← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30621

الحرز الثمين للحصن الحصين

الملا على القاري

Полный текст (1 616 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" وهو المسمى بـ"حكم الإسلام"، والعصمة هي المنع والحفظ على ما في "الصحاح". (وأصلح لي دنياي) بفتح الياء من غير همز، أي: أمورها الضرورية (التي جعلت فيها معاشي) (١) أي: سبب عيشي وحياتي إلى وقت مماتي، وسيجيء في بعض الروايات زيادة: "وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي"، أي: مرجعي ومآبي. (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك) (٢) بفتح النون وكسر القاف، وبكسر أوله وسكون ثانيه وهو الأشهر، أي: عقوبتك. ففي "الصحاح" (٣): "انتقم الله منه، أي: عاقبه، والاسم: النَّقِمَةُ، والجمعُ: نَقِمَاتٌ وَنَقِمٌ، مثل: كَلِمَةٌ وَكَلِمَاتٌ وَكَلِمٌ، وإن شئتَ سَكَّنْتَ القَافَ وَنَقَلْتَ حَرَكَتَهَا إلى النُّونِ، فَقُلْتَ: نِقْمَة، والجمع نِقَمٌ، مثل: نِعْمَةٌ وَنِعَمٌ".

стр. 807

وفي "القاموس" (١): "النقمة بالفتح وبالكسر، وكفرحة: المكافأة بالعقوبة"، انتهى. والرواية بالوجهين السابقين. (وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) (٢) وفي "الحاشية": "ولا راد لما قضيت"، مرموزًا عليها برمز ابن حبان، وفي بعض النسخ رمز "طب" للطبراني في "الدعاء"، وهو غير ظاهر؛ إذ لم يذكر بعد في الرموز الآتية. (ولا ينفع ذا الجد منك الجد. س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان، عن صهيب بن سنان الرومي، وقال ميرك: "عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه: أن كعبًا حلف بالذي فلق البحر لموسى: "أنا نجد في التوراة، أن داود نبي الله ﵇ كان إذا انصرف من صلاته، قال: اللهم أصلح لي ديني … " إلى آخره. قال: وحدثني كعب، أن صهيبًا حدثه: "أن محمدًا ﷺ كان يقولهن عند انصرافه من الصلاة"، رواه النسائي -واللفظ له-، وابن حبان في "صحيحه" بمعناه كذا في "سلاح المؤمن"، وأظن أن قوله: "في التوراة"، وَهم من بعض الرواة، والصواب في الزبور، فتأمل". قلت: تأملنا فوجدنا أن قوله: "في التوراة" هو الصواب، وغيره وهم، فإن كعبًا كان يهوديًّا وكتابهم التوراة، وأيضًا يتصور أن يوجد فيها أن داود

стр. 808

كان يقول كذا، ولا يتصور أن يوجد في الزبور الذي نزل على داود أنه كان يفعل كذا. فإن قيل: "التوراة نزلت قبل الزبور"، قلنا: فيكون إخبارًا عن الغيب الذي سيقع في مستقبل الزمان، والله المستعان. (اللهم اغفر) أي: "لي" كما في نسخة (خطئي) بفتحتين وكسر همزة، وفي نسخة بألف فهمز، وهما لغتان مناسبتان لقوله: (وعمدي) (١)، وفي نسخة: "وخطاياي"، أي: بصيغة الجمع للخطيئة، ففي "القاموس" (٢): "الخطء والخطأ والخطاء: ضد الصواب، والخطيئة الذنب أو ما يتعمد منه، كَالخِطْءِ بالكسرة، والخطأ: ما لم يتعمد والجمع خطايا". (اللهم اهدني لصالح الأعمال) أي: الأفعال الظاهرة، (والأخلاق) أي: الأحوال الباطنة، والإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف، فقول الحنفي: "أي: أحسنها وأكملها" ليس في محله، وإن ورد بلفظ: "أحسن الأعمال والأخلاق" في رواية أخرى، (لا يهدي) وفي نسخة: "إنه لا يهدي" (لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت) وفي رواية: "واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت". (ر) أي: رواه البزار عن ابن عمر (٣).

стр. 809

(اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) تقدم مستوفًى. (عو، مس) أي رواه: أبو عوانة، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة (١). (اللهم اغفر لي خطاياي) أي: الصغائر (وذنوبي) أي: الكبائر (كلها) أي: جميع أنواع المعاصي (اللهم انعَشني) بفتح العين، أي: ارفعني (٢)، (وأحيني) أي: حياة طيبة، مقرونة بالقناعة والكفاية، والطاعة والعافية، وفي رواية الطبراني، وابن السني بدل "وأحيني": "واجبرني" بضم الموحدة، بمعنى: أصلح شأني، (وارزقني) أي: حلالًا طيبًا، أو علمًا نافعًا، (واهدني لصالح الأعمال والأخلاق؛ إنه) بالكسر، ويجوز فتحه (لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت. مس، ط، ي) أي: رواه الحاكم عن أبي أيوب الأنصاري (٣)، والطبراني وابن السني؛ كلاهما عن أبي أمامة الباهلي (٤).

стр. 810

(اللهم أصلح لي ديني) أي: فإنه مدار أمري، (ووسع لي) أي: معيشتي (في داري) أي: في مسكني ومأواي، (وبارك لي في رزقي) ليكون كفاية، ويوجب قناعة، ويقتضي طاعة وعبادة. (أ، ط، ص) أي رواه: أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، عن أبي موسى (١). (سبحان ربك) الخطاب للنبي ﷺ ، أو المراد به الخطاب العام، (رب العزة) بدل، أو صفة لـ"ربك"، وأضيف إلى العزة لاختصاصه بها، كأنه قيل: "ذي العزة"، بل ولا من عزة لأحد إلا وهومالكها وخالقها، والمعنى: أنه سبحانه لعزته وغلبته منزه (عما يصفون) أي: يذكرون له من الولد والصاحبة والشريك، وينعتونه بما لا يليق بذاته وصفاته، من الملاحدة والزنادقة، وكلمة "ما" مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة، والرابطة في الصلة أو الصفة محذوفة، (وسلام) أي: عظيم (على المرسلين) أي: بالأصالة، وعلى أتباعهم بالتبعية، (والحمد لله رب العالمين) أي: على جميع النعماء. (ص، ي) أي رواه: أبو يعلى، وابن السني، عن أبي سعيد الخدري

стр. 811

مرفوعًا (١)، ولفظ أبي يعلى: "من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك … إلى آخره؛ فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر"، وإسناده ضعيف، ولفظ ابن السني: "أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من صلاته، لا أدري قبل أن يسلم أو بعد أن يسلم، يقول: سبحان ربك … " إلى آخره. (وكان النبي ﷺ إذا صلى وفرغ من صلاته، مسح بيمينه على رأسه) أي: مقدّم رأسه، (وقال: باسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) برفعهما على البدلية من "هو"، وفي نسخة بجرهما على الوصفية لله، أو للموصول. (اللهم أذهب) أمر من الإذهاب، أي: أزل (عني الهم) أي: الغم الذي يذيب البدن، (والحزن) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحتين، وقرئ بهما في القرآن، وهو تعميم بعد تخصيص. أو الهم: ما يلحقه من لحوق الخوف، والحزن لما يصيبه من خوف الفوت، فكأنه قال: اللهم اجعلني من الذين لا خوف عليهم، أي: من لحوق العقاب، ولا هم يحزنون، أي: من فوات الثواب.

стр. 812

وقد أخبر الله سبحانه عن لسان أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، وإلا فما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. (ر، طس، ي) أي رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، وابن السني، عن أنس، قال ميرك: "وإسناده ضعيف"، ولفظ ابن السني: "إذا قضى صلاته مسح جبهته بيده، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، أذهب عني … " إلى آخره (١). (ودبر صلاة الصبح، وهو) أي: المصلي (ثانٍ رِجْليه) أي: عاطفٍ رجليه في التشهد قبل أن ينهض، وسيأتي في حديث آخر: "قبل أن يَثني رجليه، قال"، وهذا ضد الأول في اللفظ، ومثله في المعنى، لأنه أراد قبل أن يصرف رجله عن حالته التي هي عليها في التشهد، كذا في "النهاية"،

стр. 813

وقال الطيبي: "الواو للحال، أي: لم يعطفهما، ولم يغيرهما عن هيئة التشهد". (ت، س، طس، ي) أي رواه: الترمذي والنسائي عن أبي ذر (١)، والطبراني في "الأوسط" وابن السني عن أبي أمامة (٢). (قبل أن يتكلم. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي ذر أيضًا. (لا إلى إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت) وزاد النسائي والطبراني في "الأوسط": (بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي ذر أيضًا. (مئة مرة. طس، ي) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن السني، عن أبي أمامة، وقال النو وي في "الأذكار": "روينا في "كتاب الترمذي" وغيره عن أبي ذر الغفاري، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في دبر صلاة الصبح، وهو ثَانٍ رِجْليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب له

стр. 814

عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجاتٍ، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، ووسواس من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه"، أي: يلحقه ويهلكه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى، قال الترمذي: "حسن"، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح"". قال ميرك: "ورواه النسائي، وزاد فيه: "بيده الخير" بعد قوله: "يحيي ويميت"، وزاد فيه أيضًا: "وكان له بكل واحدة قالها عتق رقبة"، ورواه أيضًا من حديث معاذ، وزاد فيه: "ومن قالهن حين ينصرف من صلاة العصر أعطي مثل ذلك في ليلته". ورواه أحمد من حديث عبد الرحمن بن غنم، وفي رواية تقديم قوله: "بيده الخير" على قوله: "يحي ويميت"، وفيه: "ولا يحل لذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملًا إلا رجلًا يقول أفضل مما قال"". (اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا) أي: حلالًا، ملائمًا للقوة، معينًا على الطاعة، [مقيمًا] (١) للعبادة، وقدم على ما بعده؛ لأنه أساس لهما، ولا يعتد بهما دونه، كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، (وعلمًا نافعًا) أي: شرعيًّا أعمل به (وعملًا متقبلًا) بفتح الموحدة، أي: مقبولًا، بأن يكون مقرونًا بالإخلاص. (صط، ي) أي

стр. 815

رواه: الطبراني في "الصغير"، وابن السني؛ كلاهما عن أم سلمة (١). وفي "الأذكار": "رواه أحمد، وابن ماجه، وابن السني، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا". (ودبر المغرب والصبح جميعًا: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد) زاد الترمذي: "يحيي ويميت"، وزاد أحمد، والطبراني: "بيده الخير"، (وهو على كل شيء قدير، عشر مرات. س، حب، أ، ط) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وأحمد، والطبراني؛ كلهم عن أبي أيوب الأنصاري (٢)، وأحمد عن عبد الرحمن بن غنم أيضًا، والطبراني عن معاذ أيضًا (٣). (قبل أن ينصرف وَيَثْنِي) بفتح فسكون فكسر (رِجْليه) وهو عطف تفسير وسبق معناه، وقيل: "حال بتقدير المبتدإ"، وقوله: (منهما) على ما في بعض النسخ المصححة: متعلق بـ"ينصرف"، أي: قبل أن ينصرف

стр. 816

من المغرب والصبح، وفي نسخة: "منها"، أي: من الصلاة. (أ) أي رواه: أحمد عن عبد الرحمن بن غنم. (وبعد صلاتي الصبح والمغرب) وفي نسخة: " [بعد] (١) صلاة الصبح والمغرب"، أي: بعد كل منهما (أيضًا) أي: زيادة على ما سبق، (قبل أن يتكلم: اللهم أَجِرْنِي) من الإِجَارَةِ، أي: احفظني (من النار، سبع مرات. د، س، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، عن مسلم بن الحارث، ويقال: الحارث بن مسلم التميمي، والأول أصح (٢).

стр. 817

(وبعد صلاة الضحى: اللهم بك) أي: بحولك وقوتك، وعونك

стр. 818

ونصرتك (أحاول) أي: أعالج أموري، وقال البيهقي: "أي: أطالب"، (وبك أصاول) أي: أدافع، وقال المؤلف: "أي: أسطو وأقهر" (١)، (وبك أقاتل) أي: أخاصم وأجاهد. (ي) أي: رواه ابن السني عن صهيب.

стр. 819

ما يتعلق بالأكل والشرب (وإذا دُعِي إلى طعامٍ فليجب) أمر من الإجابة، [وجوبًا أو ندبًا] (١). (م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة (٢). (ولا سيما وليمة العرس) وهي الطعام الذي يصنع عند العرس، وهو ضيافة الزوجة عند عقدها أو زفافها، مأخوذ من الوَلْمِ وَهُوَ الجَمْعُ وزنًا ومعنًى، وسمي وليمة لاجتماع الزوجين. ثم "سيّ" بمعنى: مثل، يقال هما: سيان، أي: مثلان، و"ما" زائدة، أو موصولة، أو موصوفة، هذا أصله، ثم استعمل بمعنى التخصيص، وقد يحذف لفظ "لا"، لكنه مراد، وما بعده مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف، والجملة صلة "ما" أو صفته، وفي نسخة بالجر على أنه مضاف إليه لـ"سيّ"، بناء على زيادة "ما". وفي "أصل الأصيل" بالنصب، ولعل وجهه أن يقال: "لا أُمَثل وليمة العرس بشيء من أنواع الدعوة".

стр. 820

(د، ق، عو) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو عوانة، عن ابن عمر. (فإن كان) أي: المدعو المجيب (صائمًا صلى) أي: في بيتهم، ليحصل لهم البركة والخير من قدومه [وعيادته] (١) إذا كان من أهل العلم والصلاح، أو دعا لهم بالخير، وقال المؤلف: "أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة" (٢). (م، د، ق، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، عن ابن عمر (٣)، وفي بعض النسخ المصححة رمز الترمذي بدل ابن ماجه. (ودعا، وبرّك) بتشديد الراء، أي: دعا بالبركة، فهو تخصيص بعد تعميم، وَظَاهِرُ عَطْفِ "دَعَا" على "صَلَّى" يَفِيدُ المعنى الذي ذكرناه سابقًا. (د، ق، عو) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو عوانة، قال ميرك: "وإنما ذهب المصنف -قدس سره- إلى المعنى الذي ذكره، لما في رواية مسلم، وأبي داود، والترمذي، قال هشام بن حسان -يعني: أحد رواة الحديث-: "الصلاة بمعنى الدعاء"، وعند النسائي من حديث ابن مسعود: "وإن كان صائمًا دعا بالبركة" (٤).

стр. 821

فقوله: "ودعا، وبرك" الظاهر: ترك الواو في الجملة الأولى؛ لأن الحديث في الكتب الثلاثة بلفظ: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرسٍ فليجب، فإن كان صائمًا دعا وبرك، وإن كان مفطرًا أكل"، فكأن قوله: "دعا" في هذه الرواية بدل قوله ﷺ في الرواية السابقة: "صلى"، لا أن يكون معطوفًا عليه، خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ المصنف قدس سره. وعن أنس بن مالك: "أنه ﷺ دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: ردوا سمنكم إلى سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائمٌ"، وفيه: "فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل البيت". (وإذا أفطر قال: ذهب الظمأ) بفتحتين فهمز، أي: العطش أو شدته، وقيل: [يمد ويقصر] (١)، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، (وابتلت) أي: صارت رطبة (العروق) أي: عروق الجوف، (وثبت الأجر) أي: على قدر التعب والنصب، في الصبر عن الأكل والشرب، وتحمل الجوع والعطش لله سبحانه، (إن شاء الله) أي: إن تعلق بقبوله مشيئة الله وإرادته. (م، د، س، مس) أي رواه: مسلم -على ما في بعض النسخ- وأبو داود، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر (٢).

стр. 822

(اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي. مو مس ق ي) أي رواه: الحاكم، وابن ماجه، وابن السني؛ كلهم عن ابن عمر موقوفًا (١). (فإن أفطر عند قوم قال: أفطر عندكم الصائمون) الجملة خبريةٌ مبنًى ودعائيةٌ معنًى، وكذا قوله: (وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة) أي: دعت لكم بالبركة والخير. (ق، حب، د) أي رواه: ابن ماجه، وابن حبان؛ كلاهما عن عبد الله بن الزبير (٢)، وأبو داود عن أنس، وأخرجه ابن السني عنه أيضًا (٣)، لكن ما ذكره المؤلف.

стр. 823

قال ميرك: "عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزبيب فأكل، ثم قال النبي ﷺ : أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة"، هكذا رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. ورواه ابن السني عن أنس، قال: "كان النبي ﷺ إذا أفطر عند قوم دعا لهم، فقال: أفطر عندكم … " إلى آخره، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير، قال: "أفطر رسول الله ﷺ عند اسعد بن معاذٍ، فقال: أفطر عندكم … " إلى آخره، ورواه ابن حبان في "صحيحه" وعنده سعد بن عبادة بدل سعد بن معاذ، والله أعلم بالصواب" (١). قلت: ويمكن الجمع بتعدد القضية. (وإذا حضر الطعامُ فليسم الله) لا خلاف في أن التسمية [في بدأ] (٢) حال الأكل سنة مؤكدة، (وليأكل مما يليه) أي: يقربه، (بيمينه) الجمهور على أن الأكل باليمين سنة مؤكدة، والأمر الوارد فيه للندب، وقيل: للوجوب، ويؤيده مواظبته ﷺ ، وأما الأكل مما يليه فمحله إذا كان

стр. 824

الطعام نوعًا واحدًا، وأما إذا كان أنواعًا مختلفةً كالفواكه وغيرها، فيجوز من أي موضع شاء الأكل، يدل على ذلك الأحاديث القولية والفعلية. (خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم عن عمر بن أبي سلمة (١)، ربيب النبي ﷺ ، وأمه أم سلمة، ولفظه في "الشمائل": "سمِّ الله، وكل بيمينك مما يليك". (إن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه) بصيغة المجهول، قال المصنف: "أي: يجعله حلالًا، فيشارك صاحبه فيه" (٢)، وقال ميرك: "معناه: أنه يتمكن من أكل الطعام، وهو محمول على ظاهره بأن أكل الشيطان حقيقةٌ؛ إذ العقل لا يحيله، والشرع لا ينكره، بل أُثبت؛ فوجب قبوله". وقال النووي: "يصرف قوته فيما لا يرضاه الله تعالى، أي: لا يكون ممنوعًا من التصرف فيه إلا أن يذكر اسم الله عليه"، قال البيضاوي: "وكأن ترك التسمية إذنٌ من الله للشيطان من تناوله، كما أن التسمية منع له عنه" نقله الطيبي. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن حذيفة بن اليمان.

стр. 825

(قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل) أي: كثيرًا، (ولا نشبع؟ قال: فلعلكم تأكلون متفرقين) حال (قالوا: نَعَم) بفتح العين، ويجوز كسرها، وبه قرأ الكسائي حيث جاء في القرآن، (قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله) أي: عليه، وهذا تنبيهٌ للأمر الأهم (يبارك لكم فيه) بصيغة المجهول، فأحد الجارّين نائب الفاعل، وفي نسخة بصيغة المعلوم، فالفاعل هو الله حقيقة، أو اسمه مجازًا، وهو أبلغ. (د، ق، س) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، عن وحشي بن حرب (١). (وأمر الصحابة في الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية: أن اذكروا اسم الله) بكسر نون "أن" المصدرية أو المفسرة، أو ضمها وصلًا، (وكلوا، فأكلوا) أي: بعد ما سَمَّوا (فلم يُصِبْ أحدًا منهم شيءٌ) أي: من ضرر السم الذي كان في الشاة. (مس) أي: رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: "صحيح الإسناد" (٢) على ما نقله صاحب "السلاح"،

стр. 826

قال ميرك: "ولي فيه تأمل؛ إذ المشهور بين أصحاب الحديث وأرباب السير والتواريخ أنه لم يأكل من تلك الشاة المسمومة أحد من الصحابة إلا بِشْرُ بنُ البراءِ بنِ مَعْرُورٍ، أكل منها لقمة ومات، وأمر النبي ﷺ بإحراق تلك الشاة، أو دفنها تحت التراب (١). واختلفوا في أنه ﷺ أمر بقتل اليهودية أو عفا عنها، والأصح أنه قتلها لأجل قصاص بشر بن البراء، وعفا عنها لأجله ﷺ ، يعني: قبل القصاص، فإنها استدلت بها أنه نبي، فأسلمت"، قال: "وأظن أن في هذه الرواية وهمًا شديدًا، ونكارة ظاهرة". قلت: من وجوه كثيرةٍ: منها: أنه أمرهم بالأكل منها مع العلم بها. ومنها: أن القوم أكلوا منها جميعًا. ومنها: عدم الضرر، وقد تضرر به ﷺ ، حتى مات شهيدًا بألمها المعاود له كل سنة، حتى لقي الله تعالى. ومنها: مخالفته لما رواه سائر الحفاظ، فقد رواه أبو داود، والدارمي، عن جابر: "أن يهوديةً من أهل خيبر سمّت شاة مصليّة، أي: مشويّة، ثم أهدتها لرسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ الذراع، فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله ﷺ : ارفعوا أيديكم، وأرسل إلى اليهودية فدعاها، فقال: سممت هذه الشاة؟ فقالت: من أخبرك؟ فقال:

стр. 827

أخبرتني هذه في يدي -للذراع- قالت: نعم، قلت: إن كان نبيًّا فلن تضره، وإن لم يكن نبيًّا فاسترحنا منه، فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقَرن والشفرة". وهو مولًى لبني بياضة من الأنصار، فقوله: "فعفى عنها" أي: أولًا، ثم لما مات من أكل معه من الصحابة أمر بقتلها، فقتلت. (وفي حديث مَسِيرِهِ ﷺ ) أي: ذَهابه (وأبي بكر وعمر إلى بيت أبي الهيثم) بفتح فسكون ففتح، وهومالك بن التيهان الأنصاري، والقضية مذكورة في "الشمائل" مبسوطةٌ، (وأكلهم الرطب واللحم) [يقرأ] (١) بالوجوه الثلاثة المشهورة، وكذا في قوله: (وشربهم الماء) مع التثليث في الشين، والضم أشهر، ثم الفتح، (قوله ﷺ ) مبتدأ مؤخر، خبره "في مسيره"، والمقول: (إن هذا) أي: ما ذكر من أكل الرطب واللحم، وشرب الماء العذب (هو النعيم، الذي تسألون عنه يوم القيامة) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. (فلما كبُر) بضم الموحدة، أي: صعب وشق وعظم (على أصحابه) أي: من أبي بكر وعمر وأبي هريرة الراوي، (قال: إذا أصبتم) أي: صادفتم ووجدتم (مثل هذا) أي: مما ذكر من النعم، والنعيم بمعنى:

стр. 828

النعمة على ما في "المهذب"، ويمكن أن [يقال] (١): التقدير: إذا أردتم إصابة مثل هذا، (وضربتم بأيديكم) أي: شرعتم في تناوله وأخذه، (فقولوا: باسم الله، وعلى بركة الله، فإذا شبعتم، فقولوا: الحمد لله الذي هو) أي: لا غيره، (أشبعنا) أي: من الطعام، (وأروانا) أي: من الشراب، والمعنى: أزال عنا الجوع والعطش. وفي قوله: "هو" إشارة إلى أن كلًّا من الأكل والشرب إنما هو سبب للشبع ودفع العطش، وإلا فالمشبع والمُرْوِي هو الله، وتفسير الحنفي "أروانا" بـ"سقانا" في غير محله، بل كان حقه أن يقول: أطعمنا حتى أشبعنا، وسقانا حتى أروانا. (وأنعم علينا) أي: بسائر النعم الظاهرة والباطنة (وأفضل) أي: أكمل النعمة وأتمها (فإن هذا) أي: القول (كفاف هذا) أي: النعيم، قال المؤلف: "بفتح الكاف، أي: يوازيه سواء بسواء، ومنه قول عمر ﵁: وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا فلا علي ولا لي" (٢)، انتهى. وفي "النهاية": "الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، وهو -يعني: في قول عمر- نُصِبَ على الحال"، أي: من

стр. 829

الفاعل والمفعول، وقيل: "أراد به مكفوفًا عن شرها"، وقيل: "معناه: أن لا تنال مني، ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها". (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة (١). (وإن نسي التسمية أول الطعام) أي: في أول أكله (فليقل) أي: بعد التذكر في أثنائه، وقيل: "ولو بعده؛ ليعود بركة الطعام ونفعه إليه"، (باسم الله أوَّله وآخره) بنصبهما على الظرفية، أي: في أوله وآخره، والمراد: استيفاء جميع أجزائه. وقال الطيبي: "أي: آكل أوله وآخره مستعينًا بالله، فيكون المجرور حالًا [من] (٢) فاعل الفعل المقدر، وفيه أن أكله أوله ليس في زمان الاستعانة باسم الله؛ لأنه في وقت أكل أوله لم يكن مستعينًا به. اللهم إلا أن يقال: إنه في وقت أكله أولًا مستعين به أيضًا حكمًا؛ لأن حال المؤمن وشأنه هو الاستعانة به سبحانه في جميع أحواله، وإن لم يَجْرِ

стр. 830

اسم الله على لسانه لنسيانه، إذ هو معفو عنه، والله أعلم". ثم الفرق بين الطعام والوضوء، حيث إن المتوضئ إذا نسي التسمية في أوله لا يتداركه = هو أن الوضوء فِعْلٌ وَاحِدٌ [بِغَسْلِ] (١) أَعْضَائِهِ جَمِيعًا، بخلاف الطعام فَإِنَّ أَكْلَ كُلِّ لُقْمَةٍ فِعْلٌ على حِدَةٍ، ولذا أكابر العلماء يسمون في كل لقمة، ولعل الشارع اكتفى بأوله دفعًا للحرج عن آكله، ومع هذا فضلاء الصوفية يسمون أيضًا في غسل كل عضو من أعضاء الوضوء. (د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة (٢). (وإن أكل مع مجذوم) أي: الذي به جذام، وهو تشقق الجلد، وتقطع اللحم، وتساقط الشعر، والفعل منه جُذِمَ، كذا في "الْمُغْرِب"، (أو ذي عاهة) أي: علة من سائر العلل المعدية (قال: باسم الله، ثقةً) أي: أثق ثقةً، أي: اعتمادًا (بالله) فنصبه على المفعول المطلق، وكذا قوله: (وتوكلًا عليه. ت، د، ق، حب، مس، ي) أي رواه: الترمذي، وأبو داود،

стр. 831

وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، عن جابر. لكن لفظ الحديث على ما في "الأذكار": "هكذا روينا في "سنن أبي داود"، والترمذي، وابن ماجه (١)، عن جابر: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم، فوضعها معه في القصعة، وقال: [كُلْه] (٢) ثِقَةً بِالله"، انتهى. وهو كذلك في "المشكاة"، فعن بعضهم: "هو منصوب على الحال، وصاحبها محذوف، أي: كل معي واثقًا بالله تعالى"، ويحتمل أن يكون من كلام الراوي حال من فاعل "قال"، وأن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: كل، ثم استأنف، أي: أثق ثقةً بالله" ذكره الطيبي. وقال ميرك: "الاحتمال الأول ضعيف جدًّا"، أقول: الاحتمال الأول هو القوي، نَعَم، لو قدر: آكل معك ثقةً بالله، لكان أقوى ظهورًا. والحاصل: أن الآكل مع المجذوم يحتاج إلى حال الاعتماد والتوكل على الله دون المجذوم، على ما يتوهم من التقدير الأول. ثم التقدير إنما يحتاج في عبارة "الحصن" دون ما ورد في "المشكاة"، و"الأذكار"، فإن لفظ "كُلْ" موجود، اللهم إلا أن يقال: "معي" مقدر، و"ثقة" حال من المفعول.

стр. 832

وأما الاحتمال الثاني فبعيد جدًّا؛ لأنه يلزم منه أن لا يكون قوله: "ثقة بالله، وتوكلًا عليه" من كلامه ﷺ ، وليس كذلك. وأما الاحتمال الثالث [فَمُتَكَلَّفٌ] (١) مستغنًى عنه بما ذكرناه سابقًا، ولأن [الظاهر] (٢) أنه حال، أي: [آكله] (٣) بِاسم الله، أي: حال كوني واثقًا بالله ومتوكلًا عليه، على أن كُلًّا من المصدرين بمعنى اسم الفاعل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، أي: راغبين وراهبين. بقي الجمع بينه وبين ما ورد عنه ﷺ : "فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وهو أن يقال: الأكل معه من باب التوكل، كما يشير إليه الحديث، والفرار منه جواز ورخصة. (فإذا فرغ من الأكل والشرب) وكذا إذا فرغ من أحدهما (قال: الحمد لله حمدًا) منصوب بالحمد المذكور إما باعتبار ذاته، أو باعتبار تضمنه معنى الفعل، أو بفعل مقدر يدل عليه الحمد المذكور. وفي رواية النسائي بدل قوله: "الحمد لله حمدًا" "اللهم لك الحمد حمدًا"، وهو كذا في "نسخة الشيخ"، وفي "أصل الأصيل". ثم قوله: (كثيرًا) صفة "حمدًا" أي: حمدًا كثيرًا من حامد واحد، أو من حامدين كثيرين، وكذا قوله: (طيبًا) أي: خالصًا من الرياء والسمعة، أو

стр. 833

عاريًا عن [الأعراض] (١) الفاسدة، أو خاليًا في بيان أسمائه ونعوته من أوصاف الملاحدة. (مباركًا فيه) أي: في الحمد، وهو مفعول أقيم مقام فاعل "مباركًا"، أي: ما وقع فيه البركة، والزيادة والثبات، والنمو والدوام، والمعنى: حمدًا ذا بركةٍ دائمًا لا ينقطع؛ لأن نعمة الله لا تنقطع عنا، فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضًا، ولو نيةً واعتقادًا. (غير مَكْفِي) بالنصب، وفي نسخة صحيحة بالرفع وسيأتي وجهها، قال المؤلف: "بفتح الميم وإسكان الكاف وتشديد الياء، قال الخطابي: "معناه: أنه هو المطعم الكافي، وهو غير مطعم ولا مكفي" (٢)، أقول: فهو من الكفاية على ما اختاره صاحب "الأذكار"، ويكون الضمير لله. ففي "الأذكار": "مكفي: بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز، وهو فاسد من حيث العربية، سواء كان من الكفاية أو من كفأت الإناء، كما لا يقال في المقروء: مقرئ، ولا في المرمي: مرمئ بالهمز"، انتهى. فما نقله الحنفي عن الطيبي من: "أن معناه: غير مردود ومقلوب من كفأت الإناء، والضمير للطعام الذي يدل عليه سياق الكلام" مردودٌ عليه، لما سبق الإشارة إليه.

стр. 834

(ولا مُودَّع) بفتح الدال المشددة، وقال المؤلف: "بضم الميم وفتح الواو وتشديد الدال، أي: غير متروك الطلب إليه، والرغبة فيما عنده، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، أي: ما تركك" (١)، انتهى. وقال العسقلاني [في] (٢): "غير مودع: بفتح الدال، أي: غير متروك، ويحتمل كسرها على أنه حال من القائل، أي: غير تارك"، انتهى. وفيه أنه يلزم منه تفكيك الضمير مع عدم ملائمته لما قبله وما بعده، حيث وقع كل منهما بصيغة المفعول. (ولا مستغنًى عنه) قال المصنف: "أي: غير مطروح ولا معرض عنه، بل يحتاج إليه ولا [يستغنى] (٣) عنه" (٤)، (ربنا) روي بالرفع والنصب والجر، فالرفع على تقدير: هو ربنا، أو: أنت ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا، أو على أنه مبتدأ، وخبره "غير" بالرفع تقدم عليه، والنصب على أنه منادًى حذف [منه] (٥) حرف النداء، والجر على البدل من ضمير "الله"، هذا مجمل الكلام في مقام المرام. وتفصيله ما ذكره ميرك شاه ﵀ بقوله: "واعلم أن ضمير اسم

стр. 835

المفعول في الجمل الثلاثة لا يخلو: إما أن يكون راجعًا إلى الله تعالى، أو إلى الحمد، أو إلى الطعام الذي يدل عليه السياق. فعلى الأول: يجوز أن يقرأ "غير" منصوبًا بإضمار "أعني"، أو على أنه حال، أي: الله سبحانه غير مكفي رِزق عباده؛ لأنه لا يكفيه أحد غيره، وقيل: "أي غير محتاج إلى أحد، لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم"، "ولا مودع"، أي: غير متروكٍ الطلبُ منه، والرغبةُ فيما عنده، ولا مستغنًى عنه؛ لأنه في جميع الأمور وهو المرجع والمستعان والمدعو، ويجوز أن يقرأ مرفوعًا، أي: هو غير مكفي … إلى آخره. وعلى الثاني: معناه أن هذا الحمد غير مأتي به كما هو حقّه، لقصور القدرة، ومع هذا فـ"غير مودع" أي: غير متروك، بل الاشتغال به دائم من غير انقطاع، كما أن نعمه سبحانه لا تنقطع عنا طرفة عين، "ولا مستغنًى عنه" لأن الإتيان به ضروري دائمًا، ورفع "غير" ونصبه بحالهما. وعلى الثالث: معناه أنه "غير مكفي" من عندنا، بل هو الكافي والرازق، أو غير مردود إليه؛ لأن الاحتياج إليه قد بلغ الغاية، "ولا مودع" أي: غير متروك؛ لأن الحاجة إليه دائمةٌ، "ولا مستغنًى عنه" جملة مؤكدة للجملة السابقة، والنصب والرفع في "غير" بحالهما أيضًا. (خ، عه) أي رواه: البخاري، والأربعة؛ كلهم عن أبي أمامة (١).

стр. 836

(الحمد لله الذي كفانا) أي: جميع مهماتنا، ومنها الإطعام، (وأروانا) خص تنبيهًا على عظمة تلك النعمة، أو لكونه مسلتزمًا للأكل غالبًا، وفي نسخة: "وآوانا" أي: أعطى مأوًى لنا، والظاهر أنه تصحيف، (غير مكفي) بالنصب ويجوز رفعه، ولا يبعد جعله مجرورًا بدلًا من الجلالة، أو الموصول (ولا مكفورٍ) قال المؤلف: "يريد [كفر] (١) النعمة التي أنعم الله تعالى، يعني: الاعتراف بها" (٢). (خ) أي رواه: البخاري عن أبي أمامة أيضًا (٣). (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وجعلنا من المسلمين) وهذا من أتم النعم؛ لأن سائرها يشمل الأنعام وكفار الأمم. (عه، ي) أي رواه: الأربعة، وابن السني، عن أبي سعيد الخدري (٤).

стр. 837

(الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه) بتشديد الواو، أي: سهل كلًّا من دخول اللقمة، ونزول الشربة في الحلق، (وجعل له) أي: لما ذكر (مخرجًا) أي: خروجًا، أو مكان خروجٍ، أو زمانه. (د، س، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، عن أبي أيوب الأنصاري (١). (الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه، من غير حولٍ مني ولا قوة. د، ت، ق، مس، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن السني، عن معاذ بن أنس، ولفظه: "من قال ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢). (وإذا أكل الطعام) أي: جنسه (فليقل: اللهم بارك) أي: أوقع البركة (لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه. د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي،

стр. 838

وابن ماجه؛ كلهم عن ابن عباس (١). (فإن كان) أي: الطعام (لَبَنًا)، وفيه دليل على أنه يطلق على المائعات أيضًا، (فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه) قال المؤلف: "يدل على أن اللبن خير الأطعمة وأفضلها" (٢). قلت: وسببه ما رواه الترمذي في "الشمائل" عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غيرُ اللبن". وقوله: "يجزئ" من الإجزاء بمعنى الكفاية، ومعنى الحديث: ليس شيء يقوم مقام الطعام والشراب غير اللبن. ثم الظاهر أن المراد لبن البقر والغنم والإبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فلا يدخل فيه لبن الرمكة، وهي الأنثى من

стр. 839

الخيل؛ فإن كثيره مما يُسكر على ما صرّح به بعض فقهائنا، فيكون قليلُه أيضًا حرامًا عند الشافعية؛ لظاهر حديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، والله أعلم. (د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس أيضًا، قال ميرك: "هو وما قبله حديثٌ واحدٌ، فالأولى الاكتفاء بأحد الأرقام"، قلت: [المتعين] (١) هو آخر الرموز؛ ليشمل السابق واللاحق. (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة) بفتح الهمزة، أي: المرة من الأكل حتى يشبع، ويروى بضم الهمزة وهي اللقمة، فهي أبلغ في بيان اهتمام أداء الحمد، لكن الأول أوفقُ مع قوله: "الشربة"، ثم نصبها على [أنها] (٢) مفعول مطلق، (فيحمده) بالنصب عطفًا على "يأكل"، وفي نسخة بالرفع، أي: فهو يحمد الله (عليها) أي: على تلك الأكلة، (أو يشرب الشربة) بالفتح لا غير، أي: مرة من الشرب (فيحمده عليها. م، ت، س، ي) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن السني؛ كلهم عن أنس (٣). (وإذا غسل يده) وفي نسخة: "يديه"، ذكره ميرك (الحمد لله الذي

стр. 840

يُطْعِمُ) بصيغة المعلوم، (ولا يُطْعَمُ) علي بناء المجهول من الإطعام، أي: يَرزق ولا يُرزق، وفي نسخة: "ولا يَطْعَمُ" بفتح الياء والعين، أي: لا يأكل. وتخصيص الطعام بالنفي لشدة الحاجة إليه؛ إذ لا أحد إلا يحتاج إليه، وهو غير محتاج إليه، وليس المعنى على خصوص الطعم، بل لمطلق النفع، فعبّر عن كل شيء بمعظمه. (مَنَّ) بتشديد النون، أي: أنعم (علينا فهدانا) أي: إلى أمور ديننا ودنيانا، (وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء) أي: إنعام (حسن أبلانا) أي: أنعمنا، فقوله "كلَّ بلاء" منصوب على أنه مفعول مطلق مقدم على الفعل، وأقيم "بلاء" مقام "إبلاء"، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]. قال المصنف: "الإبلاء: الإحسان والإنعام، قال القتيبي: "يقال من الخير: أبليته [أبليه إبلاء] (١)، ومن الشر بلوته أبلوه بلاء"" (٢)، انتهى. وفي "النهاية" بعد ذكر كلام القتيبي: "والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معًا، من غير فرق بين فعليهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] "، انتهى. (٣)

стр. 841

والتحقيق مع القتيبي؛ لأن كلامه في الفرق بينهما، لا أنه لا يستعمل كل في غيره تغليبًا أو مقيدًا، أو نظيره الفرق المشهور بين وعد وأوعد، حيث يستعمل الأول في الخير، والثاني في الشر عند الإطلاق، وقد يستعمل كل بخلاف الآخر بقرينة صارفة، كقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] وفي الحديث: "وأما لمة الملك فإيعاد بالخير" (١). (الحمد لله غير مودع) بتشديد الدال وبنصب "غير"، وجوز الرفع والجر، (ولا مكافًى) بفتح الفاء منونًا، وفي نسخة صحيحة بهمز بعد الفاء، وقال ميرك نقلًا عن الشيخ: "إنه بالهمز، هكذا ثبتت الرواية في هذا الحديث، ومعناه: أن نعم الله لا تكافأ"، انتهى. وقال الجوهري (٢) في المهموز: "كل شيء ساوى شيئًا حتى يكون مثله، فهو مكافئ له"، وفي الناقص: "كافيته: من المكافأة، فهو اسم مفعول هنا، إما مهموز، أو ناقص"، وفي "التاج": "من المهموز، وأصل المكافأة المقاومة والموازنة".

стр. 842

(ولا مكفور، ولا مستغنًى عنه، الحمد لله الذي أطعم) أي: أعطى كثيرًا (من الطعام)، أي: من أجناسه وأنواعه، (وسقى) أي: كثيرًا (من الشراب)، أي: من أنواعه من الماء واللبن وغيرهما، وقيل: "كلمة "من" زائدة في الموضعين لإفادة التعميم"، (وكسى من العري) بضم فسكون، أي: من أجله كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤]، وكذا قوله: (وهدى من الضلالة، وبصّر) بتشديد الصاد، أي: أعطى البصر والبصيرة (من العمى) أي: من جهة العمى، والعمه. والحاصل: أن "من" في المواضع الثلاثة للابتداء، والمعنى: أن كلًّا من الكسوة، والهدى، والتبصير مبتدأ عن ضده، وهو العري، والضلالة، والعمى. وخلاصته: أن كل أحد من البشر لو لم يكن عناية الله متعلقة به وخلي وطبعه على حاله، لم يكن إلا في عري وضلالة وعمًى، كما يدل عليه قوله ﷺ (١): "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم جائع إلا من أطعمته، وكلكم عارٍ إلا من كسوته". (وفضّل) أي: [فضلنا] (٢) (على كثير ممن خلقنا تفضيلًا)، وفيه إشعار بأن التقدير فيما سبق أيضًا: أطعمنا، وسقانا، وكسانا، وهدانا، وبصرنا، (الحمد لله رب العالمين. س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن

стр. 843

حبان، والحاكم، عن أبي هريرة. (١) (اللهم أشبعت) أي: من الطعام، (وأرويت) أي: من الشرب، (فهنئنا) بتشديد النون المكسورة، أي: فاجعلنا مهنئين، أو فاجعل كلًّا منهما هنيئًا لنا، على الحذف والإيصال، (ورزقتنا) (٢) أي: من سائر النعم. (فأكثرت) أي: عطاءنا، (وأطبت) أي: أرزاقنا وأحوالنا، (فزدنا) أي: من نعمك بلطفك وكرمك. (مو مص) أي رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول سعيد بن جبير (٣)، أحد كبار التابعين. (ويدعو لأهل الطعام: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، فاغفر) وفي نسخة: "واغفر" (لهم، وارحمهم. م، ت، س، مص) أي: رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن بُسْر (٤) بضم الموحدة وإسكان

стр. 844

السين المهملة، وهو صحابي معروف. (اللهم أطعم) أي: ارزق (من أطعمني) أي: من تسبب لإطعامي، (واسق) بهمز وصل، ويجوز قطعه، لكن الأول أنسب بقوله: (من سقاني. م) أي: رواه مسلم عن المقداد بن الأسود الكندي (١).

стр. 845

ما يقال في اللباس (وإذا لَبِسَ شيئًا) أي: من الثياب، وهو بكسر الموحدة في الماضي وبفتحها في المضارع، ومصدره اللُّبس بضم فسكون. وأما لَبَسَ يَلْبِسُ بعكس ما ذكر فهو من اللَّبْس، بفتح فسكون، بمعنى الخلط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، وإنما بينته لأن كثيرًا من الطَّلَبة تشتبه عليهم القضية. (قال: اللهم إني أسألك من خيره) أي: خير هذا الشيء الملبوس نفسه بأن يكون مباحًا ولا يكون في تحصيله شبهة، (وخير ما هو له) أي: مصنوع ومخلوق له من قصد ستر العورة، ودفع الحر والبرد من غير الخيلاء والفخرة. (وأعوذ بك من شره وشر ما هو له. ي) أي: رواه ابن السني عن عمر ﵁، وفي بعض النسخ: "عن أبي سعيد الخدري" (١). (وإن كان) أي: الملبوس، (جديدًا) ولفظ الترمذي في "الشمائل" (٢): "إذا استجد ثوبًا"، أي: لبس ثوبًا جديدًا، (سماه باسمه) أي: المعين
следующие страницы →