموضعين: "سلام" بالتنكير، قال الطيبي: "أصل "سلام عليك" سلّمت سلامًا، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء دلالة على ثبوت المعنى واستقراره.
ثم التعريف إما للعهد، والتقدير: أي ذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة عليك وعلينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى: أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه: ما هو، وعمن يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، قال: "ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة"، انتهى.
وحكى صاحب "الإقليد" أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقصر عن الوجوه المتقدمة، قال البيضاوي: "علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر، لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يصوا أنفسهم أولًا؛ لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على
стр. 749
الصالحين، إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم".
وقال التوربشتي: "السلام بمعنى السلامة، كالمقام بمعنى المقامة، والسلام: اسم من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى: أنه سالم من كل عيب ونقص، وآفة وفساد، ومعنى قولنا: "السلام عليك … " الدعاء، أي: سلمت من المكاره، وقيل: "معناه: "اسم السلام عليك" كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى".
وقال الكرماني: "قيل: "معناه: التعوذ بالله"، فإن السلام اسم من أسمائه، تقديره: الله عليك، أي: حفيظ، كما يقال: الله معك، أي: بالحفظ، وقيل: "السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذات، أي: السلامة والنجاة لك"، انتهى. والمراد بـ "الصالحين" القائمون بحقوق الله، وحقوق عباده المؤمنين.
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس (١)، واختاره الشافعي لزيادة "المباركات" فيه، وهي موافقة لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، واختار أبو حنيفة وجمهور العلماء تَشَهُّدَ ابنِ مسعود، لكونه أصحَّ.
стр. 750
(التحيات الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) قيل: "الصلاح هو استقامة الشيء على حالة كماله، والفساد ضده، ولا يصلح الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن لا تخلو عن محائبة خلل وفساد؛ إذ لا يصفو ذلك إلا في الآخرة خصوصًا لزمرة الأنبياء، لأن الاستقامة التامة لا تكون إلا من فاز بالقرب [الأعلى] (١)، ونال المقام الأسنى.
ومن ثمّ كانت هذه المرتبة مطلوبة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى في حق خليله ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وحكى عن يوسف ﵇ -أنه دعا بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
(أشهد أن لا إله إلا الله) زاد النسائي: "وحده لا شريك له"، (وأن محمدًا) زاد مسلم: "وأشهد أن محمدًا" (عبده ورسوله. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري (٢).
стр. 751
(التحيات الطيبات، والصلوات، والملك لله. د) أي: رواه أبو داود عن سمُرَة.
(باسم الله وبالله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) اختار الجملة الفعلية لإفادة التجدد، والمضارعَ لإفادة الاستمرار، واختار صيغةَ المتكلم إظهارًا لتوحيده، واهتمامًا بشأنه ﷺ ، وعطف للاتصال بين الجملتين، وكرر "أشهد" لقصد المبالغة والتعظيم له ﷺ ، وذكر النبي والرسول إشارة إلى أنه جامع بين منقبتي النبوة والرسالة. (س، ق، مس) أي رواه؛ النسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر (١).
(التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات) أي: لله، وحذف اكتفاء بما قبله، أو ما بعده، وهو قوله: (الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة لله وبركاته) قد يقال: "في وجه اختيار الخطاب في السلام على النبي ﷺ ، نحن نتبع لفظ رسول الله ﷺ بعينه، حين عَلَّمَ الحاضرين من الصحابة كيفية التسليم، ومن ذهب إلى الغيبة توخى معنى ما يؤديه اللفظ، بحسب مقام الغيبة، وقريب منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 752
سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء، فالتحتانية هو اللفظ المتوعد به، والفوقانية معنى ذلك بحسب مقام الخطاب.
وينصر هذا التأويلَ ما رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن مسعود: "أنه علمني النبي ﷺ وكفِّي بين كفيه التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله، … إلى آخره، فلما قبض قلنا: السلام على النبي" (١).
قيل: ويمكن أن [نأخذه في مشرع] (٢) أهل العرفان، ونقول: الصلوات محمول على ما تعورف من الأركان المخصوصة، والطيبات على كونها خالصة لوجه الله تعالى، محصلة للزلفى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
وحينئذٍ تقرير وجه الخطاب في السلام أنهم حين استفتحوا باب الملكوت، واستأذنوا بالتحيات على الولوج، كأنهم أُذِنَ لهم بالدخول في حريم الملك الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، كما ورد: "قرة عيني في الصلاة (٣) "، و"أرحنا يا بلال (٤) "، فأخذوا في الحمد والثناء
стр. 753
والتمجيد، وطلب المزيد، [وشفعوا بحاجاتهم] (١)، فعند ذلك تنبهوا على أن هذه المنح والألطاف بواسطة نبي الرحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في محرم المحبوب حاضرًا، فأقبلوا عليه مُسَلِّمين بقولهم: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
وقال الولي بالاتفاق، أبو بكر الوراق، ذات يوم لأهل مجلس الوفاق: "يا أيها الناس، أبشروا بالبشارة العظمى، والكرامة الكبرى، وهو أنه ﷺ لا ينساكم قط في حال من الأحوال، ولا في مقام من مقامات الإكرام والإجلال، فلو كان ينساكم ساعة أو لحظة، لنسيكم في مقام الهيبة، حين قام بين يدي رب العزة، وحصل له قرب الحضرة، فقال: التحيات لله، والصلوات والطيبات، فقال الرب تعالى ذاته، وتبارك صفاته: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الثلاث بالثلاث طباقًا، جزاء وفاقًا، فقال النبي ﵇ اعتناء بكُمْ أجمعين:
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فقالت الملائكة المقربون: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. مو مس طا) أي رواه: الحاكم في "المستدرك"، ومالك في "الموطإ"؛ كلاهما من قول ابن عمر موقوفًا (٢).
стр. 754
واختار مالك هذا التشهد؛ لأن عمر قرأ على الناس فوق المنبر، فكان بمنزلة الإجماع، حيث لم ينكر عليه أحد، وفيه أنه لا خلاف في جواز ألفاظ التشهد جميعها، وإنما الخلاف في الأفضل، ولا شك أن كل ما ورد عنه ﷺ من طريق أصحّ، فهو أولى بالعمل.
(باسم الله، وبالله خير الأسماء) بالجر، ويجوز رفعه ونصبه (التحيات الطيبات الصلوات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق) الباء للملابسة، والحق: الشريعة، أو للسببية، فهو القرآن وسائر المعجزات (بشيرًا) أي: مبشرًا للمؤمنين بالجنة، (ونذيرًا) أي: منذرًا بالنار للكافرين، (وأن الساعة) أي: يوم القيامة (آتية) أي: بغتة (لا ريب فيها) أي: عند أرباب اليقين، أو نفي معناه نهي، أي: لا ترتابوا في وجودها، ولا تشكوا في قرب وقوعها.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم اغفر لي، واهدني. ط، طس) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" عن ابن الزبير (١).
стр. 755
صفة الصلاة على النبي ﷺ (وكيفية الصلاة على النبي ﷺ : اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد)
قيل: "الآل: من حَرُمَتْ عليه الزكاة؛ كبني هاشم، وبني عبد المطلب"، وقيل: "كل تقي آلُه"، وقيل: "جميعُ أمة الإجابة"، وإلى هذا مال مالكٌ على ما ذكره ابن العربي، واختاره الأزهري والنووي في "شرح مسلم".
(كما صليت) "ما" مصدرية، أي: صلاة مثل صلاتك (على إبراهيم، وعلى آل إبراهم) التشبيه ليس من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب بيان حال ما لا يعرف بما يعرف، وقيل: "التشبيه متعلق بآل محمد"، وقيل: "لا يشترط أن يكون المشبه به أقوى، بل مجرد المشاركة كفى، والشرط أغلبي".
والمقصود منه: تشبيه الصلاة بالصلاة؛ إما في الكمية، [أو] (١) في الكيفية، أو غيرهما كالدوام والثبات، فهو من قبيل التشبيه لبيان الحال، أو لبيان الإمكان.
وقال المؤلف: "إن قيل: لا شك أن محمدًا ﷺ أفضل الخلق، فكيف طُلِبَ له من الله الصلاة ما لإبراهيم؟، والأصل أن يكون المشبه به فوق المشبه؟ فهذا سؤال مشهور، أجيب عنه بأجوبة كثيرةٍ ضعيفةٍ، أحسنها
стр. 756
أنه ﷺ من آل إبراهيم، فإذا دخل غيره من الأنبياء الذين من ذرية إبراهيم، فدخول محمد ﷺ أولى، فيكون قولنا: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا آل له أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا، بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا وهو فيهم، فيحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ ، فيكون قد صلي عليه خصوصًا، وطلب له من الصلاة لآل إبراهيم عمومًا، وهو داخل معهم، ولا شك أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم [وهو] (١) ﵇ أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيظهر من هذا شرفه وفضله على إبراهيم، وعلى كل آل إبراهيم" (٢)، انتهى.
ولا يخفى أنه مع بعده غير مستقيم بالروايات التي لم يذكر فيها آل إبراهيم، واقتصر على آل إبراهيم وأريد به إبراهيم، إلا أن يقال: المراد به آل إبراهيم معه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩].
وعندي أن المشبه به هو صلاة إبراهيم وآل إبراهيم جميعًا، أو صلاة آل إبراهيم من الأنبياء الذين من ذريته، فإنهم لكثرتهم يقوى جانبهم المشبه به في الجملة، وإن كان هو أفضلَ من كل واحد منهم على حدةٍ، والله سبحانه أعلم.
стр. 757
(إنك حميدٌ مجيدٌ) تذييل [للكلام] (١) السابق، وتقرير له على سبيل العموم، أي: إنك حميد فاعل [ما] (٢) يستوجب الحمد، من النعم المتوالية المتكاثرة، والآلاء المتعاقبة المتواترة، مجيد كريم الإحسان، إلى جميع أفراد الإنسان، ومن محامدك وإحسانِك أن توجه صلاتك على حبيبك نبي الرحمة، وآله أصحاب الهمّة، وسادات الأمّة.
(اللهم بارك على محمد) أي: أثبت له [دوام] (٣) ما أعطيته من التشريف والكرامة، قاله في "النهاية"، (وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ع) أي: رواه الجماعة عن كعب بن عجرة، وهو أصح ألفاظ الصلاة، وأفضلها وأكملها، فينبغي المحافظة عليها في الصلاة وغيرها.
(اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم) وفي "أصل الجلال": "على آل إبراهيم" (إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم) وفي "نسخة الجلال": "على آل إبراهيم".
واعلم أن على هذه الرواية يدخل إبراهيم في الصلاة دخولًا أوليًّا أصليًّا كما أشرنا إليه، لأنه الأصل المستتبع لسائر آله، فإن الآل إذا ذكر مضافًا
стр. 758
إلى من هو له، ولم يذكر من هو له معه مفرد أيضًا، يتناوله الأول كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وكما يدل عليه ما في "الصحيحين" عن عبد الله بن أبي أوفى: "أن أباه أتى النبي ﷺ عليه بصدقة، فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى" (١)، ومن المعلوم أن أبا أوفى هو المقصود بالذات بهذا الدعاء".
(إنك حميد) فعيل من الحمد، بمعنى: المحمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له صفات الحمد كلها، وقيل: "هو بمعنى الحامد، أي: يحمد أفعال عباده".
(مجيد) فعيل من المجد، وهو صفة من كَمُلَ في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام والجمال، [و] (٢) مناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنه كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له.
стр. 759
(خ، م، س) أي رواه: البخاري ومسلم والنسائي، عن كعب أيضًا (١).
(اللهم صلِّ على محمد، وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم) قيل: "الآل مقحم"، وقيل: "المراد: هو وآله" كما قدمناه، (إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي؛ كلاهما عن كعب أيضًا.
(اللهم صلِّ على محمد وأزواجه) وفي رواية مسلم: "وعلى أزواجه" أي: أمهات المؤمنين، وهو جمع زوج، ويقال للمرأة: زوج الرجل كعكسه، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وأما جمع الزوجة فزوجات.
(وذريته) في "الصراح": "هي بالضم والتشديدين، نسل الثقلين"، وفي "الصحاح": "ذرأ الله الخلق يذرؤهم: خلقهم، ومنه الذرية. إلا أن العرب تركت همزها، والجمع ذراري"، وفي "الْمُغْرِب": "ذرية الرجل: أولاده، يكون واحدًا وجمعًا".
(كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه) وفي رواية مسلم: "وعلى أزواجه" (وذريته كما باركت على آل إبراهيم. خ، م، د، س، ق، حب) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن
стр. 760
ماجه، وابن حبان، عن أبي حميد الساعدي (١).
(إنك حميد مجيد. م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا.
(اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم. خ، س، ق) أي رواه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه، كلهم عن أبي سعيد الخدري (٢).
(اللهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم. خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا.
(اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين) الأصح أن المراد به أصناف الخلق، فإن العالم ما سوى الله، وإنما جمع ليعم الأنواع ويشمل الأصناف، وغلب فيه العقلاء لشرفهم، وقيل: "ما حواه بطن الفلك"، وقيل: "كل محدث فيه"، وقيل: "مختص بالعقلاء"، وقيل: "المراد به الجن والإنس"، (إنك حميد مجيد. م، د، ت،
стр. 761
س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كلهم عن أبي مسعود الأنصاري (١).
(على محمد) وفي نسخة: "اللهم صلِّ على محمد" (النبي الأمي) منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير من لا يعرف الكتابة والقراءة، كذا في "الْمُغْرِب"، والمراد نفي الكتابة والقراءة غالبًا، وقيل: "منسوب إلى مكة، لأنها أم القرى"، أي: أصلها وعمدتها وبركتها، وقيل: "منسوب إلى الأم"، أي: مثل ما خرج من بطن الأم، لم يتعلم القراءة والكتابة، (وعلى آل محمد. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي عنه أيضًا، لكن بزيادة: "النبي الأمي".
(كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. س) أي: رواه النسائي أيضًا عنه، فللنسائي روايتان، فهو مختص ببعض الزيادة في هذه الرواية.
(اللهم صلِّ على محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. ر) أي: رواه البزار عن أبي هريرة (٢).
стр. 762
(أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﵇، ونحن) أي: [معشر] (١) الصحابة (عنده) أي: عند النبي ﵇، والجملة [حالية] (٢) معترضة (فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه) أي: بواسطة تعليمك إيانا كيف السلام عليك، أي: لفظه، أو طريقه، قال البيهقي: "إشارة إلى السلام الذي في التشهد"، انتهى (٣).
وحكى ابن عبد البر احتمالًا آخر، وهو أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة، وقال: "الأول أظهر".
أقول: ويحتمل أن المعنى: عرفناه بالسلام المتعارف، وهو قوله: "السلام عليك"؛ لأنه أقل السلام المعتبر، وأما زيادة "أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فمن خَصوصيات التشهد، وكأنه استفسر عن معنى قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فإن معرفة صيغة السلام ظاهرة، بخلاف صيغة الصلاة فإنها مبهمة غير معينة؛ ولذا قال: (فكيف نصلي عليك؟) فإنه يحتمل احتمالات من الصلاة عليك على طبق السلام عليك، أو صلى الله عليك على إرادة
стр. 763
الإنشاء، أو قصد الدعاء، أو غير ذلك.
(إذا نحن صلينا) أي: إذا أردنا أن نصلي (عليك في صلاتنا) أي: خصوصًا، فإنه وسيلة إلى قبول القربة، [تمام] (١) الطاعة، وكمال العبادة، ثم رأيت ميرك نقل عن العسقلاني أنه قال: "واختلف في المراد بقوله: "كيف"، فقيل: "المراد بالسؤال عن الصلاة المأمور بها، وبأي لفظ تؤدى"، وقيل: "عن صفتها"".
وقال القاضي عياض: "لما كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيهِ﴾ يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم، فسألوا بأي لفظ تؤدى؟ هكذا قال بعض المشايخ، ورجح الباجي أن السؤال إنما وقع عن صفتها لا عن جنسها، وهو أظهر؛ لأن "كيف" ظاهرٌ في الصفة، وأما الجنس فيسأل بلفظ "ما"، وبه جزم القرطبي" (٢).
(قال) أي: الراوي، وهو أبو مسعود الأنصاري: (فصَمَتَ) أي: سكت النبي ﵇ (حتى أحببنا) أي: تمنينا (أن الرجل لم يسأله)، وإنما أحبوا ذلك خشية أن يكون لم يعجبه ذلك السؤال، لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ذكره ميرك عن العسقلاني.
стр. 764
والأظهر أن تمنيهم لخوف [تعنيه] (١) ﷺ في الاحتياج إلى التأمل، إن كان يعمل بالاجتهاد، أو بالتوجه والانتظار للوحي، أو لفوت ما كانوا يستفيدون منه ﷺ فوائد غزيرة وفرائد كثيرة، فاتتهم بسبب هذا السؤال، والله أعلم بالحال.
(قال) وفي رواية الحاكم: "ثم قال": (إذا صليتم علي، فقولوا) وهو أمر استحباب في الصلاة عند الجمهور خلافًا للشافعي، وفي رواية عند الطبري: "فسكت حتى جاء الوحي، فقال: تقولون": (اللهم صلِّ على محمد)، وفيه إيماء إلى عجز الخلق عن حقيقة التصلية لديه، ولذا طلبوا من الله الصلاة عليه، وأحالوا الأمر العظيم إليه، (النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. حب، مس، أ) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، وأحمد، عن أبي مسعود الأنصاري البدري (٢).
(من سرَّهُ) أي: أحبه وأعجبه (أن يكتال) على صيغة المجهول من
стр. 765
الاكتيال، وروي بصيغة المعلوم (بالمكيال الأوفى) هو عبارة عن نيل الثواب الوافر، وعن حصول الأجر المتكاثر، (إذا صلى علينا أهل البيت) منصوب بفعل تقديره: أعني أهلَ البيت، ويجوز الجر على أنه بدل من الضمير المجرور في "علينا"، أو عطف بيان، ثم قوله: "إذا" شرط، جزاؤه: (فليقل)، والشرط والجزاء جواب الشرط الأول.
(اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين) صفة كاشفة أو احترازية، لتخرج من اختارت الدنيا، فكانت تلتقط البعرة في طرق المدينة، (وذريته) أي: أولاده وأولاد بناته، (وأهل بيته) تعميم بعد تخصيص، ودخل فيه مواليه، ومن المحكي الغريب ما حكى الخطيب أنه دخل يحيى بن معاذ على علوي ببلخ أو بالريِّ زائرًا له ومسلّمًا عليه، فقال العلوي ليحيى: ما تقول فينا أهل البيت؟ فقال: ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرست فيه شجرة النبوة، وسقي بماء الرسالة، فهل يفوح منه إلا مسك الهدى، وعنبر التقوى؟ فقال العلوي ليحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرًا ومزورًا".
ومن اللطائف لبعض الظرفاء أنه قال له بعض الشرفاء، ممن كان متلطخًا بالمعاصي وأنواع الجفاء: "يجب عليك أن تصلي علينا أهل البيت، فقال: أنا أقول: على أهل بيته الطيبين الطاهرين".
(كما صليت على آل إبراهيم) وفي نسخة: "على إبراهيم" ويؤيده ما في "سلاح المؤمنين"، فالمعنى: صلِّ على كل منهم، كما صليت على
стр. 766
إبراهيم، (إنك حميد مجيد. د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة (١).
(من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي) أي: ثبتت وحلّت، ثم وصف المقعد بالمقرب باعتبار أن كل من كان فيه فهو مقرب عند الله، فهو من قبيل وصف المكان بوصف المتمكن فيه.
فعلى هذا "المقرب" اسم مفعول، ولا يبعد أن يوصف المكان بالقرب مبالغةً، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] بمعنى مؤلَم بفتح اللام، ويجوز أن يكون اسم مكان، أي: مُقْعَدٌ هُوَ مَكَان التَّقْرِيبِ والقرب عنده، ولعله مقتبس من قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
ثم قيل: "هو المقام المحمود"، وقيل: "جلوسه على العرش، أو الكرسي"، وقيل: "لرسول الله ﷺ مقامان:
أحدهما: مقام حلول الشفاعة، والوقوف على يمين الرحمن، حيث يغبطه الأولون والآخرون.
وثانيهما: مقعده في الجنة، ومنزله الذي لا منزل بعده". وهذا المعنى هو الأنسب في هذا المقام، لوجود نظيره من سؤال الوسيلة كما تقدم، والله أعلم.
стр. 767
(ر، ط، طس) أي رواه: البزار، والطبراني في " الكبير"، و" الأوسط" معًا، عن رويفع بن ثابت (١).
(ثم ليتخير) أي: ليختر (من الدعاء) أي: جنسه، ويستثنى منه ما يسأل من الناس، فإنه لو قال في صلاته: أعطني مالًا ونحوه، بطلت صلاته عند علمائنا الحنفية، أو من الدعاء المأثور (أعجبه) أي: أحسنه (إليه) أو أيسره عليه (فيدعو. خ) أي: رواه البخاري عن ابن مسعود (٢).
قال ميرك: "وفي رواية مسلم: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء"، وفيه جواز الدعاء ما شاء دينيًّا ودنيويًّا في الصلاة، سواء شابه ألفاظ القرآن والأدعية، أم لا".
قال الشافعي: "يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة، ما لم يكن إثمًا، قال ابن عمر: "إني لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري، ومِلح بيتي".
وقال [الحنفي] (٣): "يدعو بما شابه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة"، انتهى.
стр. 768
ولا دلالة لأثر ابن عمر على المُدَّعَى، فإن الظاهر منه أنه كان يطلب تيسير الشعير والملح منه تعالى، لا نفسهما على طريق خرق العادة، فهذا لا ينافي ما قاله علماؤنا، من أنه لو قال: "اللهم أعطني شعيرًا أو ملحًا بطلت صلاته"؛ لأنه من جنس كلام الناس.
ومثله مبطل وإن كان بلفظ الذكر، كما إذا قيل له: "جاء فلان" فقال: "الحمد لله"، [أو] (١) "مات فلان"، فقال: "إنا لله"، وأمثال ذلك حيث ينقلب الذكر من موضوعه المعنوي إلن الجواب الإنساني، والخطاب النوعي الحدثاني لقصده الجواب، ونظيره جواز تكلم الجنب والحائض بالآية القرآنية، لا على قصد القراءة.
(وليستعذ) أي: إذا فرغ أحدكم من التشهد، والصلاة على النبي ﷺ ، (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) أي: وما يؤدي إليه، (ومن عذاب القبر) أي: من أنواعه وأسبابه، (ومن فتنة المحيا) أي: الحياة أو زمانها، من الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار على الفساد، (والممات) أي: الموت أو وقته، من حالة النزع ووقت سكرات الموت ومنكراته، أو زمان تحققه من سؤال منكر ونكير، مع الحيرة والخوف، والدهشة والغربة، وضيق القبر والشدة.
(ومن شر فتنة المسيح الدجال) هذا عطف خاص على عام، يدل على عظمة فتنته وقوة بليته، ويمكن أن يكون كناية عن الكفر في حال الحياة
стр. 769
أو الممات؛ لأنها نتيجة فتنته، وزبدة بليته، ولا شك أنها أعظم الفتن وأقوى المحن، [فحقيق] (١) بأن يختم الدعاء به [ليحصل] (٢) حسن الخاتمة بسببه.
ثم المسيح مخففًا يطلق على الدجال، وعلى عيسى ابن مريم ﵉، لكن إذا أريد به الدجال قيد به، وقال أبو داود: "المسيح مشددًا الدجال، ومخففًا عيسى"، والأول هو المشهور، وقيل: "بالتشديد والتخفيف واحد، يقال لكليهما".
واختلف في تلقيب الدجال به، فقيل: "لأنه ممسوح العين؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة"، وقيل: "لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا، لا عين ولا حاجب فيه"، أو: "لأنه ممسوح من كل خيرٍ"، أي: مبعود ومطرود، فعلى هذا هو فعيل بمعنى المفعول.
وقال أبو الهيثم: "إنه المسيح بوزن السكيت، وإنه الذي مسح خلقه"، أي: شوه وليس بشيء، قاله في "النهاية"، وقيل: "هو فعيل بمعنى الفاعل؛ لأنه الذي يمسح الأرض إذا خرج"، أي: يقطعها في أيام معدودة، وقيل: "هو المسيخ بالخاء المعجمة، بمعنى: الممسوخ" (٣).
وأما عيسى ﵇ فسمي بذلك؛ لأنه خرج من بطن أمه وهو ممسوح
стр. 770
بالدهن، وقيل: "لأن زكريا ﵇ مسحه"، أو: "لأنه كان لا يمسح مريضًا إلا [يبرأ] (١) "، أو: كان يمسح الأرض، أي: يقطعها، أو: للبسه المسوح جمع المِسْحِ، وهو البلاس، أو: "لأنه بالعبرانية: شيخًا على ما في "النهاية" - فعرب بالمسيح، أو: "لأن المسيح الصديق".
وقال العسقلاني: "قد تكرر ذكر الدجال في الحديث، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يَدَّعي الإِلهيَّة، وفَعَّال من أبنية المبالغة، أي: يكثر منه الكذب والتدليس، والخلط والتلبيس".
(م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان، عن أبي هريرة (٢).
ثم اعلم أن هذا الحديث وسائر الأحاديث الَاتية، يدل على استحباب التعوذ بين التشهد الأخير والتسليم، وقال بعض رواة هذا الحديث بوجوب هذا الدعاء، لما ورد في حديثه بلفظ "قل"، أو: "فليقل"، والأصل في الأمر الوجوب، وكان أمر ولده أن يعيد صلاته التي صلاها بغير هذا التعوذ.
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) الواو لمطلق الجمع، فلا يراد أنه قبل الموت، أو يراد من عذاب القبر ما يوجبه ويحصل بسببه، (وأعوذ بك من فتنة المحيا
стр. 771
والممات) تعميم بعد تخصيص، على سبيل اللف والنشر الغير المرتب؛ لأن عذاب القبر دخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال دخلت تحت فتنة الحياة.
قال ابن دقيق العيد (١): "فتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات، والمحن والبليات، وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت.
ثم فتنة الموت يجوز أن يراد بها شدة السكرات عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يراد بفتنة الممات فتنة القبر، وقد صح في حديث أسماء: "إنكم تفتنون في قبوركم مثل - أو قريبًا - من فتنة الدجال"، فلا يكون مع ذلك مكررًا مع قوله: "عذاب القبر"، لأن عذاب القبر مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب.
وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، عن سفيان الثوري: "أن الميت إذا سئل في القبر من ربك؟ بدا له الشيطان فيشير إلى نفسه، أي: أنا ربك"، ولهذا ورد السؤال بالتثبيت له حين يسأل، ثم أخرج بسنده إلى عمرو بن مرة، قال: "كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان"، قال ميرك: "وإسناده جيد"، انتهى (٢).
لكن فيه بحث من حيث إنه بعد الموت على الإسلام، هل يتصور
стр. 772
إغواء الشيطان، ويعتبر حينئذٍ إضلاله؟.
هذا، وقال القاضي عياض: "استعاذته ﷺ من الأمور المذكورة التي قد عصم منها، إنما هو ليلتزم خوف الله، والافتقار إليه، وليقتدي به الأمة، وليبين لهم صفة الدعاء في الجملة" (١).
(اللهم إني أعوذ بك من المأثم) مصدر أثم الرجل يأثم، والمراد الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو الإثم نفسه، أوما فيه الإثم، (والمغرم) وهو والغرم والغرامة واحد، والمراد: الدين الذي استدين به فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، وأما الدين المحتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة، وقيل: "المراد [بالمغرم] (٢): ما يلزم الإنسان أداؤه بسبب جناية، أو معاملة، ونحوهما". وبالجملة، الأول: إشارة إلى حق الله، والثاني: إلى حق العباد.
(خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة (٣).
(اللهم اغفر لي ما قدمت) أي: قدمته من الأعمال السيئة، (وما أخرت) أي: من الأعمال السيئة التي تبقى آثارها، أوما أخرت بأن
стр. 773
تركت أفعالها من الأعمال الواجبة، (وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت) أي: على نفسي بارتكاب المعاصي القاصرة أو المظالم المتعدية، وهو تعميم بعد تخصيص] (وما أنت أعلم به مني) تذييل وتتميم، أو إيماء إلى أنه ربما يظن العامل أنه يعمل حسنًا، ويكون في الحقيقة [سوءًا] (١).
(أنت المقدم) أي: من تشاء بالتوفيق والمعونة، (وأنت المؤخر) أي: من تشاء بالخذلان وترك النصرة، (لا إله إلا أنت. م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن علي (٢) ﵁.
(اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) وفي رواية مسلم بالموحدة، قال النووي في "الأذكار": "ضبطناه "ظلمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كبيرًا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقول: ظلمًا كثيرًا كبيرًا".
وأقول: الأظهر أن يقول مرة: "كبيرًا" بالموحدة، و"كثيرًا" بالمثلثة؛ لأنه الملائم للروايتين على قياس القراءتين؛ ولأن الظلم الكبير هو الشرك، وهو ﷺ [مصونٌ] (٣) عنه إجماعًا، وكذا راوي الحديث المتعلم
стр. 774
منه، وهو الصديق الأكبر ﵁، اللهم إلا أن يراد بالكبير واحد الكبائر، ومع هذا يناسب الكثير الداخل فيه الكبير.
قوله: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك) أي: مغفرة كاملة ناشئة من عندك، بلا مدخلية غيرك فيها، وهذا كناية عن نهاية العناية، (وارحمني) أي: بعده المغفرة، بتوفيق الطاعة، والعصمة عن المعصية، (إنك أنت الغفور الرحيم) قال ميرك: "دل تنكير المغفرة على أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصف بكونه "من عندك" على مزيد ذلك التعظيم، لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصف الواصفين، كقوله تعالى: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧].
وهذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم.
(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي بكر الصديق (١) ﵁.
(اللهم إني أسألك، يا ألله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد) سبق مبنًى ومعنًى، (أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور
стр. 775
الرحيم. د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن محجن بن الأدرع الأسلمي: "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا ألله الأحد، … إلى آخره، فقال رسول الله ﷺ : قد غفر له، ثلاثًا" (١).
(اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا) أي: سهلًا، إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا